وقال تعالى: (وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...)، [سورة الأحزاب : ( 33 )].
هذه الآية خاطب الله بها زوجات رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وكلفهن بما حوته من تكاليف وهي تشمل كل نساء المسلمين.
ومن قال إنها خاصة بنساء رسول الله لا يستطيع أن يقول: إن الله لم يكلف نساء المسلمين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبطاعة الله ورسوله، ولا يستطيع أن يقول: إن الله أباح لنساء المسلمين أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى.
يؤكد شمول هذه الآية لنساء المسلمين قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبي قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً)، [سورة الأحزاب : ( 59 )].
فهذه الآية كما ترى شملت زوجات رسول الله وبناته ونساء المؤمنين، فكما أن الجلابيب حجاب للجميع كذلك البيوت حجاب للجميع، يؤكد ذلك قول الله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ)، فهذه الآية تشمل زوجات الرسول وبناته كما تشمل نساء المؤمنين.
عن عروة عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: "يَرْحَمُ الله نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ الله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ) شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بها"([1]).
وقال تعالى للمؤمنين: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْألُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ..) [سورة الأحزاب : ( 53 )].
فهذه الآية تتناول نساء المؤمنين وليست خاصة بزوجات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لأن طهارة القلوب من الأدناس والأرجاس لا بد منها ومطلوبة لكسب رضى الله ومحبته وفي آية الأمر بغض البصر: (ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) ما يزيده تأكيداً.
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ على النِّسَاءِ فقال رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ فرأيت الْحَمْوَ قال الْحَمْوُ الْمَوْتُ"([2]).
فهذا يشمل نساء الرسول ونساء المؤمنين.
فهذا التشريع الحكيم يهدف إلى درء المفاسد عن المجتمع الإسلامي وجلب المصالح التي منها طهارة القلوب.
ومن حكمة الله أن شرع على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- الفصل بين الرجال والنساء ومنع الاختلاط بين الجنسين.
عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ e : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا"([3]).
فهذا تشريع حكيم للفصل بين الرجال والنساء، فللرجال صفوفهم وخير صفوفهم أولها، وشرها آخرها لقربهم من النساء.
وللنساء صفوفهن وخيرها آخرها لبعدهن عن الرجال، وشرها أولها لقربهن من الرجال.
وعن جَابِرٍ بن عبد الله –رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّهِ e : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ الْمُقَدَّمُ، وَشَرُّهَا الْمُؤَخَّرُ، وَشَرُّ صُفُوفِ النِّسَاءِ الْمُقَدَّمُ، وَخَيْرُهَا الْمُؤَخَّرُ، ثُمَّ قال: يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ إذا سَجَدَ الرِّجَالُ فَاغْضُضْنَ أَبْصَارَكُنَّ لاَ تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ من ضِيقِ الأُزُرِ"([4]).
المناقشة التفصيلية لما جاء في المقالين المذكورين:
قال الكاتب في العنوان الرئيس:
1- "الاختلاط طبيعي في حياة الأمة ومانعوه لم يتأملوا أدلة جوازه الصريحة".
2- وجاء من العناوين الثانوية قوله: "من حرموا الاختلاط لم يقتفوا هدي المجتمع النبوي".
أقول: حاشا الصحابة من المهاجرين والأنصار، وهم المجتمع النبوي وحاشا من اتبعهم بإحسان من علماء الأمة وأئمتها وشرفائها من إقرار فتنة الاختلاط الذي يدعو إليه الكاتب وحاشا العلماء الفقهاء النبهاء الذين حرموا الاختلاط الذي ينادي به دعاة الاختلاط في شتى الميادين حاشا هؤلاء العلماء من الانحراف وعدم اقتفاء هدي المجتمع النبوي.
ونقول لكاتب المقال: "رمتني بدائها وانسلت".
3- ومن العناوين الثانوية قول الكاتب: "من يحرمون الاختلاط يعيشون فيه واقعاً واختلاط الخدم في البيوت من أشد مظاهر الاختلاط".
أقول: هناك فرق كبير جداً بين من يرى الاختلاط المحرم فينكره بقلبه ولسانه في ضوء قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ".
فرق بين هؤلاء وبين من يرضى بهذا المنكر ويحتج به ويدعو إليه.
4- ومما جاء في مقال الكاتب: " أما ما يتعلق بجواز الاختلاط من عدمه فمرده إلى الأدلة الشرعية، وهذا ما يعنينا على وجه التحديد هنا بصورة أكبر.
ولذلك كان الخلط في حكمه أكثر جناية حين قال بتحريمه قلة لم يعتبروا بالبراءة الأصلية في إباحته، ولم يتأملوا أدلة جوازه، ولم يقتفوا هدي المجتمع النبوي فيه، وهو قدوتنا في امتثال التشريع في كل شؤون الحياة المختلفة، والحق أنه لم يكن الاختلاط من منهيات التشريع مطلقا بل كان واقعا في حياة الصحابة".
أقول: " أما ما يتعلق بجواز الاختلاط من عدمه فمرده إلى الأدلة الشرعية".
وما انطلق الذين حرموه إلا من الأدلة الشرعية وفقهها ومعرفة غاياتها ومقاصدها و"من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، ولو فقهت ما فقهوا من الأدلة الشرعية لما خالفتهم.
5- قوله: "ولذلك كان الخلط في حكمه أكثر جناية حين قال بتحريمه قلة لم يعتبروا بالبراءة الأصلية في إباحته، ولم يتأملوا أدلة جوازه، ولم يقتفوا هدي المجتمع النبوي فيه، وهو قدوتنا في امتثال التشريع في كل شؤون الحياة المختلفة".
أقول: إنّ من أكبر الجنايات على الإسلام والمسلمين وأخلاقهم هو الدعوة إلى الاختلاط، والذين يمنعون من الاختلاط ويتنـزهون عنه وعن أسبابه ويخافون من نتائجه هم الصحابة الكرام؛ المجتمع النبوي، وسار على هديهم علماء الإسلام وشرفاء الأمة إلى يومنا هذا، وليسوا بالقلة.
فهات لنا من الصحابة ومن سار على نهجهم من دعا إلى الاختلاط وانتقص من ينهى عن الاختلاط الذي تدعو إليه؟
6- قوله: "لم يعتبروا بالبراءة الأصلية في إباحته".
أقول: هناك إباحتان، إحداهما الإباحة الشرعية، والثانية الإباحة العقلية، وقد فرّق بينهما الأصوليون.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- في "مذكرة أصول الفقه([5]) على روضة الناظر لابن قدامة" (ص44-45):
"قال المؤلف - رحمه الله -:
القسم الثالث (المباح) وحده : ما أذن الله في فعله وتركه غير مقترن بذمِّ فاعله وتاركه ولا مدحه، وهو من الشرع .. الخ كلامه .
اعلم أن الإباحة عند أهل الأصول قسمان :
الأولى : إباحة شرعية، أي عُرفت من قبل الشرع كإباحة الجماع في ليالي رمضان المنصوص عليها بقوله : " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " وتسمى هذه الإباحة الإباحة الشرعية .
الثانية : إباحة عقلية وهي تسمى في الاصطلاح البراءة الأصلية، والإباحة العقلية وهي بعينها (استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليلٌ ناقل عنه ).
ومن فوائد الفرق بين الإباحتين المذكورتين أن رفع الإباحة الشرعية يُسمى نسخاً كرفع إباحة الفطر في رمضان ، وجعل الإطعام بدلا عن الصوم المنصوص في قوله :( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) فإنه منسوخ بقوله :"فمن شهد منكم الشهر فليصمه".
وأما الإباحة العقلية فليس رفعُها نسخاً؛ لأنها ليستْ حكماً شرعياً، بل عقلياً، ولذا لم يكنْ تحريم الربا ناسخاً لإباحته في أول الإسلام؛ لأنها إباحة عقلية ، وأمثال ذلك كثيرة جدا .
والمباح في اللغة ما ليس دونه مانع يمنعه ، ومنه قول عبيد بن الأبرص :
ولقد أبحنا ما حميت ولا مبيح لما حمينا"ا.هـ.
أقول: أما الإباحة الشرعية فليس عند الكاتب إلا شبهات وتحميل بعض التصرفات النادرة ما لا يحتمل مخالفاً في ذلك المنهج الإسلامي في سد الذرائع والنصوص الكثيرة فيه وخاصة ما يتعلق بهذه الفتنة قد أسلفت بعضها، وسأورد بعضها خلال مناقشة شبهه إن شاء الله تعالى.
7- قوله عن القلة التي لم يصفها بالعلم:
"ولم يتأملوا أدلة جوازه، ولم يقتفوا هدي المجتمع النبوي فيه، وهو قدوتنا في امتثال التشريع في كل شؤون الحياة المختلفة".
أقول: هذا طعن في العلماء الناصحين الفقهاء الذين قالوا بتحريم الاختلاط مستدلين بنصوص الكتاب والسنة في فرض الحجاب وفي الأمر بغض البصر للنساء والرجال وفي النهي عن الدخول على النساء، وفي الفصل بين النساء والرجال في الصلاة، وفي التعليم النبوي في المجالس النبوية، ولقد فقهوا هذه النصوص -حق الفقه- ما يؤدي إليه الاختلاط الذي يدعو إليه دعاة الفتن متبعين في ذلك ضلّال اليهود والنصارى والعلمانيين؛ الأمر الذي يستنكره عقلاؤهم، ومن بقي عنده شيء من الشرف والمرؤة والإدراك لمفاسد هذا الاختلاط.
والذين يمنعون الاختلاط هؤلاء فقهوا النصوص القرآنية والنبوية والغاية النبيلة التي ترمي إليها هذه النصوص الهادية كما فقهها قبلهم المجتمع النبوي.
ولو علم هذا الكاتب هذه النصوص وفقهها وأحسن الظن بالعلماء لما تورط في هذه الدعوة المدمرة والمعاكسة لما يرمي إليه التشريع الإسلامي من حماية الأعراض وطهارة القلوب والنفوس من الأمراض التي يؤدي إليها ما هو دون الاختلاط فضلاً عن الاختلاط المهلك.
8- قوله: "والحق أنه لم يكن الاختلاط من منهيات التشريع مطلقاً بل كان واقعاً في حياة الصحابة ".
أقول:
كيف يقال عن تشريع يأمر بالحجاب ويأمر بغض البصر ويعتبر النظر إلى النساء من الزنى والاستماع إلى كلامهن من الزنى ولمسهن من الزنى، ويفصل بين الرجال والنساء في الصلاة وغيرها، كيف يقال عن هذا التشريع العظيم: إنه يُبيح الاختلاط؟
كيف يقال عن هذا التشريع: إن الاختلاط لم يكن من منهياته مطلقاً؟
وكيف يقال عن الصحابة: إن الاختلاط كان واقعاً في حياتهم؟
لا يقول هذا إلا جاهل بهذا التشريع ونصوصه ومقاصده؛ خاصة إن كان يقصد بهذا الاختلاط الاختلاط على النمط الأوربي المهلك الذي يتنـزه عنه ويحاربه من عنده شرف من عقلائهم رجالاً ونساء، ويطالبون بعودة النساء إلى بيوتهن لما في الاختلاط من المفاسد التي يمقتها العقل والشرع والفطر السليمة.
9- قال الكاتب: "ولقد استمر ذلك الحال على مر العصور حتى طرأ على ذلك الأصل ما غيره من العادات والتقاليد، وبقي منه ما لا يمكن أن تمحوه تلك العادات والتقاليد، فظل كما هو؛ لأنه ارتبط بما شرع الله امتثاله من الطاعات على النساء والرجال كالطواف والسعي والصلاة فهم يؤدونها في مكان واحد، مع أنه قد يقع ممن تسول له نفسه ما يسيء بفعل أو قول محرم، إلا أنه لم يقل أحد من علماء المسلمين بمنع الاختلاط في تلك الأماكن لأجل ما قد يقع ممن تسول له نفسه الإقدام على محرم قل أو كثر".
قوله: "ولقد استمر ذلك الحال (يعني الاختلاط المزعوم في العهد النبوي) على مر العصور حتى طرأ على ذلك الأصل ما غيره من العادات والتقاليد ".
أقول: أستغفر الله العظيم، وأعوذ به من قلب الواقع والحقائق، فلقد استمر الحجاب والبعد عن الاختلاط من العهد النبوي وعلى مر العصور حتى طرأ عليه ما يغيره من اتباع سنن أعداء الإسلام الذي تحدّث عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ من كان قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشبر وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ ".
فلقد اتبع كثير من المسلمين أعداء الإسلام في عقائدهم وأخلاقهم وكثير من أحوالهم، فهذا هو الطارئ والوافد على المسلمين في كثير من بلدانهم.
والعجب من هذا الكاتب أن يجعل الاستثناء هو الأصل.
فالحجاب وابتعاد الرجال عن النساء والنساء عن الرجال هو الأصل، كما تدل عليه النصوص وواقع الصحابة وممن اتبع سبيلهم من المسلمين علماء وغيرهم .
والاختلاط الذي ينكره العلماء والفضلاء هو الطارئ الزاحف على المجتمعات الإسلامية.
واستدلاله بالطواف والسعي والصلاة على شرعية الاختلاط من أعجب العجائب.
1- أما الطواف والسعي فهما من أركان الحج والعمرة اللذين فرضهما الله في العمر مرة واحدة على الرجال والنساء بشرط الاستطاعة، فمن لم يستطع ذلك بأن لم يجد الزاد والراحلة سقط عنه وجوبهما.
والمرأة تشارك الرجل في اشتراط الاستطاعة المذكورة، وتزيد على الرجال بأنه لا بد لها من محرم يحج بها، فإن لم تجد المحرم سقط عنها وجوب الحج والعمرة، مع أنهما لا يجبان عليها في العمر إلا مرة واحدة لأن وجود المحرم معها يدفع عنها شر من تسول له نفسه الشر، فانظر إلى هذا التشريع الحكيم الذي يحافظ على المرأة وعرضها وشرفها، بعكس من يدعو إلى الاختلاط فإنه لا يرعى لها إلّاً ولا ذمة.
2- أن هذا الاختلاط إنما أُبيح للضرورة، فكيف يجعل ما يباح للضرورة دليلاً مطلقاً على جواز الاختلاط الذي دلت مصادر التشريع وموارده على تحريم ما يؤدي إليه؟ وقد مضت الأدلة على ذلك.
3- ثم إن نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكنَّ يخالطن الرجال في الطواف.
قال ابن جُرَيْجٍ أخبرني عَطَاءٌ إِذْ مَنَعَ ابن هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مع الرِّجَالِ، قال: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ وقد طَافَ نِسَاءُ النبي e مع الرِّجَالِ؟، قلت: أَبَعْدَ الْحِجَابِ أو قَبْلُ، قال: إِي لَعَمْرِي لقد أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ، قلت: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قال: لم يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كانت عَائِشَةُ -رضي الله عنها- تَطُوفُ حَجْرَةً من الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فقالت امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، قالت: عَنْكِ، وَأَبَتْ، وكن يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ فَيَطُفْنَ مع الرِّجَالِ([6])، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إذا دَخَلْنَ الْبَيْتَ قُمْنَ حتى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أنا وَعُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ في جَوْفِ ثَبِيرٍ قلت: وما حِجَابُهَا؟ قال: هِيَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ لها غِشَاءٌ وما بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذلك، وَرَأَيْتُ عليها دِرْعًا مُوَرَّدًا"([7]).
وعن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: شَكَوْتُ إلى رسول اللَّهِ e أَنِّي أَشْتَكِي، قال: طُوفِي من وَرَاءِ الناس وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ e يُصَلِّي إلى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بالطور وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ"([8]).
4- كان هناك من الأمراء من يمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في الطواف كما فعل ابن هشام، وهو أحد الأمراء كما روى ذلك عنه ابن جريج في هذا الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (3/561) - معلقاً على حديث ابن جريج عن عطاء عن عائشة- رضي الله عنها-:
"وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلاً معهن فضربه بالدرة، وهذا إن صح لم يعارض الأول لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقاً، فلهذا أنكر عليه عطاء واحتج بصنيع عائشة وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر، قال الفاكهي: ويذكر عن ابن عيينة أن أول من فرّق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القسري. انتهى. وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتاً ثم تركه فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة"([9]).
[1] - أخرجه البخاري في "التفسير" حديث (4758)، وأبو داود حديث (4102).
[2] - متفق عليه أخرجه البخاري حديث (5232)، ومسلم حديث (2172).
[3] - أخرجه مسلم في "الصلاة" حديث (440)، وأحمد (2/247)، وأبو داود في "الصلاة" (678)، وابن ماجه في "الصلاة" (1001).
[4] - أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/293، 331، 387)، وابن ماجه في الصلاة حديث (1001)، كلاهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل الهاشمي، قال الحافظ: "صدوق في حديثه لين ويقال تغير بأخرة"، وقال الترمذي في "سننه" (1/55): " هو صَدُوقٌ وقد تَكَلَّمَ فيه بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ من قِبَلِ حِفْظِهِ"، قال: "وسَمِعْت مُحَمَّدَ بن إسماعيل يقول: كان أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ وإسحاق بن إبراهيم وَالْحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عبد اللَّهِ بن مُحَمَّدِ بن عَقِيلٍ، قال مُحَمَّدٌ: وهو مُقَارِبُ الحديث".
[5] - وانظر "التمهيد" لأبي الخطاب (1/67)، و"المسودة" لآل تيمية.
[6] - لا يقصد بهذه العبارة أنهن يختلطن بالرجال في الطواف بدليل قوله سابقاً: " لم يَكُنَّ يُخَالِطْنَ"، والظاهر أنهن يصنعن مثل صنيع عائشة أي أنهن يطُفنَ حَجْرَةً من الرِّجَالِ.
[7] - أخرجه البخاري في "الحج"، حديث (1618)، ومصنف عبد الرزاق (5/66) حديث (9018)، والسنن الكبرى للبيهقي (5/78).
[8] - أخرجه البخاري في "الحج" حديث (1619)، ومسلم في "الحج" حديث (1276).
[9] - هذه الآثار وإن لم تثبت أسانيدها فإن مجموعها يُستأنس ويُستضاء به، ولا سيما أثر عمر -رضي الله عنه- الذي ينسجم مع منهجه، ولعل عمل ابن هشام الأمير كان تأسياً منه بعمر -رضي الله عنه-.
__________________
|