عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 09-13-2010, 06:33 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

مشاكل الدعوة والدعاة في العصر الحديث

تأليف:

الشيخ محمد أمان بن علي الجامي رحمه الله

الناشر:

الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة

الطبعة الرابعة

ص -5- الحمد الله المنعم المتفضل تفضل علينا بنعمة الإسلام والدعوة إليه وصلاة الله وسلامه وبركاته على رسوله المصطفى والنبي المرتضى نبينا محمد وآله وصحبه أئمة الهدى ودعاة الحق والتابعين لهم على منهاجهم في الدعوة إلى الله تعالى. وبعد.
إن معرفة الدعاة، سنة الله مع دعاة الحق قديما وحديثا وكيف امتحن الله الرسل وأتباعهم أن هذه المعرفة لما يخفف على الدعاة وطأة المشاكل والمحن إذا ما أوذوا في سبيل دعوتهم ولا بد أن يؤذوا.
ومما قاله ورقة بن نوفل لرسول الله عليه الصلاة والسلام عندما زاره في صحبة خديجة أم المؤمنين ليخبره ما جرى له في جبل حراء مع جبريل مما قاله ورقة: "ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي"1.
تلك هي سنة الله مع دعاة الحق. ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولن تجد لسنة الله تحويلا. لو ذهبنا لنرى كيف عاش أول رسالة إلى أهل الأرض وهي رسالة نوح عليه السلام رأينا الرسول نوحا يقاسي من قومه صنوفا من المشاكل من سخرية السفهاء وعناد المعاندين. وعلى الرغم من ذلك نراه يجابه الجاهلية ويصدع بالحق {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}2 وثارت الجاهلية وعاندت وكابرت وأخيرا أخذ نوح يجأر إلى الله ويدعو عليهم الدعاء الأخير

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه خ بدء الوحي وغيره من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها حديث رقم 3 وأطراف هذا الحديث في ستة مواضع في الجامع الصحيح.
2 سورة نوح الآية 3.



ص -6- : {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً}1 ولو تركنا نوحا وتمرد الجاهلية ودعاء نوح بالهلاك لترى تلك المحنة التي عاشها خليل الرحمن إبراهيم إذ جاء إبراهيم قومه بأسلوب لا يتوقعونه إذ قام من توه بأسلوب يهدم الجاهلية ليبني على أنقاضها الإسلام, الإسلام الذي لا يقبل الله سواه { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}2 .
صاح فيهم صيحة الحق قائلا: { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}3 .
فهاجت الجاهلية وجن جنونها وقررت أخيرا التخلص من الرسول ورسالته وأصدرت قراراها القائل {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}4 بيد أنه صدر من السماء قرار {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ}5 فأبطل هذا القرار مفعول قرار الجاهلية ولله الحمد والمنة، هكذا امتحن الرسولان الكريمان ولكن العاقبة للمتقين.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة نوح الآية 27
2 سورة آل عمران الآية 85.
3 سورة الأنبياء الآية 67.
4 سورة الأنبياء الآية 68.
5 سورة الأنبياء الآية 70.



ص -7- موسى عليه السلام
أما موسى عليه السلام فقد تنوعت المشاكل معه ورافقته المحن والمخاوف وهو رضيع ثم شبت معه حيث أخذ يحاول الطاغية فرعون التخلص منه وهو رضيع ثم بدأ يؤذيه سفهاء قومه من جهة فتجلد حتى بلغ رسالة ربه في وسط تلك الأمواج المتلاطمة من المحن المتنوعة. فيخبر القرآن آخر قصة موسى مع فرعون فيقول: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ}1

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة القمر الآيتان 41-42

عيسى عليه السلام
إذا كان موسى عليه السلام قد رافقته المحن كما قلنا منذ أن كان في المهد صبيا بأن عيسى عليه السلام قد واجهته ألوان من الشكوك موجهة إليه وإلى والدته فور أن وجد في هذه الدنيا فقاسى ضروبا من العنت إذا اختلف فيه القوم بين قائل هو ابن الله أو الله نفسه وبين قائل هو ولد بغي فجعل عيسى عليه السلام يعرف القوم نفسه وحقيقته فيما تخبرنا به سورة مريم: { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَالسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}1 وعلى الرغم من هذه الحقيقة التي شرحها القرآن لم يزل القوم يتمردون عليه ويؤذونه.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة مريم الآيتان 30-34



ص -8- ولكنه كان يقابل ذلك بالصبر الجميل والتحمل وكان محاطا بعناية الله تعالى وقد تآمروا على قتله وصلبه ولكن الله جعل فداءه ذلك الرجل الذي كان دليلا لهم يدلهم على مخبئه فقتلوه ثم صلبوه جزاء وفاقا. فأشاعوا بأنهم قتلوا عيسى وصلبوه فيوضح القرآن هذه الحقيقة ويخبر أن تلك الإشاعة عنه ليس لها أصل من الصحة فيقول الله تعالى: { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}1.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء الآيتان 157، 158.

محمد رسول الله والذين آمنوا به واتبعوه
مضت الأيام تلو الأيام والشهور تلو الشهور والدهور تلو الدهور ليحين وقت بزوغ فجر الإسلام من جديد من واد غير ذي زرع من عند بيت الله المحرم بمكة فولد محمد عليه الصلاة والسلام بمكة وترعرع فيها فعرف عند قومه منذ صغره بالصدق والأمانة، فكانت له شخصية وكسب شعبية بأخلاقه الكريمة {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}1, فلما كلفه ربه بتبليغ رسالته وأن يصدع بالحق {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}2 فدعاهم إلى الإسلام واستنكر القوم هذه الدعوة واستغربوا هذا الأسلوب الجديد الذي لابد لهم به والرسول ينادى فيهم: "قولوا لا إله إلا إله تفلحو"4, فأدرك القوم معنى هذه.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة ن الآية 4
2 سورة الحجر الآية 94.
3 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/492 من حديث ربيعة بن عباد الدبلي وكان جاهليا واسلم 4/341 بإسناد صحيح وقد أخرجه أيضا 4/63 وذلك من حديث شيخ من بني مالك رضي الله تعالى عنه.



ص -9- الكلمة وأنها تعنى القضاء على آلهتهم وبالقضاء عليها يقضي على نفوذهم الواسع وسلطانه الجاهلي.
فلما كان لصاحب الدعوة من المكانة في أنفسهم سابقا لم يتجرؤوا في أول الأمر على قتله وقتل دعوته في مهدها. بل اتبعوا أساليب شتى قبل قرار القتل الذي سوف نتحدث عنه إن شاء الله فعرضوا عليه المال أو الجاه والرياسة ولم ينجح العرض إذ رأوا أنه ليس لديه أدنى ميل إلى هذه الأمور التي يرونها عظيمة فعمدوا إلى أسلوب خسيس يريدون به تدمير أعصاب الرسول لو استطاعوا والقضاء على الروح المعنوية العالية فأخذوا يقترحون اقتراحات ساخرة. يحدثنا القران عن شيء من ذلك فيقول:
{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ}1 ولما لم ينجح هذا النوع من الأسلوب أيضا أخذوا يفترون على من سموه من قبل أنه الصادق الأمين2 ويلقبونه بألقاب مفتريات ويشيعون ضد الدعوة إشاعات هم يعلمون عدم صحتها قبل غبرهم ولم يتركوا بابا من المكر والمكيدة إلا طرقوه وها هو القرآن يحدثنا عن مكرهم:
{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}3


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الإسراء الآية 93
2 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/425 وذلك من حديث السائب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح.
3 سورة إبراهيم الآية 46



ص -10- ولما لم تنجح جميع الوسائل التي أشرنا إليها من عرض المال والرياسة والسخرية والشائعات والافتراءات. وهي ما يسمونه بالحرب النفسية لجأ القوم إلى الحرب الحسية ينالون بها من صاحب الرسالة وأصحابه حيث تفجرت أحقادهم. فعقدت جلسة خاصة ومهمة لسادات قريش في الحجر واسترضوا الموقف ودرسوه وعددوا ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام وما قال في حقهم وفى حق آلهتهم قالوا: "ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط: سفه أحلامنا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا وشتم آباءنا وعاب ديننا"1 إلى آخر ما عددوه ومن باب الموافقة أن يمر بهم النبي عليه الصلاة والسلام وهم يتحدثون في أمره. فوثبوا عليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به من كل جانب وصاحوا به قائلين: "أما الذي تقول كذا وكذا؟ فيجيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام. بكل ثقة وثبات. نعم أنا أقول كذا وكذا وأرادوا قتله فأدركهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فانبرى للدفاع عنه فأخذ يدفع هذا ويجأ هذا في بطنه وهو يقول: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّه}2
ولما أعجزتهم جميع الحيل عقدوا مؤتمرا خطيرا في زعمهم في الأيام التي أخذ المسلمون يهاجرون فيها إلى المدينة وظنوا أن الفرصة سانحة فلا تفوت، ومن الاقتراحات المهمة التي طرحت على بساط البحث والمناقشة للتخلص من النبي ودعوته هي الآتية:


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه أحمد في مسنده 2/218 بسياق طويل عن طريق ابن إسحاق وهو يصرح بالسماع عن شيخه بن عروة وإسناده حسن.
2 سورة غافر الآية 28



ص -11- ا- أن يسجن سجنا مؤبدا ولا يفك.
2- أن يقتل على أيدي عدد من شباب قريش ينتخبون من عدة قبائل ليتفرق دمه بين القبائل.
3- أن ينفى من البلد.
ولما وضعوا خطتهم وحزبوا أمرهم كشف الله السميع القريب أسرار مؤتمرهم {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}1 هذا وكانت المحنة على ضراوتها وقسوتها لا تزيد محمدا عليه الصلاة والسلام وصحبه إلا صلابة وتصميما. تصميما في المضي مهما كانت التضحيات.
وفى الوقت الذي كانوا يؤذونه عليه الصلاة والسلام هذا الإيذاء كانوا يؤذون المؤمنين به ويعذبونهم بألوان العذاب. وقد سجل التاريخ ما فعل أمية بن خلف ببلال الحبشي في بطحاء مكة ليكفر بمحمد ويعبد اللات والعزى ولا يزيد بلال على قوله أحد أحد2 وهو تحت تلك الصخرة ولكن إيمانه كان أعظم وأثبت وكانت هذه الكلمة من بلال تعنى الهتاف بلا إله إلا الله. وقل هو الله أحد وفى مكان آخر من مكة أيضا نرى آل ياسر يعذبون ويفتنون ليكفروا بالإسلام ويعبدوا اللات والعزى ويموت الأب وهو شيخ كبير تحت التعذيب من توه كما تقول بعض روايات السيرة.
أما الأم الشجاعة فقد أغلظت القول على أبى جهل فطعنها لشدة جهله برمحه فقتلها فهي أول شهيدة في الإسلام. وكان النبي


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الأنفال الآية 30
2 أخرجه ابن إسحاق في السيرة 1/317-318 بإسناد حسن إذ قالك حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما ثم ذكر بعض الشيء ثم ذكر قصة بلال رضي الله عنه ونقل عنه الحافظ في الإصابة ص 1/165





ص -12- عليه الصلاة والسلام يمر بآل ياسر وهم يعذبون فيقول لهم: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"1
وقد شهدت أيام النبوة أبطالا خلد التاريخ بطولته وشجاعتهم وثباتهم على عقيدتهم مهما كلفهم ذلك من الثمن. ولو كان الثمن إزهاق أرواحهم الطاهرة فلنتخذ منهم خبيب بن عدي كمثال فقط لندرك أثر العقيدة في نفوسهم.
يقول علماء السيرة أن خبيبا أحد الذين بعثهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى بعض القبائل التي تسكن بين مكة والمدينة وهي قبيلة عضل وما جاورها من القبائل فبينما هو في طريقه اعتقل ثم حمل إلى مكة وباعه المجرمون لبني الحارث بن عامر بين نوفل ليقتلوه بحارث بن عامر الذي قتله خبيب يوم بدر وفي اليوم المحدد لقتله خرجوا به من الحرم إلى التنعيم ليقتلوه في الحل بعد أن يصلبوه فاستأذن منهم ليصلي ركعتين2 يناجي فيهما ربه وهو ساجد فأذنوا له فصلى ركعتين حسنتين فلما فرغ فأقبل عليهم فقال: "أما والله لولا أن تظنوا إنني جزع من الموت لاستكثرت أو لأطلت فرفع خبيب على الخشبة فقيل ارجع عن الإسلام نخلى سبيلك. فقال: لا والله ما أحب أن أرجع عن الإسلام وأن لي ما في الدنيا جميعا". وله دعوة مستجابة على الكفار في هذه المناسبة مسجلة في كتب السير وكتب الحديث ولا نطيل بذكرها.


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 63/ 1 بإسناد صحيح وذلك من حديث سالم بن أبي الجعد وأورده النووي في تهذبب الأسماء للنووي رقم الترجمة 30 ص 37 الجزء الثاني من القسم الأول.
2 أخرجه خ الجهاد "170" المغازي "10" "28" وذلك من حدبت أبي هريرة رضي الله تعالى عنه انظر الفتح 308- 309/ 7 حديث رقم 3989.



ص -13- ومما قاله خبيب وهو معلق مصلوب: "اللهم إني لا أرى إلا وجه العدو اللهم إنه ليس ها هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام فبلغه عني أنت" فبلغ جبريل سلامه إلى النبي فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه".
فأخذوا يمزقون جلده أشلاء برماحهم وهو يترنم بأبياته المشهورة التي منها:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

إلى الله أشكوا غربتي بعد كربتي وما أرسل الأحزاب عند مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع

ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي

وفي وسط هذه المحن والمشاكل المحزنة أظهر الله دينه وقويت شوكته وأعز الله أتباعه حتى قامت له دولة في طيبة فطابت لأتباعه وطاب مقامهم بها فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام يستقبل الوفود تلو الوفود وهم يدخلون في الإسلام ويسألون عن تعاليمه وفي الوقت نفسه يرسل جيشه إلى الأطراف ليدعوا إلى الله بالتي هي أحسن أولا وللمعاند السيد هكذا أظهر الله الإسلام وأعز أهله ولو كره الكافرون.
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}1 {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}2.


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة المنافقون الآية 8
2 سورة الصف الآية 9



ص -14- ثم سلم الرسول الزمام لرجال أمناء تسلموا الدعوة وساروا بها سيرتها الأولى لم يغيروا ولم يبدلوا فأخذوا يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا البلاد فأقبل الناس على الإسلام محبة وتقديرا لحملته لما رأوا فيهم الرحمة والإنصاف والعدل وعدم التناقض وهي الصفات التي جعلت الناس يدخلون في دين الله أفواجا.
هكذا مثل الإسلام أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وأتباعهم وحببته إلى الناس ثم انتهت تلك القرون التي هي بحق خير هذه الأمة "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"1. ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الدعوة وشوهوا الإسلام وأدخلوا فيه ما لشى منه فاشتدت غربة الدين من جديد فوقع الدعاة في مشاكل ومحن غير متوقعة إذ واجهت الدعوة صنوفا من الضغط والاضطهاد من أولئك الذين يتظاهرون بالإسلام بل في زعمهم أنهم أتباع صاحب الرسالة والمحبين له.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من واقع الحسام المهند


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 صحيح مضى تخريجه ص 25 وقد أخرجه خ و م وغيرهما وذلك من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

مشاكل الدعوة بين الماضي والحاضر
وقد استعرضنا عرضا سريعا مشاكل الدعوة عبر التاريخ الطويل للدعوة اعتبارا من عهد نوح عليه السلام إلى العصر الحديث محاولين الربط بين ماضي الدعوة وحاضرها لنقارن بين المشاكل والمحن المحدقة بالدعوة والدعاة فيهما وتبين لنا من هذا العرض أن المشاكل التي واجهتها الدعوة في الماضي البعيد والقريب كان مصدرها.



ص -15- أعداء الدعوة المكشوفة عداوته الذين يعادونها علنا مما جعل الدعاة يحذرونهم ويحتاطون لمكائدهم ولا يفاجئون بها إذا نهرت بل يقابلونها بكل ثقة وثبات دون اضطراب أو قلق.
أما في العصر الحديث فتواجه الدعوة الإسلامية ودعاتها مشاكل ومحنا لا قبل لهم بها من المنتسبين إلى الإسلام بل من المنتسبين إلى الدعوة نفسها أحيانا كما سيأتي بيان ذلك.

نوعية المشاكل في الماضي
أما نوعية المشاكل والمحن في الماضي قريبا كان أو بعيدا تنجلي فيما يلي:
ا- إيذاء الدعاة في أنفسهم وأتباعه وتعذيبهم لمحاولة إيقاف الدعوة.
2- وربما قدّموا لهم بعض المغريات كالأموال والمناصب والرياسة ولكن دون جدوى.
3- محاولة القضاء على الدعوة في مهدها بقتل صاحب الدعوة أو حبسه أو نفيه وإخراجه من أرضه وإبعاده في الآفاق كما مر بنا تفصيل ذلك.
هكذا كانت نوعية المشاكل في العصور الغابرة وكلها باءت بالفشل كما رأينا إذ جعل الله العاقبة للرسل وأتباعهم ونصرهم على أعدائهم {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}1.
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}2


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الأنفال الآية 10
2 سورة الصافات الآيات 171و172,173.



ص -16- نوعية المشاكل في العصر الحديث
تعيش الدعوة الإسلامية في العصر الحديث حياة لا تعرف لها مثلا في العصور الغابرة وقد تنوعت المشاكل وتعددت، مما جعل دعاة الحق يحتارون في أمر الدعوة ومشاكلها المتنوعة وكيفية التغلب عليها حتى صار هذا التفكير شغلهم الشاغل. وفى الإمكان أن نوجز أهم تلك المشاكل فيما يلي:
"أ" الجهل أي عدم تصور الإسلام تصورا صحيحا.
"ب" التناقض الذي يصيب بعض الدعاة أحيانا.
"ج" النفرة وعدم الانسجام بين المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية.
"د" وجود بعض الطوائف الضالة التي تعمل في بعض البلاد باسم الإسلام "كالقاديانية".
"هـ" المناهج العقيمة المقررة في كثير من جامعاتنا.
"و" آثار الاستعمار الباقية في كثير من البلدان الإسلامية.
تفصيل الكلام على المشاكل الست:
الجهل: حقا إن الجهل داء فعلى الداعية أن يبدأ بتكوين نفسه وعلاج دائه قبل أن ينزل الميدان للدعوة وذلك بالفهم الصحيح. بأن يوجه اهتمامه إلى أخذ العلم من مصدره الأصيل الكتاب والسنة على أنهما هما المصدران للشريعة أصولها وفروعها وبدراستهما يحصل العلم النافع والهدى والسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة. {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}1 ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام:


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الإسراء الآية 9



ص -17- "أوتيت القران ومثله معه"1 كما ينبغي له أن يدرس السيرة العطرة ولا بأس أن يطلع على ما تزخر به المكتبة الإسلامية الحديثة من كتب قيمة تستند إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة في بحوثها ومعالجتها للحوادث العلمية.
وبذلك يتكون لدى الدارس تصور صحيح لهذا الدين في أحكامه وتشريعاته وعقيدته وعبادته وأخلاقه.
وبذلك يحصل له الفقه في الدين. وهو التصور الصحيح للإسلام- كما قلنا- يتصور ويفهم فهما دقيقا معنى الألوهية ومعنى العبادة ومعنى الجاهلية، وما أصدق كلام عمر بن الخطاب إذ يقول: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية"2 هو الفقه الذي يريده النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"3.
وعدم هذا الفقه هو الذي جعل أهل الكلام يسمون فلسفتهم توحيدا وتعطيلهم تنزيها وإثبات غيرهم تشبيها وألفوا في ذلك مؤلفات تدرس اليوم في كثير من معاهدنا وجامعاتنا باسم التوحيد وليس فيها طعم التوحيد ولا روحه، بل قد أبعدوا النجعة فهم كما قال القائل:

نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبطحاء أبعد منزل

وهؤلاء في واد والتوحيد والعقيدة في واد


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 130- 131/ 4 من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح وأخرجه الآجري في الشريعة من هذا الوجه وأورده السيوطي في مفتاح الجنة.
2 مضى بيانه
3 مضى تخريجه أخرجه خ العلم (10) الخمس (7). م الإمارة (175) وأحمد في مسنده 1/306 1 من حديث ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم.



ص -18- فكم حالت تلك المؤلفات بين شبابنا وبين فهم العقيدة الإسلامية التي نطق بها الكتاب والسنة كنتيجة للتصور الخاطيء للإسلام وعقيدته ولقد أحسن من قال:

العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه

ولا جحد الصفات ونفيها حذرا من التمثيل والتشبيه

هذا وإن عدم الفقه الدقيق هو الذي حمل العبّاد أو المنتسبين إلى التنسك والتعبّد على ابتداع طقوس بعيدة عن روح الإسلام وأطلقوا عليها أسماء من عند أنفسهم على حساب الإسلام وفرقوا بها جماعة المسلمين ووزعوهم على تلك البدع وأعلنوا عن أنفسهم أنهم أهل الله وأحباؤه, ولهم صلاحية ليست للأنبياء والرسل. إذ في إمكانهم أن يأخذوا الدين وشرائعه عن الله مباشرة بغير واسطة جبريل ودون الحاجة إلى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
هكذا تدعو جهلة الصوفية إلى الردة من حيث لا تشعر أو من حيث تشعر بالنسبة لأقطابهم. ومن تلكم الطرق المبتدعة الطرق الآتية أسماؤهم:
ا- الطريقة التيجانية.
2- الطريقة القادرية.
3 الطريقة السنوسية.
4- الطريقة المرغنية.
إلى آخر تلكم الأسماء التي وزعت المسلمين طرائق قددا وسماها أولئك الذين لا فقه لهم في الدين أنها من طوائف المسلمين بل زعم

ص -19- بعض هؤلاء أن أصحاب هذه الطرق من دعاة الإسلام وأنا هم الذين انتشر الإسلام بدعوتهم في العالم، يا لها من فرية ما أفظعها ويا لها من جهل ما أقبحه.
إن هي إلا بدع سميت بغير أسمائها لو كانوا يفقهون.
ولا يستكثر على مشايخ الصوفية أن يأتوا كل بدعة وأن يقولوا كل قول بعيد عن الصواب لأنهم أوعية جهل لو صح هذا التعبير ولعلي لا أثقل عليكم لو نقلت لكم بيتا صوفيا يشتمل على الوعظ والإرشاد في دين الصوفية وهذا نصه:

فأكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على الكريم

"تيسير العزيز الحميد ص 67" وأتركه هكذا دون تعليق لتأخذوا حريتكم في التعليق: وجهلهم مركب وهو من أقبح نوعا الجهل كما لا يخفى ولكن الذي يخجل ويحمل المرء على الاستغراب أن يتبنى الدعوة إلى هذه الطرق المبتدعة ويعد أصحابها من دعاة المسلمين علماء أجلاء ولو في نظر العامة ودكاترة محترمون، كيف جهلوا بأن هذه الطرق عقبة من العقبات التي يشكو منها دعاة الحق في كل مكان وليس بينها وبين الإسلام صلة قرابة إذ تتنافى تعاليم الإسلام في أصوله وفروعه، ودعوى أنها من البدع الحسنة دعوى عارية عن الدليل ولا يوجد في الإسلام ما يسمى بالبدعة الحسنة. ورحم الله الإمام مالكا إمام دار الهجرة إذ يقول: "من ابتدع في الإسلام بدعة فرآها حسنة فقد اتهم محمدا بالخيانة وعدم التبليغ" أو كما قال الإمام رحمه الله.
حقا إنه لا يكون ديننا اليوم ما لم يكن ديننا أمس في عهد النبوة. ولعمري لقد عظمت المصيبة على الأمة الإسلامية في العصر الحديث بهاتين البدعتين بدعة الكلام وبدعة الطرف الصوفية.



ص -20- أما بدعة الكلام فقد صرفت شباب الجامعات وكثيرا من طلاب العلم في المساجد في كثير من البلدان الإسلامية عن دراسة العقيدة الإسلامية التي كان عليها سلف هذه الأمة والتي نطق بها الكتاب وشرحتها السنة فقد جهلها كثير، من شبابنا المخدوعين بذلك الكلام المذموم الذي ذمه أئمة المسلمين وحذروا منه
ومن المغالطات الغريبة أن يطلق على عقيدة طائفة من أهل الكلام أنها عقيدة أهل السنة والجماعة وهي بعيدة عن السنة وعما كانت عليه الجماعة بعدهم عنها. وهم يدخلون في عموم قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ}1
وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}2
وقد شغلت تلكم المغالطة وزخرف القول فراغ قلوبهم واستولت على عقولهم ولم يبق مكان لقبول الحق إلا من رحم ربك وأدركه بلطفه.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه:3 : "قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده. هكذا كما أنه في الأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات. فإذا كان ا القلب ممتلأ بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع"


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الحج الآية 8.
2 سورة الحج الآيتان 3و4.
3الفوائد.



ص -21- فلنسمع ما قاله بعض أئمة الهدى في ذم الكلام وأهله:
أ- قال الإمام أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة وصاحبه: "من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس. ومن طلب غريب الحديث كذب"1
" قال الإمام الشافعي: "حكمي في أهل الكلام: أن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويضربوا بالجريد والنعال ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام وقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ماظننت مسلما يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل مانهى عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام"2.
وما أروع ما قال الإمام مالك رحمه الله. "أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام لجدل هؤلاء"
فكم كان غريبا ومثيرا أن ينتسب هؤلاء الكلاميون إلى الأئمة المذكورين في الفروع الفقهية ثم يخالفونهم في أصول الدين فيما يعتقدون نحو ربهم.
فهل يعتقد هؤلاء البلداء أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة السلف كانوا على ضلال في عقيدتهم وأصول دينهم بينما هم على حق في الفروع.
هذا ما يستنتج من موقفهم رضوا أم أبوا إنها قضية ولا أبا حسن لها كما يقولون. وأما بدعة طرق الصوفية فهي الأخرى قد حجبت كثيرا من المخدوعين لها عن فهم حقيقة العبادة في الإسلام


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 شرح الطحاوية ص 229.
2 المصدر السابق.



ص -22- حتى ظن جمهور المخدوعين أن التبتل أو التنسك معناه التصوف وبالتالي غيرت الصوفية لديهم مفهوم الذكر فقد ظن أكثرهم أن ذكر الله عبارة عن اجتماع لفيف من الناس في مكان ما وفى الغالب يكون عند ضريح من أضرحة المشايخ والسادة ويعقدوا حلقات يطلق عليها ظلما وعدوانا حلقات الذكر ثم يأخذون في التمايل يمينا ويسارا وهم يقولون: الله الله وأخيرا هو هو وإذا حمى الوطيس فلا تسمع إلا حوه حوه أوح ح. وقد يطفأ السراج إن أقيمت الحضرة ليلا ليأخذ الذاكرون حريتهم وليصل الذكر إلى حد الكمال ويصل الواصلون ياللإسلام ما أعظم مصيبة أتباعه.
وأما العبادة عند المتصوفة فهي عبارة عن إقامة الحفلات الموسمية كالاحتفال باسم المولد النبوي والاحتفال باسم الإسراء والمعراج وعيد أول السنة الهجرية وعيد النصف من شعبان وصورت الصوفية لجمهور المخدوعين أن هذه الاحتفالات والأعياد هي الإسلام بل هي من أعظم ما يتقرب به المسلمون إلى الله فطالما يحافظون عليها فهم بخير والحمد لله شرقوا أو غربوا أو ألحدوا أو وحدوا والعبارت المخدرة لا تفارق ألسنتهم "أمة محمد بخير".
ولا شك أن الباحث الفهيم المهتم بشئون الدعوة الإسلامية يرى أن أفظع فتنة فتنت بها هذه الأمة في العصر الحديث فتنة علم الكلام وفتنة التصوف وجميع المشاكل التي سوف نتحدث عنها إن شاء الله تتفرع معظمها عن هاتين البدعتين والله المستعان.
التناقض:
إذا تحدثنا عن حاجة الدعاة إلى التصور الصحيح للإسلام وأن عدم تصورهم للمفهوم الصحيح للإسلام هو عقبة من العقبات في سبيل الدعوة إذا أثبتنا حاجتهم تلك، فهم إلى التطبيق العملي والتفاعل مع



ص -23- الإسلام أحوج. بحيث تكون حياتهم ترجمة واضحة لمنطوق الإسلام وصورة كريمة تمثل الإسلام وتحببه إلى الناس فالأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى دعاة يتوسمون خطى الدعوة في أقوالهم وأفعالهم. في حياتهم الخاصة في أنفسهم وفي بيوتهم وفي حياتهم العامة ليصبحوا بذلك قدوة للمجتمع الذي يعيشون فيه، والداعية الناجح هو الذي يهذب الناس بسيرته قبل أن يهذبهم بلسانه ويدعوهم إلى الله بخلقه وحسن سلوكه قبل أن يقول شيئا بلسانه.
فكم تشكو الدعوة الإسلامية في العصر الحديث من تناقض الدعاة تشكو من دعاة يعظون ولا يتعظون، يقولون ما لا يفعلون يأمرون ولا يأتمرون، ينهون ولا ينتهون، دعاة تكذب أفعالهم أقوالهم في الغالب، نسمع خطبا منبرية قوية. وتحمسات وانفعالات، وثرثرة ولا شيء غير ذلك "نسمع جعجعة لا نرى طحنا".
وقد بلغ الأمر والحال ببعض من ينتسب إلى الدعوة والإصلاح أنه قد يترك الصلاة أو صلاة الجمعة وإذا سئل عن ذلك يكون الجواب أنه في أجازة.
ويعد هذا صنف من الدعاة إلى الإسلام فما رأي المستمع الكريم؟!!
النفرة وعدم الانسجام:
توجد في العصر الحديث جماعات تدعو إلى الله ولكنها في الغالب تتخبط على غير بصيرة فالواجب على دعاة الحق أن يكونوا على بصيرة فاهمين ما يدعون إليه ومتصورين له ومؤمنين به.
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}1


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة يوسف الآية 108.



ص -24- هاتان صفتان لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام.
ا- القيام بواجب الدعوة.
2- أن يكسبوا البصيرة قبل أن يشرعوا في الدعوة.
البصيرة هي العلم الذي مصدره الوحي والفقه الدقيق الذي يستفيد منه الداعية الحكمة وحسن الأسلوب وكسب القلوب والتحبب إلى الناس دون تملق ولا نفاق. والتحابب بين المسلمين عامة وبين الدعاة خاصة أمر ضروري لحياة الدعوة بل سبب لرضى الرب تعالى ودخول دار الكرامة "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم"1
ومما تشكوه الدعوة الإسلامية هذا اليوم النفرة وعدم الانسجام وقلة التعاون بين الجماعات التي تتصدى كل واحدة منها للدعوة إلى الله. وفي الواقع أن أكثر تلكم الجماعات بحاجة ماسة إلى من يدعوهم إلى الله ويبصرهم في دينه حتى يكونوا مؤهلين أولا في أنفسهم للدعوة بالقضاء على التنافر فيما بينهم وتنافر مناهجهم وبرامجهم في العمل.
وهذه الجماعات أشبهها بالأحزاب السياسية المتنافسة لمصالحها الشخصية وأغراضها الذاتية وهي ذاتها محنة من المحن ومشكلة من المشاكل للدعوة والدعاة معا إذا هي بقيت على وضعها ولم تعد النظر في سلوكها ومنهج عملها وبرامجها وأساليب دعوتها وسياستها فخطرها على الدعوة يفوق كل خطر يهدد الدعوة من خارجها. فعلى هذه الجماعات أن تدرس تاريخ الدعاة الأولين من الصحابة والتا بعين الذين


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه م الإيمان (93) ت الأطعمة (5)، القيامة (56) جه المقدمة (90) وأحمد في مسنده 391/ 2 وذلك من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.



ص -25- نطق بهم القرآن وبه نطقوا والذين انتشر الإسلام بدعوتهم بل عليهم أن يفهموا الدين كما فهم أولئك السادة ويسيروا سيرتهم وينسجوا على منوالهم مع ملاحظة الأساليب المناسبة في العصر الحديث والملابسات والظروف وأحوال الناس.
وإن لم يسلكوا هذا المسلك فسوف لا يكتب لدعوة أي نجاح أو أي تقدم لأنه عمل لم يستوف الشروط وهو عمل غير صالح وسوف يجدي ما أوتي أصحابها من الدهاء وسحر البيان والجدل والاستغفال.
أجل قد ينطلي هذا الأسلوب على بعض الناس فترة من الزمن ويحسبه صادقين في دعوتهم لكثرة لمعان الأسلوب ولكنه لا ينطلي على الله الذي بيده النجاح والتوفيق فعلية أن يراقبوا الله وحده لأنه هو الذي له الأمر كله وبيده الخير كله لا إله إلا هو ولا رب سواه، وهو المستعان.
المناهج التعليمية:
مما منيت به الدعوة الإسلامية في هذا العصر أن كثيرا ممن يتصدون للدعوة إلى الإسلام أولئك الذين يتخرجون في الجامعات التي تدرس تلكم المناهج العقيمة البالية التي لا تنتج إلا الجهل بحقيقة الإسلام والجمود الفكري وبرودة الهمة.
فيتخرج الطالب فليس أمامه أي هدف إلا البحث عن وسيلة العيش فقط فيأخذ يطرق جميع الأبواب التي تؤمن له العيش فإذا لم يجد سبيلا إلى ما يريد أن يوظف كداعية أخذ شهادته المزركشة في طولها وعرضها على الجهة المسئولة عن الدعوة رسميا فوظف تحت عنوان.
رد مع اقتباس