الشبهة السادسة عشرة:
قال محمد صدقي:
"نهى بعضهم عن التحديث، وكذلك علماء التابعين".
أقول:
هذه دعوى كبيرة فأين أدلتها؟ ومن هم هذا البعض ؟.
ومن هم هؤلاء العلماء من التابعين الذين كانوا ينهون عن التحديث عن رسول الله ؟، وكيف يكون هؤلاء علماء دون تعلمهم سنة نبيهم ؟.
وقد تعلق شبيهه في حرب السنـة محمود أبو رية بما ذكره الذهبي -رحمه الله – في "تذكرة الحفاظ" (85 ) حيث قال في ترجمة أبي بكر الصديق : "ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافاً فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه".
ولقد أهمل هذا الرجل نقد الذهبي لهذه الرواية وبيانه أنها مرسلة والمرسل لا تقوم به الحجة.
وأهمل بيان الذهبي لمقصود أبي بكر على فرض صحة الرواية ألا وهو التثبت والاحتياط.
وأهمل ما نقله الذهبي في سياق الحديث عن الصديق أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً، وما علمت أن رسول الله ذكر لك شيئاً. ثم سأل الناس فقام المغيرة، فقال: حضرت رسول الله يعطيها السدس، فقال له هل معك أحد، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها.
أفمن هذا حاله ينهى الناس عن الحديث عن رسول الله .
قال الذهبي في هذا السياق: "وصح عن الصديق أنه خطبهم، فقال: "إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار".
وذكر حديثاً آخر عنه وهذا الذي رواه حديث عن النبي والذي خطب به كذلك هو حديث عن النبي لماذا تجاهل هذا الرجل حكم الذهبي على هذا الأمر؟.
ولماذا تجاهل هذه السياقات التي هي ضد منهجه وغايته؟.
ولماذا تجاهل بيان الذهبي مقاصد أبي بكر اللائقة به ويسوق النص لضد مقصده وما يليق بمكانته؟.
لقد روى أبو بكر عن رسول الله مائة واثنين وأربعين حديثاً اتفق الشيخــان على ستة منها وانفرد البخاري بأحد عشر حديثاً ومسلم بحديث( 86)" هذا على قصر مدة حياته بعد النبي واشتغاله بأعباء الخلافة والجهـاد والقضـاء على الـردة، ولو طالت به الحياة لروي عنه الكثير المبارك -رضي الله عنه-.
--------------------------------------------------------------------------------
الشبهة السابعة عشرة:
قوله: " كان أفاضلهم أقلهم حديثاً ويصدفون عنه، ولو كان واجباً لما كان هذا حالهم ".
وهذه شبهة سخيفة، والجواب عنها من وجوه:
أن الصحابة كلهم أفاضل وتفاوتهم لا يرجع إلى قلة الرواية وكثرتها وإنما يرجع إلى أمور أخرى منها:
1- أن تبليغ القرآن والسنة إنما هو واجب على عموم المسلمين في الجملة إذ هو من فروض الكفايات فإذا قام بهذا الواجب بعض الأمة سقط الحرج عن الباقين.
فمن قال: إن تبليغ القرآن كان فرضاً عينيَّاً على جميع الصحابة فضلاً عن السنة؟.
2- أن قلة الحديث وكثرته ليس سببه كراهة تبليغ السنة أو محبتها، وإنما سببه التفرغ لتحمله أولاً ثم لتبليغه ثانياً كما هو حال أبي هريرة وإخوانه من المكثرين مثل جابر بن عبد الله وعائشة وأنس وعبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس -رضي الله عنهم-.
3- أن الأمر يرجع إلى الدواعي إلى التبليغ وعدمها.
4- أن الأمر يرجع إلى اعتقادهم أن هذا التبليغ إنما هو من فروض الكفايات.
هذا مع اشتغال بعضهم بالجهاد وتفرغ الآخرين للتبليغ كما قال تعالى:
فَلَوْلا نَفَـرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَـةٍ مِنْهُمْ طَائِفـَةٌ لِيَتَفَقَّهُـوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْـذِرُوا قَوْمَهـُمْ إِذَا رَجَعُـوا إِلَيْهِـمْ لَعَلَّهُـمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122). فإذا تصدى بعضهم للجهاد وغيره من مصالح المسلمين تصدى غيرهم للدعوة ونشر القرآن والسنة فيكمل عمل بعضهم عمل البعض الآخر تبليغاً وتطبيقاً.
أما الدعوى أنهم يصدفون عن رواية الحديث وتبليغه استصغاراً لشأنه فإنها فرية كبيرة على أصحاب محمد برأهم الله منها والمؤمنون.
الشبهة الثامنة عشرة:
قول محمد صدقي:
" من كان من الصحابة كثير الحديث ملوا منه ونهوه وزجروه كما فعل عمر بأبي هريرة، وشكوا فيه وقالوا إنه يضع الشيء في غير موضعه، ونسبوه للجنون كما في كتبكم".
أقـول:
هذا الكلام كله هذيان بالباطل وافتراء على أصحاب رسول الله .
وقد سبقه إلى مثل هذا الباطل الملاحـدة وغلاة الرفض وشاركه في الإرجاف به المستشرقون ومن سار على نهجهم من المنتسبين إلى الإسلام مثل أحمد خان وأتباعه ومثل أحمد أمين وأبي رية ومن خذله الله باتباعهم، وقد دفع أباطيل هؤلاء عدد من العلماء منهم الشيخ عبد الرحمن المعلمي في كتابه " الأنوار الكاشفة"، والشيخ عبد الرزاق حمزة في كتابه "ظلمات أبي رية".
قال العلامة المعلمي في كتابه " الأنوار الكاشفة لما في أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة " (87 )، الذي دحض فيه أباطيل أبي رية وبين فيه أكاذيبه وخيانته ومجازفاته.
قال - رحمه الله -:
"وقال (ص:162) –يعني: أبا رية- " كثرة أحاديثه"( 88)، ثم قال (ص:163): وقد أفزعت كثرة رواية أبي هريرة عمر بن الخطاب فضربه بالدرة وقال له: "أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأَحْرِ بك أن تكون كاذباً".
1- قال المعلمي: "أقول: لم يعز هذه الحكاية هنا وعزاها (ص:171) إلى شرح "النهج" لابن أبي الحديد حكاية عن أبي جعفر الإسكافي، وابن أبي الحديد من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإسلام وحاله مع ابن العلقمي الخبيث معروفة.
والإسكافي من دعاة المعتزلة والرفض –أيضاً- في القرن الثالث ولا يعرف له سند.
ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبة وغيرهم بما فيه انتقاص لأبي بكر وعمر وعلي وعائشة وغيرهم وإنما يتشبث بها من لا يعقل.
وقد ذكر ابن أبي الحديد (1/360) أشياء عن الإسكافي من الطعن في أبي هريرة وغيره من الصحابة وذكر من ذلك مزاح أبي هريرة فقال ابن أبي الحديد " قلت: قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف(89 ) في ترجمة أبي هريرة، وقوله فيه حجة لأنه غير متهم عليه".
وفي هذا إشارة إلى أن الإسكافي متهم. ونحن كما لا نتهم ابن قتيبة قد لا نتهم الإسكافي باختلاق الكذب، ولكن نتهمه بتلقف الأكاذيب من أفاكي أصحابه الرافضة والمعتزلة.
وأهل العلم لا يقبلون الأخبار المنقطعة، ولو ذكرها كبار أئمة السنة فما بالك بما يحكيه ابن أبي الحديد عن الإسكافي عمن تقدمه بزمان".
ثم قال: "قال أبو رية (ص:163): "ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدرة إذ أصبح لا يخشى أحداً بعده".
قال المعلمي: أقول: لم يمت الحق بموت عمر –رضي الله عنه- وسيأتي تمام هذا".
ثم ذكر أثرين إلى أبي هريرة أحدهما معلّ بالانقطاع وفي إسناد الثاني متهم وذكر أنه يقابلهما آثار.
ثم قال المعلمي -رحمه الله-: "وبعد فإن الإسلام لم يمت بموت عمر، وإجماع الصحابة بعده على إقرار أبي هريرة على الإكثار مع ثناء جماعة منهم عليه، وسماع كثير منهم منه، وروايتهم عنه كما يأتي يدل على بطلان المحكي عن عمر من منعه.
بل لو ثبت المنع ثبوتاً لا مدفع له لدلّ إجماعهم على أن المنع كان على وجه مخصوص أو لسبب عارض أو استحساناً محضاً لا يستند إلى حجة ملزمة، وعلى فـرض اختـلاف الرأي فإجماعهم بعد عمر أولى بالحق من رأي عمر-رضي الله عنه-"( 90).
إن عدداً من الصحابة معدودين في المكثرين من الرواية فمنهم أصحاب الألوف ومنهم من روى ما يربوا على ألف حديث ومنهم أصحاب المئين ومنهم أصحاب المأتين.
فإذا كان أبو هريرة- رضي الله عنه- قد روى خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً فقد روى ثلاثة من الصحابة ما يزيد مجموعه على هذا العدد فقد روى عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- ألفي حديث وستمائة وثلاثين حديثاً.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه ألفي حديث ومائتين وستة وثمانين حديثاً.
وروت عائشة -رضي الله عنها- ألفي حديث ومائتي حديث وعشرة أحاديث.
فمجموع ما رواه هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم يبلغ سبعة آلاف حديث ومائة وستة وعشرين حديثاً.
أي أنها تزيد على مجموع ما رواه أبو هريرة بسبعمائة حديث وألف حديث.
وأربعة آخرون وهم عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وأبو سعيد وابن مسعود -رضي الله عنهم- يروون خمسة آلاف حديث ومائتين وعشرة أحاديث أي أن الفارق بسيط جداً بين مارواه أبو هريرة ومجموع ما رواه هؤلاء الأربعة فمن هم الصحابة الذين ملوهم ونهوهم وزجروهم.
لم تستطع أن تذكر من هؤلاء الزاجرين الناهين إلا عمر رضي الله عنه البريء -والحمد لله- من هذه التهمة التي يفتريها عليه الروافض والزنادقة ليشوهوه ويشوهوا أبا هريرة الذي هو قذى في أعينهم لأنه أحفظ حفاظ أصحاب محمد لسنة رسول الله التي تغيظهم كما يغيظهم أصحاب محمد .
2- ما كان الصحابة يشك بعضهم في بعض ولا يكذب بعضهم بعضاً فهذا أبو هريرة رضي الله عنه الذي يحشد أهل الإلحاد والرفض قواهم لإسقاطه وإسقاط رواياته عن رسول الله لا يلقى من الصحابة والتابعين وأفاضل الأمة - رغم أنوف الحاقدين - إلا الإجلال والإكبار والثقة الكبيرة به.
فيروي عنه من أهل العلم والفضل من الصحابة والتابعين نحو من ثمانمائة.
والأمة من التابعين الكرام ومن تبعوهم بإحسان يقدرونه ويعتزون به وبحفظه لسنة رسول الله الذي كان ثمرة لملازمته لرسول الله وحرصه على السنة كما شهد له بهذا الحرص رسول الله .
الشبهة التاسعة عشرة:
قوله: " إن أئمة المسلمين لم يتفقوا على الصحيح منها وما منهم من أحد إلا خالف في مذهبه كثيراً منها".
والجواب على هذا من وجوه:
1- أن علماء الإسلام وعلى رأسهم أئمة الفقه والحديث متفقون على تعظيم سنة رسول الله وعلى وجوب الأخذ بها في دينهم ودنياهم وأنها الأصل الثاني مع كتاب الله وعلى أنها حجة في دين الله أصوله وفروعه.
2- أنه ما من إمام إلا حث أتباعه على التمسك بالكتاب والسنة ودعاهم إلى ترك أقواله إذا خالفت الكتاب والسنة، وقد سبق أن ذكرنا أقوالهم في هذا الشأن. ومن ذلك قول الإمام الشافعي المشهور عنه عند أصحابه وغيرهم.
" إذا صح الحديث فهو مذهبي" وقوله: "إذا خالف قولي قول رسول الله فخذوا بقول رسول الله واضربوا بقولي عرض الحائط"، وقد خالف أصحابه أقواله التي خالفت ما ثبت عن رسول الله وصح عندهم من حديثه.
ونصائح أبي حنيفة -رحمه الله- لأصحابه في الأخذ بقول الله وقول رسول الله بل بأقوال الصحابة معروف، ومن هنا خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن في ثلث أو ثلثي المذهب وما ذلك منهما إلا اتباعاً للحق وتقديماً منهما لما صح لهما عن رسول الله على رأي واجتهاد شيخهما.
3- إنّ ما يحصل من بعضهم من مخالفة لحديث رسول الله فليس من المنطلق الذي يرجف به أعداء السنة - حاشاهم من ذلك - فهم يعظمون السنة ويؤمنون بها وأنها حجة من حجج الله على عباده ولا يقع لأحد منهم مخالفة لحديث ثابت إلا لعذر من الأعذار الشرعية التي يعذره الله بها.
وذلك مثل:
أ- أن تأتيه حادثة لم يكن قد بلغه فيها نص من كتاب الله أو سنة رسول الله فيجتهد فيها فيخالف نصاً عن رسول الله قد بلغ غيره من أئمة الإسلام وصحّ عندهم فقالوا به ودانوا الله به.
ب- أو يكون قد بلغه النص لكنه عند فتواه أو تدوينه نسيه فيعذره الله في ذلك ويثيبه على اجتهاده.
قال تعالى تعليماً للمؤمنين أن يقولوا: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (البقرة: 286). ثم قال الله كما في الحديث القدسي: "قد فعلت"، وقد وقعت فتاوى من بعض العلماء مخالفة لنصوص من القرآن والسنة لا تعمداً منهم وإنما هو لعذر من الأعذار التي يعذرهم الله بها، ومنها ما ذكرناه كالنسيان أو عدم بلوغ النص ويحصل مثل ذلك للأئمة الكبار للأسباب نفسها التي يعذرهم الله بها.
ومن ادعى عليهم أو على أحدهم تعمد المخالفة لما صح عن رسول الله فقد افترى عليهم افتراءً عظيماً ومن زعم لأحد منهم أنه قد أحاط علماً بكل ما صح عن رسول الله فقد غلا فيه وقال الباطل، والحاصل أننا نجزم أن علماء الإسلام المشهود لهم بالعلم والورع والتقوى وقدم الصدق في الإسلام لا يتعمدون مخالفة أو رد الأحاديث الثابتة عن نبيّهم كيف وهم يوصون برد أقوالهم إذا خالفت ما ثبت عن رسول الله كيف وبعضهم يحتج بالمرسل والضعيف أحياناً فكيف يتصور مسلم في أحد منهم أنه يرد الأحاديث الصحيحة أو يخالفها عمداً.
ج- أو يكون في المسألة حديثان أحدهما ناسخ والآخر منسوخ فيبلغ أحدهم المنسوخ دون ناسخه فيأخذ بما بلغه ويبلغ عالماً آخر الناسخ فيأخذ به، ويبلغ ثالثاً الناسخ والمنسوخ فيقدم الناسخ على المنسوخ.
د- أو يكون في الباب أحاديث مطلقة وأحاديث مقيدة أو أحاديث عامة وأخرى تخصصها فيبلغ بعضهم العامة دون المخصصات أو المطلقات دون المقيدات فيعمل ويفتي بما بلغه ويعذره الله ذلك.
ويبلغ غيره العامة والخاصة والمطلقة والمقيدة فيحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد وقد يختلفون في الأصول فيقدم بعضهم العام على الخاص والمطلق على المقيد.
وقد استوفى شيخ الإسلام الأعذار للأئمة التي يعذرهم الله بها في كتابه القيّم "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، فأوصلها إلى عشرة أسباب.
__________________
اللهم اشف ابني حمود وألبسه لباس الصحة والعافية يا رب
|