عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 11-06-2012, 06:36 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

الدعوة إلى الله في الإسكندرية

وبعدما خرجت من الطريقة التجانية ودخلت في الطريقة الحنيفية توجهت إلى مصر ولقيت إمام الدعوة في ذلك الزمان السيد محمد رشيد رضا- رحمة الله عليه- ولقيت أكثر الدعاة إلى السلفية في مصر كالشيخ محمد الرمالي بالقاهرة والشيخ حسن عبد الرحمن في مزرعته بين دمنهور والإسكندرية والشيخ عبد الظاهر أبى السمح والشيخ محمد أبي زيد في دمنهور والشيخ حامد الفقي بالقاهرة والشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة بكفر عامر والشيخ الألمعي عبد العزيز الخولي بالقاهرة.

ولما وصلت إلى الإسكندرية وإلى رملها بشاطئ بحرها لقيت أهل بيت (لا أقول أسرة ولا عائلة) من بلادنا سجلماسة بالمغرب الأقصى مستوطنين بالإسكندرية ففرحوا بي فرحا عظيما لأنهم يعرفون والدي، وكان من علماء بلادنا ويجلونه، فأكرموني لأجل ذلك، ووجدتهم تجانيين (طوخ) يعني غارقين في الطريقة سكارى بنشوتها، وكلمة (طوخ) فارسية فيما أظن، تستعمل في العراق بالمعنى المتقدم، فقلت في نفسي: يجب علي أن أنقذهم من هذه الطريقة كما أنقذني الله منها، ولكن خيل لي وأنا في أوائل الشباب أنني إذا صرحت لهم بانتقاد الطريقة سينفرون ولا يقبلون الدعوة، فأردت أن أخادعهم فأظهرت لهم أني لا أزال تجانيا.

ولما أخذت أتلطف معهم في انتقاد بعض الأمور كالاجتماع لذكر الوظيفة جماعة بلسان واحد، فجاء رجل مصري من تجانيي الإسكندرية وقال لهم: (يا إخواننا أنا الراكل ده بعيني شفته يخش ويخرك في مسكد الوهابية بالرمل، والوهابية ما بيخلوا خد يخش في مسكدهم إلا إذا كان منهم) معناه بعيني رأيت هذا الرجل- يعني كاتب المقال- يدخل ويخرج في مسجد الوهابية برمل الإسكندرية ومن عادة الوهابيين أنهم لا يتركون أحدا يدخل مسجدهم إلا إذا كان منهم، ويعني بالمسجد مسجد أبي هاشم المهندس رحمة الله عليه، وكان قد خصص جزء ا من أرضه وبنى فيه مسجدا صغيرا للشيخ عبد الظاهر أبي السمح وجماعة السلفيين بالرمل، وسبب إقامتي في هذا المسجد مدة شهرين ما يتلو.

* امتحان الدعاة إلى الله*

اعلم أن الدعاة إلى الله يمتحنون على قدر إيمانهم وصبرهم وتجلدهم، ومنهم الشيخ عبد الظاهر أبو السمح- رحمه الله- فإنه كان يدعو إلى الله برمل الإسكندرية وقد أنكر دعوته جميع من ينتسب إلى العلم في رمل الإسكندرية وفي الإسكندرية نفسها، وكان معلما لبنات محمد باشا الديب- بالدال المهملة كما ينطق به في العامية المصرية- ويدعو إلى الله بإلقاء الدروس في المسجد المذكور وصلاة الجمعة لوجه الله فمنع من ذلك؛ فدعاني لأن أنوب عنه وعما قليل يأتيك سبب المنع، أي بعد أن أتم قصتي مع المغاربة.

فلما سمع المغاربة من ذلك الرجل المصري التجاني ذلك الكلام غضبوا عليه غضبة مغربية فقالوا له: إنكم معشر المصريين عودتمونا سماع ما نكره في كل عزيز لدينا فلا يطيب لكم عيش إلا إذا أسأتم إلينا، نحن نعرف هذا الشاب وأباه وأمه وأهل بيته وهو لم يقدم من المغرب إلا منذ وقت قصير ونحن في المغرب ليس عندنا وهابيون فمن أين تعلم الوهابية، وصاحوا عليه صياحا منكرا.

وكان الرجل داهية فلم يغضب بل قابل غضبهم بحلم وسعة صدر وقال لهم:

(يا إخواننا يا مغاربة ما تزعلوش المسألة بسيطة عندنا الشيخ محمد بن مبارك السوسي ولا تشكون في علمه وفضله، وأنه أكبر عالم تكاني في مصر نكتب له ونسأله عن الشاب ده إذا قال هو تكاني صحيح أنا أكي وأبوس روسكم وركليكم كمان، وأطلب منكم المسامحة وإذا قال غير ذلك تعرفوا أن الحق عليكم) معناه أن الشيخ محمد بن مبارك المغربي هو شيخنا في الطريقة التجانية وهو يعرف ضيفكم هذا فهلم نتحاكم إليه فإن حكم بأن محمد تقي الدين الهلالي ضيفكم العزيز هو تجاني حقا اعتذرنا إليكم وقبلنا رءوسكم وأرجلكم.

وكان المغاربة قد هددوا المصريين بأنهم يفترقون عنهم ويتخذون زاوية خاصة لأنفسهم وأكون أنا مقدمهم، ففرحت أنا بهذا السراب الذي خيل لي أنه شراب ولكن الرجل المصري بدهائه أحبط عملي. ومن ذلك الحين علمت يقينا أنني أخفقت في مسعاي؛ لأن الشيخ السوسي المذكور يعلم يقينا أنني من المنتقدين للطريقة التجانية وسبب ذلك: أن أخص مريديه وهو محمد الدادسي كان يغسل رأسي في بيته بالقاهرة فقال لي: هنيئا لكم معشر أهل البيت فإن الجنة مضمونة لكم على أي حال كنتم فقلت ومن ضمنها لنا؟ قال: ألم تطلع على ما ذكره الشيخ الاكبر ابن عربي الحاتمي في تفسير قوله تعالى: ) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا( [الأحزاب: 33] فقلت: وماذا قال؟ فقال: قال الشيخ الاكبر: ((إن أبناء فاطمة خلقهم الله طاهرين طهارة عينية فلا تصدر منهم المعاصي ألبتة وكل ما نراه في الظاهر من صدور المعاصي منهم يجب أن نكذب أعيننا ونصدق الله تعالى.

فقلت: وهل ابن عربي معصوم من الخطأ؟ فقال لي: إن سيدنا الشيخ التجاني نقل عنه ذلك وصدقه. فقلت: وهل الشيخ التجاني معصوم من الخطأ؟ فأصابه حزن عظيم ظهر في وجهه واختصر غسل رأسي وسكت على مضض، فعلمت أنه لابد أن يوصل ذلك إلى شيخه.

وغبت عن الإسكندرية أياما ثم رجعت (لأجس) النبض وليس لي إلا أمل ضئيل. فكظم المغاربة ما في أنفسهم، ولم يظهروا لي شيئا ودعينا إلى العشاء عند بعض التجانيين عند المغاربة لآخرين فجرى ذكر الملك حسين بن علي ملك مكة فانتقدت أنا تحالفه مع الإنكليز والفرنسيين وإدخال جيوشهم إلى قرب الحرم المكي، فانفجر أحد التجانيين غيظا، وقال: ((صدق من قال: مثل العالم الذي لا يعمل بعلمه كجلد كلب ملئ عسلا)) يعني أن الملك حسينا وهو من أهل البيت لا يصدر عنه إلا الطاعات فانتقادي له جهل وسفاهة؛ لأن فيه إنكار على شيخ الطريقة.

وسكت أصحابي ولم يدافعوا عني، فلما خرجنا جذبني أحد المغاربة من التجانيين المعتدلين، وقال لي: ألم يبلغك ما أجاب به الشيخ السوسي فقلت: لا. أفدني يرحمك الله، فقال: إنه أجاب التجانيين فقال في جوابه: إن محمدا تقي الدين الهلالي من آل البيت، وقد أوصانا سيدنا رضي الله عنه يعني التجاني بإكرام أهل البيت، فأكرموه ولا تأخذوا عنه شيئا من أمور الدين فعلمت أن القضية قد انتهت بالإخفاق كما كنت أتوقع وعقدت العزم على أن لا أداهن ولا أداجي في دين الله ما دمت حيا؛ بل أقول الحق من أول وهلة، للربح أو للخسارة، وما لقيت إلا الربح إلى حد الآن وسيأتيك الدليل فلا تعجل.
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
رد مع اقتباس