الفصل الأول بيان منزلة السنّة في الكتاب والسنّة
تعريف السنة:
هي في اصطلاح المحدثين : كل ما أثر عن النبي صى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة، والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي.
ولها منـزلة عظيمة وميزات مرتبطة بميزات ومنـزلة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم منها - :
1- لقـد ميز الله رسوله بالعصمة فيما يبلغه عن ربه -عز وجل-، وهي ميزة جميع الأنبيـاء -عليهم الصـلاة والسلام-، وهذه العصمة ليست خاصة بتبليغ القرآن بل في كل ما يبلغه عن ربه -عز وجل- من قول أو فعل أو تقرير فهو لا ينطق عن هوى كما قال تعـالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَـوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُـمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (النجم: 1-4)، ومن خصّ هذه العصمة بتبليغ القرآن دون سنة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ضل وغوى.
2- وقرن الله الإيمان بهذا الرسول الكريم بالإيمان به -عز وجل- في كثير من الآيات.
قال تعـالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُـونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِـهِ وَإِذَا كَانُـوا مَعَـهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِـعٍ لَمْ يَذْهَبُــوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ (النور:62).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم ( الحديد: 28 ).
وقال تعـالى: لِتُؤْمِنـُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِـهِ وَتُعـَزِّرُوهُ وَتُوَقـِّرُوهُ( الفتح: 48 ).
فالإيمان به يقتضي الإيمان بكل ما جاء به وأخبر عنه من الأمور الماضية والمستقبلية من أخبار الرسل وأممهم وأخبار الجنة والنار وأهلهما وأشراط الساعة والملاحم وغيرها.
3- وأحلّـه منـزلة رفيعة، هي أن يكون المبين لكتابه، والمفسر لما أجمل من آياته، والمخصص لعموماته، والمقيد لمطلقاته، فقال عز من قائل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( النحل:44 ). فيالها من منـزلة أرغم الله أنوف من لم يرضوها ويجادلون فيها بالباطل.
4- وأمر بطاعته في مواضع كثيرة تربوا على ثلاثين موضعاً، وقرن طاعته بطاعته بل جعل طاعته طاعة لله، ومعصيته معصية لله، قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ( النساء: 80 ).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( الأنفال:20 ).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( النساء:59 ). وقال تعالى قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( آل عمران:32 ).
فهذا التأكيد على طاعته مقرونة بطاعة الله، وهذا الأمر بالرد إلى الله والرسول ليس له معنى إلا الانقيـاد له صلى الله عليه وسلم، واعتقاد وجوب طاعته، والحذر من معصيته.
5- ووعد الله بأعظم الجزاء لمن يطيع الله ورسوله في غير ما آية منها: قوله تعالى عقب تفصيل المواريث: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(النساء:13).
ومنها: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقـاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً ( النساء:70 ).
6- ونفى الإيمان عمن لا يحكمه في شئون الدين والدنيا أو يجد حرجاً في الاحتكام إليه أو لا يسلّم تسليماً ظاهراً وباطناً لقضائه.
قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( النساء:65 ).
7- وحذّر الله من مخالفته أشد التحذير وتوعد من يخالف أمره بالسقـوط في الفتنـة وبالعذاب الأليم، قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( النور: 63 ).
8- ووصف من يتهرب من الاحتكام إليه ويصد عنه وعن حكمه بالنفاق، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (النساء:61).
9- ووصف من يعرض عن حكمه ولا يذعن له بأنّهم غير مؤمنين، وأن دعواهم الإيمان كاذبة، وبأنّ في قلوبهم مرضاً، ووصفهم بالظلم وسوء الظن بالله وبرسوله.
فقال: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( النور 48- 50 ).
10- وجعل الله من علامات المؤمنـين الصادقين الاستجابة لمن يدعوهم إلى حكم الله ورسولـه، وإعـلان السمع والطاعـة، وشهد لهم بأنهم هم المفلحون والفائزون فقـال: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَـا وَأَطَعْنَـا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُـونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَـهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْـهِ فَأُولَئِـكَ هُمُ الْفَـائِزُونَ (النور:51-52 ).
ووعد الله سبحانه وتعالى من يطيع الرسول بالهداية إلى الحق فقال تعـالى: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( النور: 54 ).
11- وميز الله الذكر المنـزل عليه بالحفظ، وهذا الذكر يشمل القرآن والسنة وهي بيانه ولا يتم حفظ القرآن إلا بحفظ بيانه.
وهذا كما يشهد به القرآن يشهد به الواقع وتاريخ هذه الأمة، وجهاد فحولها في الحفاظ على السنة وحفظها واتخاذ كل الوسائل الحكيمة، واستخدام الأصول والطرق والمناهج لتحقيق هذا الحفظ في أجلى صوره وأمتنها ولا يجحد هذا إلا مكابر.
هذه المزايا وغيرها -مما لا يتسع المقام لذكره- لهذا الرسول الكريم تعطي بداهة عند أولى النهى والألباب مكانة واعتباراً وإجلالاً لسنة محمد ، وأنها براهين ساطعـة وحجج قاطعـة مع القرآن جنباً إلى جنب في كل أبواب الدين والدنيا في العقائد والعبادات والمعاملات والسياسة والاجتماع والاقتصاد.
ومن رأى أو قال غير هذا فقد تاه، وضل ضلالاً مبيناً، وشاق الله ورسوله، واتبع غير سبيل المؤمنين.
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ( النساء:115 ).
ومن السنّة:
ما جاء عن عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي" ( 1).
وعن معديكرب -- قال: قال رسول الله --: "يوشك الرجل متكأً على أريكته يحدّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله -عز وجل- فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإنّ ما حرم رسول الله -- مثل ما حرّم الله" ( 2).
وعن أبي رافع –-، أنّ رسول الله -- قال: "لا ألفينّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ( 3).
وعن أبي هريرة –- أنّ رسول الله -- قال: "كلّ أمتي يدخلون الجنّة إلا من أبى"، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟، قال: "من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى" ( 4).
وعن أبي موسى –- عن النبي -- قال: "إنّما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتي قوماً، فقال: يا قوم إنّي رأيت الجيش بعينيَّ، وإنّي أنا النذير العريان، فالنّجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتّبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحق" ( 5).
__________________
اللهم اشف ابني حمود وألبسه لباس الصحة والعافية يا رب
|