تابع... برهان البركان ضد مقررات مؤتمر الشيشان (9)
فصل: نقد مقالات علي جمعة –مفتي مصر الأسبق-
إن علي جمعة منذ أن تولّى الإفتاء في الديار المصرية، بل -من قبل ومن بعد- له فتاوى شاذة، أغلبها يستنكرها المسلم بفطرته –ولو كان جاهلاً- فضلاً عن العالم؛ لبعدها عن الصراط المستقيم ولمنافاتها للفطر السليمة.
وأذكر نُبَذًا من هذه الفتاوى، خاصة التي نصر فيها خرافات الصوفية وخزعبلاتهم؛ كي ندرك أن توافقه مع حبيب الجفري، وأسامة الأزهري لم يأتِ من فراغ، إنما لتوافقهم في المعتقد الصوفي الخرافي.
وأغلب هذه الفتاوى هي عبارة عن مقاطع صوتية مسجلة بصوت علي جمعة، ومنشورة على الشبكة العالمية للاتصالات:
أولاً: سئل علي جمعة: هل الرسول صلى الله عليه وسلم مخلوق من نور؟
الجواب: أمال مخلوق من إيه؟ !يعني إيه مخلوق من نور! ما هو نور، ولّا أنت عايز أصل الخلقة يعني علشان نحلِّله يعني ولّا عايزين إيه بالضبط؟! هو نور، عليه الصلاة والسلام".
قلت: ما هو الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم خُلِق من النور؟
لم يصح دليل في هذا، إنما يحتّجون بحديث مكذوب لا أصل له، وهو حديث:
"أول ما خلق اللهُ نورُ نبِيكِ يا جابر، الحديث"، يُعزى إلى عبدالرزاق ولا وجود له في المصنّف المطبوع.
وأورده العجلوني في كشف الخفا (1/265) عن جابر بن عبدالله بلفظ: قال قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء.
قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقُدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جِنِّيٌ ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم ومن الثاني اللوح ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول حَمَلَة العرش، ومن الثاني: الكرسي، ومن الثالث: باقي الملائكة، ثم قسَّم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السماوات ومن الثاني الأرضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسَّم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهى المعرفة بالله ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله... الحديث".
قلت: وهذا حديث منكر اللفظ لا يشك في نكارته عالم شمَّ رائحة العلم، وعرف نصوص الكتاب والسنة، كيف وهو لا أصل له في الكتب المسندة.
وكما هو ظاهر من نص الحديث أنه جعل "النور المحمدي"، والذي جعله أصل مادة المخلوقات جميعًا، وهذا غلوٌ شنيع يعارض صريح القرآن والسنة.
فمن نكارته البيّنة دعواه أن الأرض والسماء خلقت من جزء من النور المحمَّدي، وقد قال الله جلَّ وعلا في أصل نشأة السماء والأرض: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}، وقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}، قال بعض المفسِّرين: "إن الدخان الذي ذكر الله تعالى أنه أصل السماء أصله من بخار الماء الذي كان عليه عرش الرحمن قبل خلق السماوات والأرض وما فيهن من الكائنات.
وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
قال الألباني تعليقًا على هذا الحديث في الصحيحة (1/820): "وفيه إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، ونحوه من الأحاديث التي تقول: بأنه صلى الله عليه وسلم خُلِق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه، فتنبه، ولا تكن من الغافلين".
ثانيًا: سئل علي جمعة: هل نتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب: نعم نتوسل بالنبي، أم نتوسل بمن؟ نحن نتوسل لله، لكن نقول: يا رب من أجل حبّك للنبي افعل لي كذا، من الذي يعمل؟ من الذي يستجيب؟ ..الله... يعني يا ربّ عشان خاطر النبي، ليس فيها شيء.. هكذا.. توسل بالنبي عليه الصلاة والسلام".
قلت: أولاً قوله: أم نتوسل بمن؟ جوابه: نتوسل بأسماء وصفات الله عز وجل وبالعمل الصالح، هذا هو التوسل المشروع الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة.
وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقصد به أحيانًا معنًى صحيحًا، وأخرى معانٍ باطلة، وقد خلط بينها علي جمعة في كلامه؛ تلبيسًا للحق بالباطل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في "حكم التوسل والوسيلة" (ص86): "وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته.
والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون ويسألون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح.
وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة.
فأما المعنيان الأوليان - الصحيحان باتفاق العلماء -:
فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.
والثاني: دعاؤه وشفاعته... فهذان جائزان بإجماع المسلمين.
ومن هذا قول عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيِّنا فاسقنا، أي بدعائه وشفاعته.
قوله تعالى (5: 35) : {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي القربة إليه بطاعته. وطاعةُ رسوله طاعته، قال تعالى (4: 80) : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاع الله} .
فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.
وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسُّل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائماً.
فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:
أحدهما: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته.
والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك.
قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة...".اهـ
ثالثًا: سُئل علي جمعة: ما رأيكم في نهج البردة للبوصيرى ؟
فكان الجواب: هو نهج البردة مش للبوصيري، ده لأحمد شوقي، إنما البوصيري له البردة نفسها".
وقوله : إن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم؟
فأجاب: طبعًا طبعًا أُمّال إيه؟! طبعًا، من جود النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا وضرتها، طبعًا أُمّال إيه؟!".
قلت: قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، كما في الدرر السنية (11/214): "اعلم: أن البردة التي تنسب للبوصيري، قد ضمنها أبياتًا شركية، تنافي ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من توحيده، وقد افتتن بها كثير من الناس، وجعلوها أفضل من الأوراد النبوية التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضهم اشتغل بها عن القرآن.
ومن المعلوم عند أهل السنة والجماعة: أن أبيات حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير وأمثالهم، أفضل منها لوجوه: منها: أنه على الوجه العربي. ومنها: أن اللُّغة سليقتهم. ومنها: أنه ليس فيها من الإطراء- الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم - شيء.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعها واستحسنها، وهم صحابته، وهؤلاء عدلوا عنها إلى شعر المولِّدين، الذين جمعوا فيه الغث والسمين، وتصرفوا في الدين بآرائهم التي لم ينزل الله بها سلطانًا.
وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ} [سورة الجن آية: 21-22] ، وقال: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [سورة الأعراف آية: 188]...".
وقال الشيخ ابن عثيمين كما في "الفتاوى والرسائل" (9/57): " ومن الغلو قول البوصيري في "البردة" المشهورة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
قال ابن رجب وغيره: إنه لم يترك لله شيئا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،ونشهد أن من يقول هذا؛ ما شهد أن محمَّدًا عبد الله، بل شهد أن محمَّدًا فوق الله! كيف يصل بهم الغلو إلى هذا الحد؟!
وهذا الغلو فوق غلو النصارى الذين قالوا: إن المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة".
رابعًا: قال علي جمعة: "كان زمان الشيخ علي الخواص، بلغ مرتبة الولاية؛ لأنه كان ينظف للكلاب مساقيها، وكان يلف على أخلية المساجد بعد العشاء لتنظيفها، فوصل إلى مرحلة القطبانية، الشيخ علي الخواص، وكان شيخًا للإمام الشعراني، ليه؟ ينظف المساجد، ينظف دورات المياه؛ لأن الدين بتاعنا مبني على الطهارة، ماقلش لأ دا أنا رجل صالح وكبير ومتصدر والناس بييجوا يتعلموا عندي، أبدًا، تواضع لله فرفعه، حقيقة مش مجازًا، وخلانا أهو دلوقت إحنا بعد 500 سنة بنجيب سيرته، ونقول رضي الله عنه، إيه ده؟! ده لازم عمل حاجة كبيرة أوي، أخلص لله، ... بنقول سيدي علي الخواص وهو ماكنش يعرف يقرأ ويكتب، ليس بالقراءة وبالكتابة، دا شيء وقر في القلب".
قلت: هل يعرف علي جمعة مَن هو علي الخوّاص؟ بلا شك يعرف؛ لأنه لا يخفى على مثله ما جاء في ترجمته في كتب التراجم، ولنذكر طرفًا منها؛ لنرى حال الخوَّاص:
أولاً: نقل أبو محمد عبدالوهَّاب بن أحمد بن علي الحَنَفي -نسبه إلى محمد ابن الحنفية- الشَّعْراني (ت 973هـ) في كتابه "لوافح الأنوار في طبقات الأخيار" المشهور بـ: "الطبقات الكبرى" في ترجمة علي الخواص: "إنه –أي الخوّاص- كان يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة بساعة"، وقال: "وكذلك وقع لفقيرة من تلامذتنا أنها رأت في المنام أن الحق تعالى أعطاها ورقة فانطبقت كفها حين استيقظت فلم يقدر أحد على فتحها فألهمني الله تعالى أني قلت لها إنوِ بقلبك أنه إذا فتح الله كفَّك أن تبتلعيها فنوت وقربت يدها إلى فمها فدخلت الورقة في فيها قهراً عليها فقال الولي بم عرفت ذلك فقلت ألهمت أن الله تعالى لم يرد منها أن يطلع أحد عليها، وقد أطلعني الله تعالى على الفرق بين كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ وغيره وبين كتابة المخلوقين وهو علم عجيب رأيناه وشاهدناه انتهى" (اليواقيت والجواهر ص 84 ج2(.
ثانيًا: نقل زين الدين محمد عبدالرءوف الْمُناوي في "الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية"، المشهور بـ: "الطبقات الكبرى" (3/417): "عليُّ الخوَّاص البُّرُلُّسيُّ، الأميُّ المعروف بين الخواص بالخوَّاص، كان من أكابر أهل الاختصاص، ومن ذوي الكشف الذي لا يُخطئ، والاطلاع على الخواطر على البديهة فلا يبطئ".
وقال: "وكان معه تصريف ثلاثة أرباع مصر، والرُّبُع مع محسن المجذوب.
وكان إذا شاوره أحدٌ لسفر، يقول: قل بقلبك عند الخروج من السُّور أو العمران: دستور يا أصحاب النَّوبة، اجعلوني تحت نظركم حتى أرجع، فإنهم يحبُّون الأدب معهم، ولهم اطلاع على خواطر مَن يمرُّ بهم في دركهم، وعلى معرفة أعمالهم، ولهم تأديب مَن حصلت منه زلَّة".
وقال في (3/421): "وقال: صرَّحوا بأن من شرط الشيخ أن يسمع نداء مريده له، ولو كان بينهما مسيرة ألف عام.
وقال: شرط صحة بداية المريد أن يمشى على الماء والهواء، وتطوى له الأرض، ومَن لم يقع له ذلك ليس في مقام الإرادة".
قلت: هكذا لم يجد علي جمعة مثالاً يُحتذى به في هذا العمل الصالح ذي الأجر الكبير إلا هذا الدجَّال الذي يدّعي علم الغيب، وكان يكفيه ما جاء في السنة:
أخرج البخاري (460)، ومسلم (957) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ -أَوْ شَابًّا- فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا - أَوْ عَنْهُ - فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي»، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا - أَوْ أَمْرَهُ - فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ».
خامسًا: سئل علي جمعة: هل يجوز قراءة صلاة ابن بشيش رضي الله عنه؟
الجواب: نعم يجوز، مالها صلاة ابن بشيش؟!
قلت: عبد السلام بن بشيش أو مشيش، من كبار شيوخ الشاذلية، وكان من أهل وحدة الوجود.
وإليك نصّ هذه الصلاة البدعية: "اللهم صلِّ على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم بأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا هو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، صلاة تليق بك إليه كما هو أهله اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك اللهم ألحقني بنسبه وحققني بحسبه وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل وأكرع بها من موارد الفضل، واحملني على سبيله إلى حضرتك حملاً محفوفًا بنصرتك واقذف بي على الباطل فأدمغه، وزج بي في بحار الأحَدِيَّة، وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها واجعل الحجاب الأعظم حياة روحي وروحه سر حقيقتي وحقيقته جامع عوالمي بتحقيق الحق الأول يا أول يا آخر يا ظاهر، يا باطن اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا وانصرني بك لك وأيدني بك لك واجمع بيني وبينك"، [الحزب الكبير للدسوقي وأذكار الطريقة الشاذلية].
قلت: أرأيتم هذا الغلو الذي فاق غلو النصارى؟! ولم يكن إلا قوله: "ولا شيء إلا هو به منوط"، لكفى به.. فماذا ترك لله عز وجل إن كان كل شيء منوط بالنبي صلى الله عليه وسلم؟! فكيف وقد قال أيضًا: "وزجَّ بي في بحار الأحَدِيَّة، وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة"، أي وحدة الوجود، فجعل توحيد الله أوحالاً، واعتقاد وحدة الخالق مع المخلوق في بحر الوحدة هو الغاية العظمى.
ثم يأت علي جمعة ويقول: صلاة ابن بشيش لا شيء فيها، أي: ليست بها مخالفة ولا إشكال!".
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى رقم (4911):
"لا يجوز التعبد بما في هذا الكتاب -أوراد الطريقة البرهامية- لما في ذلك من قراءة القرآن للأموات بل لأموات مخصوصين يتوقع أنها قرئت لهم رجاء بركتهم، كما في فواتح أهل السلسلة، وفيه من البدع جعل قراءة الفواتح لهؤلاء مفتاحًا للأوراد ولما في الأساس الذي يقرأ بعد الصبح وبعد العصر من بدعة تحديد الوقت لهذا الذكر وتحديد عدد مائة مرة للبسملة وعدد مائة مرة للذكر بكلمة - يا دائم - فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جعل حدا لذلك من الوقت أو العدد، بل لم يثبت عنه أنه تقرب إلى الله بتكرار البسملة مجردة ولا أنه ذكر الله بكلمة - يا دائم - مجردة.
ولمَا جاء فيه من التوسل بالعرش والكرسي والنور النبوي في الدعاء، وذلك تحت عنوان: التحصين الشريف والغوثية، ولما جاء في الحزب الكبير من ذكر وأدعية بدعية، ومن التوسل بالحروف المقطعة في أوائل السور وبأسماء مجهولة المعنى غير عربية مثل كد كد، كردد كردد - كرده كرده - ده ده - بها بها بها - بهيا بهيا بهيا - بهيات بهيات بهيات، ولما جاء في صلاة ابن مشيش من الكلمات المنكرة مثل قوله في النبي صلى الله عليه وسلم: ولا شيء إلا وهو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، وقوله في الدعاء: "وانشلني من أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحر الوحدة حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها ..." إلى آخره، ولما فيه من التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته والشافعي والبدوي والرفاعي والاستغاثة بغير الله وذلك بمنظومة تحت عنوان (التوسل) ....إلى غير ذلك من البدع الشركية ووسائل الشرك والخرافات، وعلى هذا فلا يجوز التعبد بهذه الأوراد، وعلى كل مسلم أن يتعبد بما ثبت التعبد به عن النبي صلى الله عليه وسلم من تلاوة القرآن والأذكار والدعوات الثابتة عنه في سننه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم".اهـ
سادسًا: سئل علي جمعة: يسأل عن الصلاة التفريجية اللهم صلي صلاة كاملة وسلم سلامًا تامًا على نبيك تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب وتقضى به الحوائج وتنال به الرغائب وحسن الخواتيم ويستسقى الغمام بوجهه الكريم وعلى آله؟
الجواب: هي حلوة، هم المسلمين يقولوا –كذا- حلوة، مش أنا... أنت إيه اللي معاكسك فيها؟! ويستسقى الغمام بوجهه الكريم، ما هو مش عايز يستسقى الغمام بوجهه الكريم.. أبو طالب قال: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، هو إحنا يابني! ده أبو طالب اللي قال، والنبي عليه الصلاة والسلام سمع ورضي بذلك... وكان الشيخ التازي يقرأها أربعة أربعة أربعة أربعة، يعني 4444، فسميت الصلاة التازية، ما فيه مانع... تنحل به العقد؟ ما هو وسيلتنا إلى ربنا سبحانه وتعالى، يدعو لنا، قال: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تعرض عليَّ أعمالكم فإن وجدت خيرًا حمدت الله، وإذا وجدت غير ذلك استغفرت لكم"، ما هو يدعوا لنا، هل {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} نسخت؟!... فالقرآن، والسنة، والإجماع، والعمل على هذا، عايز إيه؟! هتلحس دماغنا ودماغك ليه؟! أتأكد بس، تأكد من إيه؟! ما الذي جعل في قلبك الريبة والشك؟ أغلقوا على أنفسهم الباب، افتح يا بني، افتح الباب، افتح، افتح وصلِّ على النبي عليه الصلاة والسلام، النبي ده رجل عظيم جدًّا، تنحل به الكرب، وتقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب، وحسن الخواتيم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم ومهما قلنا فلن نوفيه حقَّه صلى الله عليه وآله وسلم، وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من .. هو الإيمان، وهو أصل الإسلام، وحبُّه بهذه الطريقة العاطفية مطلوب كل يوم بالذات، كل يوم ليه؟ لأن الحرب عليه تزداد صلى الله عليه وسلم من المشرق إلى المغرب، فينبغي على أهل نصرته أن ينصروه ويعزّروه ويؤيدوه، لأنفسهم مش له، ما خلاص هو سبق، لأنفسهم، إذا أردت أن تكون شيء".اهـ
قلت: هكذا رفع علي جمعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مرتبة الألوهية، فجعل النبيَ صلى الله عليه وسلم: [تنحلُّ به الكرب، وتقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب، وحسن الخواتيم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم]، والله عز وجل يقول: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، وكان الجواب: {قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ}.
وقال سبحانه: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}.
وقال في حقِّ رسوله: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِين}.
وهل الشيخ التازي هذا حجة؟!
وأما حديث: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم..."، فقد استقصى طرقه وشواهده العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة (975)، وبيّن عدم ثبوته.
وأما احتجاجه بآية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ}، فهو احتجاجٌ في غير موضعه، فالصحابة –وهم حملة القرآن ومفسِّروه- لم يفهموا منها الإتيان إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم طلبًا للاستغفار، أو التوسل به بعد موته، بل اتفقت التفاسير المعتبرة على أن المقصود بالآية جماعة من المتحاكمين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، أي في حياته، فالمقصود الإتيان إليه في حياته لا الإتيان إلى قبره بعد موته.
واذكر ما قاله الزمخشري في "كشّافه" –على اعتزاله-؛ نظرًا لأن القوم يعظِّمون تفسيره، ويعتبرونه من المراجع الأساسية عندهم، خاصة في التفسير اللُّغوي البلاغي، حيث قال في "الكشَّاف" (1/528): "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالتحاكم إلى الطاغوت جاؤُكَ تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ من ذلك بالإخلاص، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك بردّ قضائك، حتى انتصبت شفيعًا لهم إلى اللَّه ومستغفرًا لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا لعلموه توابًا، أى لتاب عليهم".
قال ابن الجوزي في زاد المسير (1/428): "وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} يرجع إلى المتحاكمين اللَّذين سبق ذكرهما، قال ابن عباس: ظلموا أنفسهم بسخطهم قضاء الرّسول: {جاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ}، من صنيعهم".
قلت: والمراد بالمتحاكمين ما جاء في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا (63)}.
قال ابن كثير في تفسيره (2/346): "هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَانَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُرِيدُ التَّحَاكُمَ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهَا فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ تَخَاصَمَا، فَجَعَلَ الْيَهُودِيُّ يَقُولُ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ مُحَمَّدٌ. وَذَاكَ يَقُولُ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ. وَقِيلَ: فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، مِمَّنْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، أَرَادُوا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى حُكَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْآيَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّهَا ذَامَّةٌ لِمَنْ عَدَلَ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَحَاكَمُوا إِلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْبَاطِلِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالطَّاغُوتِ هَاهُنَا".
قلت: وأمّا ما ذكره ابن كثير بعد ذلك من قصة العتبي، دون أن يبيّن حكم إسنادها، فهذا مِمَّا يؤخذ عليه –رحمه الله-، والقصة كما ساقها ابن كثير: "وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: الشَّيْخُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِهِ "الشَّامِلِ" الْحِكَايَةَ الْمَشْهُورَةَ عَنْ العُتْبي، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}، وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا لِذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا خيرَ مَنْ دُفنَت بِالْقَاعِ أعظُمُه ... فَطَابَ منْ طِيبِهِنَّ القاعُ والأكَمُ ...
نَفْسي الفداءُ لقبرٍ أَنْتَ ساكنُه ... فِيهِ العفافُ وَفِيهِ الجودُ والكرمُ ...
ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ فَقَالَ: يَا عُتْبى، إلحقْ الْأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ له".
قلت: انظر "بطلان قصتي الأعرابي والعتبي عند قبر سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وبيان مخالفتهما للدين"، تأليف الأخ الفاضل الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله العُمَيسان، حيث بيّن أن مدار أسانيد هذه القصة على محمد بن روح بن يزيد البصري (ت 245 ه)، ونقل قول الذهبي في ميزان الاعتدال (3/546): "قال يونس: منكر الحديث"، وبقية الرواة أغلبهم مجاهيل أو ضعفاء.
وقال شيخ الإسلام في التوسل والوسيلة (ص24): "ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا، ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك رضي الله عنه....".
سابعًا: وسئل: هل المرسي أبو العباس رأى الرسول في اليقظة؟
الجواب: كل يوم كان بيراه في اليقظة، إيه يعني!
وقال: بيقول كيف رأيت الرسول في اليقظة؟
الجواب: شوف الغتاتة –كذا-! مش مصدق ولا إيه..كنت مشتغل بقراءة السيرة العطرة، وقرأت كثيرًا جدًّا أكثر من حوالي أربعين كتابًا، قرأتهم وراء بعض وراء بعض وراء بعض وراء بعض وراء بعض، فكأني عشت فيه، يعني في جو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته في المنام ثم رأيته في اليقظة، قاعد أنا متوقف في أمانة الله وراح داخل عليَّ صلى الله عليه وسلم ولابس عباءة، واللي حصل حصل، أنت مالك بقى؟! أجيبك معايا علشان تشوف ايـ .. شاف ولا ماشفش؟! أنا باقولك أنا شوفته –أي رأيته- في اليقظة صدقت صدقت، ما صدقتش عندك بحر النيل أهو اشرب منه، أنت حرٌّ!! لكن ما الذي حدث حصل بالتفصيل؟ لا أستطيع أنا أقول إيه اللي حصل بالتفصيل..! ده حاجة خاصة، أنا قلت لك اللي ينفعك وبس، أنت بتسأل: هل ده ممكن؟ آه ممكن، ليه؟ لأنه حصلّي، ماقدرش أقول إنه مش ممكن، أكذب يعني أقول لكم إيه!! والذين يدعون أنهم يرون رسول الله يقظة إنما هم من الكذابين، ماقدرش أقول كده، لحاجة بسيطة أوي، لسبب أني أنا شوفته –أي رأيته-.. أعمل إيه؟! عاجبكم عاجبكم، لا يعجبكم إنساها يا سيدي، إنساها، ومن يراني في المنام فسيراني في اليقظة، فرأيته في المنام ورأيته في اليقظة، أعمل أنا إيه بقى! أقولّه ماتجيش تاني؟! ما حاجة تغيظ، وسيدنا المرسي أبو العباس قال: لو أنني انقطَعَتْ رؤيتي عنه ما عددت نفسي من المسلمين، كان بيشوفه علطول –أي يراه دائمًا-، إيه بقى –أي لماذا- التكذيب؟... نقول مثلاً أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! ولا إيه؟ "من رآني فقد رآني حقًّا، فإن الشيطان لا يتمثل بي..."، ثم قال: "ومتفق بين كل المسلمين وكل العقلاء أن الشرع الشريف هو مقياس الحق، وأن هذه الرؤى إنما هي بشرى ، لا يؤخذ منها شرع، ولا يثبت بها شيء، إنما بشرى .. باقية، الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له...".
قلت: أخرج البخاري في كتاب "التعبير" (بَابُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَنَامِ) (6993)، ومسلم (2266) من حديث أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي اليَقَظَةِ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي»، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: «إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ».
وأخرج البخاري بعده (6994) من حديث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَخَيَّلُ بِي، وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وأخرج مسلم (2268) من حديث جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِي صُورَتِي».
وأخرج البخاري بعده (6996)، ومسلم (2267) من حديث أَبي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الحَقَّ».
وأخرج البخاري بعده (6997) من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَكَوَّنُنِي».
قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/154): "أى أن رؤياه- عليه السلام- حق ليس فيها للشيطان عمل ولا تلبيس، وأن الشيطان غير متسلط على التصور فى المنام على صورته".
وقال يحيى بن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح (6/185): "في هذا الحديث من الفقه أن الله سبحانه وتعالى كما حمى صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة عن أن يتمثل بها شيطان لئلا يغير على المسلمين أحكامهم، ولا يجرى كما جري في حق سليمان عليه السلام؛ إذ قال الله سبحانه: {وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب}، حمى الله مثال صورته في المنام ليكون ما أداه إلى أمته في اليقظة محروسًا محميًا مصونًا، وما يلقيه إليهم بعد موته في المنامات، وهي المبشرات التي أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة محمية من أن يخالطها نفث الشيطان بحال".
قال الحافظ في الفتح (12/385): "وَالْحَاصِلُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ ثَانِيهَا أَنَّ مَعْنَاهَا سَيَرَى فِي الْيَقَظَةِ تَأْوِيلَهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوِ التَّعْبِيرِ، ثَالِثُهَا: أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ عَصْرِهِ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ... خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّةٍ لَا مُطْلَقٌ مَنْ يَرَاهُ حِينَئِذٍ مِمَّنْ لَمْ يَرَهُ فِي الْمَنَامِ، سَادِسُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً وَيُخَاطِبُهُ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِشْكَالِ".
وكان قد قال قبل هذا بعد أن ذكر دعوى مَن رآه في اليقظة: "وَهَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ هَؤُلَاءِ صَحَابَةً وَلَأَمْكَنَ بَقَاءُ الصُّحْبَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ جَمْعًا جَمًّا رَأَوْهُ فِي الْمَنَامِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ وَخَبَرُ الصَّادِقِ لَا يَتَخَلَّفُ وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ الْقُرْطُبِيِّ عَلَى مَنْ قَالَ مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى حَقِيقَتَهُ ثُمَّ يَرَاهَا كَذَلِكَ فِي الْيَقَظَة كَمَا تقدم قَرِيبًا".
وقال الطيبي في شرح المشكاة (9/3002): "يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه، وحصول شفاعته ونحو ذلك".
وقال يحيى بن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح (6/185): "فأما قوله: (فسيراني في اليقظة)؛ فإنه يدل على أنه لا يراه في المنام إلا مؤمن، فلذلك وعد -صلى الله عليه وسلم- بأنه سيراه في اليقظة يعني في القيامة".
وقال ابن الجوزي في كشف المشكل (3/376): "وَهَذَا كالبشارة لمن يرَاهُ بِأَنَّهُ يلقاه يَوْم الْقِيَامَة".
وقال العلامة الألباني -رحمه الله- "شرح العقيدة الطحاوية" (ص31): "ومن هنا جاء ضلال بعض الدجالين يزعمون أنهم يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم يقظة، ويسألونه عما خفي عليهم من بواطن نفوس من يخالطونهم ، ويريدون تأميرهم في بعض شؤونهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليعلم مثل ذلك في حال حياته {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف:188]، فكيف يعلم ذلك بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى".
يتَّبع إن شاء الله ...
وكتب
أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان