وقد جاء في مقال [دعاة التفرق والمفارقة "مضمن وثيقة خطيرة"] للأخ الشيخ أحمد بن يحيى الزهراني وفقه الله تعالى، وثيقة مكتوبة من قبل المأربي إلى الشباب السلفي في بريطانيا، يدعوهم فيها إلى الرجوع إلى الحلبي والهلالي حصرًا في حل النزاعات بينهم.
وأنقل للقارئ بعض كلام المأربي المذكور في الوثيقة:
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فقد اطلعتُ على أسباب النزاع بين الأخوة السلفيين في بريطانيا، وجالست الفريقين جمعًا وتفريقًا، وسمعتُ من كل طرف ما يجده على الآخر، وسمعتُ جواب الطرفين في ذلك، وتلخص لي من مجموع ذلك:
أنَّ الجميع غيور على نصرة الحق، والدفاع عن هذه الدعوة المباركة، ولا أزكيهم جميعًا على الله ، لكن قد يحدث سوء فهم لبعض الأمور، أو خطأ من اجتهاد عند تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد، وعلى كل حال فمثل هذا الخلاف لا يسوّغ الفرقة والتناحر، لا سيما بأنَّ الجميع فعل ما فعل ظآنًا أنَّ ذلك من سنة رسول الله ج، وإن كان هناك ما يخالف ذلك إجماعًا!".
ثم لخص الحكم في عدة أمور فقال:
"يُلزم الجميع الوفاء بالشرط الذي تم بينهما بواسطة الشيخ على الحلبي والشيخ سليم الهلالي حفظهما الله وسدد أمرهما على الهدى، فإنَّ المؤمنين على شروطهم الجائزة شرعًا".
"يلزم الجميع أن يرجعوا أمورهم إذا اختلفوا للشيخين علي بن حسن الحلبي وسليم بن عيد الهلالي حفظهما الله تعالى، لأنهما أخبر مَنْ عرفتُ بالدعوة في هذه البلد وبحال أهلها".
"لا يذهب أحد من الفريقين إلى عالم آخر يجهل الحال هنا، أو لا يحيط بكلا الشيخين المذكورين؛ فيسأله ويأخذ فتواه ويثير بها الفتنة بين إخوانه، إنما الرجوع لعلماء آخرين يكون من قبل الشيخين المذكورين حفظهما الله".
"الأمور الإدارية في المساجد تبقى كما هي، إلا أن يرى الشيخان فساد أي إدارة، فلهما الحق في تغييرها بعد نصحها، وبذل ما يمكن في إصلاح شأنها".
"يفرّق بين المسائل الإدارية الخاصة بكل مسجد أو جهة ما وبين المسائل العلمية والدعوية المنهجية، ففي المسائل الإدارية: لكل جهة أن تتخذ من جهتها ما يصلح لهم، من غير أن يتعارض مع الشرع. وأما المسائل العلمية المنهجية فيرجع فيها للشيخين حفظهما الله".
"التدريس من السلفي في مساجد المخالفين راجع لفهم السياسة الشرعية في تقدير المصالح والمفاسد في الحال والمآل، وهذا يرجع للشيخين فقط، فإن أقرّا شيئًا من ذلك وإلا فلا، ويلزم الجميع التسليم بما قالاه، وعدم فتح المجال لمن دب ودرج"
"توحّد المؤتمرات الدعوية السنوية أو غيرها في بريطانيا، ويكون اختيار المشايخ المشاركين بعدة استشارة الشيخين، والعمل وترتيب وغير ذلك يكون من قبل الجميع مع المودة والرحمة، إلا إن رأى الشيخان في ذلك شيئًا، فهما أعرف بالمصلحة في اشتراك فلان في ترتيب العمل"
"تصنيف الناس -لاسيما العاملين معنا في هذه الدعوة- ليس المجال فيه مفتوحًا لكل أحد، إنما هو للشيخين، فليتشاور معهما، ولا يحدث بلبلة بين المسلمين السلفيين، حسمًا لمادة النزاع، وسدًا لذريعة الشر بين السلفيين، في بلد لا يخفى حاله على أحد، لاسيما الأهلية للجرح والتعديل لم أجد من يصلح لها".
"مساعدة الدعوة بدون شرط مخالف على الدعاة، لا يجوز لأحد أن يشنِّع على من قبلها، إلا إذا كانت ستؤول بمفسدة، وتقدير هذه المفسدة راجع للشيخين، لا لكل أحد".
"من أخذ بنصيحة الشيخين في هجر شخص أو ...عليه، فلا يُنكر عليه الأخوين، بل يؤازرونه على عمله، ..أنه صادر بالشرط السابق".
"الدعوة السلفية في بريطانيا دعوة الجميع، ولا يقال إنَّ المسجد الفلاني السلفي فقط، ومن لم يأت إليه فليس بسلفي، ومن قال ذلك فهو مفرق للصف، إنما هذه الفتوى تكون من الشيخين".
"لا يُدعى أحد من المخالفين للمؤاخذات أو نحوها في المساجد السلفية، وإن وقع شيء من ذلك ومن... أو رضي بوجوده، فينظر من باب المصلحة والمفسدة، وعند الاختلاف يرجع للشيخين ويعمل بنصيحتهما، وكذا لا يوزع السلفيون منشورات المخالفين، ويرجع لنفس التفصيل السابق".
"الرجوع لاجتهاد العالم الخبير بالواقع والدليل الشرعي، وترك اجتهاد من ليسوا كذلك لاجتهاد ذاك العالم، ولا يسمى هذا تقليدًا مذمومًا كما لا يخفى على أهل الشأن في ذلك".
"لا يجوز الطعن في نيات أخواننا، ولا يُتهم أحد منهم بجاسوسية أو غير ذلك، إلا بعد الرجوع للشيخين".
ثم وصل المأربي إلى خاتمة الوثيقة فقال:
"مَنْ خالف ما في هذا الحكم، فهو مخالف لما أراه يُقرِّب الأخوة في بريطانيا إلى الله ويجمع شملهم، وعلى ذلك: فيرفع إلى الشيخين، ليتخذوا ما يصلح شرعًا في حقه، ولو أدّى ذلك إلى إصدار فتوى بهجره وعدم الالتفات إليه من جميع السلفيين في هذا البلد، لأنَّ دعوتنا لا ترتبط بالأشخاص، ويجوز أن تسير دعوتنا بدون فلان أو فلان، وكما قالوا آخر الدواء الكي، وإذا أفتى الشيخان بشيء من ذلك؛ فمن له صلة من أهل العلم بالدعوة هنا يمكن أن يساعدهما ويؤيد كلامهما، لأنَّ فتواهما يعمل بها من باب العمل بخبر العدل!، كما هو معلوم عند أهل السنة". أبو الحسن المأربي/ دار الحديث بمأرب 20/ 5 / 1420هـ.
وقد قال الشيخ عبيد الجابري حفظه الله تعالى بتاريخ 29 من ذي الحجة 1422هـ: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ من عبيد بن عبد الله بن سليمان الجابري إلى الإخوة في المكتبة السّلفية في برمنجهام وجميع الإخوة في بريطانيا حفظهم الله وسدّد أقوالهم و أعمالهم، آمين .
السّلام عليكم و رحمة الله و بركاته؛ أمّا بعد:
فقد اطّلعتُ على نسخةٍ من حكم أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السّليماني المصري ثمّ المأربي الّذي أصدره في قضايا سلفية دائرة بينكم، وبعد تأمّل ذلك الحكم المؤلّف من سبعة وعشرين بندًا، وجدتُ في طيّاته الدّعوة إلى نوعٍ من التحزّب في لباس السّلفية، والسّلفية منه بريئة.
وذلك من خلال نصّه الصّريح على ربط السّلفيين في بريطانيا بالشّيخين علي الحلبي وسليم الهلالي في أربعة عشر موضعًا، خلاصتها: أنّ المرجع في أمور السّلفيين هو الشّيخان فقط، وأنّ البقيّة من أهل العلم إمّا لا مكان لهم في قضاياكم أو هم تبع لهما، وهذا هو غاية الجور والتّحزب وتأسيس الفُرقة بما ليس له نظير فيما نعلم من تاريخ الدّعوة السّلفية.
ولذا فإني أرى تلك الوثيقة ملغية، ولا يجوز العمل بها، وعليكم بالرّجوع عند الاختلاف بينكم إلى أهل العلم سواء في ذلك الشيخان علي الحلبي وسليم الهلالي وغيرهما من أهل العلم والفضل، والله الموفق، والهادي إلى مراشد الأمور، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
أقول: فمَنْ الذي أشعل الفتنة وفرَّق السلفيين حتى في بلاد الكفر؟!
ومَنْ الذي يلزم السلفيين بأقوال بعض الناس دون الآخرين؟!
ومَنْ الذي شرع في تسقيط العلماء الكبار وتنفير الشباب من حولهم؟!
قلتُ:
ولا يُمكن أن يجعل المأربي صاحبيه الحلبي والهلالي مرجعًا للشباب السلفي في حل النزاعات بينهم؛ وهما لا يعرفان بذلك!، أو لا يقبلان به، لا شك أنَّ بينهما اتفاقًا مسبقًا في ذلك!!، والله المستعان.
الحلبي وأحوال العراق بعد الاحتلال:
ثم وقعت فتنة غزو العراق؛ وانشغل الناس بها فترة، فجاءت فتوى الشيخ ربيع حفظه الله تعالى إلى أهل العراق بترك القتال لعدم الكفاءة وعدم حصول العدة الإيمانية والعسكرية؛ وبخاصة أنَّ قيادة الجيش كانت بيد نظام البعث، وفي وقتها وصلت إلى أهل العراق من طريق الإخوة الثقات أنَّ الحلبي يجيز العمليات ضد قوات الاحتلال في المناطق النائية البعيدة عن السكان!!، فانقسم الشباب السلفي في العراق إلى فريقين بسبب ذلك، ثم ظهر للجميع فساد فتوى الحلبي وما جرَّت إليه من عواقب وفتنة.
ولما جاءت فتوى باقي كبار أهل العلم في التحذير من الجهاد في العراق وأنه مهلكة، تغير الحلبي وصار يقول كما في شريط مسجَّل بصوته عبر الهاتف، قمتُ بتفريغه: "أحوال العراق وما يجري فيها إنَّما يضبطها اجتماع ثلاثة أصناف من الناس؛ الصنف الأول: العالم بالفقه الشرعي. الصنف الثاني: العارف بالسياسة والتدبير. والصنف الثالث: العارف بالعسكرية والقوة. فهؤلاء إذا رأوا رأيًا في أحوال العراق فرأيهم نافذ بشرط أن يكون ثمة اتفاق بينهم لا اختلاف؛ يعني: اثنان [متفقان] وواحد [مخالِف]، لا ما أرى ذلك إلزام؛ وإنَّما لابدَّ من الثلاثة معًا؛ ثم أنا أُعقِّب على هذا التأصيل العلمي فأقول: كلُّ مَنْ فهم مني أو نقل عني خلاف ذلك: فهو إما مخطئ أو أنا مخطئ. سمعتَ أم أعيد؟ بلغها مَنْ ورائك".
فكانت هذه الفتوى مع أنها فضفاضة تحتمل أكثر من وجه!، وممكن أن تستعمل من كلا الفريقين، لكنها أفضل من فتواه الأولى، لأنَّ اتفاق الثلاثة كأنه في ذلك الوقت أمر مستبعد.
ثم ظهر في الساحة الدعوية في العراق بعد سقوط بغداد الكلام في الجمعيات والتعامل معها، وذلك لما استقر الحال في العراق في أول السقوط فدخلت عدة جمعيات إلى العراق لاستقطاب الشباب وتنظيمهم، وكان الذي يصل إلى أهل العراق من قبل الشيخ ربيع حفظه الله تعالى حازمًا ومحكمًا في الحذر منها والتحذير، بينما كان الأمر فيما يصلهم من قبل القائمين على مركز الإمام الألباني محتملًا بعبارات مجملة، ومن هنا صار يظهر لنا رسوخ العالم من غيره.
تنفس الحلبي في فتنة فالح الحربي:
ثم عاد الكلام في التعامل مع المخالفين، وكان الحلبي ينتقد ويعرِّض بين الحين والآخر بمنهج أهل العلم السلفيين في بلاد الحرمين ويقصد بهم النجمي وعبيدًا الجابري وربيعًا المدخلي وزيدًا المدخلي وصالحًا السحيمي وغيرهم.
وزادت انتقادات الحلبي بعد تغير فالح الحربي وفوزي البحريني وفاروق الغيثي وغيرهم وسلوكهما طريق الحدادية؛ حتى صاروا رؤوسًا لطائفة من الشباب معهم.
فلما توجَّه الشيخ ربيع وإخوانه من أهل العلم وطلابهم في الرد على الحدادية الغلاة؛ تنفَّس الحلبي وأعلن منهجه الجديد في محاربة الغلو والتجريح والتبديع كما يزعم!، وكأنه يريد فالحًا الحربي وأنصاره، أي: موافقًا للشيخ ربيع وإخوانه وطلابه في حملتهم ضد الغلو في التبديع والهجر، هكذا كان ظاهره!.
وبخاصة أنَّ من أول أسباب المشكلة بين فالح الحربي والشيخ ربيع كانت في موقف الشيخ ربيع من الحلبي وأصحابه، وقد قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في نصيحته لفالح الحربي: "إذا جُرح شخصٌ اشتُهر بين الناس أنه سلفي وهو يدعيها - ما هو عن إنسان اشتهر مثلًا بالرفض أو التصوف والقبورية أو الحزبية أو عن تدريس كتاب يتحدث عن الفرق الضالة أو عن محاضرة يلقيها عالم يتحدث عن هذه الفرق -، لو جئت يا أخي أي عالم من علماء السنة مثل: ابن باز أو الألباني أو ابن عثيمين أو الفوزان، بالطعن في أحد تلاميذه الذين يعتقد فيهم أنهم من أهل السنة السلفيين، ويعتقد أنهم يحاربون البدع وأهلها، لو بدعت واحدًا من تلاميذه أو جماعة أيسلم لك هذه القاعدة التي تفرق بها بين الكلام في باب الرواية والكلام في باب التبديع؟!. وهل يوافقك هؤلاء العلماء: أنَّ قاعدة بيان أسباب الجرح عند تعارض الجرح والتعديل أو عند الحاجة إلى بيان الأسباب أنها قاعدة باطلة؟! وهل يوافقونك على: أنَّ من قال بهذه القاعدة قد أضل الناس بها؟!".
فكان الشيخ ربيع -في ذلك الوقت- يرفض تبديع الحلبي وأصحابه وينصح بمناصحتهم وعدم الخوض في الكلام فيهم، وهذا ما أغضب الحربي وجنَّ جنونه، فأعلن فالح وزمرته حربًا على السلفيين ووصفوهم بأقبح الأوصاف ولم يتورعوا من الطعن بكبار العلماء، وكانت فتنته من أشد الفتن في هذا العصر، ثم ظهرت لهم بعد أصول محدثة تخالف منهج السلف الصالح فسقطوا من أعين السلفيين ولا كرامة.
موقف الحلبي بعد رسالة "رفقًا أهل السنة بأهل السنة":
ومما زاد الحلبي فتنة أنَّ الشيخ عبدالمحسن العباد حفظه الله تعالى كتب رسالة يحذِّر فيها من فتنة التبديع والهجر بغير حق في هذا الزمان، وهي بعنوان [رفقًا أهل السنة بأهل السنة]، وكان أصل الرد فيها على الحدادية أتباع فالح الحربي؛ الذي أشعل فتنة التبديع والهجر بغير حق.
وهذا ما صرَّح به الشيخ العباد حفظه الله تعالى كما في [كتاب ورسائل عبدالمحسن بن حمد العباد البدر"طبعة دار التوحيد للنشر" المجلد السادس من ص 320 إلى ص325] حيث قال: "وقريبٌ من بدعة امتحان الناس بالأشخاص؛ ما حصل في هذا الزمان من افتتان فئة قليلة من أهل السنة بتجريح بعض إخوانهم من أهل السنة وتبديعهم، وما ترتَّب على ذلك من هجر وتقاطع بينهم وقطع لطريق الإفادة منهم، وذلك التجريح والتبديع منه ما يكون مبنيًا على ظنِّ ما ليس ببدعة بدعة!، ومن ذلك أيضًا حصول التحذير من حضور دروس شخص؛ لأنَّه لا يتكلَّم في فلان الفلاني أو الجماعة الفلانية، وقد تولَّى كبر ذلك شخص من تلاميذي بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، تخرَّج منها عام "1395 - 1396هـ"، وكان ترتيبه الرابع بعد المائة من دفعته البالغ عددهم "119" خرِّيجًا!، وهو غير معروف بالاشتغال بالعلم، ولا أعرف له دروسًا علمية مسجلة، ولا مؤلَفًا في العلم صغيرًا ولا كبيرًا، وجلّ بضاعته التجريح والتبديع والتحذير من كثيرين من أهل السنَّة، لا يبلغ هذا الجارحُ كعبَ بعض مَنْ جرحهم لكثرة نفعهم في دروسهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم، ولا ينتهي العجب إذا سمع عاقل شريطًا له يحوي تسجيلًا لمكالمة هاتفية طويلة بين المدينة والجزائر، أكل فيها المسئول لحومَ كثير من أهل السنة، وأضاع فيها السائل مالَه بغير حقٍّ، وقد زاد عدد المسئول عنهم في هذا الشريط على ثلاثين شخصًا، فيهم الوزير والكبير والصغير!!، وفيهم فئة قليلة غير مأسوف عليهم!، وقد نجا مِن هذا الشريط مَنْ لم يُسأل عنه فيه، وبعض الذين نجوا منه لم ينجوا من أشرطة أخرى له، حوتها شبكة المعلومات الإنترنت".
أقول: ومعلوم عند الجميع أنَّ هذا التلميذ المشار إليه في كلام الشيخ العباد حفظه الله تعالى هو فالح الحربي.
لكن ماذا صنع المأربي وأنصاره ومَنْ تأثر به؟
جعلوا رسالة الشيخ العباد [رفقًا أهل السنة بأهل السنة] حصنًا حصينًا يتستر خلفه كل مَنْ ينتسب لأهل السنة اسماً ولو كانت عنده قواعد مخالفة لمنهج السلف الصالح، بل ولو صدرت عنه عدة انحرافات منهجية، وكذلك ردوا بهذه الرسالة كل تجريح وتحذير وهجر ولو كان المخالِف يستحق ذلك بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة!.
فنقول لهم:
لو كان ذلك هو مقصد الشيخ العباد حفظه الله تعالى لما جرح هو عدنان عرعور وحذَّر منه ونهى عن مجالسته وحضور دروسه كما تقدَّم النقل عنه، والعرعور عندكم من أهل السنة؟!
فأين الرفق به من قبل أهل السنة؟
إما أن تقولوا: أنَّ الشيخ العباد خالف نصيحته ولم يلتزم بها؛ فجرَّح وحذَّر من أهل السنة ولم يرفق بهم!
وإما أن تقولوا: أنَّ الشيخ العباد أراد في رسالته التبديع والهجر والتحذير بغير حق؛ وهذا هو الحق الذي لا محيص عنه.
قلتُ:
ولي رسالة منشورة في مواقع الانترنت ذكرتُ فيها عدة وقفات على مَنْ يستدل برسالة الشيخ العباد ويرد بها على التحذير والتجريح القائم على العلم والحق، وهي بعنوان [الإرشاد في كشف المبطلين الذين يستترون خلف رسالة الشيخ العباد] لمن أراد مزيدًا من التفصيل؛ والله الموفِّق.
ثم ليعلم جميع مَنْ تستَّر خلف رسالة الشيخ العباد حفظه الله تعالى، أنَّ الشيخ العباد قد صرَّح بنفسه إلى أخيه الشيخ ربيع - كما في جلسة الفلسطينين مع الشيخ ربيع - أنه لا يقرأ؛ أي لا يقرأ ردود هؤلاء في هؤلاء، ولا ردود هؤلاء في هؤلاء، بل الشيخ العباد يعد ذلك من الانشغال عن العلم وضياع الوقت!، وهو نفسه القائل: "على كلِّ طالب علم ناصح لنفسه أن يُعرضَ عن متابعة ما يُنشر في شبكة المعلومات الانترنت، عمَّا يقوله هؤلاء في هؤلاء!، وهؤلاء في هؤلاء!".
ولما عقَّب على رسالته الشيخُ أحمد النجمي : في نصيحة نافعة قيمة مدوَّنة في كتابه [الفتاوى الجلية عن المناهج الدعوية/ الطبعة الثانية 1/220-235]، لم يطلع الشيخ العباد على تعقباته هذه!، بل لم يعلم وجودها إلا بعد وفاة الشيخ أحمد النجمي!!، وفي هذا برهان واضح أنه حفظه الله تعالى لا يقرأ ما كُتِبَ في هذه النزاعات.
فقد قال الشيخ العباد حفظه الله تعالى في مقال له بعنوان [كلمة توضيح حول نصيحة الشيخ النَّجمي وبيان الشيخ النُّجيمي]: "أما الشيخ أحمد النجمي المتوفى في العام الماضي / فقد كتبَ لي نصيحة على إثر صدور رسالتي "رفقًا أهل السنة بأهل السنة" في عام 1424هـ، ولم تصل إليَّ هذه النصيحة من قبل!!، وما علمتُ بها!!، إلا بعد نشرها من بعض الناس إثر نشر كلمتي "ومرة أخرى: رفقًا أهل السنة بأهل السنة" في 16/1/1432هـ، فكانت مناسبة لتجدد ذكره وتجديد الدعاء له / وغفر له وتجاوز عنا وعنه وأسكنه فسيح جناته وشملنا بعفوه ومغفرته إذا صرنا إلى ما صار إليه...".
قلتُ:
وما أحسن جواب فضيلة الشيخ عبيد الجابري حفظه الله تعالى لما سُئل عن رسالة الشيخ العباد [رفقًا أهل السنة بأهل السنة] فقال: "أقول: مَنْ عَلِمَ حجة على مَنْ لم يعلم؛ فمن تكلَّم في أبي الحسن تكلَّم بناء على أدلة وبينات واضحة مثل الشمس في رابعة النهار، وصريحة في نقد أقواله وأعماله. هذه القاعدة؛ فمن جرح أبا الحسن أو غيره بدليل وأقام الدليل على جرحه فالواجب عليه التسليم له وإلا كنا أصحاب أهواء!. وذلك العالم الذي لم يقف على ما وقف عليه الجارحون هذا لا يضره!؛ ولكن نحن لا نتابع ذلك العالم!. وأنا أتكلَّم بصفة عامة لا نتابع ذلك العالم الذي جهل حال المجروح و الأمثلة كثيرة جدًا فمن أمثلة القدامى: كان الشافعي: يوثق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ويزكيه، ولكن العلماء من قبل الشافعي ومن بعده وقفوا على جرح للرجل وأنه ليس بثقة كما يقول الشافعي، فتوثيق الشافعي هذا لإبراهيم ابن أبي يحيى هذا لم ينفعه، ولم يضر الشافعي أهل العلم المحققون على جرح الجارحين.
وخذ مثالًا آخر من الأمثلة المعاصرة: فنحن وغيرنا نرد على سفر وسلمان وغيره من أساطين فقه الواقع وننقد أقوالهم ونكشف عوارها ونبين انحرافها بالدليل، وسماحة الوالد الإمام الأثري العلامة الفقيه المجتهد الشيخ عبدالعزيز بن باز : وسماحة الإمام العلامة الفقيه المحقق المدقق المجتهد الشيخ محمد بن صالح العثيمين:وغيره من مشايخنا هيئة كبار العلماء لم يتكلموا بشيء، بعد نحو أربع سنوات أو خمس سنوات أو ما يقارب هذا صدر قرار من هيئة كبار العلماء بإدانة القوم، قرار خول لولي الأمر إيقافهم، لأنهم وقفوا على أخطائهم وتجاوزاتهم.
ومثال آخر خذه أيضًا: الإمام محدث العصر الشيخ الألباني : كان يثني على سفر وسلمان وغيرهما ويزكيهم هما وغيرهما، لكن بعد حوالي ست سنوات أو سبع تبين له ما كان خافيًا عليه من قبل، فقال قبل موته بسنه: يظهر إننا تعجلنا، وأنَّ أهل المدينة هم أحرى بالقول، فهمت بارك الله فيك، انشر هذه المكالمة على شباب الإمارات، وبلغهم مني السلام، مَنْ قَبِل كان ومَنْ لم يقبل ماذا نصنع به؟!".
أقول:
وقد بيِّن الشيخ صالح السحيمي وهو من خواص الشيخ العباد حفظهما الله تعالى، أنَّ أبا الحسن المأربي عنده أساليب ماكرة، ويستعمل عدة كذبات في نصرة باطله، وبسبب ذلك خفي أمره على بعض المشايخ الكبار!!، فلا يُنكر عليهم عدم تبديعه، ولا يُلزموا بذلك، وكذا لا يحتج بهم على عدم التبديع، وذلك في جلسة مسجَّلة نشرها بغير إذنه أبو الأشبال الجنيدي أحد كتاب "منتديات كل السلفيين" البارزين فيه!؛ قال فيها الشيخ السحيمي حفظه الله تعالى في أول كلامه على أبي الحسن المأربي: "وما زلتُ أنا أُردِّد كلامي هذا: الذي اتَّضح له أمرُه؛ هو غير معذور!!. الذي ما زال ملبَّسًا عليه بشأنه؛ هذا لا نقاطعه من أجل موقفه من أبي الحسَن -وإنْ كنا نعتقد إنه مبتدع -؛ لكن مع هذا كلِّه: لا أمتحن النَّاس به، فيه مشايخ كبار ما هو متَّضح لهم أمر أبي الحسن!، أروح أقاطع مشايخي من أجل أبي الفتن هذا؟!
هل يجوز أن أقاطعهم؟!
فلان اتَّضح له أمرُه، وفلان ما اتَّضح له أمره، أخي ما اتَّضح له الأمر -وأنا أعرف أنه على منهج سلفي قوي -، الاختلاف على الشخص هذا لا يَنبغي أن يتحوَّل إلى صراع وتبديع وتفسيقٍ وإخراجٍ من السَّلفيَّة؛ هذا الذي ندين الله به".
وقال أيضًا: "ولكني أنا أبدِّعه وما زلتُ أبدعه!؛ ليش؟ لأنني متَّضح لي أمرُه، واتَّضح لي كذبُه، يكذب عشرين مرة في اللحظة الواحدة!، ولا يستحي مِن الكذب!، وإذا جاء المشايخ الكبار يتملَّق!؛ هذا عارفينه، الأساليب هذه عرفناها من زمان مِنه ومن أمثاله!، لكن يكفي أنه في اليوم الثاني كذب علينا عدة مرات!؛ شفت كيف؟!".
ثم قال في نفس الجلسة: "أخي الذي لم يتَّضح له أمر زيدٍ من النَّاس لا ألزمه؛ اللهم إلا شخص أصبح واضحًا للعيان، أصبح واضحًا أمره للعيان".
قلتُ:
ومشايخ السلفيين لم يلزموا في هذا الزمان أحدًا لم يتضح له أمر مبتدع بتبديعه؛ لا المأربي ولا غيره!، وإنما لا يعذرون من اتضح له أمره وحاله ولا زال يدافع عنه ويجادل، لأنَّ هذا الجدال عن أهل البدع هو في باب نصرة الباطل الذي هم عليه، ولهذا لما سُئل الشيخ صالح السحيمي حفظه الله تعالى في [شريط مسجَّل] السؤال الآتي: بحكم معرفتكم الطويلة بالشيخ ربيع حفظه الله تعالى؛ هل تعرفون عنه أنه يلزم الناس على الأخذ بقوله وأحكامه!، وأنه يضلل ويبدع كل مَنْ لم يأخذ بقوله وأحكامه؟!
فكان جوابه: "هذا القول غير صحيح!، ولم نعرف عن الشيخ وفقه الله أنه يلزم الناس بأقواله وآرائه!!، ولكنه يُفصِّل في المنهج السلفي، ويرد على الحزبيين ردودًا مباركة وموفَّقة، ما عليها من بأس".
بل هذا الشيخ عبيد الجابري حفظه الله تعالى - وهو ممن اتهمه المبطلون بالإلزام في تبديع المبتدعة الذين لم يتضح أمرهم - سُئل في [شريط مسجَّل] السؤال الآتي: هل الشيخ ربيع يـُلزِم بقوله فيُبدِّع ويشنِّع على مَنْ لم يلتزم بأقواله في الحكم على الرجال؟!
فقال حفظه الله تعالى: "بسم الله، والحمد لله وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين: أنا عرفتُ الشيخ ربيع - حفظه الله وسـدد أقوالنا وأقوالـه وأعمالنا وأعماله - منذ أكثر من ثلاثين سنة, وما عرفتُ أنه يحكم حكمًا إلا ويستدل عليه من الكتاب والسنة والإجماع؛ فيما فيه إجماع, هذا في الأحكام عامة.
وفي الجرح والتعديل؛ يَجرح الرجل إذا ثبت عنده جرح, وهذا اعني ثبوت جرح المجروح له عندنا ثلاثة مصادر:
المصدر الأول: التسجيل المأمون من جهة موثوقة عندنا معروفة بالصدق والأمانة.
الثاني: نقل الثقات العدول.
الثالث: كتب الرجل أو مقالاته, وقد سلك هذا المسلك الشيخ ربيع حفظه الله حينما كتب عن سوءة سيد ابن قطب المصري المفكر الضال المضل، وبين ضلاله بما سجله وسطره في كتبه.
ما علمتُ حتى الساعة أنَّ الشيخ ربيعًا حفظه الله يقول: مَنْ لم يقل بقولي فهو مبتدع!!، أبدًاً، وإنما هذه فرية افتراها عليه المتحزبة المتحذلقة أهل الهوى؛ لأنَّ الشيخ حفظه الله حطم رموزهم، وكشف أستارها، وبيَّن ضلالها. وهكذا كل صاحب هوى يُلحِق بأهل السنة ويلُصِق بهم ما ليس فيهم!!، بل هم بُرءاء منه براءة الذئب من دم يوسف -عليه الصلاة و السلام-.
أقول:
وصار علي الحلبي من اليوم الذي صدرت فيه رسالة الشيخ العباد آنفة الذكر، يميل إلى الشيخ العباد حفظه الله تعالى في تقرير الخلاف مع المأربي!، والحلبي يعرف أنَّ تأصيلات المأربي تخالف ما عليه الشيخ العباد حفظه الله تعالى؛ لكنه التحزب الجديد مع المأربي ضد الشيخ ربيع والسلفيين.
والعجيب أنَّ الحلبي كتب مقالًا في مجلة الأصالة العدد "42" بعنوان [كلمة تساوي ألفًا]، أثنى فيها على رسالة الشيخ العباد أيما ثناء، دون تفصيل ولا ملاحظات!، ويظهر أنه تعجَّل في ذلك، ومراده تقوية ظهره بهذه الرسالة في حربه المزعومة ضد الغلو والتجريح!.
لكنه لما اطَّلع -أو أُطلِعَ على بعض المواضع - على الرسالة جيدًا، ووجد فيها بعض الثغرات عاد في العدد الذي بعده "43"، ليذكر عدة ملاحظات على رسالة الشيخ العباد حفظه الله تعالى!!.
والسبب الرئيسي في ظني: أنَّ الشيخ العباد حفظه الله تعالى جعل اللجنة الدائمة هي المرجع في تقييم الدعاة جرحًا وتعديلًا.
فقد قال في رسالته [رفقاً أهل السنة بأهل السنة]: "عند سؤال طلبة العلم عن حال أشخاص من المشتغلين بالعلم، ينبغي رجوعهم إلى رئاسة الإفتاء بالرياض للسؤال عنهم، وهل يُرجع إليهم في الفتوى وأخذ العلم عنهم أو لا؟. ومَن كان عنده علم بأحوال أشخاص معيَّنين يُمكنه أن يكتب إلى رئاسة الإفتاء ببيان ما يعلمه عنهم للنظر في ذلك، وليكون صدور التجريح والتحذير إذا صدر يكون من جهة يُعتمد عليها في الفتوى، وفي بيان مَنْ يؤخذ عنه العلم ويُرجع إليه في الفتوى، ولا شكَّ أنَّ الجهة التي يُرجع إليها للإفتاء في المسائل هي التي ينبغي الرجوع إليها في معرفة مَن يُستفتى ويُؤخذ عنه العلم، وألاَّ يجعل أحدٌ نفسه مرجعًا في مثل هذه المهمَّات؛ فإنَّ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وقال في موضع آخر: "إذا كان الخطأ الذي رد عليه فيه غير واضح، بل هو من الأمور التي يحتمل أن يكون الرادُّ فيها مصيبًا أو مخطئًا، فينبغي الرجوع إلى رئاسة الإفتاء للفصل في ذلك، وأمَّا إذا كان الخطأ واضحًا، فعلى المردود عليه أن يرجع عنه؛ فإنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل".
قلتُ:
وهذا ما لا يرتضيه الحلبي قطعًا!؛ لأنَّ اللجنة الدائمة هي التي جرحته وحكمت عليه بالإرجاء!.
ولهذا كرَّ الحلبي على الرسالة في العدد الذي بعده، فأثنى عليها في سطر واحد تقريبًا ثناءً مجملًا!!، ثم شرع في ذكر الانتقادات أو الملاحظات.
فقد جاء في العدد "43" من مجلة الأصالة التابعة لمركز الإمام الألباني :
"كَتَبَتِ "الأَصالةُ" مشكورةً في "مسك خِتام" عددها الماضي كَلمةً حَسنةً حولَ كتابِ "رِفْقًا أهلَ السُّنَّة بأهل السُّنَّة" لسماحةِ أستاذنا العلامة المحدِّث الشيخ عبدالمحسن بن حَمد العبَّاد البَدْر نَسَبًا ووصفًا جزاه اللهُ خَيْرَ الجزاء: تُثني عليه، وتمدحُهُ - وهو أهلٌ لذلك بحقٍّ -؛ فكانت كلمةً - بجُملتها! - نافعةً للقُراء، ومفيدةً للألبّاء.
وَلمّا كان كُلُّ كلامٍ - سوى كلامِ الكمالِ والعصمة - مُعَرَّضًا للنقص والنقد - رأيتُ لزامًا كتابةَ كلمةٍ أخرى تكون تكميلًا لكلمة "الأصالة"؛ التي هي مِنّا وإلينا ولله الحمد؛ فأقول:
أولًا: إنَّ هـذا الكـتاب النافعَ معدودٌ - ولابُدَّ - في جُملة "النصيحة الشرعية"؛ من عالمٍ جليلٍ كبير؛ يتنَزَّه - بجميل علمهِ وكِبَرِ قَدْرِه - عن أغراض النّفوس، وأمراض القلوب؛ ولا نُزَكّيه على الله؛ فهو منه في حيِّز الاجتهاد والثواب لا غير.
ثانيًا: استغلالُ بعض أهل الشبهاتِ الكتابَ ومضمونه لتصفية حسابات معينة "مِن = إلى"، أو نَحو مقاصد خاصّة: أسلوبٌ مرفوضٌ؛ يجبُ الترفُّع عنه مِن كُلِّ منصفٍ نفسَه؛ ليضع الكتابَ في مكانِه الأساس: أصلًا لا فرعًا، وقاعدةً لا فصلًا.
ثالثًا: الكتاب كسائر الكتب عُرْضةٌ للردِّ؛ فما مِنّا إلا رادٌّ ومردود عليه؛ إلا النبي ج. وأهل السنّة يقدّرون علماءَهم، ولا يقَدِّسونهم.
رابعًا: ظهر لي - بعد تأمُّل - شيءٌ مِن الملاحظات على مُجْمَل الكتابِ - وبعضُها تكميليٌّ - بل قد أُخالَفُ في أشياءَ منها؛ وهي:
1. لزوم وجود كلمة تأصيلية في أهميّة "الرد على المخالِف"؛ ولو كان من أهل السنة. نعم؛ بالشرط المعتبر - علمًا وأدبًا - ؛ ليكون مُغْلِقًا على المقصّرين طريقَهم الباطلَ المبنيَّ على التهاون في الحقّ، والتّساهل في معاملة الخَلْق. وليكون -في الوقت نفسِه - واجهةَ حقٍّ تَسُدُّ على الغُلاة تَفَلُّتهم الكبير في تلقُّط الأخطاء، وتصيُّد العَثَرات.
2. ذِكر "أهل السُّنّة" - هكذا!! بالعموم -جَعَلَ بعضَ الحِزبيِّين - مِن الإخوانيِّين، والسُّروريِّين، والتبليغيِّين -يدُسُّون أنوفَهم، ويحشُرون أنفسهم ضِمْنَ عنوان الشيخ!!، وهم -يَقينًا- ليسوا ضِمْنَ مُراده بارك الله فيه.
فلو كان العنوان -مثلًا -: "رفقًا دعاةَ منهج السّلف بأنفسكم": لكان هذا مِن العناوين الدّالة -تمامًا- على المضامين، وقطعًا لطرائق أولئك الخالفين المخالفين - غُلاةً ومميِّعين -!.
3. "الجرح والتعديل" علمٌ منضبط دقيق، فيه ثبات أهل السُّنَّة؛ وقوّةُ منهجهم، والنقضُ على مخالفهم، وقد قيل قديمًا: " لولا حملة المحابر، وأصحاب الدفاتر: لخَطَبَتِ الزنادقة على المنابر". فَذِكر أيِّ كلامٍ يُشْعِر بالتقليل مِن قدره -ولو بغير قصد! - ينبغي أن يُغَيَّر إلى سواه، ويُنْقَل إلى ضدِّه ونقيضهِ؛ ممّا يتضمّن تحقيق مهمة "عُدُول الأمة" ممّن ينفون عن العلم: "تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"، وهي أُصولُ أهداف علم "الجرح والتعديل" - سابقًا ولاحقًا -. نعم؛ قد يدخل هذا العلمَ مَن ليس أهلَه! لكنَّ هذا لا يُسوِّغ الانتقاصَ منه!، ولا التقليلَ مِن شأنهِ ومكانتهِ - ولو بغير قَصْد! -.
4. ذِكرُ "رئاسة الإفتاء" -الموقّرة - في بلاد الحرمين -لِتكون المرجع الوحيدَ للسؤال عن الأشخاص أو الجماعات: أمرٌحسنٌ جيِّد؛ لكنّ الإلزامَ به لِعُموم المُسلمين في العالم عسرٌ!، قد يكون صعبَ التحقيق جدًّا!؛ وذلك من وجهين:
أ- أَنّ "رئاسة الإفتاء" -الموقرة - هيئةٌ رسميّة تابعة لدولة إسلامية!، ومثلها في ذلك -ولو مِن طَرَفٍ! - "إفتاء الأزهر"!!؛ فنخشى أنْ يكـونَ الإلزامُ بها سبيلًا للإلزام بغيرها من غيرها!. ولهذا سلبيّاتُهُ الشديدةُ التي لا تخفى!!.
نعم؛ قد يكونُ ذلك نافعًا وكافيًا لأهل بلاد الحرمين فيما بينهم أنفسِهم!!؛ لِما يتضمّنه هذا الحَدُّ مِن نفي هاتيك السلبيّاتِ المتوقّعة، فضلًا عن قطعِ هذا العبث الدائر السائر مِن بعض الجهاتِ هناك!!.
بينما لو جَعَلْنا الحُجَّةَ وحدَها هي المُرَجِّحَةَ لقولِ أيِّ قائلٍ - هيئةً كان أم فردًا - في جميع بلاد المسلمين: فهذا سبيلُ الحقِّ، وأَهل الحقِّ، وهُو - في الوقت نفسِه - إغلاقٌ لذاك الطريق الوَعْرِ السلبيِّ المشار إليه قَبْلُ. مع كُلِّ الاحترام والتقدير لـ"رئاسة الإِفتاء" المبجَّلة، وغيرها من الهيئات العلميَّة المعتبرة.
ب- من قواعد العلم: "الحكم على الشيء فَرْعٌ عن تصوُّره"، وهذا أمرٌ لا يتحقّق صوابُ الإفتاءِ في ضَوْئهِ إلا مِن خلال التّواصُل التامّ أو شبهه بين "رئاسة الإفتاء" من جهةٍ، وبين أهل العلم وطلبَته -مِن أهل السنة ودُعاة منهج السَّلف - من جهة أخرى؛ حتى يكونَ تصوُّر حقائق الأفراد والجماعات المسؤولِ عنهم في سائر البلدان على أقرب وُجُوه الصواب، وأدناها إلى الكمال، وهذا أَمْرٌ - فوا أَسفاه - غيرُ مُتَحقِّقٍ على الوَجْهِ الكافي، وإنْ وُجِدَ منه شيءٌ: فليس هو المطلوب، وعسى أن يتحقق على ما نرجو، وأن تزولَ عقباتُهُ، وتُحْمَدَ عَوَاقِبُهُ.
5. ذَكَرَ سماحةُ شيخنا العبّاد حفظه المولى بعض العلماء الذين مَضَوا وعندهم خلل في مسائل من العقيدة، ولا يستغني العلماء وطلبة العلم عن علمهم؛ ذاكرًا منهم البيهقي، والنووي، وابن حجر العسقلاني، ثم عَطَف حفظه الله مباشرةً بقوله: ". . . ومِن المعاصرين: الشيخ العلامة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني"، ثم أثنى عليه "في العناية بالحديث وسَعَة الاطّلاع فيه"؛ مشيرًا إلى أخطاء وقعت منه!!، ذاكرًا منها زاده اللهُ توفيقًا مثالَين على ذلك من أقوال شيخنا الألباني وترجيحاتهِ الفقهيّة:
أولهما: أنَّ ستر وجه المرأة ليس بواجب.
ثانيهما: أنَّ وضع اليدين على الصدر بعد الركوع بدعة ضلالة.
فأقول؛ هنا أمران:
الأول: أنَّ عطفَ اسمِ شيخِنا الألبانيِّ على مَن ذُكروا: مُوهِمٌ "! باتٍّحاد الوجه في النقد، وهو "الخلل في مسائل من العقيدة" مع أنه غيرُ مراد لشيخنا العبّاد بتاتًا.
الثاني: أنَّ شيخنا العبّاد حفظه المولى عقّب على المسألةِ الثانية - وضع اليدين على الصدر بعد الركوع - بقولِه: "وهي مسألة خلافية!!".
فأقول لسماحته نفع اللهُ به: والأولى؛ أليست مسألةً خلافية أيضًا؟!
فكان ماذا؟!
وإنِّي -واللهِ - لأعلمُ كم هي الصِّلةُ وثيقةٌ وعميقةٌ بين شَيْخَيْنا الجليلَين -الألباني والعبّاد - منهجًا وعقيدةً؛ فكان الأَوْلى - عندي - والحالةُ هذه -ضَرْبُ المثالِ بغير شيخنا الألباني، أو - على الأقل بغير هاتين المسألتين!؛ إنْ وُجِدَ!!.
6. ضَرَبَ الشيخُ حفظه الله مثلًا على "فتنة التجريح والهجر من بعض أهل السنة في هذا العصر، وطريق السلامة منها"؛ بـ "إحدى الجمعيّات" الّتي يَنتقد شيئًا من مسالكها بعضُ المشايخِ والعُلماء مِن أهل السُّنَّة السَّنيَّة، ولئِن كان ذِكْرُ هذه "الجمعيّة" في الرسالةِ ليس صريحًا، بل على سبيل الإبْهام؛ لكن الأذهانَ قد تذهب بتحديدها كُلَّ مجالٍ، كُلٌّ بحسب ما يظنّ، أو يتوهّم، ممّا يفتحُ ويفتحُ! أبوابًا من الظنون السيّئة من جهة، وأبوابًا من زيادةِ الاختلاف والفُرقة -من جهة أخرى- ، فضلًا عمّا قد يجري مِن استغلالٍ لكلام شيخِنا العبَّاد -أو توجيهه - إلى أو هنالك!!!. وهذا -كلُّه- نحن في غِنىً عنه، وبخاصة في هذا الزمان العَسِر بكل ما فيه من تناقضات واضطرابات!!.
وأخيرًا: إنَّ هذه الملاحظات لا تَخْرُجُ بالكتاب - البتّةَ - عن أن يظلَّ مجموعُ محتواه "كلمة تُساوي ألفًا" والله. والظنُّ كبيرٌ كبيرٌ بِسَعَةِ صَدْرِ أُستاذنا العَبَّاد أكرمه اللهُ وجلالةِ حِلْمهِ وعِلْمهِ: في أن يَعدَّ ما عندي هنا سبيلَ زيادةٍ لا انتقاص، وائتلافٍ لا افتراق؛ شعارُهُ حبُّ العلمِ وأهلِه، ونصرةُ السُّنَّةِ وحَمَلَتِها. ومَـن عنده على كلام أُستاذنا العبّاد أيضًا -أو على غيره - أيُّ انتقادٍ أو إيرادٍ: فليذكُرْه بالتي هي أحسنُ للّتي أقومُ؛ تكميلًا وتَتْمِيمًا؛ ممّا يليق بمنزلة سماحة أستاذنا الشيخ العبّاد زاده اللهُ فضلًا، ومكانته اللائقة به في العلمِ والدين؛ وتطبيقًا لقاعدتهِ الذهبيّة الرّائدة: "رِفْقًا دُعاة منهج السلَف بأنفسِكم" واللهُ المسدِّد، لا ربَّ سِواه".
قلتُ:
واليوم يعيب أنصارُ الحلبي العلماءَ وطلبةَ العلم الذين ينتقدون الرسالة بأقل من الانتقادات التي ذكرها شيخهم الحلبي في كلمته هذه!.
وأقول: لكن مع هذا؛ جعل الحلبي رسالة العباد مرجعًا في مسألة التجريح و والتحذير والهجر في هذا الزمان!!.
ومن هنا بدأ الكلام في مسألة الشدة والتجريح والموقف من المخالفين في نظر الحلبي وموافقيه، ولم يكن هؤلاء يظهرون تأصيلاتهم على الحقيقة في هذه المسائل التي أحدثها المأربي، بل كانوا متذبذبين متلونين، لا يستقرون على قول، وتارة يعلنون ما يخالف تأصيلات المأربي، وتارة يوافقونه، ولا يدري أحد ما يجري بينهم وبين المأربي في الخفاء!!، ولكن الذي كان يظهر يومها أنهم كانوا متأثرين ببعض تأصيلات وشبه المأربي.
وكان الشيخ ربيع حفظه الله تعالى وإخوانه من أهل العلم يطالبون الحلبي وأصحابه بموقف حازم وصريح من المأربي بعد أن ظهرت تأصيلاته الفاسدة والغريبة عن منهج السلف الصالح، وهم يعلمون حال المأربي جيدًا، وبخاصة بعد أن أعلنها المأربي حربًا ضروسًا على أهل العلم السلفيين في هذا العصر؛ يطعن فيهم بأقبح الأوصاف ويكذب عليهم ويحذِّر منهم ومن منهج السلف الصالح الذي ينتصرون له، ويثني على أهل البدع وينتصر لهم، ويحرص على التحزب معهم، وظهرت أشياء منه كثيرة لا يمكن للسلفي أن يسكت عنها، ولكن الحلبي وأصحابه سكتوا عنه، بل انتصروا له بعد أن ضلله أهل العلم وبدَّعوه وحذَّروا منه، وكانوا يتسترون بالشيخ العباد حفظه الله تعالى، ويحتجون به لكونه لا يبدِّع المأربي!!.
وقد قال العلامة ابن القيم : وهو يبين طريقة أهل التأويل في تزيين باطلهم [الصواعق المرسلة: 2/441-443]: "السبب الثالث: أن يعزو المتأول تأويله وبدعته إلى جليل القدر نبيل الذكر من العقلاء أو من آل البيت النبوي أو من حصل له في الأمة ثناء جميل ولسان صدق ليحليه بذلك في قلوب الأغمار والجهال، فإنَّ من شأن الناس تعظيم كلام من يعظم قدره في نفوسهم، وأن يتلقوه بالقبول والميل إليه، وكلما كان ذلك القائل أعظم في نفوسهم كان قبولهم لكلامه أتم، حتى إنهم ليقدمونه على كلام الله ورسوله ويقولون هو أعلم بالله ورسوله منا.
وبهذه الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله لما علموا أنَّ المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم وموالاتهم وإجلالهم، فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وموالاتهم واللهج بذكرهم وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم وأولى الناس بهم، ثم نفقوا باطلهم وإفكهم بنسبته إليهم, فلا إله إلا الله كم من زندقة وإلحاد وبدعة وضلالة قد نفقت في الوجود بنسبتها إليهم وهم براء منها براءة الأنبياء من التجهم والتعطيل وبراءة المسيح من عبادة الصليب والتثليث وبراءة رسول الله من البدع والضلالات؟!.
وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس، وليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله ولا حجة قادتهم إلى ذلك!!، وهذا ميراث بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف، فإنهم لحسن ظنهم بهم وتعظيمهم لهم آثروا ما كانوا عليه على ما جاءتهم به الرسل، وكانوا أعظم في صدورهم من أن يخالفوهم، ويشهدوا عليهم بالكفر والضلال، وإنهم كانوا على الباطل، وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم القيامة".
وقال العلامة الشوكاني : في [أدب الطلب ومنتهى الأدب ص63-64]: "وقد جرت قاعدة أهل البدع في سابق الدهر ولاحقه بأنهم يفرحون بصدور الكلمة الواحدة عن عالم من العلماء ويبالغون في إشهارها وإذاعتها فيما بينهم، ويجعلونها حجة لبدعتهم، ويضربون بها وجه من أنكر عليهم؛ كما تجده في كتب الروافض من الروايات لكلمات وقعت من علماء الإسلام فيما يتعلق بما شجر بين الصحابة، وفي المناقب والمثالب، فإنهم يطيرون عند ذلك فرحًا ويجعلونه من أعظم الذخائر والغنائم".
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
التعديل الأخير تم بواسطة بلال الجيجلي ; 10-17-2012 الساعة 06:18 PM
|