قال الإمام الشوكاني في «إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول» ص (69): ذهب الأكثر من أهل العلم إلى عصمة الأنبياء بعد النبوة من الكبائر، وقد حكى القاضي أبو بكر: إجماع المسلمين على ذلك، وكذا حكاه ابن الحاجب وغيره من متأخري الأصوليين، وكذا حكوا الإجماع على عصمتهم بعد النبوة مما يزري بمناصبهم، كرذائل الأخلاق والدناءات، وسائر ما ينفر عنهم، وهي التي يقال لها صغائر الخسة، كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة.. (إلى أن قال) (ص71): وأما قبل الرسالة فذهب الجمهور إلى أنه لا يمتنع من الأنبياء ذنب كبير، ولا صغير، وقالت الروافض: يمتنع قبل الرسالة منهم كل ذنب، وقالت المعتزلة: يمتنع الكبائر دون الصغائر، واستدل المانعون مطلقا أو مقيدا بالكبائر، بأن وقوع الذنب منهم قبل النبوة منفر عنهم، عند أن يرسلهم الله فيخل بالحكمة من بعثهم، وذلك قبيح عقلا، ويجاب عنه: بأنا لا نسلم ذلك. اهـ
نقل الآمدي في «الإحكام في أصول الأحكام» (1/224) عن أبي بكر القاضي ‑ أيضا‑، وعن أكثر أصحابهم إلى أنه لا يمتنع عليهم العصمة قبل النبوة من كبيرة كانت أو صغيرة، بل ولا يمتنع عقلا إرسال من أسلم، وآمن بعد كفره، وذهبت الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة؛ لأن ذلك مما يوجب هضمهم في النفوس، واحتقارهم، والنفرة عن اتباعهم، وهو خلاف مقتضى الحكمة من بعثة الرسل ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة إلا في الصغائر، والحق ما ذكره القاضي، لأنه لا سمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك، وأما بعد النبوة، فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه، من دعوى الرسالة، والتبليغ عن الله تعالى. إلى آخر مبحث عصمة الأنبياء عن الكبائر.
وقال الشاطبي في «الموافقات» (4/13) بتحقيق الشيخ: مشهور بن حسن سلمان وفقه الله:
الأنبياء معصومون من الكبائر باتفاق أهل السنة، وعن الصغائر باختلاف. اهـ وصحح عصمتهم من الصغائر ‑ أيضا‑.
وصحح القاضي أبو بكر عدم عصمتهم منها، وقال: الآمدي في «الأحكام» (1/224): وهو الأشبه. اهـ
وهذا منقول عن الجمهور جواز وقوع الصغائر غير الذميمة منهم، ولكنهم لا يصرون فيكونون معصومين من الإصرار عليها، كما هو مضمون كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
وصوب القاضي عياض في كتاب «الشفاء» مع الشرح (4/147): عصمتهم قبل البعثة وبعدها، ونقله عنه الزركشي في «البحر المحيط» (3/241). طبعة دار الكتب العلمية،فقال:
أما قبل النبوة، فقال المازري: لا تشترط العصمة، ولكن لم يرد في السمع وقوعها، وقال القاضي عياض: والصواب عصمتهم قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والتشكيك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار عن الأنبياء بتبرئتهم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان.
ونقل ابن الحاجب عن الأكثرين عدم امتناعها عقلا....والأصح قول الأكثرين، ومنهم القاضي؛ لأن السمع -أي: القرآن والسنة- لا دلالة له على العصمة قبل البعثة. انتهى المراد من المبحث في العصمة.
ومن هذا المنطلق ذهب شيخنا العلامة الوادعي -رحمه الله- إلى إثبات هذا الحديث في «الصحيح المسند» هذا، وفي «الصحيح المسند من دلائل النبوة» (ص90) طبعة مكتبة ابن تيمية بالقاهرة فقال: على ما ظهر من حسن سنده، فبعد ذكر حديث زيد بن حارثة في قصة زيد بن عمرو بن نفيل، ومن تأمل هذا الحديث عرف فضل زيد وتقدمه في الإسلام قبل الدعوة... إلخ.
هذا والقصة المذكورة كانت قبل البعثة مع زيد بن عمرو بن نفيل، فإن زيدا مات قبل البعثة.
قال الإمام ابن حجر في ترجمته من «الإصابة» (2/507) رقم (2930): زيد بن عمرو بن نفيل العدوي والد سعيد بن زيد ذكره البغوي وابن مندة وغيرهما من الصحابة، وفيه نظر؛ لأنه مات قبل البعثة بخمس سنين، ولكنه يجيء على أحد الاحتمالين في تعريف الصحابي وهو أنه رأى النبي مؤمنا به. اهـ
هذا وإن كان القول بعصمتهم عن كبائر الذنوب قبل البعثة وبعدها هو الصحيح عندنا، وإنما القصد من ذلك بيان: أن نقل الدكتور أحمد إجماع العلماء على عصمة الأنبياء على هذا المعنى فيه تهور، فقد رأيت الخلاف في ذلك، ونقل الشوكاني الخلاف عن جمهور العلماء فإلى أين يا دكتور؟!
وبعد هذا التقرير نقول: إن من حسن حديث زيد بن حارثة في قصة زيد بن عمرو بن نفيل على ظاهر سندها الدائر عند من تقدم تخريج الحديث من مصنفاتهم على محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف، ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد بن حارثة عن أبيه زيد بن حارثة من حسن الحديث على ظاهر هذا السند لا تثريب عليه اليوم، ولا بعد ذلك...) أهـ (منقول من كتاب التبيين لجهالات الدكتور أحمد بن نصر الله صبري في كتابه أضواء على أخطاء كتاب الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين ومدى خطورة منهج الدكتور على كتب فحول المحدثين) للشيخ العلامة المحدث أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري - حفظه الله تعالى -
__________________
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ الشبع ، إن القوم لما شبعت بطونهم ، جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا .
رقم القيد : 182
|