عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-24-2012, 10:13 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

المسألة الثامنة عشرة / وهي عن الأضحية.

وتحت هذه المسألة فروع:
الفرع الأول: وهو عن المراد بالأضحية.

الأضحية هي: ما يذبح من بهيمة الأنعام في أيام الأضحى بسبب العيد تقرباً إلى الله عز وجل.

الفرع الثاني: وهو عن مشروعية الأضحية.
قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله -كما في "مجموع الفتاوى" (23/161): وأما الأضحية فإنها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك المقرون بالصلاة، وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته.اهـ وهي مشروعة بالسنة النبوية المستفيضة، وبالقول والفعل عنه -صلى الله عليه و سلم -.
قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: (( ضحى رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بكبشين أقرنين أملحين )) رواه البخاري (5565 ) ومسلم ( 1966). وقال - صلى الله عليه و سلم - للناس في خطبة عيد الأضحى معلماً ومرغباً: (( إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ))رواه البخاري (951) ومسلم ( 1961-7). بل وضحى - صلى الله عليه و سلم - حتى في السفر، قال ثوبان -رضي الله عنه -: (( ذبح رسول الله ضحيته، ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة ))رواه مسلم (1975).
وأعطى - صلى الله عليه و سلم - أصحابه -رضي الله عنهم - غنماً ليضحوا بها. فقد ذكر عقبة بن عامر-رضي الله عنه -: (( أن النبي -صلى الله عليه و سلم -أعطاه غنماً يقسمها على صحابته ضحاياً، فبقي عتود، فقال: ضح به أنت ))رواه البخاري (5555) ومسلم (1965).
وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله - في كتابه "المغني"(13/360):وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية.اهـ

الفرع الثالث: وهو عن نوع هذه المشروعية.

قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله - في كتابه "أضواء البيان"(5/619): أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم على أن الأضحية سنة لا واجبة.اهـ

واستُدل لكونها سنة بما يأتي:
أولاً: بحديث أم سلمة -رضي الله عنها -.حيث أخبرت أن النبي - صلى الله عليه و سلم - قال: (( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً )) رواه مسلم (1977).
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أن النبي- صلى الله عليه و سلم - علق الأضحية بإرادة المضحي، والواجب لا يعلق على الإرادة.

ثانياً: بالآثار الواردة عن الصحابة -رضي الله عنهم - في ترك الأضحية. حيث ثبت عن أبي سريحة الغفاري - رضي الله عنه - أنه قال: ((رأيت أبا بكر وعمر وما يُضحيان )) رواه عبد الرزاق (4/381) والبيهقي (9/265). وقال البيهقي -رحمه الله - بعد أن خرجه: وفي حديث بعضهم: (( كراهية أن يُقتدى بهما )).اهـ
وثبت عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه - أنه قال: (( لقد هممت أن أدع الأضحية، وإني لمن أيسركم بها، مخافة أن يُحْسَبَ أنها حتمٌ واجب )). وفي لفظ آخر: (( مخافة أن يرى جيراني أنه حتم )) رواه عبد الرزاق (4/983) والبيهقي (9/265). وقال ابن حزم -رحمه الله - في كتابه "المحلى"(6/10 مسألة رقم:973): لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة.اهـ
وقال ابن بطال -رحمه الله - عن فوائد هذا الترك للأضحية من هؤلاء الصحابة: وهكذا ينبغي للعالم الذي يُقتدى به إذا خشي من العامة أن يلتزموا السنن التزام الفرائض أن يترك فعلها ليُتأسى به فيها، ولئلا يُخلط على الناس أمر دينهم فلا يفرقوا بين فرضه ونفله.اهـ

الفرع الرابع: وهو عن الأضحية للمسافر.
الأضحية مشروعة للمسافر، وبذلك قال أكثر أهل العلم، وذلك لحديث ثوبان -رضي الله عنه - قال: (( ذبح رسول الله -صلى الله عليه و سلم - ضحيته، ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة )) رواه مسلم (1795)

الفرع الخامس: وهو عن البخل بالأضحية مع وجود اليسار والسعة في الرزق.
البخيل عن نفسه بما يقربه من ربه مع اليسار قد قال الله تعالى في شأنه: { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء }.ومن ضحى وهو يخشى الفقر والحاجة، فليبشر بموعود الله تعالى له بالخلف الحسن، حيث قال سبحانه في سورة سبأ: { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين }. وقال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله - في كتابه "الاستذكار"(15/163-164):ولم يأت عنه - صلى الله عليه و سلم - أنه ترك الأضحية، وندب إليها، فلا ينبغي لموسر تركها اهـ وثبت عن أبي هريرة - رضي الله عنه -أنه قال: (( من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا )) رواه الدار قطني (4/27) والحاكم (4/232) والبيهقي (9/260) وابن عبد البر في والتمهيد (23/191).

الفرع السادس: وهو عن الأجناس التي يضحى بها من الحيوانات.

الأنواع التي يُضحى بها من الحيوانات باتفاق أهل العلم هي هذه الأصناف الأربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز ذكوراً وإناثاً. ومن ضحى بغير هذه الأصناف الأربعة لم تجزئه عند عامة أهل العلم، بل ذكر النووي -رحمه الله - أن من أهل العلم من نقل اتفاق أهل العلم على عدم الإجزاء.

الفرع السابع: وهو عن الأفضل من هذه الأصناف الأربعة.

أفضل ما يضحى به من هذه الأصناف الأربعة: الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز ثم سبع بدنة ثم سبع بقرة، وبهذا قال أكثر أهل العلم من السلف الصالح فمن بعدهم.

وذلك لما يأتي:
أولاً: قول النبي - صلى الله عليه و سلم -: (( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن)) رواه البخاري (881) ومسلم (850) من حديث أبي هريرة.
والمراد بالبدنة: الناقة من الإبل. ووجه الاستدلال من الحديث: أنه دل على أن أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى من بهيمة الأنعام الإبل ثم البقر ثم الغنم.

ثانياً: قول النبي -صلى الله عليه و سلم - لما سئل: أي الرقاب أفضل؟: (( أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها ))رواه البخاري (2581) واللفظ له، ومسلم (84) من حديث أبي ذر.والإبل أغلى وأنفس من البقر، والبقر أغلى وأنفس من الغنم، بل وأكثر لحماً، ونفعاً للفقراء.

ثالثاً: قياساً على الهدي في الحج. حيث قال ابن رشد - رحمه الله - في "بداية المجتهد"(2/320): العلماء متفقون على أن الأفضل في الهدايا الإبل ثم البقر ثم الغنم ثم المعز.اهـ والهدي من أعظم شعائر الحجاج في أيام النحر، والأضحية من أعظم شعائر غير الحجاج في الأمصار، والجميع نسك، وأيام ذبحهما واحدة.

الفرع الثامن: وهو عن الاشتراك بين المضحين في الإبل والبقر.

يجوز أن يشترك في البعير أو البقرة سبعة من المضحين، كل واحد عن نفسه، عند أكثر أهل العلم. وذلك قياساً على الهدي في الحج، لأن الجميع نسك، ووقت ذبحهما واحد. وقد قال جابر بن عبد الله :- رضي الله عنه -(( حججنا مع رسول الله -صلى الله عليه و سلم - فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة )) رواه ومسلم (1318). فقام سبع البعير وسبع البقرة مقام الواحدة من الغنم، والواحدة من الغنم لا تجزئ إلا عن واحد.

الفرع التاسع: وهو عن الأفضل في الأضحية وهل هو شاة كاملة أو سبع من بعير أو بقرة.

الأفضل هو التضحية بشاة كاملة، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم. وذلك لأن مقصود الأضحية الأعظم هو إراقة دمها تقرباً إلى الله تعالى، ومن ضحى بشاة كان قد تقرب إلى الله بالدم كله.

الفرع العاشر: وهو عن الأضاحي من الغنم.

وتحت هذه الفرع ثلاثة أقسام:

القسم الأول: وهو عن اشتراك أهل البيت الواحد في أضحية واحدة من الغنم.

تجزأ الواحدة من الضأن والمعز عن الرجل وأهل بيته، وعن المرأة وأهل بيتها، ومن أحد الإخوان في البيت الواحد عن جميع من في البيت. وذلك لما ثبت عن أبي أيوب - رضي الله عنه - أنه سُئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله -صلى الله عليه و سلم - فقال: (( كان الرجل يضحي بالشاة عنه و عن أهل بيته فيأكلون ويُطْعمُون ))رواه الترمذي (1505).
ولما أضجع النبي -صلى الله عليه و سلم -أضحيته ليذبحها قال: (( باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد)) رواه مسلم (1967) من حديث عائشة.
وقال القاضي عياض -رحمه الله - في كتابه "إكمال المعلم"(6/413): وكافة علماء الأمصار في تجويز ذبح الرجل عنه وعن أهل بيته الضحية، وإشراكهم فيها معه.اهـ

القسم الثاني: وهو عن ضابط أهل البيت الذين تجزؤهم أضحية واحدة.

قال العلامة العثيمين -رحمه الله - كما في "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين"(41ص-42و43)في بيان ضابط أهل البيت الواحد الذين تكفي في حقهم أضحية واحدة: إذا كان طعامهم واحداً، وأكلهم واحداً، فإن الواحدة تكفيهم، يضحي الأكبر عنه وعن أهل بيته، وأما إذا كان كل واحد له طعام خاص، يعني مطبخ خاص به، فهنا كل واحد منهم يضحي، لأنه لم يشارك الآخر في مأكله ومشربه.اهـ
وقال أيضاً: أصحاب البيت الواحد أضحيتهم واحدة ولو تعددوا، فلو كانوا إخوة مأكلهم واحد، وبيتهم واحد، فأضحيتهم واحدة، ولو كان لهم زوجات متعددة، وكذا الأب مع أبنائه، ولو كان أحدهم متزوجاً، فالأضحية واحدة.اهـ وذكر القاضي عياض -رحمه الله - في كتابه "إكمال المعلم"(6/414) هذه الضوابط الثلاثة عند المالكية:
الأول: أن يكونوا من قرابته ومن في حكمهم كالزوجة.
الثاني: أن يكونوا تحت نفقته وجوباً أو تطوعاً.
الثالث: أن يكونوا ساكنين معه غير بايتين عنده.

[COLOR="rgb(255, 140, 0)"]القسم الثالث:وهو عن أفضل الأضاحي من الغنم.[/COLOR]

الأفضل في الأضاحي من الغنم، هو ما كان موافقاً لأضحية النبي -صلى الله عليه و سلم - من جميع الجهات، ثم الأقرب منها. وقد جاء في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه -: (( ضحى النبي - صلى الله عليه و سلم - بكبشين أملحين أقرنين )) رواه البخاري (5558و5553و5564) ومسلم (1966).
والأملح هو: الأبيض الذي يشوبه شيء من السواد. وفي حديث عائشة -رضي الله عنها-: (( أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم - أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به )) رواه مسلم (1967). قال القاضي عياض -رحمه الله - في كتابه "إكمال المعلم"(6/412): قوله في الحديث: (( يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد ))أي أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود.اهـ فدل هذا الحديث على أن أضحية النبي - صلى الله عليه و سلم - قد جمعت هذا الأمور الثلاثة:
الأول: أنها كباش. يعني: من ذكران الضأن.
وقال العلامة العثيمين -رحمه الله -: الكباش هي الخِرَف الكبار.اهـ وفي كونها كباش إشارة إلى سمنها، وقد أخرج البخاري في "صحيحه"معلقاً مجزوماً به عن سهل بن حنيف - رضي الله عنه - أنه قال: (( كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون )). وقال النووي -رحمه الله - في كتابه "المجموع"(8/369): وأجمع المسلمون على استحباب السمين في الأضحية، واختلفوا في استحباب تسمينها، فمذهبنا والجمهور استحبابه.اهـ

الثاني: أن لها قرنان. قال النووي -رحمه الله - في "شرح صحيح مسلم" (13/128عند حديث رقم:1966): قال العلماء: فيستحب الأقرن.اهـ

الثالث: أن لونها أملح. قال النووي -رحمه الله - في "شرح صحيح مسلم"(13/129عند حديث رقم:1966): وأما قوله: (( أملحين )) ففيه استحسان لون الأضحية، وقد أجمعوا عليه.اهـ وقال أيضاً: وأجمعوا على استحباب استحسانها واختيار أكملها.اهـ

الفرع الحادي عشر: وهو عن اشتراك أهل البيت الواحد في سبع بعير أو سبع بقرة.

الأفضل للرجل أن يضحي عنه وعن أهل بيته برأس واحد من الغنم، لأن هذا التشريك هو الثابت عن النبي - صلى الله عليه و سلم - وأصحابه في حديث أبي أيوب -رضي الله عنه -: (( كان الرجل يضحي بالشاة عنه و عن أهل بيته فيأكلون ويُطْعمُون )) رواه الترمذي (1505)
وحديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه و سلم -قال حين ذبح أضحيته: (( باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد)) رواه مسلم (1967).
فإن اشترك في سبع بعير أو سبع بقرة وجعله أضحية عنه، وعن أهل بيته، فللعلماء خلاف في إجزاء هذا السبع عن الجميع، حتى قيل:إنه لا يعرف نقل فيه عن أحد من السلف، ولا عن أحد من الفقهاء المشهورين، وأن الخلاف الموجود متأخر. وقال العلامة ابن باز -رحمه الله - كما في "مجموع فتاوى ابن باز"(18/44): السبع من البدنة والبقرة في إجزائه عن الرجل وأهل بيته تردد وخلاف بين أهل العلم، والأرجح أنه يجزأ عن الرجل وأهل بيته، لأن الرجل وأهل بيته كالشخص الواحد، لكن الرأس الواحد من الغنم أفضل.اهـ واختاره: السعدي والعثيمين -رحمهما الله -.

الفرع الثاني عشر: وهو عن سن الأضحية.

الأضحية من جهة السن تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الإبل والبقر والمعز. وهذه الأصناف الثلاثة قد اتفق العلماء على أنه لا يجزأ منها في الأضحية إلا الثني فما فوق.
وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة برئاسة العلامة ابن باز -رحمه الله - عن الثني: وهو من المعز ما بلغ سنة ودخل في الثانية، ومن البقر ما أتم سنتين ودخل في الثالثة، ومن الإبل ما أتم خمس سنين ودخل في السادسة.اهـ

القسم الثاني: الضأن من الغنم.
ولا يجزأ منه إلا الجذع فما فوق عند عامة أهل العلم. وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة برئاسة العلامة ابن باز -رحمه الله - كما في "فتاوى اللجنة الدائمة"(فتوى رقم: 2613) في بيان سن الجذع أنه: ما كان سنه ستة أشهر ودخل في السابع فأكثر.اهـ
وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله - في كتابه "المغني"(13/436-438): قال أبو القاسم: وسمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية: كيف تعرفون الضأن إذا أجذع؟ قالوا: لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حَملاً، فإذا نامت الصوفة على ظهره، عُلم أنه قد أجذع.اهـ

الفرع الثالث عشر: وهو عن العيوب التي ترد بها الأضحية ولا تجزأ معها.

ثبت عن النبي - صلى الله عليه و سلم - أنه قال: (( أربعة لا يجزين في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظَلَعُها، والعجفاء التي لا تُنْقِي ))رواه أبو داود (2804) والترمذي (1497) والنسائي (4369-4371) واللفظ له، وابن ماجه (3144). والمراد بـ(( العجفاء التي لا تُنْقِي )): الهزيلة التي لا مخ في عظامها بسبب شدة هزالها.
وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله - في كتابه "المغني"(13/369) عن هذه العيوب الأربعة: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أنها تمنع الإجزاء.اهـ

ومن الأضاحي التي ذُكر أنها لا تجزأ ما يأتي:

أولاً: العمياء. وذلك لأن النبي -صلى الله عليه و سلم - قد منع من العوراء البين عورها، فمن باب أولى أن يمنع من العمياء، لأن العمى أشد في العيب من العور. وقد اتفق أهل العلم على أن العمياء لا تجزأ في الأضحية.
ثانياً: مقطوعة أو مكسورة اليد أو الرجل. وذلك لأن النبي - صلى الله عليه و سلم - قد منع من العرجاء البين عرجها، فمن باب أولى أن يمنع من المقطوعة والمكسورة، لأن القطع والكسر أشد في العيب من العرج. وبعدم الإجزاء قال عامة أهل العلم.

ثالثاً: مقطوعة الأذن كلها أو أكثرها. قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله - في كتابه "الاستذكار"(15/128): ولا خلاف علمته بين العلماء أن قطع الأذن كلها أو أكثرها عيب يتقى في الأضاحي.اهـ
وثبت عن على بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: (( أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نستشرف العين والأذن ))رواه أحمد (1/95و105و125و152) وابن خزيمة (4/293) والحاكم (1/468) والبيهقي (9/275) وابن عبد البر في التمهيد (20/172-173) وابن حزم في المحلى (6/11-12 مسألة رقم:974) وغيرهم. ومعنى (( نستشرف العين والأذن )): أي نطلب سلامتهما من العيب.
رابعاً: الهتماء.والهتماء هي: التي لا أسنان لها. قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله - في كتابه الاستذكار"(15/131): الهتماء لا تجوز عند أكثر أهل العلم في الضحايا.اهـ وذلك لأن ذهاب الأسنان يؤثر على أكلها العلف، ويسبب ضعفها وهزالها. وقد ثبت عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنه - أنه: (( كان يتقي من الضحايا والبُدْن، التي لم تُسِن، والتي نقص من خَلْقِهَا )) رواه مالك في "الموطأ" (2/482). والمراد بالتي (( لم تسن )) عند كثير من العلماء: التي لا أسنان لها.
خامساً: الجرباء. وبهذا قال أكثر أهل العلم. وذلك لأن الجرب مرض بين، ويؤثر في سمنها، وفي طعم اللحم. وقال الإمام الزهري -رحمه الله -: (( لا تجوز في الضحايا المسلولة الأسنان، ولا الجرباء )).
وقال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله - في كتابه "الاستذكار"(15/135) عقبه: قول ابن شهاب في هذا الباب هو المعمول به.اهـ يعني: عند العلماء.
سادساً: الصكاء أو السكاء. والصكاء أو السكاء هي: التي خلقت بلا أذنين. وبه قال أكثر أهل العلم. ووجه ذلك عندهم: أن قطع الأذن لما كان مانعاً من الجواز، فعدم الأذن أولى.
سابعاً:مقطوعة الإلية. وبه قال أكثر أهل العلم.

الفرع الرابع عشر: وهو عن العيوب التي لو وجدت في الأضحية لم تؤثر في إجزائها.

الأفضل عند جميع أهل العلم هو سلامة الأضحية من العيوب التي لا تؤثر في الإجزاء.وقد تقدم أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه -: (( كان يتقي من الضحايا والبُدْن، التي لم تُسِن، والتي نقص من خَلْقِهَا )). وقال القاضي عياض -رحمه الله- في كتابه "إكمال المعلم: (6/411): واستحب جميعهم -يعني: العلماء - فيها غاية الكمال، واجتناب النقص.اهـ
ومن العيوب التي لا تؤثر في إجزاء الأضحية:
أولاً: عدم وجود قرن لها خلقة. قال النووي -رحمه الله - في "شرح صحيح مسلم" (13/128عند حديث رقم:1966)عقب حديث:(( ضحى النبي -صلى الله عليه و سلم - بكبشين أملحين أقرنين )):
قال العلماء: فيستحب الأقرن، وفي هذا الحديث جواز تضحية الإنسان بعدد من الحيوان، واستحباب الأقرن، وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم الذي لم يخلق له قرنان.اهـ
ثانياً: القطع اليسير أو الشق أو الكي في الأذن. وبهذا قال أكثر أهل العلم. بل قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله - في كتابه "المغني"(13/373): ويحصل الإجزاء بها، لا نعلم فيه خلافاً، ولأن شرط السلامة من ذلك يشق، إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله.اهـ
ثالثاً: التضحية بما لا خصية له من ذكور بهيمة الأنعام. وبهذا قال عامة أهل العلم. بل قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله - في كتابه "المغني"(13/371):ولا نعلم فيه خلافاً.اهـ
رابعا: البتراء التي لا ذنب لها خلقة. وهو قول أكثر أهل العلم.
خامسا:مكسورة القرن. قال الإمام بن عبد البر -رحمه الله - في كتابه "التمهيد"(20/171): على هذا جماعة الفقهاء، لا يرون بأساً أن يضحي بالمكسورة القرن، وسواء كان قرنها يدمي أو لا يدمي.اهـ
وقال -رحمه الله - في كتابه "الاستذكار"(15/132-133): جمهور العلماء على القول بجواز الأضحية المكسورة القرن.اهـ
سادساً: دل قول النبي - صلى الله عليه و سلم - المتقدم: (( أربعة لا يجزين في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظَلَعُها، والعجفاء التي لا تُنْقِي )). على: " أن المرض الخفيف يجوز في الضحايا، والعرج الخفيف الذي تلحق به الشاة في الغنم، وكذلك النقطة في العين إذا كانت يسيرة، وكذلك المهزولة التي ليست بغاية في الهزال، ولا خلاف في ذلك" .اهـ قاله الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله -في كتابيه "التمهيد" (20/168) و"الاستذكار"(15/125).

الفرع الخامس عشر: وهو عن وقت ذبح الأضحية.

وتحت هذه الفرع أربعة أقسام:

القسم الأول: وهو عن أول وقت ذبح الأضاحي.
اتفق العلماء على أن أول أيام ذبح الأضحية هو اليوم العاشر من شهر ذي الحجة بعد صلاة العيد، وأن ذبحها قبل الصلاة لمن كان من أهل الحضر لا يجزأ. وذلك لقوله - صلى الله عليه و سلم -: (( من ذبح قبل الصلاة فليعد مكانها أخرى ))رواه البخاري (5562) ومسلم (1960). وهذا الوقت هو أفضل أوقات الذبح لأنه فعل النبي -صلى الله عليه و سلم -.
وأما من كان في مكان لا تقام فيه صلاة العيد كالبدو الذين يتنقلون من مكان إلى آخر بدوابهم لطلب العشب، أومن يُعَيدون في مخيماتٍ في البر، أومن يعملون بعيداً عن المدن والقرى، فإنهم ينتظرون بعد طلوع شمس يوم العيد مقدار صلاة العيد وخطبته ثم يذبحون أضاحيهم. وبهذا قال أكثر أهل العلم.

[COLOR="rgb(255, 140, 0)"]القسم الثاني: وهو عن آخر وقت ذبح الأضاحي.[/COLOR]
آخر وقت ذبح الأضاحي هو: غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق. فتكون أيام الذبح ثلاثة: يوم العيد ويومان بعده، يعني: اليوم العاشر، واليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر إلى غروب شمسه. وبهذا قال أكثر أهل العلم من السلف الصالح فمن بعدهم.وثبت هذا القول عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك -رضي الله عنهما - من الصحابة. وقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: أيام النحر - يعني: الذبح - ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و سلم -.اهـ وقال أيضاً: أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام.اهـ ومن ذبح قبلها لم تجزئه أضحيته بإجماع، ومن ذبح بعدها لم تجزئه أضحيته عند جماهير أهل العلم. وذهبت طائفة من أهل العلم إلى جواز ذبح الأضحية في اليوم الثالث عشر، وهو ثالث أيام التشريق. وذلك لحديث: (( أيام التشريق كلها ذبح )). وقد أخرجه الإمام أحمد( (4/82) وغيره. وهو حديث ضعيف، وقد ضعفه أكثر أئمة الحديث - رحمهم الله -.

[COLOR="rgb(255, 140, 0)"]القسم الثالث: وهو عن الذبح ليلاً.[/COLOR]
ذبح الأضحية في النهار أفضل، لأنه فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن ذبحها ليلاً جاز عند أكثر أهل العلم.

[COLOR="rgb(255, 140, 0)"]القسم الرابع: وهو عن ذبح الأضحية بعد انتهاء وقتها.[/COLOR]
قال الوزير بن هبيرة -رحمه الله- في كتابه "الإفصاح"(1/560): واتفقوا -يعني: الأئمة الأربعة- على أنه إذا خرج وقت الأضحية على اختلافهم فيه فقد فات وقتها، وأنه إن تطوع بها متطوع لم يصح، إلا أن تكون منذورة فيجب عليه ذلك، وإن خرج الوقت.اهـ

الفرع السادس عشر: وهو عن الأكل والتصدق والإهداء من لحم الأضحية.

قال القرطبي -رحمه الله - في "تفسيره"(12/32): ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث، ويُطْعِمَ الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث.اهـ وعن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه و سلم - قال في شأن لحوم الأضاحي: (( كلوا وأطعموا وتصدقوا )) رواه البخاري (5569) ومسلم (1971). وفي رواية لمسلم: (( كلوا وادخروا وتصدقوا )). وتقدم قول أبي أيوب :- رضي الله عنه -(( كان الرجل يضحي بالشاة عنه،وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطْعمُون )). وقال ابن عمر - رضي الله عنه -:(( الضحايا والهدايا: ثلث لأهلك، وثلث لك، وثلث للمساكين)).رواه ابن حزم في "المحلى"( 5/ 313) وغيره، وحسنه بعض أهل العلم. وثبت عن ابن مسعود- رضي الله عنه - أنه كان يبعث بالهدي مع علقمة ثم يقول له: (( كل ثلثاً، وتصدق بثلث، وابعث إلى آل عتبة ثلثاً ))رواه ابن أبي عروبة في كتاب "المناسك"(رقم: 110) وابن أبي شيبة (4/ 88) والطبراني في "المعجم الكبير"(9/ 241 – 242) وابن حزم في "المحلى"(5/ 313). وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله - في كتابه "المغني"(13/380) عن استحباب التثليث: ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر، ولم نعرف لهما مخالفاً في الصحابة فكان إجماعاً.اهـ فإن لم يأكل المضحي من أضحيته شيئاً، وأطعم الفقراء جميعها جاز، وكان تاركاً للأكمل. قال القاضي عياض -رحمه الله - في كتابه "إكمال المعلم"(6/425): وقال الطبري: جميع أئمة الأمصار على جواز أن لا يأكل منها شيئاً، ويُطعم جميعها.اهـ وقال النووي -رحمه الله - في كتابه "المجموع"(08/391): بل يجوز التصدق بالجميع، هذا هو المذهب، وبه قطع جماهير الأصحاب، وهو مذهب عامة العلماء.اهـ

الفرع السابع عشر: وهو عن كيفية ذبح الأضحية.

وتحت هذا الفرع ثلاثة أقسام:

القسم الأول: وهو عن أنواع الأضحية المذبوحة.
الأضحية المذبوحة على قسمين:
النوع الأول: الإبل. وهذه السنة فيها أن تُنْحَرَ في اللبة قائمة مقيدة. قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: (( نحر النبي - صلى الله عليه و سلم - سبع بُدْن قياماً )) رواه البخاري (1717).
وقال زياد بن جبير -رحمه الله -: (( رأيت ابن عمر -رضي الله عنه - أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قياماً مقيدة، سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- )) رواه البخاري (1713) ومسلم (1320). قال النووي -رحمه الله - في "شرح صحيح مسلم"(9/76رقم:1320): يستحب نحر الإبل وهي قائمة معقولة اليد اليسرى ...، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور.اهـ وقال العلامة ابن قاسم -رحمه الله - في كتابه "حاشية الروض المربع"(4/225): قال الموفق وغيره: لا خلاف في استحباب نحر الإبل، وذبح ما سواها.اهـ

[COLOR="rgb(153, 50, 204)"]النوع الثاني:[/COLOR] البقر والضأن والمعز.
وهذه الأنواع يستحب أن تضجع على جانبها الأيسر، ثم تذبح. وقال العلامة ابن قاسم - رحمه الله - في كتابه "حاشية الروض المربع"(4/226): وأجمع المسلمون على إضجاع الغنم والبقر في الذبح.اهـ. وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله - في كتابه "فتح الباري"(10/21) عن الغنم: واتفقوا - يعني: أهل العلم - على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، يضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار.اهـ

القسم الثاني: وهو عن تنكيس صفة الذبح.
إذا عكس المضحي أو من ينوب عنه فذَبَح ما يُنْحَر، أو نحرَ ما يُذبَح جاز عند أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد لكن مع الكراهة. بل قال الإمام ابن المنذر -رحمه الله - في كتابه "الإشراف"(3/431): وليس يختلف الناس أن من نحر الإبل وذبح البقر والغنم أنه مصيب، ولا أعلم أحداً حرم أكل ما نحر مما يذبح، أو ذبح مما ينحر، وكره مالك ذلك، وقد يكره المرء الشيء ولا يحرمه.اهـ وذلك لأن الذكاة قد وقعت في محلها وهو الرقبة، فحل الأكل.

[COLOR="rgb(255, 140, 0)"]القسم الثالث: وهو عن التوكيل في ذبحها.[/COLOR]
الأفضل أن يذبح المضحي أضحيته بيده، لأنه فعل النبي -صلى الله عليه و سلم -، فقد قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -:(( ضحى رسول الله -صلى الله عليه و سلم - بكبشين أملحين، فرأيته واضعاً قدمه على صِفَاحِها، يسمي ويكبر، فذبحهما بيده )) رواه البخاري (5558) واللفظ له، ومسلم (1966).
وفي حديث عائشة -رضي الله عنها-: (( أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم - أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به، فقال لها: يا عائشة هَلمِي المُدية، ثم قال: اشحذيها بحجر، ففعلت، ثم أخذها، وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به )) رواه مسلم (1967).
وقال البخاري -رحمه الله - في "صحيحه" معلقاً بالجزم: (( وأمر أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن )). وذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في كتابه "فتح الباري"(10/21) من وصله، وقال عقبه:وسنده صحيح.اهـ

الفرع الثامن عشر: وهو عن التسمية والتكبير والدعاء بالقبول عند ذبح الأضحية.

جاء في حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه و سلم - لما ذبح أضحيته: (( سمى وكبر )) رواه البخاري (5565) ومسلم (1966). وفي لفظ آخر عند مسلم: (( ويقول: باسم الله، والله أكبر )). وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه و سلم -: (( أخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به )) رواه مسلم (1967 ). وقال النووي - رحمه الله - في "شرح صحيح مسلم"(13/129رقم:1966): قوله:(( وسمى ))فيه إثبات التسمية على الضحية، وسائر الذبائح، وهذا مجمع عليه.اهـ
ومن نسي التسمية عند الذبح، فإن ذبيحته حلال، ويجوز له الأكل منها. وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. والتكبير عند الذبح سنة بإجماع أهل العلم، نقله العلامة ابن قاسم -رحمه الله - في كتابه "حاشية الروض المربع"(4/215).

الفرع التاسع عشر: وهو عن استقبال القبلة عند ذبح الأضحية.

يستحب عند ذبح الأضحية أن تكون إلى جهة القبلة. وقد نقل العلامة ابن قاسم -رحمه الله - في كتابه "حاشية الروض المربع"(4/226) الإجماع على ذلك. وقد ثبت عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه - أنه: (( كان ينحر هديه بيده، ويصفهن قياماً، ويوجههن إلى القبلة، ثم يأكل ويُطعِم )) رواه مالك في "الموطأ"(1/379). وثبت عنه -رضي الله عنه - أيضاً أنه: (( كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحت لغير القبلة )) رواه عبد الرزاق (4/489رقم:8585). وثبت عن ابن سيرين -رحمه الله - أنه قال: (( كان يُسْتَحَبُ أن توجه الذبيحة إلى القبلة )) رواه عبد الرزاق (4/489-490رقم:8587). ومن ذبح أضحيته إلى غير القبلة أجزأته، وأكلها حلال.

الفرع الأخير: وهو عن أخذ مريد الأضحية من شعره وأظفاره وجلده إذا دخلت العشر.

إذا دخلت العشر الأول من شهر ذي الحجة فإن مريد الأضحية منهي عن الأخذ من شعره وأظفاره وجلده حتى يضحي.وذلك لحديث أم سلمة -رضي الله عنها - أن النبي -صلى الله عليه و سلم - قال: (( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً )) رواه مسلم (1977). وفي لفظ آخر: (( من كان له ذِبْحٌ يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي )). وقال النووي -رحمه الله - في كتابيه "المجموع"(8/363) و"شرح صحيح مسلم"(13/147-148رقم:1977):والمراد بالنهي عن الحلق والقلم المنع من إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره، والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذ بنورة أو غير ذلك وسواء شعر العانة والإبط والشارب والرأس وغير ذلك من شعور بدنه.اهـ فإن أخذ من ذلك شيئاً فقد أساء، وخالف السنة. قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله - في كتابه "المغني"(13/362-363): فإن فعل استغفر الله تعالى، ولا فدية عليه إجماعاً، وسواء فعله عمداً أو نسياناً.اهـ وأما بالنسبة لأهل البيت من زوجة وأولاد وغيرهم الذين يُضَحي عنهم من يعولهم من أب أو زوج أو ابن فلأهل العلم في أخذهم قولان:

القول الأول: جواز الأخذ. وبهذا القول يفتى هؤلاء العلماء: ابن باز والألباني والعثيمين. وذلك لأن حديث أم سلمة -رضي الله عنها - إنما فيه نهي مريد الأضحية وحده من الأخذ.

القول الثاني: الكراهة. وذلك لأن الشرع قد جعل لهم نوع مشاركة في الأضحية مع المضحي، وهي المشاركة في الثواب، فيشاركوه في حكم الأخذ. وقد ثبت عن سليمان التيمي -رحمه الله - أنه قال: (( كان ابن سيرين يكره إذا دخل العشر أن يأخذ الرجل من شعره، حتى يكره أن يحلق الصبيان في العشر )). ويبدأ وقت النهي عن الأخذ من الشعر والأظفار والبشرة بغروب شمس ليلة أول أيام شهر ذي الحجة، وينتهي بذبح الأضحية، وسواء ذبحها المضحي في يوم العيد أو اليوم الأول أو الثاني من أيام التشريق.وذلك لقوله - صلى الله عليه و سلم : (( من كان له ذِبْحٌ يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي )) رواه مسلم (1977). وفي لفظ آخر: (( إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره )).

المسألة الأخيرة / وهي عن بعض المظاهر السيئة التي تحصل في العيد.

العيد من أجمل المظاهر التي امتن الله بها على عباده، ففيه: يجتمع المسلمون في مصلياتهم، ويتقربون بعبادات شتى، ويكبرون الله ويشكرونه على ما أنعم عليهم، ويواسي غنيهم فقيرهم، ويصل القريب فيه قريبه، والجار جاره، وتصفو النفوس، ويُصفَح ويُتَجَاوز، وتحل الألفة، ويظهر الكرم، ويكون السرور، ويهنأ الناس بعضهم بعضاً، فحمداً لله على ما أنعم.

أيها المسلم ويا أيتها المسلمة: ثمة مظاهر كثيرة تُرى في العيد لا يليق بالمسلمين أو المسلمات أن تقع منه، وأن يكونوا من أهلها، أو من العاملين بها، وهذا شيء منها:

1- من الرجال من يتشاغل عن أهم شعائر العيد وهي صلاة العيد بالنوم أو التبضع أو التجمل أو الزبائن أو أمور ضيافة الزوار والمهنئين.
2- من النساء من تجعل العيد مظهراً من مظاهر التبرج والسفور والتكشف، وإظهار المفاتن والعورات، فَتَفْتن وتُفتن، وتأثم وتتسبب في الإثم، وذلك في وقت التزاور أو حضور العزائم والولائم أو عند الشواطئ والحدائق وأماكن التنزه.
3- من الناس من يكون في العيد من الضارين لأنفسهم وأهليهم وأصدقائهم بحضور تجمعات الغناء والموسيقى والرقص وحفلات أهلها، بل قد يسافر في طلبها، فيفسد نفسه ويُكَثَّر وزره، ويبُدد ماله الذي أنعم الله عليه به، وما هكذا تشكر النعم. لله عليه به .
4-من الناس من واقعه في العيد سهر بالليل يُمتَّع النفس مع الأصحاب، ثم نوم بالنهار تضيع به الصلوات في أوقاتها، فَيُهلك النفس بالإثم، ويُسخط ربه الذي أنعم عليه بهذه النفس، وباقي النعم.
5- من الذكور والإناث من يجعل عيده محلاً للتشبه بأهل الكفر والفجور والفساد في ألبستهم وشعورهم وأفعالهم وعاداتهم.
6- من الرجال والنساء من يؤثم نفسه عند اللقاء في العيد والتزاور، وذلك بمصافحة من ليس أو ليست بمحرم .
7- من الناس من يُبدد الكثير من المال في شراء المفرقعات "الألعاب النارية" لأولاده، فيتعلمون منه تبديد المال، وقد يكون سبباً في إيذاء الناس بها، أو إلحاق الضرر بعياله، والمستشفيات والمطافئ تشهد.
8- من الناس من يقلب لقاءه في العيد مع أهله و إخوانه وقرابته إلى تشاحن وتخاصم وتهاجر وزيادة في التباغض.
9- من الناس من يجعل العيد موسماً لزيارة المقابر والجلوس فيها والتجمع عندها، وما جعلها موسماً للزيارة في العيد، ولا خصصها بالزيارة فيه رسول الله -صلى الله عليه و سلم - ولا صحابته ولا بقية السلف الصالح بعدهم، فإن لم نقتد بهؤلاء الأكابر الأجلاء فبمن نقتدي؟
10- من الناس من يخص ليلة العيد بالإحياء ببعض العبادات من صلوات وأوراد أو غيرها، ولو كان هذا هو الخير فيها لفعله رسول الله -صلى الله عليه و سلم - وخلفاؤه الراشدون، أو أمر به أو رغب فيه، فقف حيث وقف النبي - صلى الله عليه و سلم -، وسر على طريقه وطريق أصحابه، فإن الخير لك هو في ذلك.
11- من الناس من أنعم الله عليه بُبَنَّيات، فتراه يخرجهن في العيد بألبسة إن رأيتها لم تتذكر إلا ألبسة الكاسيات العاريات المفسدات، وإن رأيتهن سألت الله أن يُسلمهن ويحفظهن من الفتن وأهلها، وخشيت عليهن من الشر، وأن يكبرن على هذه الألبسة ويتعودن عليها، فيكن معول إفساد لبلدانهن ومجتمعاتهن.
12- من الناس من يضيع ماله، ويضر نفسه ويؤثمها في العيد بالنظر إلى الفضائيات ومكالمة أهلها لطلب الأغاني ومشاهد الفساد والتعري فيها، فيراها ويهديها، ويتسبب في أن يسمعها ويراها غيره من الناس بسبب طلبه لها فيؤثمهم معه، ويحمل أوزاراً مع أوزاره.
13- من الشُّبان والشَّابات من يعايد غيره عبر الهاتف الجوال بكلمات ماجنة، وأصوات هابطة، وصور فاتنة، والجميع لا يضر إلا نفسه وأخاه وصاحبه.
14- من النساء من تظهر في الأعياد والمناسبات أمام أخواتها من النساء بألبسة فاضحة إن رأيتها لم تتذكر إلا نساء أهل الكفر والفجور والفساد والإفساد، وتتعجب وقوعه ممن أنعم الله عليها بدينه وشرعه، وستره وحفظه، وأفضاله الكثيرة.

وفي الختــام:
أسأل الله -جل وعلا - أن يرزقنا توبة صادقة، وحسنات متزايدة، وقلوباً تخشع، وإقبالاً على الطاعة يكثر، وبعداً عن المعاصي، وتركاً لأماكنها وأهلها وأسبابها.

وكتبه: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.

منقول مع بعض التصحيح.
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .

التعديل الأخير تم بواسطة بلال الجيجلي ; 10-25-2012 الساعة 01:32 PM
رد مع اقتباس