[مَسْأَلَةٌ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى عَلَى سَجَّادَةٍ]
127 - 43 مَسْأَلَةٌ:
فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى سَجَّادَةٍ» فَقَدْ أَوْرَدَ شَخْصٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، ائْتِينِي بِالْخُمْرَةِ فَأَتَتْ بِهِ. فَصَلَّى عَلَيْهِ» .
فَأَجَابَ: لَفْظُ الْحَدِيثِ " أَنَّهُ طَلَبَ الْخُمْرَةَ " وَالْخُمْرَةُ: شَيْءٌ يُصْنَعُ مِنْ الْخُوصِ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ يَتَّقِي بِهِ حَرَّ الْأَرْضِ، وَأَذَاهَا. فَإِنَّ حَدِيثَ الْخُمْرَةِ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا كَبِيرَةً يُصَلِّي عَلَيْهَا يَتَّقِي بِهَا النَّجَاسَةَ وَنَحْوَهَا، فَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّخِذُ سَجَّادَةً يُصَلِّي عَلَيْهَا، وَلَا الصَّحَابَةُ؛
بَلْ كَانُوا يُصَلُّونَ حُفَاةً وَمُنْتَعِلِينَ، وَيُصَلُّونَ عَلَى التُّرَابِ وَالْحَصِيرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ» ، وَقَالَ: «إنَّ الْيَهُودَ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، فَخَالِفُوهُمْ»
وَصَلَّى مَرَّةً فِي نَعْلَيْهِ، وَأَصْحَابُهُ فِي نِعَالِهِمْ فَخَلَعَهُمَا فِي الصَّلَاةِ، فَخَلَعُوا،
فَقَالَ: «مَا لَكُمْ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا.
قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَذًى فَلْيُدَلِّكْهُمَا بِالتُّرَابِ، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُمَا طَهُورٌ»
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُصَلُّوا فِي نِعَالِهِمْ؛ وَلَا يَخْلَعُونَهَا، بَلْ يَطَئُونَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَيُصَلُّونَ فِيهَا،
فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّهُ كَانَ يَتَّخِذُ سَجَّادَةً يَفْرِشُهَا عَلَى حَصِيرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهَا؟
فَهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَفْعَلُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَيُنْقَلُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَفَرَشَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَمَرَ بِحَبْسِهِ.
وَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا فِي مَسْجِدِنَا بِدْعَةً؟
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (78/2)
|