في بيته رحمه الله:
ولما كان الدرس في الأصول في المسجد عاماً وفي الطلبة من خواصهم رغبوا في درس خاص في بيته رحمه الله فكان لهم درس خاص بعد العصر. وكان بيته رحمه الله كمدرسة سواء لأبنائه الذين رافقوه للدراسة عليه وقد أملى شرحاً على مراقي السعود في بيته على أخينا أحمد الأحمد الشنقيطي.
لقد كان لتدريسه هذا سواء رسمياً في المعهد والكليتين أو في المسجد أو في المنزل كان له أثر طيب ونتائج حسنة لا يسع متحدث التحدث عنها بقدر ما تحدثت هي عن نفسها في أعمال كافة المتخرجين من تلك المعاهد والكليتين المنتشرين في أنحاء المملكة المبرزين في أعمالهم وفي أعلى مناصب في كافة الوزارات.
ولا يُغالي من يقول إن كل من تخرج أو يتخرج فهو إما تلميذ له أو لتلاميذه فهم بمثابة أبنائه وأحفاده كفى.
تقدير المسؤولين له: لقد كان بعلمه ونصحه وجهده وعفته موضع تقدير من جميع المسئولين وبالأخص أصحاب الفضيلة آل الشيخ وصاحب الجلالة الملك عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن بعد الرحمن وكان من أشد الناس تقديراً له. وقد منحه جلالة الملك رحمه الله أمراً بالجنسية لجميع من ينتمي إليه وفي كولما زار الملك محمد الخامس ملك المغرب الرياض استأذن في صحبة الشيخ إلى المدينة فرافقه تقديراً وإكراماً وألقى محاضرته بالمسجد النبوي بحضور الملك محمد الخامس بعنوان : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} وقد طبعت مرتين.
وهكذا قدم الرياض رحمه الله في ترحيب وإكرام وانتقل منها في إعزاز وإكبار بعد أن ترك فيها أطيب الآثار. وساهم في أكبر نهضة علمية في البلاد.
دوره رحمه الله في الجامعة الإسلامية:
إن من يعرف نشأة الجامعة الإسلامية وقد عرف الحركة العلمية الحديثة بالرياض ليقول أن افتتاح الجامعة الإسلامية امتداداً للحركة العلمية الحديثة بالرياض.
والمتتبع للحركات العلمية في العالم الإسلامي ليقول إن افتتاح الجامعة الإسلامية في ذلك التاريخ عناية من الله وتداركاً للتعليم الإسلامي حينما أصيبت بعض دور العلم الكبرى بهزات في برامجها.
فكان إيجادها امتداداً للحركة العلمية الحديثة بالرياض ومجيئها آنذاك تداركاً لبعض ما فات ولعلها جزء من تحقيق الحديث: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها". ومعلوم أن الإيمان عقيدة وعمل والعلم قبله.
ومن هنا نجدد أو نتذكر أهمية الجامعة الإسلامية ومدى وجودها بالمدينة المنورة وبالتالي مجيء أبناء العالم الإسلامية إليها للدراسة وللتربية في هذا الجو الروحي لتبرز لنا قيمة العمل في الجامعة وأن رسالتها تربوية بجانب أنها علمية وأنها منعت الانتساب دون الحضور لهذا الغرض نفسه.
وقد كان لوالدنا رحمه الله في هذه المجالات اليد الطولى والمجهود الأكبر فلم يدخر وسعاً في تعليم ولم يتوانى في توجيه سواء في دروسه أو أحاديثه أو محاضراته وسواء مع الطلاب أو المدرسين فكان كالأب الرحيم والداعية الناصح الأمين. تحمل عنه تلاميذه إلى أنحاء العالم الإسلامي حينما وصلت منح الدراسة بالجامعة الإسلامية لبلدان العالم الإسلامي فهل يمكن أن نقول ولو ادعاء أو تجوزاً إنه كان بحق في منزلة شيخ الإسلام في هذا الوقت. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وقد كان بجانب التعليم عضو مجلس الجامعة ساهم في سيرها ومناهجها كما ساهم في إنتاجها وتعليمها.
وفي سنة 86ه افتتح معهد القضاء العالي بالرياض برآسة فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي وكانت الدراسة فيه ابتداء على نظام استقدام الأساتذة الزائرين فكان رحمه الله ممن يذهب لإلقاء المحاضرات المطلوبة في التفسير والأصول.
امتداد نشاطه خارج المملكة:
إذا كانت الجامعة الإسلامية قد فتحت للبلاد نوافذ تطل منها على العالم الإسلامي كله وجعلت لها أبناء في شتى أقطارها فإن من حق أولئك الأبناء ما يجب من رعايتهم وحق تلك الأقطار ما يلزم من تقوية أواصر الروابط. فكانت فكرة إرسال بعثات إلى الأقطار الإسلامية وخاصة إفريقيا فكان رحمه الله على رأس بعثة الجامعة إلى عشر دول إفريقية بدأت بالسودان وانتهت بموريتانيا موطن الشيخ رحمه الله. كان لهذه البعثة في تلك البلاد أعظم الأثر وأذكر في مجلس من أفاضل البلاد بموريتانيا وفي حفل تكريم للبعثة وكل إلى فضيلته رحمه الله كلمة الجواب فكان منها إن الذكريات لتتحدث وإنها لساعة عجيبة أدارت عجلة الزمان حيث نشأ الشيخ في بلادكم ثم هاجر إلى الحجاز ثم ها هو يعود إليكم على رأس وفد ورئاسة بعثة فقد نبتت غرسة علمه هنا عندكم فذهب إلى الحجاز فنمت وترعرعت فامتدت أغصانها حتى شملت بوارف ظلها بلاد الإسلام شرقاً وغرباً وها نحن في موطنه نجني ثمار غرسها ونستظل بوارف ظلها. فكانت تلك الرحلة حقاً حلقة اتصال وتجديد عهد وإحياء معالم للإسلام.
وكان له رحمه الله العديد من المحاضرات والمحادثات سجلت كلها في أشرطة لا تزال محفوظة آمل أن أوفق لنقلها وطبعها إتماماً للفائدة إن شاء الله. ونضم إليها منهجه وسلوكه مع الحكام وصغار الطلاب والعوام مما يرسم الطريق الصحيح للدعوة إلى الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة.
في هيئة كبار العلماء:
وكما شكلت هيئت كبار العلماء بعد سماحة المفتي رحمه الله وهي أكبر هيئة علمية في البلاد كان رحمه الله أحد أعضائها. وقد ترأس إحدى دوراتها فكانت له السياسة الرشيدة والنتائج الحميدة. سمعت فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح حفظه الله وهو عضو فيها يقول: ما رأيت قبله أحسن إدارة منه مع بُعد نظر في الأمور وحسن تدبر للعواقب.
في الرابطة: وفي رابطة العالم الإسلامي كان عضو المجلس التأسيسي لم تقل خدماته فيه عن خدماته في غيرها. أذكر له موقفاً حدثني به جنب الرابطة مأزقاً كاد أن يدخل عليها شقاقاً أو انثلاما.
حينما قدم مندوب إيران وقدم طلباً باعتراف الرابطة بالمذهب الجعفري ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية الإسلامية ذات الوزن الكبير تؤيده على دعواه وتجيبه إلى طلبه. فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقاً وإن رفضوه واجهوا حرجاً. فاقترحوا أن يولى الأمر فضيلته رحمه الله في جلسة خاصة. فأجاب في المجلس قائلاً: لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي:
الإسلام دين الجميع والرسول -صلى الله عليه وسلم- رسول الجميع. والقرآن كتاب الله والكعبة قبلة الجميع والصلوات الخمس وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام ومجتمعون على تحريم المحرمات من قتل وشرب وزنا وسرقة ونحو ذلك. وهذا القدر كاف للاجتماع والترابط. وهناك أمور نعلم جميعاً أننا نختلف فيها وليس هذا مثار بحثها فإن رغب العضو الإيراني بحثها واتباع الحق فيها فليختر من علمائهم جماعة ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه ويعلن الحق ويُلتزم به. أو يسحب طلبه الآن. فأقر الجميع قوله وسحب العضو طلبه.
وهكذا كان رحمه الله حكيماً في تعليمه حكيماً في دعوته حكيماً في بحثه وإقناعه. وقد ظهر ذلك كل الوضوح في مؤلفاته.
مؤلفاته رحمه الله: لا شك أن كل مؤلف يحكي شخصية مؤلفه في علمه وفي عقله بل وفي اتجاهه كما قالوا: من ألف فقد استهدف أي لأنه يعرض ما عنده على أنظار الناس. وللشيخ تآليف عديدة منها في بلاده ومنها هنا. فما كان في بلاده هو:
1- في أنساب العرب نظما ألفه قبل البلوغ يقول في أوله:
سميته بخالص الجمان في ذكر أنساب بني عدنان
وبعد البلوغ دفنه قال لأنه كان على نية التفوق على الأقران وقد لامه مشايخه على دفنه وقالوا كان من الممكن تحويل النية وتحسينها.
2- رجز في فروع مذهب مالك يختص بالعقود من البيوع والرهون وهو آلاف متعددة قال في أوله:
الحمد الله الذي قد ندبا لأن نميز البيع عن لبس الربا
ومن بالمؤلفين كتباً تترك أطواد الجهالة هبا
تكشف عن عين الفؤاد الحجبا إذا حجاب دون علم ضربا
3- ألفية في المنطق - أولها:
حمداً لمن أظهر للعقول حقائق المنقول والمعقول
وكشف الرين عن الأذهان بواضح الدليل والبرهان
وفتح الأبواب للألباب حتى استبانت ما وراء الباب
4 - نظم في الفرائض أولها:
تركة الميت بعد الخامس من خمسة محصورة عن سادس
وحصرها في الخمسة استقراء وانبذ لحصر العقل بالعراء
أولها الحقوق بالأعيان تعلقت كالرهن أو كالجاني
وكزكاة التمر والحبوب إن مات بعد زمن الوجوب
وكل هذه المؤلفات مخطوطة.
أما مؤلفاته هنا فهي:
1- منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز. وموضوعها إبطال إجراء المجاز في آيات الأسماء والصفات وإيفائها على الحقيقة. وقد زاد هذا المعنى فيما بعد في آداب البحث والمناظرة.
2- دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب أبان فيه مواضع ما يشبه التعارض في القرآن كله كما في قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} مع قوله تعالى :{فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} وأن السؤال متنوع والمواقف متعددة. وقد طبع وما قبله ونفدا.
3- مذكرة الأصول: على روضة الناظر جمع في شرحها أصول الحنابلة والمالكية وبالتالي الشافعية. مقررة على كليتي الشريعة والدعوة.
4- آداب البحث والمناظرة: أوضح فيه آداب البحث من إيراد المسائل وبيان الدليل ونحو ذلك. وهو أيضاً مقرر في الجامعة ومن جزأين.
5- أضواء البيان: لتفسير القرآن بالقرآن وهو مدرسة كاملة يتحدث عن نفسه. طبع منه ستة أجزاء كبار والسابع تحت الطبع وصل فيه رحمه الله إلى نهاية قد سمع. ولعل الله ييسر ويوفق من يعمل على إكماله ولو بقدر المستطاع. ومن عجيب الصدف أن يكون موقفه رحمه الله في التفسير على قوله تعالى:{أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
وهنا العديد من المحاضرات ذات المواضيع المستقلة طبعت كلها ونفذت وهي:
1-آيات الصفات: أوضح فيها تحقيق إثبات صفات الله.
2- حكمة التشريع: عالج فيها العديد من حكمة التشريع في كثير من أحكامه.
3- المثل العليا: بين فيها المثالية في العقيدة والتشريع والأخلاق.
4- المصالح المرسلة: بين فيها ضابط استعمالها بين الإفراط والتفريط.
5- حول شبهة الرقيق: رفع اللبس عن ادعاء استرقاق الإسلام للأحرار.
6- على {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} ألقاها بحضرة الملك محمد الخامس عند زيارته للمدينة. وكلها عامة نافعة جديدة.
وبالتالي فقد كان لمنهجه العلمي في أبحاثه وتدريسه وفي مؤلفاته. إحياء لعلوم درست وتصحيحاً لمفاهيم اختلفت.
فمما أحيا من العلوم علم الأصول الذي هو أصل الاستدلال والاستنباط والاجتهاد والترجيح وعمدة المجتهد وعماده وبجهله لا يحق الاجتهاد ويجب التقليد المحض كما يقولون جهلة الأصول عوام العلماء. ففتح أبوابه وسهّل صعابه وأوضح قواعده، وقرب تناوله تسهيلاً لأخذ الأحكام من مصادرها ورد الفروع إلى أصولها.
كما أحيا آداب البحث والمناظرة فوضع منهجه وألف مقرره فكان خدمة للعقيدة في أسلوب بيانها وكيفية إثباتها والدفاع عنها وطرق الإقناع بما فيه الخلاف.
كما فتّح أبواباً جديدة وأحدث فنوناً طريفة في علوم القرآن من منع المجاز عن المنزل للتعبد والإعجاز إثباتاً لمعاني آيات الصفات على حقيقتها وسد باب تعطليها عن دلالتها إجراء للنص على حقيقته وإبقاء عليه في دلالته.
ومن دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب وبيان تصديق آي الكتاب بعضه بعضاً بدون تعارض ولا إشكال.
ومن تسليط أضواء البيان على تفسير القرآن بالقرآن رسم فيه المنهج السليم لتفسير القرآن الكريم. تفسير كلام الله بعضه ببعض وأبان أحكامه وحكمه وفتح كنوزه وأطلع نفائسه ونشر درره على طلبة العلم.
وكل ذلك فتح جديد في علوم القرآن لم تكن موجودة على هذا النسق من قبل ولم تكن تدرس بهذا المثل.
كما أنه في غضونها صحح مفاهيم مختلفة منها أن المنطق لم يكن يُعرف عنه إلا أنه تقديم العقل على النقل ومصادمة النص بالرأي وكان فعلاً وسيلة التشكيك في العقيدة باستخدام قضايا عقيمة. فهذب الشيخ رحمه الله من أبحاثه وأحسن باستخدامه فنظم قضاياه المنتجة ورتب أشكاله السليمة واستخدم قياسه في الإلزام. سواء في العقيدة أو أصول الأحكام وبعد أن كان يستخدم ضدها أصبح يعمل في خدمتها. كما وضح ذلك في آداب البحث والمناظرة.
مواقفه مع الحق:
كان رحمه الله قوياً صلباً ليناً سهلاً.
كان قوياً صلباً في بيانه، ليناً سهلاً في الرجوع إلى ما ظهر إليه منه.
في بعض الأعوام التي حججتها معه رحمه الله قدمنا مكة يوم سبع من الشهر وكان مفرداً الحج وفي يوم العيد صحبته للسلام على سماحة المفتي رحمه الله بمنى فسأله رحمه الله عن نسكه فقال جئت مفرداً الحج وقصداً فعلت فأدرك المفتي رحمه الله أن وراء ذلك شيئاً ولكن تلطف مع الشيخ وقال أهو أفضل عندك حفظك الله فأجاب أيضاً حفظكم الله لا للأفضلية فعلت ولكن سمعت وتأكد عندي أن أشخاصاً ينتمون لطلب العلم يقولون لا يصح الإفراد بالحج ويلزمون المفردين بالتحلل بعمرة. وهذا العمل لا يتناسب مع العديد من وفود بيت الله الحرام كل بما اختار من نسك وكل يعمل بمذهب صحيح وجرت محادثة من أنفس ما سمعت في تقرير هذا البحث من مناقشة الأدلة وبيان الراجح وأخيراً قال رحمه الله أنه لا يعنيني بيان الأفضل فهذا أمر مختلف فيه وكل يختار ما يترجح عنده ولكن يعنيني إبطال القول بالمنع من صحة إفراد الحج لأنه قول لم يسبق إليه والأمة مجمعة على صحته. فما كان من سماحة المفتي رحمه الله إلا أن استحسن قوله ودعا له.
ولكأني بهذا العمل من الشيخ رحمه الله الذي أراد به البيان عملياً صورة مما وقع من علي رضي الله عنه حينما بلغه عن عثمان رضي الله عنه أنه ينهى عن التمتع فدخل عليه وقال كيف تنهى عن شيء فعلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج من عنده وهو يقول: لبيك اللهم حجاً وعمرة.
أما لينه مع الحق ورجوعه إلى ما ظهر له منه ففي آخر دروسه في الحرم النبوي في رمضان الماضي في سورة براءة أعلن عن رجوعه عن القول في الأشهر الحُرم بأنها منسوخة وقال الذي يظهر أنها محكمة وليست منسوخة وكنا نقول بنسخها في دفع إيهام الاضطراب ولكن ظهر لنا بالتأمل أنها محكمة. وهو الحق الذي ينبغي اعتماده والتعويل عليه.
ومما وقع لي معه رحمه وأكبرته فيه تواضعه وإنصافه سمعت منه في مبحث زكاة الحلي في أضواء البيان عند سرد الأدلة ومناقشتها أن من أدلة الموجبين حديث المرأة اليمنية ومعها ابنتها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فسألها صلى الله عليه وسلم: "أتؤدين زكاة هذا" فقالت: لا. فقال: "هما حسبك من النار". فخلعتهما وألقت بهما.
وأجاب المانعون بأن ذلك كان قبل إباحة الذهب للنساء فتساءلت مستوضحاً منه رحمه الله: وماذا يسمى هذا منه صلى الله عليه وسلم سكوته عن لبسه وهو محرم وسؤاله عن زكاته فقال عجباً إن هذا يتضمن وجود اللبس عند السؤال ويدل على إباحته آنذاك لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقر أحداً على محرم ولا يتأتى أن يسكت على لبسها إياه وهو ممنوع ويهتم لزكاته ولو أعيد طبع الكتاب لنبهت عليه رغم أن جميع المراجع لم تلتفت إليه فهو بهذا يلقن طلبة العلم درساً في موقفه من الحق ولكأني بكلام عمر رضي الله عنه في كتابه لأبي موسى رحمه الله ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت فيه نفسك وظهر لك الحق أن تأخذ به فالحق أحق أن يتبع. وقد رأينا من قبل للشافعي القديم والجديد. وهذا ما يقتضيه إنصاف العلماء وأمانة العلم.
هذا ما وسعني ذكره عن حياته العلمية في نشأته وتعلمه وتعليمه وعن تراثه العلمي في مؤلفاته وآثاره التربوية في أبنائه وأبناء العالم الإسلامي كله رحمه الله رحمة واسعة.
ولعل من أبنائه الحضور أو غيرهم من لديه المزيد على ذلك.
أما الناحية الشخصية : في تقويمه الشخصي لسلوكه، وأخلاقه، وآدابه، وكرمه، وعفته، وزهده وترفع نفسه وما إلى ذلك. فهذا ما يستحق أن يفرد بحديث، وإني لا أستطيع الآن تصويره ولا يسعني في هذا الوقت تفصيله.وما كان رحمه الله يحب أن يذكر عنه شيء في ذلك. ولكن على سبيل الإجمال لو أن للفضائل والمكرمات والشيم وصفات الكمال في الرجال عنوان يجمعها لكان هو أحق به.
وإذا كان علماء الأخلاق يعنونون لأصول الأخلاق والفضائل بالمروءة فإن المروءة كانت شعاره ودثاره.وكانت هي التي تحكمه في جميع تصرفاته سواء في نفسه أو مع إخوانه وطلابه أو مع غيرهم من عرفهم أو لم يعرفهم. وقد قال فيه بعض الناس في حياته إنه لا عيب فيه سوى عيب واحد هو أننا نفقده بعد موته.
وإن تفصيل ذلك لمتروك لمن خالطه عن قرب. ولقد استعصى علي المقال في ذلك ولكأني بقول القائل:
أهابك إجلالاً وما بك سلطة علي ولكن ملء عين حبيبها
ولكن قد تكفي الإشارة إذا لم تسعف العبارة. وأقرب شيء زهده في الدنيا وعفته عما في أيدي الناس وكرمه بما في يده: لأن هذا لا يعلم إلا لمن خالطه وليس كل من خالطه يعرف ذلك منه بل من داخله ولازمه.
والواقع أن الدنيا لم تكن تساوي عنده شيئاً فلم يكن يهتم لها. ومنذ وجوده في المملكة وصلته بالحكومة حتى فارق الدنيا لم يطلب عطاء ولا مرتباً ولا ترفيعاً لمرتبه ولا حصولاً على مكافأة أو علاوة. ولكن ما جاءه من غير سؤال أخذه وما حصل عليه لم يكن ليستبقيه بل يوزعه في حينه على المعوزين من أرامل ومنقطعين وكنت أتولى توزيعه وإرساله من الرياض إلى كل من مكة والمدينة. ومات ولم يخلف درهماً ولا ديناراً وكان مستغنياً بعفته وقناعته. بل إن حقه الخاص ليتركه تعففاً عنه كما فعل في مؤلفاته وهي فريدة فينوعها. لم يقبل التكسب بها وتركها لطلبة العلم.
وسمعته يقول: لقد جئت معي من البلاد بكنز عظيم يكفيني مدى الحياة وأخشى عليه الضياع. فقلت له وما هو قال القناعة. وكان شعاره في ذلك قول الشاعر:
الجوع يطرد بالرغيف اليابس فعلام تكثر حسرتي ووساوسي
وكان اهتمامه بالعلم وبالعلم وحده وكل العلوم عنده آلة ووسيلة وعلم الكتاب وحده غاية وكان كثيراً ما يتمثل بأبيات الأديب محمد بن حنبل الحسن الشنقيطي رحمه الله في قوله:
لا تسيء بالعلم ظناً يا فتى إن سوء الظن بالعلم عطب
لا يزهدك أحد في العلم أن غمر الجهال أرباب الأدب
إن تر العالم نضوا مرملا صفر كف لم يساعده سبب
وترى الجاهل فد حاز الغنى محرز المأمول من كل أرب
قد تجوع الأسد في أجامها والذئاب الغبش تعتام القتب
جرع النفس على تحصيله مضض المرين ذل وسغب
لا يهاب الشوك قطاف الجنى وإبار النحل مشتار الضرب
حقاً إنه لم يسئ بالعلم ظناً ولم يهب في تحصيله شوك النخل ولا إبار النحل. فنال منه ما أراد واقتحم الحمى على عذارى المعاني وأباح حريمها جبراً عليها وما كان الحريم بمستباح.
أما مكارم أخلاقه ومراعاة شعور جلسائه فهذا فوق حد الاستطاعة فمذ صحبته لم أسمع منه مقالا لأي إنسان ولو مخطئ عليه يكون فيه جرح لشعوره وما كان يعاتب إنساناً في شيء يمكن تداركه وكان كثير التغاضي عن كثير من الأمور في حق نفسه وحينما كنت أسائله في ذلك يقول:
ليس الغبي بسيد في قومه ولكن سيد القوم المتغابي
ولم يكن يغتاب أحداً أو يسمح بغيبة أحد في مجلسه وكثيراً ما يقول لإخوانه (اتكايسوا) أي من الكياسة والتحفظ من خطر الغيبة. ويقول إذا كان الإنسان يعلم أن كل ما يتكلم به يأتي في صحيفته فلا يأتي فيها إلا الشيء الطيب.
ومما لوحظ عليه في سنواته الأخيرة تباعده عن الفتيا وإذا اضطر يقول: لا أتحمل في ذمتي شيئاً العلماء يقولون كذا وكذا.
وسألته مرة عن ذلك: فقال إن الإنسان في عافية ما لم يُبتلى والسؤال ابتلاء لأنك تقول عن الله ولا تدري أتصيب حكم الله أم لا. فما لم يكن عليه نص قاطع من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب التحفظ فيه.
ويتمثل بقول الشاعر:
إذا ما قتلت الشيء علماً فقل به ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله
فمن كان يهوي أن يرى متصدراً ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
وفي الجملة فقد كان رحمه الله خير قدوة وأحسنها في جميع مجالات الحياة فكان العالم العامل ولا أزكي على الله أحداً وقد خلف ولدين فاضلين أديبين يدرسان بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية جعلهما الله خير خلف لخير سلف والله أسأل أن يسكنه فسيح جنته ويوسع له في رضوان رحمته وأن يعلي منزلته ويرفع درجته مع العلماء والصديقين والشهداء وحَسُنَ أولئك رفيقا.
ونفعنا الله بعلمه وسلك بنا طريقة عمله بما يرضيه تبارك وتعالى عنا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله علي وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
[1] أي لا تستميلني.
منقول من شبكة الآجري:
http://www.ajurry.com/vb/showthread.php?t=18115