عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 08-08-2010, 05:03 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } [ سورة الأنفال : الآية 60 ] وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا } [ سورة النساء : الآية 71 ] تضمنت هاتان الآيتان جميع ما يلزم المسلمين في مدافعة الأعداء ومقاومتهم , وذلك بالاستعداد بالمستطاع من قوة عقلية وسياسية ومعنوية ومادية , فدخل في ذلك تعلم أنواع الفنون الحربية , والنظام السياسي والعسكري , والاستعداد بالقواد المحنكين المدربين , وصناعة الأسلحة , وتعلم الرمي والركوب بما يناسب الزمان , وبأخذ الحذر من الأعداء بالتحرز والتحصن , وأخذ الوقاية من شرهم , ومعرفة مداخلهم ومخارجهم , ومقاصدهم وسياساتهم , وعمل الأسباب والاحتياطات للوقاية من شرهم وضررهم وأن نكون منهم دائما على حذر في وقت السلم فضلا عن وقت الحرب , فإن جهل المسلمين بشيء من المذكورات نقص كبير فيهم , وقوة لعدوهم , وإغراء له بهم . فعلى المسلمين الأخذ بكل معنى من معاني الحذر , وبكل وسيلة من وسائل القوة والاستعداد , عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا . فإن جهل المسلمين بشيء من ذلك وكسلهم عن العمل ضرره كبير , وبذلك يكونون عالة على غيرهم , وهذا عنوان الذل , فإن لله سننا كونية جعلها وسائل للعز والرقي , من سلكها نجح , ودين الإسلام يحث عليها غاية الحث .

قال تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } [ سورة التغابن : الآية 16 ] وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) . فالله تعالى أمر بالجهاد بالنفس والمال , وبالأقوال والأفعال , وبالمباشرة وإعانة المباشرين , وبالدعوة والتحريض والتشجيع . وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) فكل من في قلبه إيمان فلا بد أن يكون له نصيب من هذا الجهاد , وكل أحد فرض عليه أن يقوم بما يستطيعه من ذلك , ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها . فأهل الحل والعقد والرياسة من الملوك والأمراء والوزراء ورجال الدول الإسلامية عليهم أن يسعوا أحث السعي لتحصيل القوتين : القوة المعنوية والقوة المادية , وذلك بالسعي لإزالة الموانع والحواجز التي حالت بين المسلمين وبين اتفاقهم واجتماع كلمتهم , وأن يفهموا العوامل التي فرقتهم والأغراض المتباينة التي شتتتهم , وأن الأيدي الأجنبية تتوسل بذلك لتحصيل أغراضها , فمتى فهموها وعملوا على إزالتها بجد واجتهاد فلهم نصيب وافر من الجهاد في سبيل الله . وعلى أهل العلم من بيان فضل الجهاد ووجوبه , وتبيين منافعه الضرورية , وحض الناس عليه , والوعظ العام والخاص , أعظم مما على غيرهم . وعليهم أن يبينوا للناس أن جميع حركاتهم وأقوالهم وأفعالهم ونفقاتهم المقوية للدين المعينة للمسلمين في دفع اعتداء المعتدي , كل ذلك , داخل في الجهاد في سبيل الله ; فمتى عرف المؤمنون موضوع الجهاد , وأنه اسم جامع لسلوك كل سبب ووسيلة في إعلاء كلمة الدين , وفي مقاومة الأعداء والحذر والتحرز منهم , نشطوا للقيام به وأخلصوا لله فيه والعمل الخالص نفعه كبير , وأجره عظيم . وكذلك يجب على كل فرد من أفراد المسلمين أن يبدي مجهوده في نصر المسلمين بما يقدر عليه من قول وفعل ودعاية وحض لإخوانه عليه وكل أحد عليه من القيام بوظيفته الخاصة ما ليس على الآخر : فالملوك والأمراء وقواد الجيوش : عليهم من الواجبات بحسب مراتبهم ومقاماتهم , والجيوش العاملة عليها النهوض بوظيفتها والتزام القوة والشجاعة والصبر ; وعلى أهل الأموال بذل ما يحتاج المسلمون إليه في المنافع الكلية , وعلى أهل الصنائع النصح والجد في تعليم الصناعات النافعة للجهاد , فمتى قام كل أحد بوظيفته لم يزالوا في رقي وصعود في دينهم ودنياهم , وعزهم وشرفهم .
قد أمر الله في عدة آيات بالقيام بجميع الأسباب النافعة , والسعي في كل وسيلة فيها صلاح الأحوال . كما أمر في عدة آيات بالتوكل عليه والاعتماد على حوله وقوته . فبالقيام بهذين الأصلين العظيمين تقوم الأمور كلها وتتم وتكمل . والنقص والقصور إنما يجيء من الإخلال بهما أو بأحدهما , فالتوكل الذي لا يصحبه جد واجتهاد ليس بتوكل , وإنما هو إخلاد إلى الكسل وتقاعد عن الأمور النافعة ; كما أن العمل بالأسباب من دون اعتماد وتوكل على مسببها واستعانة به مآله الخسار والزهو والإعجاب بالنفس والخذلان . فالجمع بين التوكل على الله وبين الاجتهاد في فعل الأسباب هو الذي حث عليه الدين , وهو الذي كان عليه سيد المرسلين , وبهما يتحقق الإيمان , وتقوى دعائم الدين , وبهما تقوى معنوية المسلمين , حيث اعتمدوا على رب العباد , وأدوا ما في مقدورهم من جد واجتهاد .
قد علم من قواعد الدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , وأن الوسائل لها أحكام المقاصد . ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية والتوقي لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم , ودرس أحوالهم وسياساتهم , وخصوصا السياسة الموجهة منهم للمسلمين ; فإن السياسة الدولية قد أسست على المكر والخداع , وعدم الوفاء , واستعباد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد ; فجهل المسلمين بها نقص كبير وضرر خطير ; ومعرفتها والوقوف على مقاصدها وغاياتها التي ترمي إليها نفعه عظيم , وفيه دفع للشر أو تخفيفه , وبه يعرف المسلمون كيف يقابلون كل خطر . ولهذا كان من أركان السياسة والقيادة المعرفة والوقوف التام على أحوال الأعداء , فالسياسة الداخلية لا تتم إلا بأحكام السياسة الخارجية .

قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } [ سورة النساء : الآية 135 ] { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [ سورة المائدة : الآية 1 ] { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا } [ سورة النحل : الآية 92 ] فهذان الأصلان العظيمان - وهما القيام بالقسط الذي هو العدل التام , على الأنفس والأقربين والأبعدين والأصدقاء والمعادين , والوفاء بالعهود والمعاقدات كلها من أكبر أصول الدين ومصالحه , وبها يتم الدين , ويستقيم طريق الجهاد الحقيقي , وتحصل الهداية والإعانة من الله تعالى , والنصر والمدافعة . فما ارتفع أحد إلا بالعدل والوفاء , ولا سقط أحد إلا بالظلم والجور والغدر . وبهذين الأمرين - مع بقية أصول الدين - حصل للدين الإسلامي من العز والشرف والرقي وقهر الأمم الطاغية ما لم يحصل لغيره . وبهذه الروح - روح الرحمة والعدل والوفاء - وصل الدين الإسلامي إلى مشارق الأرض ومغاربها , ودانت منه الأمم المتباينة طوعا وانقيادا ورغبة , وبتركه انتقض الأمر , ولم يزل الهبوط مستمرا , إلا أنه يحصل نفحات في بعض الأوقات بها ينتعش الدين إذا تشبثوا بشيء من هذه المقومات النافعة . ولهذا تجد القوات والحضارات الهائلة , التي يزعم أهلها أنها راقية في كل أحوالها لما كانت مبنية على الظلم والجشع والطمع وعدم المبالاة في ظلم الأمم الضعيفة , وكانت إذا قطعت عهودها ونفذت معاهداتها لم تبال بعد ذلك وفت أو غدرت , وإنما تلاحظ أطماعها الخاصة وأغراضها الردية ولسان حالهم يقول : السياسة مبنية على المكر والخدع والختر والغدر . لما كانت مع قوتها الهائلة مبنية على هذه الأصول المنهارة كانت هذه المدنية المزعومة والحضارة المدعاة مهددة كل وقت بالفناء والهلاك والتدمير ; والواقع أكبر شاهد على ذلك ; فلو أنها بنيت على الدين الحق والعدل واتباع الحق والوفاء بالمعاقدات ونصر المظلومين لكانت مدنية آمنة , ولكنها في الحقيقة مادية محضة , والقوة المادية إذا لم تبن على الحق فإنها منهارة لا محالة , وربما كان سلاحها الفتاك هو مادة هلاكها وعقوبتها . والمقصود , أن المسلمين بالمعنى الحقيقي لا يغترون بقوة هؤلاء الماديين , وإنما يقومون بالعدل التام في جميع أمورهم , وبالوفاء الكامل في حق الصديق والعدو . وهذه الأمور كلها مضطرة إلى التوكل على الله , والاعتماد على حوله وقوته , وكمال الثقة به في تيسير الأمور وتذليل الصعاب , فيكون المتوكل يعمل بجد واجتهاد , مطمئنا بالله , واثقا بوعده وكفايته , لا يرجو غيره ولا يخاف سواه , لا يملكه اليأس ولا يساوره القنوط ; غير هياب ولا وجل ولا متردد , لأنه يعلم أن الأمور بيد الله , وأن نواصي الخليقة في قبضته وتحت تدبيره . بهذا التوكل التام والعمل الكامل نال المسلمون الأولون العز والشرف والسلطان وصلاح الأحوال . وهذا الذي يجب أن يكون عليه المسلمون الآن , وأن يكون العمل والتوكل نصب أعينهم , فلا يميلوا إلى التواكل والتخاذل والإخلاد إلى البطالة والكسل , فإن هذا ينافي التوكل الحقيقي غاية المنافاة ; كحال كثير من الناس في هذه الأوقات : يشاهدون عدوهم يحاربهم , ويسلبهم حقوقهم , وهم ساكتون لا يدفعونه بوسيلة من الوسائل , ولا يبدون ما يقدرون عليه من مقاومته التي لا يعذرون عن القيام بها , فتكون النتيجة من هذا السكوت والتقاعد الضار ضياع استقلالهم , وذهاب ملكهم وأموالهم , والسيطرة على حقوقهم وحلول المصائب المتنوعة بهم من كل جانب , ويقولون : نحن متوكلون . كلا والله , بل هم كسالى متواكلون , قد استولى عليهم الخور , وأعقبه الذل واستعباد الأجانب لهم .
ربط الصداقات وعقد المعاهدات بين الحكومات الإسلامية من الجهاد في سبيل الله قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } [ سورة الحجرات : الآية 10 ] فمن أهم مسائل الجهاد في هذه الأوقات عقد المعاهدات , وتوثيق المودة والصداقة بين الحكومات الإسلامية , مع احتفاظ كل حكومة بشخصيتها وحقوقها الدولية وإدارتها داخلا وخارجا , والتكافل بينها والتضامن , وأن يكونوا يدا واحدة على من تعدى عليهم أو على شيء من حقوقهم , وأن يكون صوتهم واحدا , وتسهيل الأمور الاقتصادية فيما بينهم طلبا لمصلحة الكل وتقريب بعضهم من بعض , وأن يعملوا لهذا الموضوع أعماله اللائقة به , المناسبة للظروف الحاضرة , وأن يسعوا كل السعي لتحقيق هذا وإزالة جميع العقبات الحائلة دونه , والمعوقة له . وهذه الأمور وإن كانت في بادئ الرأي صعبة , وقد وضع الأعداء لها العراقيل المعوقة , فإنها يسيرة بتيسير الله وقوة العمل مع التوكل عليه . واليوم وإن كان المسلمون مصابين بضعف شديد , والأعداء يتربصون بهم الدوائر , وهذه الحالة قد أوجدت في المسلمين أناسا ضعيفي الإيمان , ضعيفي الرأي والقوة والشجاعة , قد ملكهم اليأس والخور , يتشاءمون بأن الأمل في رفعة الإسلام قد ضاع , وأن المسلمين يتنقلون من ضعف إلى ضعف , فهؤلاء قد غلطوا أشد الغلط , فإن هذا الضعف عارض , له أسباب , وبالسعي في زوال أسبابه تعود صحة الإسلام كما كانت , وتعود إليه قوته التي فقدها منذ أجيال . ما ضعف المسلمون إلا لأنهم خالفوا كتاب ربهم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتنكبوا السنن الكونية التي جعلها الله بحكمته مادة لحياة الأمم ورقيها في هذه الحياة . فإذا رجعوا إلى ما مهده لهم دينهم , وإلى تعاليمه النافعة وإرشاداته العالية , فلا بد أن يصلوا إلى الغاية كلها أو بعضها . وهذا المذهب المهين - مذهب التشاؤم - لا يرتضيه الإسلام , بل يحذر عنه أشد التحذير , ويبين للناس أن النجاح مأمول , وأن مع العسر يسرا , وأن المسلمين إذا عملوا بتقوى الله وبالأسباب التي أرشدهم الله إليها واقتدوا بنبيهم فيها , وصبروا , فلا بد أن يفلحوا وينجحوا . فليتق الله هؤلاء المتشائمون , وليعلموا أن المسلمين أقرب الأمم إلى النجاح الحقيقي والرقي الصحيح , لأن دينهم كله عروج وصعود في عقائده وآدابه , وأخلاقه ومقاصده وأسبابه , وجمعه بين مصالح الدنيا والآخرة , ومنافع الروح والجسد . ويقابل هؤلاء طائفة يؤملون الآمال بلا قوة ولا أعمال , ويقولون ولا يفعلون , فتراهم يتحدثون بمجد الإسلام ورفعته , وأن الرجاء والطمع في ذلك غير بعيد , ولكنها أقوال بلا أفعال , ولا يصحبها سعي لا قوي ولا ضعيف , ولا يقدمون لدينهم منفعة بدنية ولا مالية , ولا يساعدون على مصلحة عامة كلية . وهذا كله غرور واغترار , ويترتب عليه أنواع من الشرور والمضار . وأما رجال الدين الذين هم غرة المسلمين , وهم رجال الدنيا والدين , فهم الذين أبدوا جدهم واجتهادهم , وقرنوا بين الأقوال والأفعال , وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأقوالهم ودعاياتهم , وإنهاض إخوانهم , وتبرءوا من مذهب المتشائمين , ومن أهل الأقوال الخالية من الأعمال . قد نهضوا بأمتهم , وقصدوا في سعيهم الغايات الحميدة , وسلكوا طريق المجد . فهؤلاء الرجال الذين يناط بهم الأمل , وتدرك المطالب العالية بمساعيهم المشكورة وأعمالهم المبرورة .


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس