وأنبه أخيراً إلى قضية مهمة وهي:
أن بعض الناس حكى أن كفر الحاكم المبدل للشريعة الإسلامية بمزيج من القوانين بعضها مأخوذ من الشرع ، وبعضها مأخوذ من القوانين الغربية كالفرنسية والبريطانية فهذه المسألة قد اختلف فيها العلماء المعاصرون على قولين:
القول الأول للعلماء المعاصرين : أن من حكم بتلك القوانين الوضعية فهذا مبدل تبديلاً يخرج من الإسلام بمجرد الفعل بلا قرينة أخرى .
وهؤلاء العلماء جعلوا مجرد تحكيم القوانين الوضعية كفراً أكبر لا يصدر إلا من كافر مرتد أو بعبارة أخرى: لا يصدر إلا ممن يعتقد أن تلك القوانين أفضل من الشريعة الإسلامية .
فهؤلاء العلماء جعلوا تحكيم القوانين من الكفر الاعتقادي أو من الكفر العملي الذي يخرج من الملة .
منهم: الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله- حيث قال : " من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ، ولا يكون كافراً ، بل هو كافر مطلقاً ، إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد".(25)
ثم ذكر خمسة أنواع للكفر الاعتقادي المخرج من الملة قال -في الخامس منها-: "الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ، ومشاقة لله ولرسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية ، إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع ومستندات ، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات ، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي ، والقانون الأمريكي ، والقانون البريطاني ، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك .
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة ، مفتوحة الأبواب ، والناس إليها أسراب إثر أسراب ، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون ، وتلزمهم به ، وتقرهم عليه ، وتحتمه عليهم .
فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة"(26).
فتنبه إلى أن الشيخ محمد بن إبراهيم قسم الكفر إلى كفرين : كفر عملي ، وكفر اعتقادي تماماً كما فعل الشيخ الألباني -رحمه الله- في رسالة "التحذير من فتنة التكفير" إلا أن الشيخ الألباني -رحمه الله- جعل كفر المبدلين من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة ، والشيخ محمد بن إبراهيم جعله من الكفر الاعتقادي وهو مخرج من الملة.
فالتأصيل عندهما واحد والخلاف في الحكم والنتيجة فقط ، وقد أخطأ الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمَهُ اللهُ- كما قال الشيخ ابن باز -رحمَهُ اللهُ- وسيأتي مزيد بيان لذلك -إن شاء الله تعالى-.
ومنهم الشيخ محمد ابن عثيمين -رحمه الله- -في قولٍ له قديم تراجع عنه- حيث قال:
"أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله ، فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين ، فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد من شريعة الله "(27)
فجعل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- الحكم بالقوانين الوضعية كفراً أكبر بشرط علمه بحكم الله؛ لأنه لا يصدر إلا من شخص يعتقد أن القانون الوضعي خير للعباد والبلاد من شريعة الله.
وهناك غيرهما من العلماء نصوا كما ينص الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ ابن عثيمين -رحمَهُما اللهُ- كالشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمَهُ اللهُ- ، وكذلك الشيخ الفوزان إلا أنه خصَّه فيمن ينحي الشريعة كاملة وسيأتي نقله -إنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى-.
القول الثاني -وهو الصواب-: أن من حكم بتلك القوانين الوضعية فهذا مبدل تبديلاً لا يخرج من الإسلام بمجرد الفعل بل بقرينة أخرى كاستحلال أو استكبار أو معاندة للشرع أو نحو ذلك .
فهؤلاء العلماء جعلوا تحكيم القوانين من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة .
منهم الشيخ ابن باز -رحمه الله- وأقواله في هذا الباب كثيرة مشهورة منها:
سئل سماحته : هل تبديل القوانين يعتبر كفراً مخرجاً من الملة ؟
فأجاب -رحمه الله-: "إذا استباحه . إذا استباح حكم بقانون غير الشريعة يكون كافراً كفراً أكبر
إذا استباح ذلك ، أما إذا فعل ذلك لأسباب خاصة عاصياً لله من أجل الرشوة ، أو من أجل إرضاء فلان أو فلان ، ويعلم أنه محرم يكون كفراً دون كفر . أما إذا فعله مستحلاً له يكون كفراً أكبر .
كما قال ابن عباس في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، {الظالمون} ،{الفاسقون} . قال : ليس كمن كفر بالله ، ولكن كفر دون كفر .
أي إذا استحل الحكم بقانون ، أو استحل الحكم بكذا ، أو كذا غير الشريعة يكون كافراً ، أما إذا فعله لرشوة أو لإتاوة بينه وبين المحكوم عليه ، أو لأجل إرضاء بعض الشعب ، أو ما أشبه ذلك فهذا يكون كفراً دون كفر . "
ثم سئل سماحته : هل هناك فرق بين التبديل وبين الحكم في قضية واحدة ؟! يعني في فرق في هذا الحكم بين التبديل ككل والحكم في قضية واحدة ؟ التبديل يا شيخ ؟
فقال سماحته -رحمه الله - : "إذا كان لم يقصد بذلك الاستحلال ، وإنما حكم بذلك لأجل أسباب أخرى يكون كفراً دون كفر ، أما إذا قال : لا حرج بالحكم بغير ما أنزل الله ، وإن قال الشريعة أفضل، لكن إذا قال ما في حرج مباح يكفّرُ بذلك كفراً أكبر ، سواءٌ قال إن الشريعة أفضل ، أو مساوية ، أو رأى أفضل من الشريعة كله كفر . ".
ثم سئل: يعني هذا الحكم يشمل التبديل وعدم التبديل يعني يشمل كل الأنواع ؟
فقال سماحته -رحمه الله- : جميع الصور في جميع الصور .
لكن يجب أن يمنع ، ويجب منع ذلك ، وهو كفر دون كفر ولو قال ما قصدت ولو قال ما استحليته بيني وبين فلان عداوة أو رشوة يجب أن يمنع ، فلا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله مطلقاً ، ولو كان بينه وبين المحكوم عليه عداوة أو لأسباب أخرى يجب المنع من ذلك يجب على ولي أمره أن يمنعه من ذلك ، وأن يحكم بشرع الله . ".
فكلام الشيخ ابن باز -رحمه الله- ظاهر في أنه لا يرى الحكم بالقوانين الوضعية كفراً مخرجاً من الملة بل لابد من الاستحلال .
لذلك نجد الشيخ ابن باز مُوَقِّعاً على فتوى للجنة الدائمة هو والشيخ الغديان والشيخ ابن قعود:
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: " والتحاكم يكون إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن لم يتحاكم إليهما مستحلاً التحاكم إلى غيرهما من القوانين الوضعية بدافع طمع في مال أو جاه أو منصب فهو مرتكب معصية وفاسق فسقاً دون فسق ولا يخرج من دائرة الإيمان" .(28)
ومنهم : الشيخ ابن عثيمين في قول من آخر أقواله -رحمه الله- حيث قال " لكن كلامنا على العمل ، وفي ظني أنه لا يمكن لأحد أن يطبق قانوناً مخالفاً للشرع يحكم فيه بعباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من قانون الشرع ، هذا هو الظاهر .
وإلا فما الذي حمله على ذلك ؟
قد يكون الذي يحمله على ذلك خوف من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه ، فيكون هنا مداهناً لهم ، فحينئذ نقول : إن هذا كالمداهن في بقية المعاصي" (29)
فالشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- ذكر في مطلع كلامه أن في ظنه أنه لا يحكم بالقانون الوضعي إلا وهو يستحل ويعتقد أنه خير من قانون الشرع ويرى أنه الظاهر .
ثم استدرك على نفسه -رحمه الله- بسؤال عن الحامل لهم على تحكيم القوانين إذا لم يكن الاستحلال واعتقاد أنه خير من الشرع؟
فأجاب نفسَهُ بِنَفْسِهِ : باحتمال أنه قد يحكم بالقوانين الوضعية خوفاً من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه ، فيكون حينئذ مداهناً كالمداهن في بقية المعاصي .
إن هذا الاحتمال الذي ذكره الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- هو الذي يحمل كثيراً من العلماء على عدم الجزم بأن من يحكم بالقوانين لابد أن يكون مستحلاً للحكم بها أو معتقداً جواز الحكم بها فضلاً عن جعلها خيراً من شريعة الإسلام .
وغيرهم من العلماء كالشيخ العلامة الألباني والشيخ مقبل الوادعي والشيخ ربيع المدخلي وغيرهم من العلماء المعاصرين .
وممن أثبت الخلاف الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- حيث سئل:
هذا يسأل عن حكم الشريعة في الحاكم الذي يُحكم القوانيين الوضعية الفرنسية مع العلم أنه يدعي الإسلام ويصلي ويصوم ويحج، ماذا يقال عنه؟ فأجاب -حفظه الله- : "إذا اعتقد الجواز، إذاكان يعتقد أنه يجوز الحكم بالقوانين الفرنسية ، فإنه كافر. إذا اعتقد أنه يجوز له أما إذا لم يعتقد هذا أو كان له شبهة فلابد من قيام الحجة عليه.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا غير الدين في جميع أمور الدولة فإنه يكون كافراً لأنه بدل الدين وذهب إلى هذا الحافظ بن كثير -رحمه الله- في تفسيره والشيخ محمد بن ابراهيم -رحمه الله- في رسالة تحكيم القوانين قال: إذا بدل الدين كله رأساً على عقب في جميع شؤون الدولة في كل شيء لا في البعض فإنه يكون كافراً لأنه بدل الدين.
وقال آخرون أنه لابد أيضاً من قيام الحجة عليه لأنه قد يكون جاهلاً أو عنده شبهة، اختار هذا سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز عليه رحمة الله عليه والله الموفق".
وقال ابن حزم في المحلى(11/202) : "فقد صح أنَّ ههنا نفاقاً لا يكون صاحبه كافراً ، ونفاقاً يكون صاحبه كافراً، فيمكن أن يكون هؤلاء الذين أرادوا التَّحاكم إلى الطاغوت لا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مظهرين لطاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عصاة بطلب الرجوع في الحكم إلى غيره معتقدين لصحة ذلك لكن رغبة في اتباع الهوى فلم يكونوا بذلك كفاراً، بل عصاة، فنحن نجد هذا عياناً عندنا، فقد ندعو نحن عند التحاكم إلى القرآن وإلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الثابت عنهم بإقرارهم، فيأبون ذلك، ويرضون برأي أبي حنيفة ومالك والشافعي، هذا أمر لا ينكره أحد، فلا يكونون بذلك كفاراً، فقد يكون أولئك هكذا حتى إذا بين الله تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما شجر بينهم وجب أن من وقف على هذا قديماً وحديثاً ، وإلى يوم القيامة فأبى وعَنَدَ فهو كافر".
والصواب الذي دلت عليه الأدلة ، وهو الموافق لإجماع السلف: أن الحكم بالقوانين الوضعية منكر عظيم وفعل شنيع صاحبه دائر بين الكفر والفسق والظلم .
والحكم بما أنزل الله هو من خصائص الربوبية والألوهية لا شك في ذلك .
وهذا المنكر-أعني الحكم بغير ما أنزل الله- واقع فيه كثير من الناس من حكام وقضاة ودعاة وعلماء وموظفين وتجار وآباء وأمهات .
ويجب تطهير المجتمع من صور الحكم بغير ما أنزل الله بشتى صوره .
سواء كان وقوعه من الحكام أو المحكومين .
ونحن نشكر كل من يحذر من تحكيم غير الشرع ونسانده وندعوا له .
لكن لا يفرط تفريط المرجئة ولا يفرط إفراط الخوارج .
فالمرجئة يرون أن الحاكم مهما حكم بغير ما أنزل الله ومها ظلم الناس أنفسهم ولم يحكموا شرع الله في أنفسهم فهم مؤمنون كاملوا الإيمان!!
وهذا تفريط شنيع .
والخوارج يرون أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر مخرج من الملة بشتى صوره وأشكاله .
وأما أهل السنة فهم وسط بين تفريط المرجئة وإفراط الخوارج .
فيفصلون في هذه المسألة ويقولون:
الحكم بغير ما أنزل في الأصل من كبائر الذنوب ومن المفسقات لا من المكفرات .
ولكن قد يقترن بمن حكم بغير ما أنزل الله قرائن تنقله من الفسق إلى الكفر أو تدخل عليه دواخل تخرجه من الإسلام منها:
1- استحلال الحكم بغير ما أنزل الله .
2- الاستكبار عن حكم الله .
3- الاستهزاء بشرع الله .
4- معاندة حكم الله ومشاققته بلا جهل ولا شبهة .
والقول بتكفير من يحكم بالقوانين الوضعية مطلقاً يلزم منه تكفير جميع أهل البدع دون تفصيل، ومتعصبة المذاهب وهذا باطل.
وجميع أهل البدع ومتعصبة المذاهب الذين يقدمون أقوال الرجال على الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح يدخلون في تحكيم القوانين الوضعية، ولم يكفرهم أحد إلا بقرينة كاستحلال أو استكبار أو إنكار أو استخفاف بالشرع.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- في تيسير العزيز الحميد (ص/544-545) : "فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما هما فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟! ويجعل قوله معياراً على الكتاب والسنة ، فما وافقه قبله ، وما خالفه رده أو تأوله فالله المستعان . وما أحسن ما قال بعض المتاخرين" قلت: هو الصنعاني صاحب سبل السلام" :
فإن جاءهم فيه الدليل موافقاً لما كان للآبا إليه ذهاب
رضوه وإلا قيل: هذا مؤول ويُركب للتأويل فيه صعاب
ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} الآية." انتهى كلام الشيخ سليمان.
وقال الشيخ سليمان آل الشيخ -رحمه الله- أيضاً (ص/548) : "فإن قلت: فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟
قيل: يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة ، وتصوير المسائل ، فتكون من نوع الكتب الآلية.
أما أن تكون هي المقدمة على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه ، المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله والرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا ريب أن ذلك مناف للإيمان مضاد له كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}.
فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله ورسوله ثم إذا قضى الله ورسوله أمراً وجدت الحرج في نفسك ، وإن قضى أهل الكتاب بأمر لم تجد فيها حرجاً ثم إذا قضى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأمر لم تسلم له ، وإن قضوا بأمر سلمت له ؛ فقد أقسم الله تعالى سبحانه -وهو أصدق القائلين- بأجل مقسم به ، وهو نفسه تبارك وتعالى ؛ أنك لست بمؤمن والحالة هذه. وبعد ذلك فقد قال الله تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره}. ". انتهى كلام الشيخ سليمان.
وقال الشيخ سليمان-أيضاً- (ص/553-554) : " قوله : "وعبادة الأحبار هي العلم والفقه" أي: هي التي تسمى اليوم العلم والفقه المؤلف على مذاهب الأئمة ونحوهم ، فيطيعونهم في كل ما يطيعونه سواء وافق حكم الله أم خالفه ، بل لا يعبأون بما خالف ذلك من كتاب وسنة ، بل يردون كلام الله وكلام رسوله لأقوال من قلدوه .
ويصرحون بأنه لا يحل العمل بكتاب ولا سنة ، وأنه لا يجوز تلقي العلم والهدى منهما وإنما العلم والفقه والهدى عندهم هو ما وجدوه في هذه الكتب .
بل أعظم من ذلك وأطم رمي كثير منهم كلام الله وكلام رسوله بأنه لا يفيد العلم ولا اليقين في باب معرفة أسماء الله وصفاته وتوحيده ، ويسمونها : ظواهر لفظية ، ويسمون ما وضعه الفلاسفة المشركون : القواطع العقلية ، ثم يقدمونها في باب الأسماء و الصفات والتوحيد على ما جاء من عند الله ، ثم يرمون من خرج عن عبادة الأحبار والرهبان إلى طاعة رب العالمين ، وطاعة رسوله، وتحكيم ما أنزل الله في موارد النزاع بالبدعة أو الكفر
وقوله: "ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من ليس من الصالحين" وذلك كاعتقادهم في كثير ممن ينتسب إلى الولاية من الفساق والمجاذيب .
وقوله: "وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين" وذلك كاعتقادهم العلم في أناس من جهلة المقلدين فيحسنون لهم البدع والشرك فيطيعونهم ، ويظنون أنهم علماء مصلحون {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}". انتهى كلام الشيخ سليمان آل الشيخ -رحمه الله-.
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
التعديل الأخير تم بواسطة بلال الجيجلي ; 10-22-2012 الساعة 09:42 PM
|