( تابع ما سبق من الجزء الأول )
16- وقال الطيباوي: [وحتى نفهم هذه المسألة، و نتحاكم إلى الأدلة لنعرف المصيب الموافق لطريقة أهل العلم من المخطئ المخالف لهم، لابد من تعريف الجرح المفسر و أنواعه، ومتى يقبل، ويقدم على التعديل، ومتى لا يقبل،وأين يستوجب التوقف للترجيح؟]
التعليق
بعد أن انتهى الطيباوي من أحكامه الباطلة، ومجازفاته، إذا به يبدأ بالتأصيل!!
فهلا بدأ الطيباوي بتأصيل المسألة قبل إصداره الأحكام الباطلة والتي بينتها في تعليقاتي على ما سبق من كلامه؟!!
لكنها العجلة، وعدم ضبطه لأصول العلم، وعدم فهمه لقواعد أهل الحديث، فقد عرفنا الطيباوي بضحالة فكره، وضعف فهمه، ومخالفته للقواعد والأصول فيما سبق، فما عساه أن يؤصل بعدما أرانا ثمرة تأصيله الفاسد؟!
عموماً هذا التأصيل إن كان حقاً فسيكون حجة عليه، وإن كان باطلاً ففي تعليقي مزيد بيان ضلال وانحراف هذا الرجل..
* * * *
17 وقال: [تعريف الجرح المفسر:
الجرح إما يكون مجملا لا يبين فيه السبب كقولهم:"ليس بعدل"،"فاسق"،"ضعيف"،"ليس بشيء"،" ليس بثقة".
ومثاله جرح أبي حاتم لبعض الرواة، رفض العلماء متابعته فيهم، لأنه لم يبين السبب، مثل جرحه "دفاع بن دعفل"، و "معاوية بن صالح"، و"خالد الحذاء"، و"عبد الحميد بن صيفي"،وعليه كان بيان سبب الجرح مهم للغاية
و أما يكون مبين السبب كقولهم:"سارق"،"كذاب"،"قاذف"،" زان".
و بين هذا وذاك درجات بحسب تطرق احتمال الخلل،فقد يحتمل الجرح المبين السبب)المفسر( الخلل من جهة خطا الجارح في ظنه،وقد مثل له العلامة المعملي ـ رحمه الله بقول الجارح" قاذف" فقد يعتبر قذفا ما ليس كذلك،وقد يكون المقذوف مستحقا لذلك.
ويحتمل أن الجارح لم يباشر الجرح، بل اخبر به، و بلغه عنه، فيكون الخطأ من غيره، وغيرها من احتمالات كثيرة يكشفها السبر و التحقيق.
ولذلك يعتبر بيان سبب جرح الراوي من الأمور الهامة التي تُمكن من يطلع عليها من الإقرار ، أو المعارضة للجرح، إذا لم ير السبب كافيا في ذلك].
التعليق
في كلامه نظر من وجوه:
أولاً: ما يتعلق بعدم عزوه القول إلى قائله!
إن الطيباوي وأضرابه من المتسلقين على جهود غيرهم موهمين أتباعهم أنهم أهل نظر وفهم ثاقب!! ومع ذلك لو تحرر أحدهم من التقليد ووسع أفقه ومداركه في البحث لكانت كتابته –مع توفيق الله- خير وأكثر بركة ، مع الاهتمام بعزو القول إلى قائله!
فالكلام السابق الذي يحاول إظهار نفسه بمظهر الفاهم المؤصل لمسائل الجرح والتعديل هو كلام المعلمي رحمه الله في كتابه التنكيل(1/59).
ثانياً: كلام المعلمي ليس كافياً في الباب، ولا يشفي صدر طالب العلم..
من ذلك أن المعلمي رحمه الله لم يذكر من الجرح المفسر إلا ما يتعلق بالعدالة دون الضبط، فمن الجرح المفسر فيما يتعلق بالضبط: سيء الحفظ، فاحش الغلط، كثير المخالفة لروايات الثقات.
ومن ذلك أنه رحمه الله ذكر أن من الفقهاء من ذكر أن من الجرح المفسر (قاذف) ثم ذكر ما فيها من إجمال، فصارت محتاجة إلى تفسير!
ومع ذلك فالطيباوي يذكرها من الجرح المفسر مع استدراك المعلمي!
ثالثاً: لابد من التنبه إلى أن الجرح قد يكون مجملاً في اللغة، ولكن عند إمام من الأئمة يكون مفسراً إما بتصريحه وإما بسبر أحكامه من أهل الاستقراء التام كالذهبي رحمه الله..
كما ذكر السخاوي عن الشافعي رحمه الله أنه سمع المزني يقول: فلان كذاب، فقال له الشافعي: يا إبراهيم اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل: كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء، قال السخاوي: «وهذا يقتضي أنها حيث وجدت في كلام الشافعي تكون من المرتبة الأولى» يعني : من مراتب الجرح وهي أشدها .
رابعاً: قول الطيباوي: [وقد مثل له العلامة المعملي ـ رحمه الله بقول الجارح" قاذف" فقد يعتبر قذفا ما ليس كذلك،وقد يكون المقذوف مستحقا لذلك.
ويحتمل أن الجارح لم يباشر الجرح، بل اخبر به، و بلغه عنه، فيكون الخطأ من غيره، وغيرها من احتمالات كثيرة يكشفها السبر و التحقيق.
ولذلك يعتبر بيان سبب جرح الراوي من الأمور الهامة التي تُمكن من يطلع عليها من الإقرار ، أو المعارضة للجرح، إذا لم ير السبب كافيا في ذلك]
يجب أن يقيد عند وجود معارض صحيح، وليست المسألة آرائية وأهوائية كما تراه من المأربي والطيباوي ومن على شاكلتهم، حيث يأتيهم الجرح المفسر الذي لا يستطيعون دفعه، فيعارضونه برأيهم وقناعتهم الشخصية!!
وهذا داء جسيم ينبغي التنبه له، فالمسألة مسألة دليل وحجة وبرهان، وليس الهوى والرأي المجرد، والعاطفة غير المنضبطة بالشرع.
لذلك قال المعلمي رحمه الله بعد ذكره الاحتمالات في قول الجارح في المجروح بلفظ: «قاذف» قال رحمه الله: «نعم إنها خلاف الظاهر، ولكن قد يقوى المعارض جداً فيغلب على الظن أن هناك خللاً وإن لم يتبين».
خامساً: ما يتعلق بالأمثلة التي مثل بها الطيباوي:
أما دَفَّاع بن دغفل -بالغين المعجمة- فقد قال أبو حاتم: [ضعيف الحديث] وزعم الطيباوي أن العلماء رفضوا متابعته ! مع أن الحافظ ابن حجر قال عنه في التقريب : ضعيف، فقبل كلام أبي حاتم ولم يقبل ذكر ابن حبان له في الثقات!! وكذلك فعل -من قبلُ- ابنُ الجوزي في كتابه "الضعفاء والمتروكون"، وكذا ابن عراق في تنزيه الشريعة(2/198)
ومن سبر حال دَفَّاع وجد أنه قليل الحديث، وأن ابن حبان جرى على قاعدته في تمشيه حال من كان قليل الحديث، وإذا روى حديثاً منكرا في سنده من هو أولى في تحمل تبعته فإنه لا يضعف أمثال دفاع إذا رووا تلك المناكير إذا كان يتحملها غيرهم ..
أما أبو حاتم فإنه رأى ما رواه من منكرات فرأى أن التبعة عليه في بعضها فضعفه والله أعلم..
فالجرح المبهم عند أبي حاتم لم يجابه توثيق ابن حبان عند الحافظ ابن حجر .
وأما معاوية بن صالح فقد قال فيه أبو حاتم -كما في الجرح والتعديل(8/382) : [صالح الحديث حسن الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به] وهذا رأي أبي حاتم وافقه عليه غيره كابن القطان، ولم يرده العلماء لأنه جرح غير مفسر، بل قد فسره غيره وأوضحوا أن عنده إفرادات وغرائب لينه بعضهم بسببها.
فأبو حاتم لم يسقطه، ولم يجرحه بما يمنع الاستفادة من رواياته، بل حسن حديثه ولكن جعله من المراتب الدنيا في التعديل ..
فجرح أبي حاتم هنا مبهم وليست المؤاخذة على الطيباوي في كونه مبهماً لكن في زعمه عدم متابعة العلماء له في ذلك، فقد وافقه غيره، وذكروا تفسيراً..
ولم يتفرد أبو حاتم بذلك بل وافقه غيره وخالفه آخرون أيضاً كما يعلم ذلك من راجع ترجمة معاوية بن صالح.
والصحيح أنه ثقة، ولا يلتفت إلى من ضعفه، لأن تلك الإفرادات لا تعاب عليه لسعة روايته، وكثرة حديثه رحمه الله.
وأما خالد الحذاء فقال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به فهو ليس جرحاً مهدراً لرواية الراوي تلحقه بالضعفاء بل هو اصطلاح خاص به ..
قال عبد الرحمن ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل(2/132) : "سمعت أبى يقول: إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، محلهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم.
قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟ قال: كانوا قوما لا يحفظون فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون ترى في أحاديثهم اضطرابا ما شئت".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -كما في مجموع الفتاوى(24/350) - : "وأما قول أبى حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين وذلك أن شرطه في التعديل صعب والحجة في اصطلاحه ليس هو الحجة في جمهور أهل العلم".
وقال الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال في نقد الرجال(7/139) في ترجمة الوليد بن كثير المزني: "وقال أبو حاتم يكتب حديثه، مع أن قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق ولا بصيغة إهدار".
وقال أيضاً في ميزان الاعتدال في نقد الرجال(4/53) في ترجمة العباس بن الفضل العدني عند قول أبي حاتم فيه شيخ: "فقوله هو شيخ ليس هو عبارة جرح، ولهذا لم أذكر في كتابنا أحدا ممن قال فيه ذلك، ولكنها أيضا ما هي عبارة توثيق، وبالاستقراء يلوح لك أنه ليس بحجة، ومن ذلك قولة يكتب حديثة أي ليس هو بحجة" ..
نعم أخطأ أبو حاتم، ولم يصب، والعمل على توثيق خالد بن مهران الحذاء وإمامته .
وجرحه مبهم كما مثَّل به الطيباوي، ولم يتابع أبو حاتمٍ على كلامه في خالد الحذاء..
وأما عبد الحميد بن صيفي فلم يضعفه أبو حاتم بل قال: شيخ، وهي من أدنى درجات التعديل ، وقد سبق نقل كلام الذهبي حولها..
والعجيب أن الأئمة يذكرون كلام أبي حاتم في عبدالحميد من باب التعديل له، مع ذكر ابن حبان له في الثقات، فلا يقال إن أبا حاتم جرحه والله أعلم..
فتبين مما سبق أن أبا حاتم رحمه الله رغم أنه خولف من بعض العلماء في بعض من ذكر–وهذا أمر طبيعي لا يختلف فيه اثنان- إلا أن ثمة من ناصره وأيده من أهل التوسط والاعتدال، فمنه يتبين مدى مصداقية الطيباوي في قوله: [رفض العلماء متابعته فيهم] !!
وكذلك يتبين بطلان ما زعمه الطيباوي أن كلام أبي حاتم في عبدالحميد بن صيفي من الجرح المبهم! بل هو من التعديل!
والله أعلم.
* * * *
18- وقال: [و الجرح لا يقبل إلا مفسرا فيمن ثبتت عدالته،و إنما يطالب بالجرح المفسر حيث يخالف الجاري و المعروف و المعهود ويستوجب شكا، أو يتوقف فيه لاختلاف الاجتهاد، أو بسبب تهمة يسيرة في المجروح ليست قادحة عند الأغلبية، أو لوجود العداوة بين الجارح و المجروح وغيرها من أسباب.
المهم، و إن كان الجرح المفسر مقبولا إلا انه عند وجود قرينة مما ذكرنا يتوقف في قبوله، و ينظر في حال الجارح، فقد يقف خلف جرحه سبب غير مقبول ، ويسبر حال المجروح].
التعليق
هذا الكلام صحيح، ولست أخالف فيه ..
ولكن ينبغي التأكيد على طلاب الحق والهدى أن جرح العلماء للمأربي –مثلاً- كان مفسراً، وبالدليل من أشرطته وكتبه، وفيها الخيانة في النقل، وبتر كلام الشيخ ربيع بكل وضوح ليتوصل إلى القدح في العالم السلفي واتهامه بخطأ عقدي عليه من الله ما يستحق..
فهذا الفعل لا شك مفسق باتفاق العلماء، وليس من مواضع الاجتهاد، وليست التهمة يسيرة بل فادحة قادحة بالاتفاق..
ومع ذلك رأينا من عُرِّفَ ذلك ولم يرفع به رأساً مما يدل على اتباع الهوى، والإعراض عن الهدى..
* * * *
19- وقال: [وهنا يجب التنبيه إلى أن حصر النظر فيما قرره علماء الحديث في هذه المسألة دون الالتفات إلى الفروق العملية بين جرح الرواة و جرح العلماء سبب كبير للخطأ ومظنة اعتداء الناس على بعضهم البعض].
التعليق
إن ما قرره العلماء في مسائل الجرح والتعديل ومنها مسألة الجرح المفسر، يشمل الكلام في الرواة والكلام في العلماء، وخاصة ما يتعلق بالعدالة والطعن بالفسق والبدعة..
وعلى من فرق الدليل ولا دليل..
وما أتى الخلل عند الطيباوي وأشباهه إلا لجهلهم بقواعد أهل الحديث وكيفية تعاملهم مع من وقع في بدعة أو مفسق سواء كانوا من الرواة أو من غيرهم.
بل لو ادعى مدَّع أن باب الجرح في العالم أو المنتسب إلى العلم أشد منه عند المحدثين من حيث إن المحدثين قد يروون عن المبتدع لمصلحة حفظ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن المبتدع راوياً فالواجب هجره والابتعاد عنه حفظاً للدين، وصيانة للمجتمع لما أبعد القول.
فالكلام في المنتسب إلى العلم إن كان مبتدعاً أشهر وأظهر من الكلام في الرواة، بل قد يُهْجَرُ العالم السلفي لزلة وقع فيها في بعض الأحوال من باب التنفير من زلته كما حصل من الإمام أحمد مع من أجاب في المحنة من أقرانه وأصحابه السلفيين كعلي بن المديني وابن معين..
* * * *
20- [فإن كان أئمة الجرح قد قبل جرحهم لبعض الرواة، ولو كان جرحا مبهما،أو مفسرا محتملا لنقيضه بسبب أنهم أصحاب صناعة يتحرون في الغالب الصدق، و أكثرهم عالم باختلاف الفقهاء في الأحكام المفسقة ، وموجبات العدالة، وهم عدول عالمون يكثر في كلامهم الإجمال بحكم متطلبات فنهم، ولم يبق بين أيدي الناس إلا النقل عنهم، وقد تلقى أهل العلم كلامهم على العموم بالقبول.
فهذه مسألة حل إشكالها العلماء عندما قالوا ـ ابن الصلاح ـ و إن توقفنا في قبول الجرح المجمل فقد اعتمدناه في التوقف عن قبول الحديث من قالوا فيه مثل ذلك، من باب الاحتياط في الرواية عن رسول الله صلى الله عليهم وسلم].
التعليق:
في نقل الطيباوي لكلام ابن الصلاح قصور، فمن كلامه: «..وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية، يوجب مثلها التوقف.
ثم من انزاحت عنه الريبة منهم، ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته، قبلنا حديثه ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما، ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم. فافهم ذلك، فإنه مخلص حسن، والله أعلم».
قال المعلمي رحمه الله : «فالتحقيق أن الجرح المجمل يثبت به جرح من لم يعدَّل نصاً ولا حكماً، ويوجب التوقف فيمن قد عُدِّلَ حتى يسفر البحث عما يقتضي قبوله أو رده» ثم قال: وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى. ثم فصل ذلك (1/73-75) تحت عنوان: «إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟» ، وكذلك (1/75-77) تحت عنوان: «قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا...» -هكذا منقطاً في التنكيل-.
* * * *
21- قال الطيباوي: [أما جرح العلماء فهو أمر آخر يتوقف على شروط أخرى، كالمشاركة في العلم ومعرفة مراتب العلوم، ولذلك مهما كان الجرح مفسرا لم يجب قبوله حتى ينظر فيه،لأنه جرح في غالبه لاختلاف الاجتهاد، فإن لم يكن موضوع الجرح متفقا على بدعيته بين الأئمة لم يلزم قبوله و إن كان مفسرا.
فأي مسألة لا نص صريح فيها عن الأئمة أنها بدعة ،الاختلاف في كونها يبدع بها أو لا يبدع بها يمنع قبول الجرح المفسر بها].
التعليق:
أ- حصر الطيباوي جرح العلماء بالبدعة فقط! ونسي أو تناسى أنه ذكر أن من الجرح المفسر «زانٍ» ، «سارق»، ومنها كذلك: «يشرب الخمر»، و«كذاب» مع بيان الدليل والبرهان القطعي!
فمن العلماء من يطعن في دينه بإثبات ارتكابه لكبيرة من كبائر الذنوب، لا سيما مع إصراره عليها، أو مجاهرته بها!
ب- اشتراط الطيباوي في جرح العلماء : «المشاركة في العلم ومعرفة مراتب العلوم» ليس صحيحاً على إطلاقه، فإن العالم قد يجرح بالفسق بشرب الخمر، أو بالبدعة كالقول بأن القرآن مخلوق، أو ينكر عذاب القبر ونعيمه، أو يدعو للطواف حول القبور، فالحكم على هذا العالم بوقوعه في البدعة لا يحتاج إلى المشاركة في العلم، ولا معرفة مراتب العلوم.
فجعل المشاركة في العلم ومعرفة مراتب العلوم شرطاً للكلام في العالم وجرحه من أباطيل الطيباوي ومحدثاته ومخالفاته لأصول أهل السنة وقواعدهم..
ت- قال الطيباوي: [فإن لم يكن موضوع الجرح متفقا على بدعيته بين الأئمة لم يلزم قبوله و إن كان مفسرا
فأي مسألة لا نص صريح فيها عن الأئمة أنها بدعة ،الاختلاف في كونها يبدع بها أو لا يبدع بها يمنع قبول الجرح المفسر بها]
فهنا حصر الطيباوي جرح العالم بالبدعة أن يكون متفقاً على أنه بدعة، فإذا وقع خلاف لا يصح الجرح المفسر!! وهذا من بدع الطيباوي وعجائبه!
فلو أن شخصاً عصرياً ينتسب إلى العلم أباح للناس الخروج على أئمة الجور كما أفتى به عدنان عرعور ومن على شاكلته فهذا يجرح به، لأن الخروج على أئمة الجور مخالف للنصوص، وقد استقر قول السلف على تحريمه، والتشنيع على من يقول به.
لا سيما بعد اتضاح الأمور، وأن مفاسد الخروج على مر التاريخ ظاهرة منادية بتحريمه والمنع منه.
قال الإمام أحمد في أصول السنة(ص45) : "ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو الغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة".
وهذه مسألة يلبس بها الخوارج ويأتون على ذكر الحسين رضي الله عنه وعلى القراء وغير ذلك، وقد أجاب العلماء عن هذه الشبهة وبينوا أن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على الحسين رضي الله عنه، وأنه قد ترك القتال لكن أبى عبيدالله بن زياد إلا أن ينزل على حكمه وأن لا يسلمه للخليفة فحصل ما حصل، وأما القراء كسعيد بن جبير رحمه الله وغيره فهذا منكر قد أقر به كبارهم كالشعبي والحسن البصري-وهو ممن أنكر فلم يكد يسلم من أذى الخارجين عن الطاعة- وما قاموا به منكر ظاهر لا يشك فيه عالم وعاقل، لكنها فتنة وقعوا فيها عفا الله عنهم ..
المقصود أن البدعة إذا أجمع العلماء على كونها بدعة، أو كان الراجح عن أهل العلم أنها بدعة فيجرح بها ..
أما إذا كان ذلك موضع اجتهاد ووجهة نظر فهذه التي لا يجرح بها والله أعلم..
* * * *
22- وقال الطيباوي: [الفرق بين جرح الرواة وجرح العلماء المعاصرين:
من ينظر في الأحوال المختلفة بين جرح الرواة ، الذي يعتمد على كتب قديمة،يكون الناظر فيها مقيدا بمحتواها ، يجتهد فيه بالسبر و التحقيق في سند الجرح ومتنه، و قد يكون جرحا مبهما أو مفسرا، ولكن بدرجة لا تبتعد كثيرا عن حد الإجمال فإن التفسير درجات ،بمعنى الاعتماد على الخبر المجرد.
و بين جرح العلماء المعاصرين له بالمشاهدة و المعاينة و المخابرة، في مسائل علمية دقيقة خفية على أكثر الناس حتى على بعض طلبة العلم، وليس أصول كلية واضحة وظاهرة ، يجعل جرح العلماء المعاصرين من باب جرح الشهود، لا من باب جرح الرواة]
التعليق:
لقد تضمن كلام المحتار الطيباوي من الركاكة والتناقض ما يبين مدى عقلية وفهم هذا المتحير البعيد عن الهدى..
أولاً: معلوم أن الرواة منهم العلماء الكبار ومنهم من هو دون ذلك ومنهم المجاهيل ومنهم من يتزيا بالعلم وليس من أهله ونحو ذلك من أشكال الرواة ..
ومعلوم أن الجرح الصادر من علماء النقد في حق الرواة على مختلف رتبهم في العلم قد يكون مبنياً على المعاصرة والمشاهدة والمخالطة، وقد يكون مبنياً على حكمِ أو خبرِ غيره، وقد يكون مبنياً على سبر مروياته وعرضها على أحاديث الثقات والحفاظ..
ومن ضوابط الجرح عند العلماء: معرفة المتكلم في الراوي هل هو معاصر له أم متأخر عنه؟
ومعلوم أن القدح في العلماء بما يتعلق بالفسق والبدعة مبحوث في كتب مصطلح الحديث وكذلك في كتب أصول الفقه، وهي شاملة لكل العصور، ولا يفرق بينها تفريقاً كلياً إلا جاهل ضال..
ثانياً: قال المتحير الطيباوي [الذي يعتمد على كتب قديمة،يكون الناظر فيها مقيدا بمحتواها ، يجتهد فيه بالسبر و التحقيق في سند الجرح ومتنه،
و قد يكون جرحا مبهما أو مفسرا، ولكن بدرجة لا تبتعد كثيرا عن حد الإجمال فإن التفسير درجات ،بمعنى الاعتماد على الخبر المجرد.]
يتحدث الطيباوي عن كتب الجرح القديمة، ويصف ما فيها من تفسير بأنه لا يبعد كثيراً عن حد الإجمال! وهذا منه دليل على أنه لا يعرف واقع كتب التراجم القديمة! أو أنه لا يفهم ولا يدري ما هو الجرح المفسر!
والعجب من شخص يكتب في مسائل الجرح والتعديل وهو لا يعرفها ولا يفهمها، ثم نجد علي الحلبي يمدح هذا الجاهل ويزعم أن ردوده مؤصلة، وعلمية نقية!!
ولو قال: إني أقصد أنه قريب من الإجمال بسبب أن الاعتماد فيه على الخبر المجرد!!
فأقول: هذا الكلام أشد بطلاناً .
لأن الخبر المجرد قد يكون مفسراً واضح التفسير جداً لا يخفى على عاقل!
كثقات يخبرون عن شخص أنه يشرب الخمر، وأنه يمشي كاشفاً عورته المغلظة، أو أنه يتعامل بالربا الصريح ونحو ذلك..
فإن قال: إني لا أعني أن كل جرح مفسر لا يبعد عن الإجمال، وإنما ذكرت نوعاً من أنواع الجرح المفسر!
فيقال: هذا باطل أيضاً، فالمفسر هو الواضح المبين السبب، وحتى لو لم يبعد كثيراً عن الإجمال فيكفي أن يكون مفسراً يحصل به المقصود الشرعي .
فلا يجوز أن تكون هذه الاحتمالات سبباً للطعن في أحكام أئمة الحديث، ولا التشكيك فيها، وإلا لادعى كل جاهل ومتعالم على الجرح المفسر بأنه مجمل فيبطل كلام الأئمة وأحكامهم بهواه ..
ثالثاً: قال الطيباوي: [و بين جرح العلماء المعاصرين له بالمشاهدة و المعاينة و المخابرة، في مسائل علمية دقيقة خفية على أكثر الناس حتى على بعض طلبة العلم، وليس أصول كلية واضحة وظاهرة ، يجعل جرح العلماء المعاصرين من باب جرح الشهود، لا من باب جرح الرواة]
هذا من تهويلات الطيباوي..
وغالب ما يصدر من جرح مفسر فيما يتعلق بالعدالة إنما هو يكون في المسائل الظاهرة، من مفسقات وبدع، وما ذكرته نادر سواء في الماضي أو الحاضر..
فمن من الناس جرحه العلماء جرحاً مفسراً لأمور دقيقة خفية تخفى على أكثر الناس؟
فهل الكذب والخيانة وبتر كلام العالم للطعن فيه يعد عندك من المسائل الدقيقة الخفية؟
وهل إجازة الخروج على ولاة الأمر المسلمين من المسائل الخفية الدقيقة؟
وهل الطعن في العلماء السلفيين وتجرئة الصغار عليهم من المسائل الخفية الدقيقة؟
وهل الثناء على كبار الخوارج وأهل البدع من المسائل الخفية الدقيقة؟
وهل التشهير بولاة الأمر على المنابر وسبهم وتحريض الناس عليهم من المسائل الخفية الدقيقة؟
وهل العمل الدؤوب على شق صف السلفيين، والعمل على تفرقتهم، وفرط جماعتهم من المسائل الخفية الدقيقة؟
وهل اتهام الصحابة رضي الله عنهم بسوء التربية، أو يقول عنهم إنهم غثاء من المسائل الخفية الدقيقة؟
إلى غير ذلك من المسائل التي ينتقدها على العلماء على بعض الجهلاء ممن يدعون السلفية ويحاربونها، ويدافع عنهم الطيباوي وأمثاله(كعدنان عرعور، وأبي الحسن المأربي، والعيد الشريفي، والمغراوي، ومحمد حسان، والحويني، وجمعية إحياء التراث، وجمعية دار البر)....
رابعاً: وقال الطيباوي: [يجعل جرح العلماء المعاصرين من باب جرح الشهود، لا من باب جرح الرواة]
ومع كون ما ذكره فيه نظر كبير، إلا أننا لو عملنا به لم يكن للطيباوي ولا غيره حجة في تبرئة الكذاب من كذبه، ولا المبتدع من بدعته..
فالمأربي وقع في الكذب الصريح المفسق بما تكلم به بصوته، وبما خطه بنانه.
فالحق ظاهر، ومهما حاول أهل الباطل إزهاقه فعملهم يبوء عليهم بالإثم والخسران..
والله هو المستعان وعليه التكلان.
23-قال الطيباوي: [و لنبين ذلك بإذن الله تعالى:
مسألة جرح العلماء المعاصرين تلحق بجرح الشهود،لأنه يجب استفسار الجارح فإن آبى رفض جرحه، و إن فسره بما يوافق عليه أئمة السنة قبل، و إن كان محل خلاف لم يلزم قبوله لمجرد كونه مفسرا،فأنا قد أفسر جرحا تفسيرا دقيقة كبيرا و لكن هل هو فعلا مخالف للكتاب و السنة و الإجماع، موجب للتبديع عند أئمة السنة ، هذا الإشكال.
فعندما يتعلق الأمر بجرح العلماء الذين نعاصرهم، وليس رواة عاشوا في غابر الأزمان، يكون هناك فرق محقق، إغفاله خطا كبير]
التعليق
هكذا يلقي الطيباوي الكلام على عواهنه بدون تدبر ولا تفكر، وكأن همه الدفاع عمن يتعصب له دون تحرٍ للحق والعدل والهدى والله المستعان.
أولاً: إن علماء السلف من أهل الحديث والأثر كانوا يجرحون في معاصريهم من أهل البدع كالجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وبشر المريسي وأشباههم ممن لم تكن لهم رواية، بل لم يكونوا أهلاً للرواية، ومع ذلك قبل العلماء جرحهم، ولم يقولوا إن جرح أولئك الأئمة لأولئك المبتدعة من باب جرح الشهود، ومما لا يقبل إلا مع الاستفصال!
ثانياً: إن جرح الشهود إن كان مفسراً ومفصلاً بأدلته وبرهانيه فكيف يطالب الجارح بالتفسير وهو مفسر؟! وكلامنا وكلام الطيباوي هنا عن الجرح المفسر فما هذا التناقض والهذيان؟!
فإن زعم أنه يقصد أن الجرح للشاهد إن كان مجملاً طلبنا تفسيره.. قلنا: هذا سبق الحديث عنه، وكلامنا وكلامك عن المفسر فلا حاجة لهذا التكرار..
ثالثاً: الجرح المفسر يكون بما أجمع العلماء على الجرح به، وكذلك على ما ترجح مما اختلفوا فيه مما هو منصوص أو في حكم المنصوص، أما مسائل الاجتهاد فهي التي قد لا يقبل الجرح بها.
رابعاً: إن العلماء إذا جرحوا معاصراً فإنهم يطبقون عليه قواعد أهل الحديث، ولا يتقيدون بقواعد الطيباوي وأشباهه من حماة أهل البدع المدافعين عنهم، المتهمين أهل السنة بأقذع التهم..
فقواعد الجرح والتعديل مقررة، وليس علينا إلا تطبيقها والعمل بها بالعلم والعدل.
* * * *
24- وقال: [فإن الجارح الجرح المفسر كالقذف مثلا قد يتعنت ويجرح به، مع علمه أنه صدر عن فلتة لسان، أو ثورة غضب كما حصل لمحمد بن الزبير]
التعليق
القارئ لهذا الكلام من الطيباوي يفهم أن محمد بن الزبير بسبب ثورة غضب أو فلتة لسان حصل منه قذف!
أو أن من العلماء من جرح محمد بن الزبير لكونه صدر منه قذف في سورة غضب أو فلتة لسان!!
والواقع أن كلا الأمرين لا وجود له ، وإنما حصل الخلل للطيباوي العبقري لأنه ينقل كلام المعلمي في التنكيل(1/75) بدون وعي ولا فهم!
وهو ممن يدعي عدم التقليد، وأنه باحث مؤصّل-بفتح الصاد وكسرها!-، وهو في الحقيقة جاهل مقلد..
وإليك البيان:
أولاً: ذكر القصة عن محمد بن الزبير التميمي الحنظلي:
روى ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال(6/203) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق(53/38)- حدثنا الساجي قال ذكر حوثرة بن محمد ثنا أبو داود قال: قلت لشعبة: مالك لا تحدث عن محمد بن الزبير الحنظلي؟ قال مر به رجل فافترى عليه فقلت: هذا من مثلك كبير فقال إنه أغاظني!
فيظهر من القصة أن محمد بن الزبير الحنظلي افترى على الرجل، وليس فيه ذكر للقذف، وأن شعبة أنكر عليه افتراءه لأن الافتراء على المسلم من الكبائر المفسقة، فاعتذر محمد بن الزبير بأن افتراءه بسبب الغضب..
ولكن هل عذره شعبة؟ هل عذره الأئمة بسبب غضبه أن يفتري على الناس؟
وكما هو ظاهر لم يظهر ندماً وإنما عذراً، ونرى الأئمة تتابعوا على ذكر هذه القصة لجرح محمد بن الزبير الحنظلي ولم يعذروه ..
ثانياً: ذكر القصة عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي:
قال العقيلي في الضعفاء(4/131) حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام حدثنا أحمد بن سعيد الرباطي قال: سمعت أبا داود الطيالسي يقول: قال شعبة: لم يكن في الدنيا بشيء أحب إلى من رجل يقدم من مكة فأسأله عن أبى الزبير فقدمت مكة فسمعت عن أبي الزبير فبينا أنا جالس عنده ذات يوم إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فرد عليه فافترى عليه فقلت له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟! قال: إنه أغضبني. قلت: من يغضبك تفتري عليه، لا رويت عنك حديثا أبداً.
قال: وكان يقول في صدري أربعمائة لابن الزبير عن جابر والله لا أحدث عنك حديثا أبدا
فليس في هذه القصة أن أبا الزبير قذف الرجل، ونرى فيها أن هذا الفعل قد حمل شعبة على ترك روايته..
والخطيب البغدادي ذكر هذه القصة في الكفاية في علم الرواية(ص115) في "باب في أن السفه يسقط العدالة ويوجب رد الرواية".
وكما ترى أن القصتين متشابهتان، والراوي عن شعبة هو أبو داود الطيالسي، وهو مع ثقته وإمامته عنده بعض الأوهام، فلعله وهم في إحدى القصتين كما قال المعلمي في التنكيل(1/64) .
فالعلماء جرحوا محمد بن الزبير الحنظلي لما عنده من المناكير، والغرائب، ومنهم من صرح بأنه ليس بثقة..
أما أبو الزبير فهو ثقة على الراجح، احتج به مسلم، وعلق له البخاري، وروى له مقروناً بغيره، بل قال علي بن المديني: ثقة ثبت.
والخلاف فيه معروف، ومن احتج به لم يعمل بقصة شعبة إما لأنها وهم من أبي داود الطيالسي فتكون القصة لا وجود لها في حق أبي الزبير، أو لم يعرفها من احتج به، أو عرفها لكن ثبت عنده أنه تاب، وأن أمره على العدالة والستر والديانة وتكون تلك القصة فلتة لم يؤاخذ بها لما عرف من استقامة ديانته بعدها مما يدل على توبته وأوبته.
وعلى كل فليس في القصة قذف بسبب فلتة لسان، وليس فيها عدم المؤاخذة بها مع عدم وجود قرينة توبة وأوبة، لا سيما في حال من عرف منه تكرار هذه الأفعال، وإصراره عليها، مما يبعد قضية احتمال فلتة اللسان..
ولا يقال إن من آخذه به متعنت أو متشدد بل هو الأصل الذي يعامل به أهل الافتراء والبهتان ما لم يتوبوا ويرجعوا ..
(يتبع إن شاء الله)
|