التحذير من التحزب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإن الله عز وجل قد أوضح لعباده طريق الفوز والنجاة، وبين لهم أن تحصيل ذلك يكون باتباع الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام، ونهاهم عن اتباع السبل، وبين أنها سبيل الفرقة والاختلاف، «وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام».
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: {فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وقوله: ... { ... أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (2)، ونحو هذا في القرآن: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله تعالى.
وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ }.
«والمعنى: وأن هذه شريعتكم شريعة واحدة وهي توحيد الله على الوجه الأكمل من جميع الجهات، وامتثال أمره واجتناب نهيه، بإخلاص في ذلك على حسب ما شرعه لخلقه، {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ أي: وحدي، والمعنى دينكم واحد، وربكم واحد فلم تختلفون؟!
{وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي: تفرقوا في الدين، وكانوا شيعاً، فمنهم يهودي، ومنهم نصراني، ومنهم عابد وثن، إلى غير ذلك من الفرق المختلفة، ثم بين بقوله: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ أنهم جميعهم راجعون إليه يوم القيامة وسيجازيهم بما فعلوا» .
وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في فوائد هذه الآيات: «السابعة -المسألة العظيمة التي سيق الكلام لأجلها-: وهي فرض الاجتماع في المذهب، وتحريم الافتراق، فإذا فرضه على الأنبياء مع اختلاف الأزمنة والأمكنة فكيف بأمة واحدة ونبيها واحد وكتابها ودينها واحد.
الثامنة: ذكره سبحانه فعلهم الذي صدر عنهم بعد ما عرفوا الوصية العظيمة بالاجتماع والنهي عن الافتراق، وأنهم تقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون، فذكر أنهم قابلوا الوصية بعد ما سمعوها بما يضادها غاية المضادة، وهو أنهم تركوا الاجتماع وتفرقوا، ثم بعد ذلك كل فرقة صنفت لها كتبها غير كتب الآخرين، ثم كل فرقة فرحت بما تركت من الهدى، وفرحت بما ابتدعته من الضلال، كما قال الشاعر:
حَلَفتْ لنا أن لا تخون عهودها فكأنها حلفت لنا أن لا تفي» .
فتبين بما سبق أهمية الاجتماع في الدين، وعظيم النهي عن الفرقة والاختلاف، وأن الأمة الإسلامية يجب أن تكون أمة واحدة كما أمر الله، تنأى بنفسها عن أسباب التفرق، وعوامل هدم الجماعة، والحرص الشديد على الجماعة وتماسكها، وأن مدار ذلك على اتباع الصراط المستقيم الذي هو دين الله القويم، وهو متابعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، واقتفاء أثره، واتباع سنته، والبعد كل البعد عن البدع والمحدثات، والحذر الشديد من السبل المختلفة والأهواء المضلة.
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (1)،وقال في الآية الأخرى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }، فنهاه أن يكون من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وأعاد حرف من ليبين أن الثاني بدل من الأول والبدل هو المقصود بالكلام وما قبله توطئة له، وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ }، فأخبر سبحانه أن أهل الرحمة لا يختلفون .
وقد دلت السنَّة كذلك على ما دلَّ عليه القرآن؛ من لزومِ الجماعةِ، والتحذيرِ من الفرقة، وبيان سوء عاقبتها على أهلها في الدنيا والآخرة.
عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما-، قال - رضي الله عنه -: «كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشرِّ مخافةَ أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنَّا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)) قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دخن)) قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم، وتنكر)) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم، دعاة على أبواب جهنم، مَنْ أجابهم إليها قذفوه فيها)) قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: ((هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)) قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) متفق عليه.
وفي لفظ آخر عند مسلم: ((يكون بعدي أئمة، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس)) قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: ((تسمع، وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع، وأطع)) .
فهذا الحديث العظيم -كما ترى- نصٌّ واضح في وجوب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ولا سيما وقتَ ظهور دعاة الفتن، فإن في الالتزام بذلك نجاة من هؤلاء الدعاة.
وفيه -كذلك- ردٌّ عظيمٌ على مَن زعمَ أنَّ مفارقة جماعة المسلمين وإمامهم وقت الفتنِ وسيلةٌ لإصلاح الأمة، وهذا فهمٌ خاطئ، بعيدٌ كلَّ البعدِ عن مرادِ الله ورسوله، من الحرص على لزوم جماعة المسلمين.
قال ابن بطَّال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنَّهم دعاة على أبواب جهنم، ولم يقل فيهم: تعرف وتنكر، كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير الحق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة» .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره ثلاثاً، فرضي لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «نضَّرَ الله عبداً سمع مقالتي هذه فحملها، فرُبَّ حامل الفقه فيه غير فقيه، ورُبَّ حامل الفقه إلى من هو أفقه منه. ثلاثٌ لا يغل عليهن صدر مسلم؛ إخلاص العمل لله -عز وجل-، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإنَّ دعوتهم تحيط من ورائهم» .
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة ...
وأما الحقوق العامة، فالناس نوعان: رعاة، ورعية.
فحقوق الرعاة مناصحتهم، وحقوق الرعية لزوم جماعتهم، فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون على ضلالة، بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم، واعتصامهم بحبل الله جميعاً، فهذه الخصال تجمع أصول الدين» .انظر تتمة الكلام عن التحزب والتفرق وعزو النقول في رسالتي "التحزب وأثره السيء في الدعوة".
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
كتبه:
أسامة بن عطايا بن عثمان العتيبي
٨/ ٦/ 1436 هـ
|