عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-13-2010, 09:19 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

وعن أبي جعفر محمد بن يعقوب الصفار قال : كنا مع أحمد بن حنبل بـ (سُرّمن رأى ) ، فقلنا : ادع الله لنا ، فقال : اللهم إنك تعلم أنك على أكثر مما نحب فاجعلنا على ما تحب دائما ، ثم سكت ، فقلنا : زدنا ، فقال : اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسموات والأرض (( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين )) [ فصلت الآية : 11 ] . اللهم ، وفقنا لمرضاتك اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ونعوذ بك من الذل إلا لك ، اللهم لا تكثر لنا فنطغى ، ولا تقل علينا فننسى ، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغا لنا في دنيانا ، وغنى من فضلك .

قال البيهقي : وفي حكاية أبي الفضل التميمي ، عن أحمد وكان يدعو في السجود : اللهم من كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق ، ليكون من أهل الحق ، وكان يقول : اللهم إن قبلت عن عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فداء ، فاجعلني فداء لهم ، وقال صالح بن أحمد : كان أبي لا يدع أحدا يستقي له الماء للوضوء ، بل كان يلي ذلك بنفسه ، فإذا خرج الدلو ملآن ، قال : الحمد لله ، فقلت : يا أبت ما الفائدة بذلك ؟ فقال : يا بني أما سمعت قول الله عز وجل : (( أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين )) [ الملك الآية 30 ] . والأخبار عنه في هذا الباب كثيرة جدا ، وقد صنف أحمد في الزهد كتابا حافلا لم يسبق إلى مثله ، ولم يلحقه أحد فيه ، والمظنون بل المقطوع به أنه كان يأخذ بما أمكنه منه ، رحمه الله .
وقال إسماعيل بن اسحاق السراج : قال لي أحمد بن حنبل : هل تستطيع أن تريني الحارث المحاسبي إذا جاء منزلك ؟ فقلت : نعم ، وفرحت بذلك ، ثم ذهبت إلى الحارث فقلت له : إني أحب أن تحضر الليلة عندي أنت وأصحابك ، فقال : إنهم كثير ، فأحضر لهم التمر والكسب ، فلما كان بين العشاءين جاءوا ، وكان الإمام أحمد قد سبقهم فجلس في غرفة بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه ، فلما صلوا العشاء الآخرة لم يصلوا بعدها شيئا ، بل جاءوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتا مطرقي الرءوس كأنما على رؤسهم الطير ، حتى إذا كان قريبا من نصف الليل سأله رجل مسألة ، فشرع الحارث يتكلم عليها ، وعلى ما يتعلق بها من الزهد والورع والوعظ ، فجعل هذا يبكي ، وهذا يئن ، وهذا يزعق ، قال : فصعدت إلى الإمام أحمد إلى الغرفة ، فإذا هو يبكي ، كاد يغشى عليه ، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح ، فلما أرادوا الإنصراف ، قلت : كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله ؟ فقال : ما رأيت أحدا يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل ، وما رأيت مثل هؤلاء ، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم .
قال البيهقي : يحتمل أنه كره له صحبتهم ؛ لأن الحارث بن أسد ، وإن كان زاهدا ، فإنه كان عنده شيء من علم الكلام ، وكان أحمد يكره ذلك ، أو كره له صحبتهم من أجل لأنه لا يطيق سلوك طريقتهم ، وما هم عليه من الزهد والورع .
قلت : بل إنما كره ذلك ، لأن في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي يرد بها الشرع ، والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ، ما لم يأت بها أمر ، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتاب الحارث المسمى بالرعاية ، قال : هذا بدعة ، ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب : عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث ، ودع عنك هذا ، فإنه بدعة .
وقال ابراهيم الحربي : سمعت أحمد بن حنبل يقول : إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب . وقال : الصبر على الفقر مرتبة لا ينالها إلا الأكابر . وقال : الفقر أشرف من الغنى ، فإن الصبر عليه مرارة ، وانزعاجه أعظم حالا من الشكر . وقال : لا أعدل بفضل الفقر شيئا . وكان يقول : على العبد أن يقبل الرزق بعد اليأس ، ولا يقبله إذا تقدمه طمع ، أو استشراف . وكان يحب التقليل من الدنيا لأجل خفة الحساب ، وقال إبراهيم : قال رجل لأحمد : هذا العلم تعلمته لله ؟ فقال له أحمد : هذا شرط شديد ، ولكن حبب إلي شيء فجمعته . وفي رواية أنه قال : أما لله فعزيز ، ولكن حبب إلي شيء فجمعته .


المصدر :
البداية والنهاية للإمام ابن كثير رحمه [ ج 10 ص 369 ] .
رد مع اقتباس