تابع... برهان البركان ضد مقررات مؤتمر الشيشان (6)
(فصل) في بيان حال حبيب الجفري
من أجل أن تظهر لنا أكثر وأكثر حقيقة المؤامرة التي حيكت في مؤتمر الشيشان، علينا أن نعرف حقيقة حبيب الجفري.
فأقول: هو حبيب علي زين العابدين الجفري اليمني، السعودي مولدًا -صاحبمؤسسة طابة للدراسات الإسلامية بأبي ظبي- وصاحب فكرة هذا المؤتمر المشبوه في جروزني، ومؤسسته هي الراعية للمؤتمر. وجاء فيها: "يعدّه المهتمون بالتصوف خاصة علماء الشام والمغرب العربي ومصر واليمن أنه من أعلام التصوف المعتدل الذي دعا إليه أئمة السلف أمثال الحسن البصري والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل، وحتى العلماء المتأخرين من أمثال ابن تيمية، فالحبيب علي الجفري يعدّ في نظرهم امتدادًا لعلماء السلف". قلت: أئمة السلف الصالح، ومنهم: الحسن البصري، والإمام مالك والإمامالشافعي والإمام أحمد بن حنبل –والله- ما دعا أحدٌ منهم إلى التصوف أبدًا، بل كانوا من أشدِّ العلماء نهيًا عن البدع والمحدثات، وأحرصهم على التزام السّنّة عقيدةً وعملاً. ومن أجل أن تعرف حقيقة الحبيب الجفري الصوفي المخرف، انظر إلى تبركه بشيخه: محمد ناظم الحقاني –داعية الخرافة والوثنية في قبرص-، وهو يستجيزه في الذكر الصوفي المبتدع، بل انظر إلى التبرك الجماعي بالحقاني بمشاركة الجفري مع أخذ البيعة منه على الطريقة النقشبندية الوثنية، وهذا ثابت في مقطع مشهور متداول عبر الشبكة العالمية للاتصالات.
ومن طوام هذا الحقاني النقشبندي أنه أخذ يصيح في أتباعه ضاحكًا مستبشرًا: لعنة الله على الوهَّابية والسلفية.
ولما قيل له: أليس هذا من السبّ؟ أجاب: نحن عتقاء الرحمن ! ثم أشار إلى كتفه الأيسر قائلاً: هذا –يقصد الملك- لا يكتب شيئًا –أي من السيئات-!!
وفي لقاء آخر: سئل الحقاني: هل المهدي هو محمد بن الحسن العسكري كما يعتقد الشيعة الإمامية الإثنى عشرية؟
فأجاب: نعم هو المهدي.
وقد أشيع على الجفري أنه تشيع، وصار من الرافضة الإمامية الإثنى عشرية، بل كما ادعى الجفري نفسه في لقاء معه أن وكالة أنباء فارس أذاعت هذا الخبر، لكن في لقاء الحبيب الجفري مع برنامج "واحد من الناس" على قناة دريم الفضائية مع المذيع عمرو الليثي نفى بحزم هذه الشائعة مؤكدًا أنه سني المذهب، وأن الاختلاف عن الشيعة لا يؤدّي إلى التكفير إنما إلى قناعة بأنهم مجانبون للصواب مثلما يعتقدون هم في المذهب السنّي. وفي لقاء للجفري بقناة الخليجية يصرح بأنَّا لا نكفّر الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، وأن موقفنا أنا لا نكفِّرهم ما لم يصدر من أحدهم سببًا للتكفير.
قلت: يعني لا فرق عند الجفري بين السنة والشيعة من جهة أنه يثبت الإسلام للجميع، فهو يثبت الإسلام لرافضة إيران والعراق ولبنان والحوثيين الذين يكفِّرون أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة رضي الله عنهم بل يكفِّرون عامة الصحابة، ويقذفون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالزنا، ويؤلهون أئمتهم، ويتقربون إلى الله باستباحة دماء المسلمين –أي النواصب على مذهبهم-.
وإذا دافع المسلمون عن الصحابة وعن دمائهم وأعراضهم، فلا فرق عنده بينهم وبين الروافض الذين يدافعون بزعمهم عن آل البيت ويكفّرون الصحابة ويستبيحون دماء المسلمين!
ووجّه في لقاء قناة دريم رسالة مركَّزة وحازمة إلى الشيعة: "العالم يتواطأ عليكم الآن، فلا تفقدوا دعم إخوانكم من السنة واحترموا خصوصياتهم".
قلت: هكذا يوالي هؤلاء الروافض الباطنية، ويطلب بخبث وقوف المسلمين الرافضين للتشيع بجانبهم يدعمون ضلالهم وزندقتهم، لكنه كأنه يطالب الرافضة أن يستخدموا التقية مع المسلمين؛ كي يحيّدوهم عن حقيقة أمرهم وخبيء معتقدهم الباطني.
والجفري يحاول أن يظهر في صورة المعتدل الرافض للتطرف بكل صوره، المهادن لكل الاتجاهات، كما في مقاله: "القاسم المشترك بين التنظيمات السياسية التي تعمل باسم الدين"، حيث قال: "فكم تضررت القضية الفلسطينية من استغلالها في هذا النوع من الألاعيب، فأنصار بيت المقدس يضربون الجيش المصري بدعوى أن طريق تحرير القدس يبدأ من القاهرة، وداعش يهتفون بأن تحرير القدس يبدأ من الرياض، وفيلق القدس الإيراني يضرب المسلمين السنة في العراق وسوريا بدعوى محاربة داعش، وبعض قوات الحشد الشعبي يقتلون ويحرقون إخوتهم من السنة مع هتافات الثأر للحسين، وهتافات الإخوان في الانتخابات الرئاسية في مصر “عالقدس رايحين شهداء بالملايين”، والقدس الذي تحمل هذه التنظيمات اسمه وتهتف له أبعد ما يكون عن جهودهم على أرض الواقع، وهو أول المتضررين بفقد الشعوب حماسها لنصرته نتيجة لكثرة استغلاله في الصراعات السياسية البعيدة عن قضيته.
والحوثيون يهتفون “الموت لأمريكا الموت لإسرائيل” ولم يقتلوا جنديًّا واحدًا من الكيان المحتل، بل كان جميع ضحاياهم من المسلمين، بل لقد طالت أسلحتهم المدنيين الذين لم يحملوا ضدهم سلاحًا كما فعلوا بالنازحين المدنيين أثناء قتالهم مع خصومهم في عدن.
وخصومهم من الإخوان والسلفية يهتفون ضد المجوس وليس لدينا في اليمن مجوسي واحد، بل شعب مسلم مع أقلية يهودية."اهـ
وقال في مقال: "الإنجازات العشرة لـ”داعش": "الدواعش: مصطلح يدل على منظومة فكرية وسلوكية منحرفة تتنوع التصنيفات الطائفية والفكرية لمعتنقيها، فتنظيم داعش كسابقيه ولاحقيه من التنظيمات الإجرامية، المنتسبة إلى السنة أو الشيعة أو المسيحية أو العلمانية، هو تنظيم له مخرجات وآثار تتجاوز البشاعة الدموية إلى الأضرار الدينية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومنها هذه العشرة:
- اهتزاز قدسية الشريعة المطهرة فى نفوس الشعوب المسلمة بسبب ما يشاهدونه من التطبيق البشع المشوّه للأحكام الشرعية والمحرف لها، ومن ثمّ فتح المجال للعلمانية المتطرفة للنيل من الشريعة، مع تقبل شرائح متسعة من الشعوب لهذا التطاول على الشريعة.
- تضخم الانقسامات «الطائفية»، سنة وشيعة ومسيحيين –كذا- وغيرهم، و«العنصرية»، عرب وفرس وأتراك وأكراد، والفكرية، إسلامية وليبرالية، على نحو يُنذر بالدمار الكلى حال استمرار صيحات الانقسام والثأر.
- تآكل الطبقة الفكرية المتوسطة، فكما أن الرأسمالية المتوحشة أدت إلى تآكل الطبقة المتوسطة اقتصادياً لصالح الفقر المدقع والغنى الفاحش؛ فكذلك أدى وجود داعش وأمثالهم إلى تآكل الطبقة المتوسطة فكريًّا لصالح كلا التطرفين الدينى واللادينى.
- اتساع دائرة تغير موقف الشعوب تجاه التدخل العسكرى للدول والتحالفات الخارجية: ففى عام 2003 كانت الحرب الأمريكية ضد العراق أمرًا مرفوضًا لدى غالبية الشعوب العربية والإسلامية، بل لدى كثير من شرائح الشعب العراقى نفسه، على الرغم من رفضه لنظام صدام.. واليوم أصبحت غالبية شعوب المناطق المتضررة من داعش تستنجد بالتحالفات الخارجية للتخلص من هذه الكارثة أو على الأقل تتقبل تدخلها.
- إهدار الثروات العربية وتسريب النفط إلى السوق الخفية بأسعار منخفضة لا تقارن بالقيمة الحقيقية لها، وإنعاش السوق السوداء للآثار المسروقة.
- إنعاش مصانع السلاح فى الدول الكبرى، ورواج سوق مافيا السلاح على حساب اقتصاد دول المنطقة.
- جمع غالبية مُنظّرى الفكر ومتصدرى الخطاب الثقافى فى الغرب فى بوتقة معاداة الإسلام بعد أن كان التوسع هو سمة دائرة المتفهمين لعدالة قضايا المسلمين والمطالبين بضرورة رفع الظلم عنهم، والمتعاطفين مع مظلوميتهم.
- تحويل المسلمين فى الغرب من موقف المطالبة بالحقوق المستحَقَّة بموجب المواطنة إلى حالة الدفاع عن حق الوجود، أمام الاتهامات الموجهة إليهم، وحالة الرفض لوجودهم، ونمو معدلات إرهاب الإسلام «الإسلاموفوبيا".
- الإضرار بما تبقى من سمعة حسنة للإسلام فى العالم، وخفض معدلات انتشاره الطبيعى، بل تجاوز الأمر ذلك إلى ارتداد أعداد من المسلمين عن دينهم وتفلُّت أعداد أكبر من الالتزام الدينى.
- ضياع القضية الفلسطينية وتحقق الأمن للكيان الصهيونى الذى يُعد المستفيد الأكبر مما يحصل.
تلك عشرة إنجازات كاملة لتنظيم داعش مع قابليتها للزيادة كلما استمر وجود هذا التنظيم وأمثاله، لا سيما عند سقوطه بعد أن يؤدى دوره المنوط به، لما سوف يصاحب ذلك من حالة إحباط ويأس لدى عشرات الآلاف من الشباب المنتمين إليه ومئات الآلاف من المتعاطفين معه والمرتقبين لوهم إعادته دولة الخلافة الإسلامية، وكذا ما سوف يخلّفه ضرب هذا التنظيم من قتلى وجرحى وخراب.. فاعتبروا يا أولى الألباب.
وأخيرًا...
- هل يبقى بعد كل هذا مجال لاستمرار الصمت عن تبيين خطورة هذا الفكر الخارجي؟
- أم أن السكوت اليوم هو جريمة تصل بمرتكبها إلى درجة المشاركة فى الجريمة؟
- وهل بقى لدى العلماء شك فى أن إثم السكوت هنا يدخل صاحبه فى دائرة كتم العلم، وكتم الشهادة، وتضييع الدين؟
- أم هل بقى لدينا متسع لاستمرار المغيبين فى «الاندفاع» نحو هؤلاء الخوارج أو «الدفاع» عنهم والتبرير لجرائمهم؟".اهـ
قلت: وهذا التحليل لأهداف إيجاد هذا التنظيم الخارجي "داعش" في جملتها حقٌّ، وسبحان الله الذي قد يجري كلمة الحق على لسان الفاجر.
لكن الجفري الذي يدعو إلى وجوب تبيين خطورة هذا الفكر الخارجي –ونحن معه على هذا الإيجاب-، يرى أن السلفيين –حقًّا لا ادعاءً- وعلماءهم خوارج كذلك، بل لا يرى دخولهم في أهل السنة والجماعة، وهذا كان هدفه الرئيسي من مؤتمر الشيشان أن يظهر للعالم أن الدعوة السلفية –والتي تحمل رايتها الدولة السعودية- هي دعوة متطرفة، ولا فرق بينها وبين هؤلاء الخوارج الدواعش.
وفي مقال "سوريا المذبوحة" قال: "طرف دخل فيه من تسمّوا «المجاهدين» الذين نشأت حركتهم وترعرعت فى أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتى السابق بدعم سخى من الولايات المتحدة وحلفائها فى المنطقة.
وقد رفع أولئك شعار الانتصار للصحابة من الشيعة الذين يعتبرونهم كفارًا وأعداءً للإسلام وروّجوا لمفهوم أنهم أشد خطراً على المسلمين من اليهود، ما أعطاهم المبرر لجعل قتالهم مقدماً على قتال الكيان الصهيونى نفسه، بل وصل بهم الأمر إلى الاحتفاء بالعدوان الصهيونى المتكرر على سوريا بذريعة أن الصهاينة يهاجمون من هم أسوأ منهم!".
قلت: لا يشك منصف عاقل أن رافضة اليوم –خاصة رافضة إيران والعراق ولبنان- أشد بأسًا وتنكيلاً في المسلمين من اليهود، وأن الحقد الذي في قلوبهم على المسلمين ورغبتهم في إبادتهم فاق اليهود والنصارى بمراحل.
وكي تدرك تلاعب هذا الجفري، وأنه يظهر بوجهين على حسب المقام، ويستخدم التقية أحيانًا، راجع مقاطع طاماته الشركية المبثوثة على قناة "اليوتيوب"، ومنها ما يلي:
- أولاً: غناؤه مع معمّم أزهري وطائفة من الصوفية في مسجد الحسين منشدين بصوت مرتفع، ورءوسهم تتمايل: "أنا بذكره –أي بذكر الحسين- أفضل متهني، أنا من حسين وحسين مني، مدد يا مولانا يا حسين مدد يا زين العابدين!!!".
قلت: ومن المعلوم أن المدد لا يطلب إلا من الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ}.
وقال الله عز وجل: {بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}.
وقال سبحانه: { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}.
وهذا النداء للحسين رضي الله عنه دعاء لمن لا يسمع الدعاء، فإن الله هو السميع البصير، والحسين رضي الله عنه في عالم البرزخ لا يعلم شيئًا عن أحوال أهل الدنيا، ولا يملك سماع ندائهم، كما قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ. إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}.
- ثانيًا: دعواه أن الأدب في زيارة قبور الصالحين أن تقف مطرق الرأس بينك وبين القبر ثلاثة أذرع إعظامًا وإجلالاً لصاحب القبر؛ مستشعرًا هيبة الموقف الذي هو فيه، وليس التمسح حرامًا وليس التمسح شركًا كما يزعم الجهلة، إنما التمسح ينافي الأدب، ويغتفر لمن تمسح بدافع شدة الشوق والوجد وغلبته، فالمغلوب معذور، ولذلك سقط بلال وتمرغ؛ ولم يتمرغ أبو بكر، ولم يتمرغ عمر، ولم يتمرغ عثمان، ولم يتمرغ علي؛ لأنهم راعوا الأدب، وإنما تمرغ بلال لشدة الوجد والشوق التي أخذته لما رأى القبر".
قلت: وهل بلال رضي الله عنه لم يراع الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ولماذا لم يأخذ هذا الوجد وهذا الشوق أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ولو مرة واحدة؟ هل كان بلال أكثر محبة وشوقًا للنبي صلى الله عليه وسلم منهم ؟!
هذا –والله- تلاعب بعقول العوام السُّذَّج، واستغفال لهم، واستغلال خسيس لعاطفتهم اتجاه النبي صلى الله عليه وسلم.
- ثالثًا: قول الجفري: "كان بعض السلف، وهو الإمام أبو الحسن الشاذلي، في ساعة استشعار مخطابة ومناجاة للربِّ جلَّ جلاله يقول: ربي كيف أحمدك كيف أشكرك يا رب حق الشكر على النعمة؟ قال: فهتف بي هاتف إذا لم تر منعمٌ عليه غيرك، قال –أي الربّ-: فالملوك لأمنك، والأنبياء لهدايتك، والعلماء لرعايتك ورشدك، فأهل التجارات لميرك وطعامك".
قلت: أولاً أبو الحسن الشاذلي ليس من السلف، فإن السلف إذا أطلق، فالمقصود به أهل القرون الثلاثة الأولى المفضّلة من الهجرة، والشاذلي توفي في سنة (656 هـ).
ولو سلّمنا أن أبا الحسن الشاذلي عاش في زمن السلف الصالح، وادعى هذه الدعاوى فإنها لا تقبل منه، وقد كان أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وليس كُلُّ فعل حدث في زمن السلف يكون حجة، فقد ظهر في زمن السلف: الجهم بن صفوان، وابن أبي دوآد، وعمرو بن عبيد المعتزلي، والحارث المحاسبي، وغيرهم من أئمة الضلال، وردَّ على أباطيلهم أئمة السلف الصالح، وفروها فري الأديم، حتى صارت هباء منثورًا.
والصوفية يتعلّقون بخرافة: "حدثني قلبي عن ربّي"، و"أخذتم علمكم عن الأموات، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت".
- رابعًا: سأل الجفري سائل فقال: "في كتب بعض أئمة التصوف يقولون الله يفوص الولي في التصرف في الأمور كما يشاء؟
فأجاب الجفري: الله أعطاهم مقدرة على التصرف، كما اتفقنا أن الإنسان خليفة الله في الأرض! ما هي وظيفتك إذا قلت لك يا شيخ محمد أنت خليفتي في الدار إذا سافرت.. ما معنى كلمة الخليفة؟ المتصرف، هذا المقصود من الخلافة.. يأ أخي الحديث واضح: "لئن سألني لأعطينه" ...
قال السائل: فهل تصريف الولي في الدنيا فقط؟
فأجاب الجفري: في الدنيا والآخرة، الملك ملك الله، تصريف الولي في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة، حتى في الجنة وفي النار، ربّنا يجعل الولي يدخل من يبغاه الجنة .. يقطع الجنة على كيفه، في الآخرة والدنيا وفي كل شيء!!".
قلت: وهذا شرك أكبر في ربوبية الله عز وجل، حيث جعل تصريف أمور الدنيا والآخرة، بل الجنة والنار بيد الولي المزعوم!
فأين الله عز وجل؟ ماذا تركت لله عز وجل من أفعال الربوبية؟!
والله لقد كان أبو جهل وأبو لهب والوليد بن عتبة وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وغيرهم من صناديد قريش أعرف بتوحيد الربوبية من الجفري.
أخرج البخاري (4648)، ومسلم (2796) من حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، " فَنَزَلَتْ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ} [الأنفال: 34].
قال العيني في عمدة القارئ (18/242): "(وَإِذ قَالُوا) أَي: ذكر حِين قَالُوا مَا قَالُوا، والقائلون هم كفار قُرَيْش مثل النَّضر بن الْحَارِث وَأبي جهل وإضرابهما من الْكَفَرَة الجهلة وَذَلِكَ من كَثْرَة جهلهم وعتوهم وعنادهم وَشدَّة تكذيبهم. قَوْله: (هَذَا هُوَ الْحق) أَرَادوا بِهِ الْقُرْآن، وَقيل: أَرَادو بِهِ نبوة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء)، إِنَّمَا قَالُوا هَذَا القَوْل لشُبْهَة تمكنت فِي قُلُوبهم وَلَو عرفُوا بُطْلَانهَا مَا قَالُوا مثل هَذَا القَوْل مَعَ علمهمْ بِأَن الله قَادر على ذَلِك، فطلبوا إمطار الْحِجَارَة إعلاماً بِأَنَّهُم على غَايَة الثِّقَة فِي أَن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بِحَق، وَإِذا لم يكن حَقًا لم يصبهم هَذَا الْبلَاء الَّذِي طلبوه".
قلت: والشاهد أن كفّار قريش لم يكفروا بربوبية الله، وأنه سبحانه المتصرف وحده في شئون الكون دون آلهتهم، فكانوا يعتقدون أن الربَّ وحده هو الذي يملك تصريف الأمور من إنزال المطر، والخلق، ورزق الخلائق، والإحياء والإماتة، والإنعام، ونحو ذلك من أفعال الربوبية، كما قال الله عز وجل عنهم: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}.
وأخرج مسلم (1185) من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ» فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ".
قلت: فكان المشركون يعتقدون أن الله عز وجل يملك آلهتهم التي يتوجهون لها بالدعاء؛ كي تشفع لهم عند الله.
بل لقد كان زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أعلم بالتوحيد من حبيب الجفري، كما أخرج البخاري (3826) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ".
وأخرج مسلم (1784) من حديث أنس في قصة صلح الحديبية، أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: «اكْتُبْ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْمِ اللهِ، فَمَا نَدْرِي مَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ بِاسْمِكَ اللهُمَّ..."، وأخرجه البخاري (2731) من حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ.
قلت: والشاهد قول سهيل: "مَا نَعْرِفُ بِاسْمِكَ اللهُمَّ"، ففيه تصريح بأنهم عرفوا الله عز وجل، أي: عرفوا ربوبيته.
فكيف إذا سمع زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قول الجفري: إن الله أعطى الولي تصريف في الدنيا والآخرة، بل وأعطاه الحق في تقسيم الجنة وتوزيعها لمن شاء ؟!! كيف يكون ردُّ فعله؟!! إذا كان لم يقبل من قريش أنهم أشركوا في العبادة، رغم إقرارهم بالربوبية، فما خطر على بالهم أن أولياءهم الذين عبدوهم مع الله يملكون تصريف أمور الدنيا والآخرة !!
- خامسًا: قول الجفري: "كالبيتين اللّذين أُنشدَا للإمام أحمد الرفاعي -رضي الله عنه ونفعنا به- عندما وقف أمام الشباك الأعطر، وفي قلبه وروحه من الشوق ما فيه، وألقى السلام على سيد الأنام قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فسمع الردَّ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا ولدي، قال له: عليك السلام ورحمة الله وبركاته يا جدّ... فأخذ لون سماع الرد بكليّات الإمام الرفاعي -رضي الله عنه ونفعنا به- فنطق لا بناطق الإحساس الظاهر الذي يبرد ويفنى بعد قليل، لكنه نطق بناطق تهيج المشاعر تهيج الذوق الذي تنتجه البصائر فأنشد وهو غائب الحس:
في حالة بُـعد روحي إن كنت أرسلها تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه نوبة الأشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فإذا باليد الطاهرة تخرج أمام أعين الناس ومرآهم، فيقبلها الإمام الرفاعي أمام الناس... إلخ هذه الأسطورة المكذوبة".
قلت: هكذا الجفري غارق في خرافات الصوفية إلى أخمص أذنيه !
- سادسًا: جلوسه مع مجموعة من الصوفية يتغنون ببردة البوصيري، وإذ به خاشع مطرق الرأس عند قراءته لقول البوصيري:
ومن جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللّوح والقلم
قلت:
- سابعًا: قول الجفري في وصف احتضار الولي: "ساعة يُنادى من وراء سبعين ألف حجاب إن الله قد أرسلني يناديه ملك: إن الله قد أرسلني وأستئذنك أن أعطيك رسالة من ربِّك، فيأذن، فيدخل الملك ومعه الرسالة، فيناوله للعبد فيفض خاتمه الذي يفوح مسكًا فيقرأ ويقرأ حروفها التي تتلألأ نورًا، وإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت نحن الآن نشعر بنشوة عند ذكرها فكيف بصاحبها عندما ينالها من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت؛ لأنه اتصل بالذي لا يموت، عبدي قد اشتقت إليك فاقدم علي، وتسرج له دابة –كما جاء في بعض الروايات: أنها البراق، فيمتطي البُراق لو استشعرت النشوة التي تنازل روحه، وهي من ثمار أفعاله المادية في حياته من زواج وطعام وعمل وأخذ وعطاء وبيع وشراء ...".
قلت: هذا معتقد الحلول والاتحاد في عبارات مبطنة مبنية على الأسلوب القصصي الذي يخطف به قلوب المغفَّلين!
ونقول: أين هذا الاتصال الروحي بين روح المؤمن الصالح وذات الله عز وجل في أدلة الكتاب والسنة؟!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ، قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، كَانَتْ فِي جَسَدٍ طَيِّبٍ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطِّيبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَيُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلَ السُّوءَ، قِيلَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ، فَيُقَالُ ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، فَلَنْ تُفْتَحَ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ".
قلت: كما يرى القارئ الفطن أن الحديث لا يتضمن ذكر هذه الرسالة المفتراة على الله عز وجل، وليس فيه ذكر البراق، إنما جاء فيه فقط أن الملك يعرج بروح المؤمن الصالح إلى السماء السابعة.
وفي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ لَهُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، فِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي إِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، نَزَلَ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ كَفَنِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، وَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرِّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ فِي الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا عَمَلُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي أَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، وَهَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّي أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ ثَلَاثًا، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي..."، الحديث.
- ثامنًا: قول الجفري: "بلغني رجوع قداسة البابا من رحلته العلاجية، فأردت أن أعوده وأطئمن على صحته.
الأمر الآخر أنّنا أبناء وطن واحد ونجتمع على قواسم كثيرة مشتركة، ونمر بمرحلة تقتضي أن يعرف الجميع أن أصل الصلة التي تقوم بيننا تاريخيًّا راقية وأن من يريد أن يشوش بين المسلمين والمسيحيين لا ينبغي أن يكون له مجال، وقد آن الأوان أن يسترجع أهل الدين بمختلف مللهم زمان الدين عمّن يريد أن يستغل للمصالح السياسية أو المقاصد الأخرى".
قلت: وهذا تملق ومداهنة ظاهرة من الجفري، وقوله: "وقد آن الأوان أن يسترجع أهل الدين بمختلف مللهم زمان الدين"، صريح في وحدة وأخوة الأديان، وأنه لا فرق عنده بين الإسلام –دين جميع الأنبياء والمرسلين-، والملل الأخرى، فينبغي أن يتم إحياؤها كلها.
وانظر ما قاله للرئيس الشيشاني مداهنًا إياه حين استقباله في المطار لشيخ الأزهر:
قال: "سيفرح رسول الله لقدومكم لاستقبال شيخ الأزهر؛ لأنكم تعلون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك !!".
هكذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الإلهية: يعلم أحوال الدنيا، ويتابع حال هؤلاء المخرّفين، بل يبارك ضلالهم، ويعتبرها رفعة لسنته.
وهكذا يداهن الجفري الرئيس الشيشاني حيث توافقَا في التصوف الغالي.
والرئيس الشيشاني رمضان قاديروف له مقالات شنيعة صرَّح فيها بغلوه في التصوف، وببغضه الشديد للمنهج السلفي وحملته، والذين يطلق عليهم الوهَّابية، منها:
- في مقطع مسجل يقول قاديروف: "نعم نجعل مع الله شريكًا –ندًا-؛ لأن هذا الولي .. قريب عند الله".
- وقال في خطاب آخر: "الوهّابيون لعنة الله عليهم وعلى آبائهم وأمهاتهم، هم الذين قتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أقسم بالله لو يظهر في الشيشان وهابي أو أحد يشبهه فسأقتله".
قلت: وهل كان محمد بن عبدالوهاب التميمي –رحمه الله- موجودًا في زمن الصحابة؟!
لكنه الجهل المطبق بالمسلّمات، ومن شدة بغضه لدعاة التوحيد المنافي للتصوف الشركي، جعلهم خوارج وصوّرهم بأنهم هم الوهابيون الذين قاتلوا الصحابة!
ثم قال: "والله أقسم بالقرآن لن تقوم في هذه البلاد أي عقيدة أخرى غير عقيدة أولياء الصوفية".
- وفي لقاء تليفزيوني قال: "لقد أقسمت ونذرت حياتي لمطاردة هؤلاء الشياطين، كلما كان عددهم أكبر كان جيدًا لي.. الرسول أمرنا بمعاقبة أمثالهم، هم يقولون: قاديروف ملتحٍ، لكنه منافق ومرتد .. لو ظهر هؤلاء الشياطين في روسيا، فسأقود عملية القضاء عليهم... فالتيارات الأخرى كالوهابية والسلفية هي مجرد بدع لا مكان لها في الشيشان، ولا في روسيا، إنهم شرٌّ وخيانة لتعاليم الدين وأحكام المولى ورسوله الكريم".
- وقال مترجمه في حضوره وحضور الشيخ الأزهر: الناس ينصحونه لا ترد بهذا الشكل، وبهذه القوة على الوهابية والخوارج؛ لعلهم يقتلونك ! فقال: لا.. حتى لو أموت فسأرد عليهم.
قلت: وشيخ الأزهر يسمع هذا التطرف في معاداة منهج السلف الصالح –والذي يعلم أن حملته من أشد الناس منابذة للغلو بكل صوره، وأشدّ الناس على الخوارج- ويسكت مقرًا فرِحًا بكلامه كما ظهر منه.
- وجاء في "الموسوعة الحرة" (الويكيبديا): "رمضان قاديروف هو الرئيس الأقرب الى الرئيس فلاديمير بوتين ويعتبر واحدًا من أكثر الشخصيات قربًا إلى الكرملين، وقد أعلن قاديروف عدة مرات وفي عدة مناسبات أنه يهب حياته دفاعًا عن روسيا وعن الرئيس فلاديمير بوتين، وكتب ذلك على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" كما صرح قائلاً: "إن رئيس الشيشان وجنود الشيشان جميعهم مستعدون للتضحية من أجل الرئيس بوتين من أجل الدفاع عن روسيا"، وأكَّد أنه مستعد للموت من أجل روسيا والرئيس بوتين، وبسبب قوة العلاقة بين فلاديمير بوتين ورمضان قاديروف فقد أُطلق على قاديروف لقب فتى بوتين المدل".
قلت: فإن كان رمضان قاديروف بهذه المثابة في معاداة اعتقاد ومنهج السلف الصالح، ومعاداة الدولة السعودية التي قامت على هذا المنهج الرباني، وبهذه المثابة في الولاء للشيوعيين المعادين للإسلام وأهله، فماذا تنتظر منه إلا ما وعد وتوعد به؟
توعد بأن يقتل دعاة التوحيد السلفيين –والذين سمَّاهم الوهَّابيين- عن بكرة أبيهم، وأنه مستعد للموت في سبيل القضاء عليهم، وأنه لن يسمح أن يقوم في الشيشان إلا معتقد التصوف القائم على تقديس الأولياء في قبورهم.
ووعد الشيوعيين بأنه مستعد أن يموت مع جنوده من أجل الدفاع عن روسيا ورئيسها الشيوعي.
فماذا بعد؟!
فلا نعجب من توافقه مع حبيب الجفري، وعلي جمعة فقد توافقوا جميعًا في الهدف والغاية.
وفي تقديري أن الجفري يقوم الآن بالدور الذي قام به ابن سبأ قديمًا، والدور الذي قام به جمال الدين الأفغاني حديثًا مع اختلاف الظروف.
والقاسم المشترك بينهم التظاهر بالحرص على مصلحة المسلمين ووحدتهم، وهم في حقيقة الأمر يبطنون الرفض والزندقة، ويسعون سعيًا حثيثًا للتمكين للأفكار الباطنية التي تسعى لاستئصال شأفة العقيدة الإسلامية المبنية على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
ودور ابن سبأ اليهودي في سعيه لتحريف الإسلام، هو الدور نفسه الذي قام به بولص اليهودي في تحريف دين المسيح عليه السلام القائم على التوحيد الخالص لله ربّ العالمين.
وأما الأفغاني فقد كان مبشرًا بمنهج الماسونية اليهودية في بلاد الإسلام تحت ستار وحدة الأديان وأخوتها، ودعوة الأخوة بين السنة والشيعة الرافضة.
والجفري استقى هذا السُّم الزعاف، ويسعى لاستفراغه في بلاد الإسلام عامة، لكن نظره الأكبر يتوجه إلى مصر والسعودية للقضاء على أي محاولة إصلاح يشتركان فيها؛ لإعادة الأمن إلى بلاد الإسلام.
وهذا بلا ريب بتكليف من الماسونية اليهودية التي تقودها الدولة الأمريكية لحرب الإسلام الصحيح القائم على منهج السلف الصالح.
يُتَّبع إن شاء الله ...