عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 09-13-2010, 06:31 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

شرف الدعوة ومكانتها لفضيلة الشيخ زيد المدخلي حفظه الله

الحمد لله حق حمده، وأشكره سبحانه على سوابغ نعمه وجزيل فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل وقوله الحق: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25].
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من دعا إلى الله وعمل صالِحًا وقال إنني من المسلمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد أقيم احتفال بتأريخ 6/11/1415هـ في مدينة جازان بِمناسبة زيارة الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي -وزير الشئون الإسلامية في المملكة العربية السعودية سابقًا- حضره العلماء والدعاة، والأدباء والعقلاء، وجمع غفير من طلبة العلم، وكان لي شرف المشاركة بكلمة تحت عنوان: "فقه الدعوة إلى الله ونعوت الداعية" وهذا نصها:
أيها الإخوة الدعاة إلى الله وجميع الحضور: أحياكم الله جميعًا حياة الإيْمان والإحسان؛ حياة طيبة مباركة، وأسعدكم الله دائمًا بأوقات ملؤها خير الدنيا وسعادة البرزخ والآخرة.
إنه لا ريب أن كلكم على علم -والحمد لله- أن الدعوة إلى الله بِمعناها الصحيح، ومفهومها الحق، فرض كفاية من فرائض ديننا السمح العظيم، وواجب كفائي شرعي من واجباته؛ إذ من أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الجهاد بِما تحمل كلمة "الجهاد" من معنى، وجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة لتقوم الأمة عبر تأريخ الزمان والمكان بأداء هذه الفريضة مثنى وفرادى؛ كما أمر الله وشرع رسوله -عليه الصلاة والسلام- طاعة لله  وإحياءً لهدي رسول الله s، ونصحًا للأمة وبراءة للذمة، وإقامة للحجة بإيضاح المحجة.

شرف الدعوة ومكانتها:
ألا وإنه ليكفي في الدلالة على شرف الدعوة ومكانتها، وشرف الدعاة إلى الله وفضلهم؛ أن أئمة الدعوة إلى الله والدعاة هم الرسل الكرام والأنبياء العظام، والعلماء الربانيون الصالحون من الأنام، ومن أراد مني برهانًا على ما ذكرت، ودليلاً قاطعًا على ما دونت، فليقرأ كتاب ربه  متمهلاً متدبرًا كما كان السلف يقرءونه، وليقرأ الكثير والكثير من صحيح سنة نبيه محمد s متفهمًا ومعظمًا لها ومقدرًا.
ثُمَّ ليقرأ سيرته الطاهرة وأسلوب دعوته النيرة، وجهاده العظيم طيلة حياته المباركة، وحياة خلفائه الراشدين المهديين، ومن تبعهم بإحسان وتأسى بِهم من الدعاة الصادقين والعلماء المخلصين، الذين ملأ حب الدعوة قلوبَهم، وأنار ضياؤها عقولهم، وانشرحت بِها صدورهم، واطمأنت بِها نفوسهم، وتفاعلت معها جوارحهم، فما أعظم أجرهم، وأوفى في الآخرة جزاءهم، وما أحسن أثرهم على الناس، وما أسوأ ظنون الجاهلين بِهم، وأقبح آثارهم عليهم.
أيها الإخوة في الله والمحبون فيه: إن جلكم ليعلم أنه لا غنى لأمة من أمم الأرض، ولا لمجتمع من مجتمعاتِها، ولا لفرد من أفرادها عن الدعوة إلى الله؛ إذ هي متعة الأرواح، وغذاء العقول والقلوب، وقوة الأبدان، وهي السبيل الأقوم، والمنهج الأسلم والأحكم، والدعاة إلى الله هم الأدلاء على ذلكم السبيل القويم، والمنهج الحق المستقيم، إمامهم من أوحي إليه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: من الآية153]. فهنيئًا للدعاة إلى الله وعده الكريم، وثناءه العظيم حيث قال : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].
أيها الإخوة الكرام: إنه إذا كان لأرباب الحرف والصناعات وسائل يستخدمونَها فِي إتقان حرفهم وصناعاتِهم وجودتِها كي تكون مرغوبة ومقبولة لدى جماهير الناس ليحصلوا من وراء ذلك على مال وفير، فما أولى الدعاة إلى الله باتخاذ خير الوسائل الشرعية، وسلوك الطرق المرضية الَّتِي تكون بِها دعوتُهم ناجحة ومثمرة في كل وقت وحين، ولا أعلم طريقًا دعويًّا رحيمًا بالأمة إلا طريقًا واحدًا هو الطريق الأقوم، والمنهج الأسلم، الذي سلكه رسولنا الكريم -عليه من ربه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- مدة حياته الرسالية، ولما انتقل إلى الرفيق الأعلى نَهج نَهجه ودعا بدعوته خلفاؤه الراشدون المهديون، ومعهم إخوانُهم الصحابة الكرام من المهاجرين وأنصار الحق والإسلام، الذين نقلوا لنا علوم الدين كما تلقوها عن أشرف الأنبياء وسيد المرسلين وما بدلوا تبديلاً.
معشر الدعاة إلى الله: وإذ كان الأمر كما أسلفت؛ فلتعلموا أن عناصر وركائز نجاح الدعوة إلى الله كثيرة، ورغم كثرتِها فقد جمعتها ثلاث آيات محكمات وحديثان صحيحان.
أما الآية الأولى فهي قول الله : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: من الآية125].
فإن المتأمل في مجمل هذه الآية يدرك أن المدعوين من البشر على طبقات مختلفة، وأحوال متباينة، فمن كان منهم من أهل المعرفة بالحق والعمل به ولكن تصيبه غفلة، أو يمسه طائف من الشيطان -كما هو حال كثير من المسلمين- فإنه يدعى بالحكمة التي هي العلم بالحق من كتاب الله -عز شأنه- وصحيح سنة رسول الله s.
فكم فيهما من التوجيه السليم، والإرشاد المستقيم إلى فعل الخير وفضله وحسن عاقبته.
وكم فيهما من التنبيه من الغفلة والشر، وما فيهما من سوء العاقبة وشؤم المنقلب.

ومن كان منهم ذو معرفة بالحق بيد أنه لا يعمل به أو يعمل ببعضه ويترك البعض فهذا يدعى ويوعظ بالموعظة الحسنة، وذلك بتوضيح الحق وترغيبه في العمل به وترهيبه من الإعراض عنه، وذلك بالنصوص الشرعية البينة الواضحة حتى لا تبقى أمامه شبهة تتخطف قلبه، وتلوث عقله، وتصده عن سواء السبيل، وما ذلك إلا لأن الإنسان ضعيف، والنفوس لها أهواء وشياطين تدعوها إلى مخالفة الحق أحيانًا ولو كانت تدريه وتؤمن به.
ومنهم من يعرض عليه الحق حتى يعرفه فيظل يسبح في جحده ومعارضته وكثرة جدله وذلك لما ألَمَّ به من قساوة قلب، وتبلد حس، وكبر صريح عن قبول الحق؛ فهذا يجادل بالتي هي أحسن كي يقبل الحق فيلين القلب، وتذهب المخالفة منه ولو أغضبته المجادلة الصادرة من الداعية إلى الله فلا حرج على الداعية إلى الله في ذلك، لأنه ينشد صلاحه وفلاحه واستقامته؛ فإن تحقق مراده بأسلوب اللطف واللين والمجادلة بالتي هي أحسن فذلك هو المطلب الأسنى، والغاية المنشودة، وإن لجَّ في عتوه ونفوره، واستمر في إعراضه واستكباره، فإنه سفيه ظالم يستحق الزجر والتوبيخ، واستعمال القول البليغ، والأخذ على يديه بالعقوبات الشرعية التي توقفه على الحق، ويلزم بواسطتها بالعمل به ممن يحق منه ذلك ويملكه شرعًا وعقلاً.
أما الآية الثانية: فهي قول الحق -تبارك وتعالى-: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].
فإن في هذه الآية بيانًا واضحًا، وإعلانًا صارخًا، مفادهما أن صاحب الدعوة إلى الله لابد أن يكون على بصيرة أي: على علم شرعي وبينة واضحة نيرة، قدوته في ذلك الرسول الكريم المخاطب بِهذه الآية الفذة العظيمة، وأمته تبع له في الحكم إلى يوم الدين، وبالدرجة الأولى صفوة أمته وهم أولو العلم والبصائر الذين هم لأهل الأرض في الدلالة على الهدى المقصود، والخير الوفير المنشود، كنجوم السماء في هداية المسافر منهم والمقيم، فهنيئًا لهم هذا الشرف العظيم، والفضل العميم، حيث صاروا مشاركين في دعوتِهم إلى الله جميع الأنبياء والمرسلين، وأولياء الله الصالحين، وجنده الغالبين، وحزبه المفلحين، وإذ كان الأمر كما ترى فإن الجاهل لا يصلح أن يكون داعية إلى الله؛ لأنه ليس من أهل البصيرة التي هي زاد الداعي إلى الله وسلاحه في ميدان الدعوة الفسيح، ولربما دعا الجاهل إلى ضلالة وهو لا يدري فيضل الناس بغير علم فيهلك ويهلك، واللبيب يكتفي بالإشارة من صريح العبارة.
وأما الآية الثالثة: هي قول الله -تعالى ذكره-: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت الآية: 33].
ففيها ثناء عظيم، وإشادة كريمة بكل من دعا إلى الله من أهل الإسلام والإيمان والإحسان، يرجو رحمة الله ويخشى عقوبته، ولَم يخالف قولهُ عملَه ولا سره علانيتَه، ورحم الله الحسن البصري لَمَّا تلا هذه الآية قال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالِحًا في إجابته وقال إنني من المسلمين هذا خليفة الله"( ).
قلت: يالله كم للدعوة إلى الله من شرف عظيم ينبغي أن يسير في طريقه السائرون، ويتنافس في حيازته المتنافسون، وكم لأهلها عند الله من مقام رفيع يجب أن يتفيأ ظلاله المؤمنون، وبالأخص العلماء المؤهلون بفقه الدعوة من مصدره الأصيل، كتاب الله الجليل، وصحيح سنة الرسول المصطفى الخليل، فهنيئًا لأصحاب الدعوة إلى الله حب الله لهم، وولايته واصطفاءه واجتباءه، وما ذلك إلا لأنَّهم أجابوا الله في دعوته، ودعو الناس إلى ما أجابوا الله فيه من دعوته ليكونوا مثلهم، فأرضوا بذلك ربَّهم، وتأسوا بنبيهم s في دعوة الخلق إلى رحاب الحق، فأحرزوا الأجر الوفير، وكسبوا رضا الله العلي القدير:
فرحمة الله تغشاهم جهـابذة وجنة الخلد مأوى كـل محتسب
وأما الحديثان فالأول منهما: ما جاء في الصحيحين من حديث الصديقة بنت الصديق -رضي الله عنهما- أنَّها سألت رسول الله s قائلة: ((هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟. فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فنادانِي. فقال: إن الله  قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بِما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ ثُمَّ قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله s: أرجو أن يخرج الله من أصلابِهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا))( ).
أيها القراء الكرام: لقد اشتمل هذا الحديث المتفق على صحته على جملة وفيرة من مسائل فقه الدعوة إلى الله من أشهرها:
1- أن النَّبِي s الذي بعثه الله رحمة للعالمين، ما كان يحرص على قتل المدعوين، وإن أعرضوا عن دعوته الكريمة، وملته القويمة، بل كان يحرص على استجابتهم لدعوة الحق، ويبذل ما في وسعه لإقناعهم قبل أن يجرد سيفًا من غمده في وجوههم مهما لحقه من أذى، وأصابه من هم وغم؛ إذ لو كان حريصًا على استئصالهم واجتثاثهم من فوق الأرض ومن دنيا العمل لقال لملك الجبال: اطبق عليهم الأخشبين لتقر بذلك العين، وتطهر الأرض من رجسهم، ولكنه قال: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابِهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)) رغم استمرارهم في غيهم، وتربصهم به ريب المنون.
الله أكبر إنَّها الحكمة والرحمة في حدود الشرع الشريف، والتجرد من حظوظ النفس التي قد تلتمس من خلال الدعوة إلى الله، ويأبى الله إلا أن تكون خالصة له كي يتحقق قوله الحق: أَدْعُو إِلَى اللَّه.
2- ومنها: أن الله مع رسله وأنبيائه وأتباعهم أجمعين، وبالأخص منهم أصحاب الدعوة إلى الله على علم وصبر وحلم ورفق، ينشدون من وراء ذلك كله رضا الله  وصلاح الأمم ومجتمعاتِها ليتحولوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن حزب الشيطان إلى حزب الرحمن.
3- ومنها: أن الطيش والمغامرة والعشوائية في ميدان الدعوة إلى الله أمور ليست رشيدة، وتصرفات غير سليمة؛ بل إنَّها تفسد الأمور، وتدمر المعمور، وكم لها من عواقب وخيمة، ونتائج سقيمة، تتنافى مع الآثار الحسنة التي تثمرها الدعوة النبوية المستقيمة، وحقًّا إن العاقل اللبيب ومحب الحق الحبيب لتكفيه الإشارة عن صريح العبارة.
4- ومنها: مشروعية الدعوة الفردية مصحوبة بالقصد السليم، والأسلوب الحكيم، والإيضاح الجلي الفهيم، ومقترنة بالدليل؛ إذ بذلك يعالج مريض الشبهة والشهوة -والعافية بيد الله- ولعل ذلك المدعو يصبح داعية فيهدي الله به من شاء من خلقه وما ذلك على الله بعزيز.
5- ومنها: أن الاستمرار في عمل الدعوة إلى الله بدون يأس ولا ملل وحسن الظن بالله خلقان عظيمان من أخلاق الداعية، وأسوته في ذلك نبيه محمد s أول من دعا إلى الله وعمل صالِحًا وكان أول المسلمين.
وأما الحديث الثاني: فهو ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن معاذًا  قال: ((بعثنِي رسول الله s قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))( ).
وقد اشتمل هذا الحديث على كثير من مسائل فقه الدعوة إلى الله، أذكر منها ما يلي:
1- مشروعية بعث الدعاة إلى الله من قبل الوالي المسلم إلى أقطار الأرض لينشروا دين الله في عباد الله على الوجه الصحيح، وللدولة السعودية -وفقها الله- نصيب وافر في هذا العمل ممثلة في وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وفي دار الإفتاء، وفي جامعات العلوم الشرعية؛ بل وفي جهات أخرى يعلمها اللبيب المنصف، وإن جحدها المبطل المسرف.
2- وأنه لا يبعث للقيام بنشر دعوة الإسلام إلا العلماء الربانيون الذين يحسنون تبليغ دعوة الإسلام؛ بحيث يبدءون فِي دعوتِهم للخلق بالأهم فالمهم على سبيل التدرج مع المدعوين، والمرحلية الدقيقة في ميدان الدعوة الفسيح.
3- وأن الجاهل لا يجوز له أن يجوب الأقطار لقصد تبليغ دعوة الإسلام؛ بل يجب أن يطلب العلم الشرعي على ذويه أولاً حَتَّى يحرز منه ما يجعله أهلاً لدعوة الخلق إلى رحاب الحق، ملزمًا نفسه بوصية الله ووصية رسول الله s للدعاة إلى الله.
أيها الإخوة في الله: مِمَّا تَمَّ تدوينه وعرضه آنفًا، يعلم أن أهم عناصر نجاح الدعوة إلى الله ما يلي:
أولاً، وثانيًا: الصواب والإخلاص في عمل الدعوة إلى الله؛ إذ هما شرطان أساسيان في قبول كل عمل يتقرب به العامل إلى الله ومن جملة ذلك دعوة الخلق إلى المسارعة إلى أسباب المغفرة كي ينجو من عذاب الله ويسعدوا برحمته ونيل رضاه، فما أعظمه من شرف عظيم، وخير عميم، وثواب جسيم، لمن أخلص لله في كل ما يأتي ويذر، ويأمر وينهى وهو من عباد الله الناصحين، والدعاة المخلصين، السائرين على منهج الأسلاف الصالحين، رحمنا الله وإياهم أجمعين.
ثالثًا: أن يكون الداعية إلى الله ذا علم شرعي أصيل، ومنهج سلفي جليل، وله فهم جيد، وحكمة شرعية، وسياسة دعوية، يعالج بِها أمراض المدعوين، بحيث يقول في كل مكان وزمان ما ينفع ويفيد، ويخاطب كل قوم بما يلين القلوب ويصلح النفوس حتى تقول هل من مزيد.
رابعًا: الاهتمام بنشر الكتب الدينية السلفية، وفي مقدمتها كتب التوحيد الخالص، وكتب عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، ككتب علماء الحديث والأئمة الأربعة، وإخوانُهم من الفقهاء النبلاء الذين أخذوا فقه دينهم عن علماء السلف الأوائل ولَم يبدلوا تبديلاً، وككتب شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية، وكتب شيخ الإسلام الثاني ابن قيم الجوزية، وكتب شيخ الإسلام الثالث محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله جميعًا-.
وهكذا كتب كل من تتلمذ على هؤلاء الأئمة المجددين لما اندرس من معالم الإسلام في عصورهم المتعددة، أو تتلمذ على مؤلفاتِهم بحق صريح وفهم صحيح إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله من مستقبل الزمان الذي لا يحيط به إلا الله الكريم الرحمن.
بالإضافة إلى نشر الجيد السليم من كتب التفسير، وكتب السيرة النبوية الشريفة، وكتب الأحكام المنيفة، وقديْمًا قيل عن الكتاب: "إنه الداعية المتجول" ولا ننسى العناية بالأشرطة التي تُملأ بطيب من القول الذي يوضح الحق ويهدي السبيل.
خامسًا: بعث الدعاة من العلماء الربانيين السائرين على منهج السلف في الالتزام بصحيح الاعتقاد، ومنهج الدعوة التوقيفي غاية ووسيلة، وولاء وبراء، إلى الآفاق القريبة والبعيدة، إذ بواسطتهم يفقه الناس دينهم عقيدة وعبادة وخلقًا وأدبًا وسلوكًا، ولأن تبليغ العلم ونشره أحد الجهادين، بل إن منفعة تعليم العلم ونشره، قد تكون أنفع من جهاد الكافرين، رغم عظم ثواب الجهاد في سبيل الله.
سادسًا: القدوة الحسنة في الداعي إلى الله؛ بحيث يكون متفاعلاً مع ما يدعو إليه، فإذا أمر الناس بخير يكون أول المؤمنين به والفاعلين له، وإذا نَهاهم عن شر يكون أول المبغضين لـه والتاركين، أسوته في ذلك الرسل الكرام، والأنبياء الفضلاء العظام، وكل داعية إلى الله صادق صابر مخلص من الأنام.
وليس معنى ذلك أن الداعية إلى الله يجب عليه أن يفعل كل ما أمر الناس به ودعاهم إليه، فقد يكون بعض ذلك غير داخل في وسعه فيكفيه فيه حسن النية، وصدق الأمنية، كما أنه لا يشترط في حقه أن يكون بريئًا من التقصير في فعل مأمور، أو من الوقوع في فعل محظور، كلا، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
غير أنه يجب عليهم أن يكونوا مستمرين في بذل الجهود في إصلاح أنفسهم، وإصلاح غيرهم ليرضوا ربَّهم، ويحيوا سنة نبيهم s، وليحققوا أداء الأمانة الَّتِي كلفوا بأدائها في محكم القرآن وصحيح سنة من أنزل عليه الفرقان، وأذن له في الإيضاح له والبيان؛ وليظفروا بتبوء منازل الجنان الَّتِي قال فيها الكريم الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] إلى آخر سورة الرحمن، وكم لَهَا من نظائر فِي محكم القرآن، ولكي ينجو من دركات النيران الَّتِي قال فِي وصفها وبيان حال أهلها الملك الديان: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ  فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها الْمُجْرِمُونَ  يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:41-44]. كم لها من أشباه ونظائر فِي كتابنا الفرقان، الذي أنزله الله رحمة لعالم الإنس والجان.
سابعًا: الصبر الجميل الذي يعتبر في مفهوم الشرع الشريف أعظم زاد للدعاة إلى الله وهم سائرون في طريق أدائها؛ إذ إن طريقها طويل المدى، والسير فيه صعب وشاق غالبًا لوجود عقبات حسية ومعنوية تعترض سبيل الدعاة إلى الله، فلا يقدرون على تجاوزها والتغلب عليها، إلا إذا اعتصموا بفضيلة الصبر استجابة لنداء الله العزيز الرحيم: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]. وجعلوا نصب أعينهم وصية الحق  لخير الخلق s: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف: من الآية35].
حقًّا أيها الداعية الكريم: ما أعظم شأن الصبر، وما أجمل ثمراته، إذ هو أجمل صفة من صفات الكمال حيث تنال بفضل الله ثُمَّ به المطالب العالية، وتحل المشكلات المستعصية، وتحقق الأمور الصالحة النافعة، والمقاصد الحسنة الزاكية: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ [النحل: من الآية127].
نعم اصبر وخالط الناس وكن حبيبًّا مُحبًّا لصالحيهم، وطبيبًا ماهرًا لمرضاهم فإن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم( )، وأبشر بالأجر الوفير، والخير الكثير، من الله اللطيف الخبير، القائل: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: من الآية10].
وقد أحسن القائل:
فيا أيها الداعي إذا كنت صادقًا
وخذ أسوة من رسل ربك خيرهم
تصبَّر فما للصابرين سوى الربح
محمدًا الداعي إلى العفو والصفح

ثامنًا: الإكثار من الاستشهاد بالقرآن الكريم لاسيما بقصصه وأمثاله، ووعده ووعيده، وعرض آيات أحكامه، وكذا الإلمام بضرب الأمثال التي استعملها النَّبِي s في خطبه ووصاياه، كما تحسن العناية بذكر مناقب الأئمة الأعلام، والدعاة المجاهدين لإعلاء كلمة الإسلام، لتقوى عزائم السامعين، ويترسموا خطاهم، ويأخذوا القدوة الصالحة من جهادهم، ليشاركوهم في دار الجزاء على العمل في أنسهم ومقيلهم.
تاسعًا: مواكبة الأحداث، وأعنِي بِها محاولة المعرفة لأحوال الناس، وما يحتاجون إليه من أبواب العلم، وما يفتقرون إليه من الإرشاد والتوجيه كي يضع الداعية الدواء محل الداء؛ فيبرأ بإذن الله مريض الشهوات والشبهات، ويحل محلها الإيمان فينمو في القلوب ويثبت فيها ثبوت الجبال الراسيات، أو قل: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ  تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم: من الآية24، 25]. فإن لَم يبرأ بغلبة الشقوة عليه قامت عليه الحجة بشرع رب الأرض والسموات، الذي حمله وبلغه الرسل وأتباعهم براءة للذمة ونصحًا للمكلفين من المخلوقات.
عاشرًا: التدرج والمرحلية في تفقيه الخلق وتعليمهم؛ بحيث يعلم الداعية إلى الله الناس -من عرف منهم ومن لَم يعرف- أصول دينهم قبل فروعه، وفرائضه وواجباته قبل سننه وفضائله، وذلك كالبدء بتصحيح الاعتقاد، ثُمَّ سائر بقية أركان الإسلام والإيمان والإحسان، ومعها أبواب الحلال والحرام، وهكذا الحث على السنن والفضائل، والتحذير من الوقوع في الفواحش والكبائر والصغائر والرذائل، كما فعل الرسل والأنبياء مع أممهم بدءًا وختامًا، وتوصية وتزكية وإعلامًا.
وقصارى القول: فإن الداعية إلى الله يعتبر طبيبًا متخصصًا في علاج ثلاثة أمراض معنوية مشهورة وخطيرة:
أولها: مرض الجهل الذي حذَّر الله منه خاتم رسله محمدًا s وأمته تبع له في ذلك، حيث قال : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام: من الآية35]. وذمَّ الله أهله، وضرب لهم أخطر المثل في عدد من الآيات المحكمات، منها قوله تعالى: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء:72]. وقوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ [الرعد:19].
ففي هاتين الآيتين بيان واضح أن الجهل مرض خطير، وسبب في شقاء أهله في الدنيا والآخرة، ولقد جاء فِي الأثر: "اغد عالِمًا، أو متعلمًا، أو مستمعًّا، أو مُحبًّا، ولا تكن الخامس فتهلك"( ). فقد دل على أن النفرة من العلم وعدم محبة أهله، واختيار الجهل عليه، هلاك أيُّما هلاك.
وطبيب هذا المرض: هو الداعية إلى الله الذي فضله الله بِميراث الرسل والأنبياء، ألا وهو العلم النافع الذي يثمر العمل الصالح.
وثانيها: مرض الشبهة.
وثالثها: مرض الشهوة.
فالأول: يعالج بالتعليم والبيان حتى يحل اليقين محل الشكوك والشبه.
والثاني: يعالج بالصبر الشرعي؛ إذ الصبر هو الدافع للشهوات والإرادات الفاسدة.
وطبيب هذين المرضين أيضًا: هو الداعية إلى الله على بصيرة، وهذا الطبيب الذي أعطاه الله الحكمة في علاج ما سبق تدوينه من أنواع الأمراض، هو أيضًا في نفس الوقت فارس مقدام في ميدان الجهاد بِما تحمل كلمة الجهاد من معنى، فهو يجاهد خمسة أصناف من الأعداء هم:
• النفس الأمارة بالسوء.
• الشيطان عدو الإنسان.
• المنافقون.
• الكفار الصرحاء.
• الظالمون من أهل البدع والكبائر.
وتراه قد أعد لكل صنف عدته بحسب ما أتاه الله من حجة علمية، وحكمة دعوية، موزونة بميزان الدعوة النبوية، ومقيدة بقيود صحيحة شرعية، وضوابط مستقاة من القواعد الفقهية.
الحادي عشر: حسن العرض وجمال الأسلوب، لما لهما من الأثر الطيب على نفوس المدعوين، والدور العظيم في فتح قلوب من أراد الله بِهم خيرًا، وشرح صدورهم لقبول كلمة الحق، والاعتصام بِها، والثبات عليها، فتصبح النفوس مطمئنة، والصدور منشرحة لما يدعون إليه من تحقيق الغاية العظمى الَّتِي لها خلقوا، ومن أجلها أنزلت الكتب، وأرسل الرسل، وفي سبيلها جاهدوا مخلصين لربِّهم، ناصحين لأممهم، هم وأتباعهم الذين استجابوا لدعوتِهم، وآمنوا برسالاتِهم.
تلك الغاية: هي إخلاص العبادة لله وحده، وتحكيم شرعه الكريم في عباده وجميع أرضه.
واسمع دليلين لحسن العرض وجمال الأسلوب: قال : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ  وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:53-55].
يالله ما أحسنه من عرض!! وما أسماه من أسلوب!! لقد دعا عباده الذين أسرفوا على أنفسهم بكثرة المعاصي ليطرقوا بابه تائبين مستغفرين ومنيبين ومستسلمين، ووعدهم مغفرة ذنوبِهم، وستر عيوبِهم، وحذرهم من القنوط من رحمته؛ لأنه هو الغفور الرحيم، وأرشدهم  إلى اتباع الوحي الْمُنْزل ماداموا فِي حياة العمل من قبل أن يبغتهم الأجل وهم غافلون، ويحل بِهم العذاب فلا ينصرون، فما أحرى الدعاة إلى الله بالاستفادة من هذا الأسلوب القرآني العظيم في دعوتِهم للخلق إلى رحاب الحق، جامعين لهم بين ذكر نصوص الوعد والوعيد، فلا يقنطونَهم من رحمة الله مهما كانت الذنوب جسامًا كبارًا، ولا يُؤَمِّنُونَهم من عقاب الله مهما أكثروا من الطاعات سرًّا وجهارًا.
واسمع للدليل الثاني من السنة: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة : ((أن فتى شابًّا أتى النَّبِي s فقال يا رسول الله ائذن لي في الزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه. فقال: ادْنُهْ. فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أَتُحِبُّهُ لأُمِِّك؟. قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لأُِمَّهَاتِهِمْ. قال: أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟. قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ. قال: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟. قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لأخَوَاتِهِمْ. قال: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟. قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قال: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟. قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ. قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ)) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء -أي: من الزنا-( ).
فانظر أيها الداعية الكريم، إلى هذا الأسلوب الرحيم، الذي استعمله رسولنا s الذي وصفه ربه بقوله الحق: ِبالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: من الآية128]. وخذ منه القدوة الحسنة الَّتِي بِها يتحقق صلاح البشر في أخراهم ودنياهم، وامض على بركة الله سويًّا على صراط مستقيم.
الثاني عشر: التلطف في التعليم والمجادلة والمناقشة في حدود الشرع؛ إذ إن ذلك طريق الرسل والأنبياء فِي دعوتِهم، وهم أسوتنا الحسنة، وقدوتنا الرشيدة في كل ما نأتي ونذر من أمر ديننا عمومًا، وشأن دعوتنا إلى الله خصوصًا، وبقدر ما يقرأ الداعية آيات القصص التي ذكر الله فيها الحوار الذي جرى بين الرسل والأنبياء وأممهم يتبين لـه أهمية هذا النعت "التلطف...." وحاجته إلى التخلق به: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه [الأنعام: من الآية90].
الثالث عشر: السير الحقيقي على منهج السلف الصالح -رحمهم الله- فِي فهم نصوص الكتاب والسنة في جميع أبواب العلم والعمل عمومًا، وفي باب منهج الدعوة إلى الله وباب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب الولاء والبراء خصوصًا، وهذا أمر في غاية الأهمية للداعية؛ إذ بالسير عليه تتحقق مصالح عظام، وتندفع أسواء خطيرة ومفاسد جسام، ورحم الله القائل:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر فِي اتباع من خلف
الرابع عشر: الاعتراف بالفضل لأهله، وتوفير التوقير والاحترام لهم، والقيام بحقوق الآخرين على اختلاف طبقاتِهم تأليفًا للقلوب، وطريقًا لقول الموعظة، وسماع النصيحة، ومحبة الناصحين.
الخامس عشر: أن يكون الداعية إلى الله ذا خلق حسن، وكرم حسي ومعنوي؛ فإن ذلك من أسباب الإقبال على الداعية، والأخذ عنه، والاستفادة منه، فقد جبلت النفوس على محبة من أحسن إليها كما قال القائل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهمُ فطالَمَا استعبد الإنسان إحسانُ
هذه قطوف جليلة، تتعلق بركائز الدعوة ونعوت الداعية.
لا أقول: إنني استقصيت بحثها، ووفيت حقها، ولكنها تنبيهات سريعة بتلك الركائز والنعوت، فيها لفت انتباه وتذكير لنفسي ولإخواني الدعاة إلى الله الذين ينشدون رضا الله وجنته، وصلاح مجتمعات الأمة على اختلاف طبقاتِهم واتجاهاتِهم.
أيها الضيوف الأعزاء والإخوة الكرام: إننا من هاهنا، ومن كل مكان؛ لنحمد الله  على كل نعمة أنعم بِها علينا في هذه البلاد، والتي في مقدمتها نعمة فهم عقيدة التوحيد والتفاعل معها، ونعمة وحدة الكلمة على الحق والاعتصام بحبل الله حكومة وشعبًا على نَهج الطائفة المنصورة التي سئل عنها رسول الله s فقال: ((هي الجماعة))( ) غير مدعين الكمال ولكن كما قال المعصوم s: ((سددوا وقاربوا وأبشروا))( ).
ومن شذ عن منهج الجماعة إلى مناهج أخرى -قد بينتها في غير هذا الموضع- فقد ظلم نفسه، كما نحمده سبحانه على نعمة الأمن والرخاء والتمكين في الأرض بإمامة شرعية، وأئمة هدى، أهل تعاون وتلاحم مع هذه الإمامة في المملكة العربية السعودية من يوم أن توحدت بكلمة التوحيد الخالص ووحدة الكلمة على الحق ونصرته، ومحاربة الباطل في شتى صوره، وإلى يومنا هذا، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وولي عهده الأمين وجميع إخوانِهما وأعوانِهما على الحق المبين، حفظ الله الجميع بحفظه وزادهم من إحسانه وبره، وجزاهم على ما قدموا ويقدمون من خير للإسلام والمسلمين خير الجزاء، إنه سميع مجيب.
وختامًا: فهذه مشاركة مني متواضعة في هذا الاحتفال البهيج الذي ضم كثيرًا من العلماء والدعاة والأدباء، وشارك فيه معالي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي بكلمة ضافية كافية في موضوعها ركَّز فيها على سبعة محاور في ذلك اللقاء، وها أنا أكتب ما سمعته منه:
المحور الأول: ركَّز فيه على الحث على المشاركة في عمل الدعوة إلى الله احتسابًا لوجه الله، وفي محيط منهج السلف الصالح -رحمهم الله- وفي حدود اللوائح التنظيمية، والضوابط الشرعية هكذا قال تلك الليلة.
المحور الثاني: ركَّز فيه على وجوب الاجتماع على كلمة الحق، ونبذ الفرقة، مبينًا أن الاجتماع على الحق هو مراد الله الشرعي من المكلفين من خلقه، وهو طريق أهل السنة والجماعة، وأن الفرقة والخلاف سيما أهل الأهواء والبدع.
المحور الثالث: ركَّز فيه على وجوب السمع والطاعة لله ولرسوله مطلقًا ولولي أمر المسلمين في المعروف باطنًا وظاهرًا، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة السائرين على منهاج السلف.
المحور الرابع: ركَّز فيه على بيان شروط الإمامة الشرعية للأمة، وأنَّها مطبقة في بلادنا، ومنطبقة على ولاة أمرنا، مدللاً على ذلك من النقل والعقل، ومنهج سلف هذه الأمة.
المحور الخامس: ركَّز فيه على بطلان تعدد الجماعات في بلدنا، وأنه أمر منكر، ينكره أولو الأحلام والنهى، ولا مسوغ له من نقل أو عقل؛ بل نحن جماعة واحدة؛ يجب أن نحذو حذو الطائفة الناجية المنصورة التي قال النَّبِي s فِي حقيقتها: ((هي الجماعة))( ).
المحور السادس: ركَّز فيه على بذل الجهد في التوسع في تحصيل العلم الشرعي من مصادره الأصيلة، حتى يكون طالب العلم مؤهلاً للدعوة إلى الله؛ إذ الجاهل لا يصلح أن يكون داعية إلى الله، ولا آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وقديْمًا قيل "فاقد الشيء لا يعطيه".
المحور السابع: ركَّز فيه على الإشادة بجهود الدولة وما تبذله في خدمة الإسلام والمسلمين في داخل البلاد وخارجها، سواء كان ذلك في مجال شئون المساجد والدعوة والإرشاد، أو في قطاع التعليم بكافة مراحله.
هذا ما سمعته من الوزير في ذلك الحفل والله المسئول أن يهدينا وإياه وجميع المسلمين للاعتصام بالمنهج الحق القويم.
ومسك الختام: نسأل الله  أن يكون لهذه الزيارة التي أتت في وقتها المناسب أطيب الأثر؛ فيما يتعلق بشئون الدعوة إلى الله، وأن يجعل لها خير أثر على كل ما يتعلق ببيوت الله الكريمة الطاهرة الَّتِي: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ  رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36، 37]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


المصدر
موقع الدعوة السلفية بصامطة
رد مع اقتباس