عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 09-13-2010, 06:29 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم


كيفية الدعوة ومجالاتها لفضيلة الشيخ الفوزان حفظه الله

1 - أما كيفية الدعوة فيجب على الداعية إلى الله أن يصلح نفسه أولًا ومحيطه من أهل بيته وأقاربه ثم يتجه إلى دعوة الناس ، قال تعالى عن نبيه شعيب عليه السلام : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وقال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله في أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق ، وذلك أول نبوته فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ ، ثم أنزل عليه : يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ فنبأه بقوله : [ اقرأ ] وأرسله بقوله : يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين ، ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم من العرب ، ثم أنذر العرب قاطبة ، ثم أنذر العالمين . انتهى .

ومن هنا نعلم أن الدعاة الذين يتجاوزون بلادهم ومن حولهم ، بل يتجاوزون أهل بيوتهم وأقاربهم وهم على الشرك والكفر أو المعاصي ويذهبون في محيط بعيد عنهم أنهم مخالفون لهدي النبوة في الدعوة .

وعلى الداعية أن يبدأ بالأمور المهمة - فيبدأ أولًا بإصلاح العقيدة ؛ لأنها هي الأساس الذي تنبني عليه سائر الأعمال ؛ فالأعمال مهما بلغت إذا لم تكن مبنية على عقيدة صحيحة سليمة من الشرك فإنها لا قيمة لها ولا فائدة منها ، قال تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .

ومن هنا كانت دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو ما تتجه إلى إصلاح العقيدة بالدعوة إلى التوحيد وترك الشرك ، قال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وكل نبي يقول لقومه أول ما يدعوهم : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .

وهكذا كانت دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد لبث ثلاث عشرة سنة في مكة قبل الهجرة يدعوهم إلى التوحيد ، وينهاهم عن الشرك قبل أن يأمرهم بصلاة أو زكاة أو صيام أو حج ، مما يدل على أن منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة منهج واحد ، وهو البداءة بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك ، ثم إلى بقية الأحكام ، وحتى لو كان المجتمع مسلمًا فإنه لا يخلو من وجود أنواع من الشرك في بعض الناس وبعض البلاد بسبب الجهل ، وبسبب انتشار المشعوذين والدجالين الذين يحاولون إفساد عقائد الناس .

وفي مجتمعنا المعاصر - كما تعلمون - الكثير والكثير من أنواع الشرك الأكبر المتمثل في عبادة الأضرحة في كثير من البلاد الإسلامية ، ولم يتجه إلى إنكاره إلا قليل من الدعاة على كثرتهم وهذا خلل عظيم في منهج الدعوة .

ثم على الدعاة كذلك أن يهتموا بإنكار البدع المحدثة في العبادات وبتعليم الناس السنن الصحيحة ؛ لأن البدع من أعظم ما يفسد الدين بعد الشرك ، فالمبتدع يشرع في الدين ما لم يأذن به الله . والبدع كلها مرفوضة مردودة على أصحابها مهما أتعبوا أنفسهم وأنفقوا أموالهم ، وضيعوا أوقاتهم في إقامتها ، قال صلى الله عليه وسلم : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ، وقال : وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، فعلى الدعاة أن يهتموا بدعوة الناس إلى إحياء السنن وترك البدع وإماتتها ، فهذا من أعظم مجالات الدعوة .

ثم بعد ذلك يتجه الدعاة إلى الدعوة إلى أداء الفرائض وترك المعاصي والمحرمات وتصحيح المعاملات ؛ لأن المعاصي سبب لهلاك العباد والبلاد ، قال تعالى : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ووجود الدعاة والمصلحين أمان من العذاب والهلاك ، قال تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ . وعدم وجود الدعاة والمصلحين سبب الهلاك .

وعلى الدعاة أن يراعوا أحوال المدعوين ، فالجاهل له معاملة في الدعوة والعالم له معاملة والمعاند له معاملة ، فيعاملوا كلا بما يليق به ، قال تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وذلك أن المدعو له حالات يعامل في كل حال بما يناسبها :

الحالة الأولى : أن يكون جاهلًا بالحق ولو بين له لأخذ به ، فهذا يدعى بالحكمة واللين واللطف والرأفة .

الحالة الثانية : من إذا بين له الحق لم يسرع لقبوله والعمل به ، بل يكون عنده كسل وفتور فهذا يحتاج مع البيان إلى موعظة ؛ بأن يخوف ويبين له ثواب المطيعين وعقاب العاصين .

الحالة الثالثة : من إذا بين له الحق لم يقبله وحاول رده بالشبهات ، فهذا يجادل بالتي هي أحسن لكشف شبهاته وبيان خطئه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الناس ثلاثة أقسام : إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة . وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به فهذا يوعظ حتى يعمل . وإما ألا يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن ؛ لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب ، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل . انتهى .

وقال الإمام ابن القيم في جعل الله مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق ، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة ، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة ، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب ، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن . انتهى . وهذا لأن الداعية كالطبيب يراعي حال المريض في علاجه له .

2 - وأما مجالات الدعوة فهي كثيرة يجب أن تستغل كلها وتشغل بالدعوة إلى الله ، منها :

1 - مجال التعليم سواء كان على نظام الحلق في المساجد أو على نظام الفصول الدراسية ، فالمدرس يجب أن يكون داعية إلى الله بالقول والعمل والقدوة الحسنة ، ولا يقتصر عمله على إلقاء درسه فقط ، فإن الطالب يتأثر بمدرسه ويقبل منه ، ويقتدي به أكثر من غيره ، فليستغل المدرسون هذا الانقياد من طلابهم ، فيقودونهم إلى الخير ، ويذودون بهم عن الشر .

2 - إمامة المسجد وخطبة الجمعة ، وهما مجال واسع ومتكرر يوميًّا وأسبوعيًّا يستطيع من خلاله الإمام والخطيب أن يوجه وينبه ، وأن يدعو إلى الله على بصيرة ، وكان غالب تعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم توجه إلى الناس بعد الصلوات ، وفي خطب الجمعة ، فلو استغل هذا المجال استغلالًا حسنًا لأثمر خيرًا ؛ لأن الناس يجتمعون في بيت من بيوت الله بقلوب مؤمنة متطلعة إلى التوجيه والتعليم . ومن هنا يجب أن يكون الإمام والخطيب على مستوى طيب من العلم والرغبة في الدعوة والتوجيه لينفع الله به ، فيجب أن يختار للإمامة من هو على هذا المستوى .

موسم الحج ، هذا الموسم العظيم الذي يجتمع فيه المسلمون من جميع أقطار الأرض في مكان واحد مما يوفر على الدعاة كثيرًا من عناء السفر إلى مشارق الأرض ومغاربها ، ويتيح لهم الفرصة أن يلتقوا بأكبر عدد ممكن من المدعوين ، ولا شك أن الحجاج يتقبلون التوجيه أكثر من غيرهم ؛ لأنهم جاءوا بقلوب مؤمنة متطلعة إلى الخير والتوجيه الحسن . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى الحجاج في منازلهم فيعرض دعوته عليهم ، وكان يلقي خطبه في عرفات وأيام التشريق .

في الدوائر الحكومية والأعمال الوظيفية ، فيجب على رئيس الدائرة والمصلحة الحكومية أن يسهم في الدعوة في محيط منسوبيه بأن يوجه من يحتاج منهم إلى توجيه في دينه ، ويتفقدهم عند حضور الصلاة ويناقش من يتخلف منهم . فليس هو مسئولًا عنهم في الأعمال الوظيفية فقط ، بل هو مسئول عنهم من الناحية الدينية في الدرجة الأولى ، قال صلى الله عليه وسلم : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وكذلك الموظف مع زملائه ومع رئيسه يجب عليه أن يقوم بالمناصحة والدعوة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم .

وهكذا المؤمن في كل مجال يدعو إلى الله كلما سنحت فرصة وحصلت مناسبة .

في أمكنة التجمعات العامة ، فيجب على الداعية أن يغشى التجمعات العامة في المساجد والمدارس ومدرجات الجامعات والنوادي ، وتجمعات الأسواق فيقوم بالدعوة إلى الله من خلال هذه التجمعات العامة .

من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة ، فيجب على الداعية أن يسهم في البرامج الدينية في الإذاعة ، ويكتب في الصحف والمجلات العلمية الهادفة ؛ لأن هذه الوسائل تغزوكل مكان ، وتدخل كل بيت وتصاحب المسافر والسائر في الطريق ، فيجب أن تحمل الدعوة إلى الله والتوجيه الصالح ، وإذا تركت استغلها أهل الشر فأصبحت معاول تدمير وفتنة .

يجب على أفراد البعثات الدراسية والدبلوماسية في الخارج أن يمثلوا الإسلام في الدول الخارجية تمثيلًا صحيحًا في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم ، وأن يكونوا دعاة صادقين لدينهم وأمتهم حتى يعرف من يسمعهم ويراهم رسالة الإسلام على الوجه الصحيح ، فإن الناس ينظرون إليهم ويعتبرون ما يصدر عنهم هو التطبيق العملي للإسلام .

تجب مناصحة ولاة الأمور بما فيه الخير لهم ولرعيتهم ، وبما يعينهم على القيام بمهامهم ، قال صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة . ثلاث مرات . قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم

وفي الختام أسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ، وينصر أولياءه ويخذل أعداءه ويهدي ضال المسلمين ، والحمد لله رب العالمين .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وآله وصحبه .



المصدر موقع الشيخ حفظه الله
رد مع اقتباس