عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 09-13-2010, 06:35 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

الضوابط الشرعية في الدعوة إلى الله
للشيخ
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
-حفظه الله تعالى-[شريط مفرّغ]


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بعث محمدا للهدى ودين الحق، ...من النار، ومنّ عليهم باتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأوردهم حوضه المورود الذي لا يرد عليه إلا من تابعه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه يرد على المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحوض أقوام قال «حتى إذا عرفتم اختلجوا دوني» يعني دفعوا بشدة «فأقول أمتي أمتي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك» قال العلماء: إن من أحد المحدثات في الدين ورغب عن سنة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه من المتوعدين بأن لا يردوا الحوض على المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه لا يرِدُه إلا أهل الاتباع أما أهل المحدثات فقد قال للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» قالوا فدل هذا على أن أهل المحدثات لا يريدون الحوض على المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أنهم من أمته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
وأسأله جل وعلا لي ولكم الفقه في الدين والبصيرة فيه والسمع سمع القلب والاستجابة بالقول واللسان والجوارح.
إن موضوع هذه المحاضرة عن الدعوة إلى الله جل جلاله، والدعوة إلى الله هي المنزلة التي شرّف الله جل وعلا بها الأنبياء والمرسلين، فإن الأنبياء والمرسلين دعاة إلى الله جل وعلا ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ?[الحج:52] قال العلماء: فالإرسال يكون واقعا على النبي وعلى الرسول، فالكل مبلغ عن الله جل وعلا ما أمر بتبليغه إما إلى قوم موافقين وإما إلى قوم مخالفين.
ولهذا أعلى الله جل وعلا منزلة من دعا إليه، فقال سبحانه ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ?[فصلت:33]، ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ? يعني لا أحد أحسن قولا من هذا الذي عدا إلى الله وعمل صالحا في نفسه وشهد الشهادة للناس بأنه من المسلمين، قال الحسن البصري رحمه الله فيما روي عنه في تفسير هذه الآية قال: هذا حبيب الله، هذا خليل الله، هذا صفوة الله من خلقه، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله في دعوته، هذا ولي الله، هذا حبيب الله.
وهذه مرتبة لا ينالها إلا أهل العلم؛ لأن أهل العلم هم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما فمن أخذه أخذ بحض وافر، فالدعوة هي ميراث النبوة؛ لأن الدعوة هي العلم لأن الدعوة هي العلم إذ لا يُتصور أن ثم دعوة هي العلم إذ لا يتصور أن ثمة دعوة بلا علم يعني لا يتصور شرعا أن ثمة دعوة يحكم عليها بالصواب والصحة إلا إذا كانت بعلم، ولهذا قال الله جل وعلا لنبيه ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ?[يوسف:108] في هذه الآية دليل على أنّ الدعوة أُمر بها نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأُمر بها أتباعه وأنها هي السبيل التي عليها المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تبعه ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ? والبصيرة للقلب كالبصر للعين، فإن العين إذا لم تبصر الأشياء لم تكن ذا بصر كانت عمياء، فكذلك القلب إذا لم يكن ذا بصيرة يعني في الدين فهو أعمى، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأظل سبيلا؛ يعني من كان في هذه الدنيا أعمى القلب فهو في الآخرة أعمى عن السبيل وأضل سبيلا.
لهذا لما كانت الدعوة بهذه المنزلة العظيمة وأنها دعوة الأنبياء والمرسلين وأنها دعوة الخلاصة من عباد الله المتقين المؤمنين، وكان شرف الدّاعي متصلا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان لزاما كل من همه أمر الدعوة أن يحرص تمام الحرص على اتباع النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في أمر دعوته؛ لأن الله جل جلاله قال لنبيه ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي? فمن اتبعه فهو يدعو إلى الله على بصيرة كما دعا إليها نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لهذا كان من اللوازم أن يكون هناك في قلب الداعي ومن المستحضرات عنده دائما أن يكون عنده الضوابط التي يرعاها والآداب وما تجب رعايته وما يجب عليه أن يعتني به في دعوته؛ لأن الدعوة كما سمعتم تعلّق بها كثيرون بين مجتهد مخطئ ومجتهد مصيب، وبين ضال لم يدرك السبيل وسار على وفق رأيه وهواه.
وهذا أمر لاشك مهم لأن كل مسلم يرغب أن يكون متبصرا في الدعوة وأن لا يسير فيها إلا وفق السنة؛ لأن الغاية هي الرغبة في الأجر والثواب، وأن يكون المرء له فضل الداعين إلى الله جل جلاله.
لهذا كان لزاما عليك أن تتطلب هذا الأمر، وهذا الذي تتطلبه وتحرص عليه هو ما الضوابط والأصول التي ينبغي للداعي إلى الله جل وعلا أن يحرص عليها، وأن يكون دائما على ذكر منها غير مفرّط في شيء من ذلك:
أول تلك الأمور وهو أمر وإن كُرّر كثيرا؛ لكنه أصل الأصول، ذلكم هو أن الدعوة لابد فيها من الإخلاص لأن الدعوة عبادة إذ أمر بها شرعا؛ فهي عبادة من العبادات، والعبادة لا تصح إلا بشرطين:
* بأن يكون العبد فيها مخلصا لله.
* وأن يكون فيها متاعا نبينا محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
?لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً?(1) وحسن العمل بأن يكون خالص صوابا.
وهذا ظاهر في ميدان الدعوة في قصة يوسف عليه السلام، فإنك إذا تأملات قصة يوسف عليه السلام في تك السورة العظيمة، وجدتَ أن موضوع الصورة الذي تدور عليه هو حال يوسف عليه السلام في رسالته وفي دعوته وطريقة مخاطبته للناس؛ للمخالفين المشركين الوضعاء كصاحبي السجن والرفعاء كالملك ومن كان معه، لقرابته لإخوانه لأصحابه لمن ظلمه، ولمن نصح له، فهي في سيبل الداعية في أهل العلم لهذا الموضوع الذي اشتملت عليه السورة، وأنها من بدايتها إلى آخرها أنها في هذا الموضع الرئيس؛ إذ غالب سور القرآن لها موضوع واحد يدور عليه موضوعات تلك السورة.
موضوع سورة يوسف الدعوة إلى الله جل وعلا، وهذا الموضوع كان متفرقا فيها مع اختلاف الأحوال ليوسف عليه السلام، في آخر السورة تلك قال الله جل وعلا ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ?[يوسف:108]، وقال جل وعلا في آخر السورة ?وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ?[يوسف:103].
وفي الآية الأولى التنبيه على أن الداعية إلى الله جل وعلا سبيله الذي يَقْفُ فيه سبيل الأنبياء إنما هو الإخلاص، فيوسف عليه السلاح كان مخلصا لله جل وعلا في دعوته؛ دعا إلى الله وتحمّل ما تحمّل في الله جل وعلا لم ينتصر لنفسه في كل ما حصل له، وإنما كان همه بداية الخلق إلى الله جل جلاله، ولهذا جاء شرط الإخلاص في تلك السورة لينبه أنّ الداعية لابد له من أن يكون مخلصا لله في الدعوة، لهذا قال إمام هذه الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في بعض مسائل كتاب التوحيد في قوله جل وعلا ?أَدْعُو إِلَى اللّهِ? تنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرين -معنى كلامه- وإن دعوا إلى الله فإنما يدعون إلى أنفسهم أو إلى طريقتهم أو إلى شيخهم. يعني بما كان شائعا في ذلك الزمان، وهذا شيء يغلب على النفس ويحتاج المرء في تحقيق التجرد فيه إلى التجرد والمحاسبة؛ لأن من الناس من يهدي الخلق ويريد بهدايته أن يكون معه وإذا كان كذلك فهذا فاته بقدره، والإخلاص أن تدعو الخلق لا إلى نفسك أو إلى طريقتك، وإنما تدعو الخلق إلى الله جل جلاله وتجعل في قلوبهم تعظيم المولى تبارك وتعالى.
وهذه هي حقيقة الإخلاص، سواء كان معك أو مع غيرك، سواء كان مقدرا لك أو غير مقدر، إنما الأجر على الله جل وعلا، ?وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ?[هود:88].
فإذن هذا الأمر مهم جدا في الدعوة وهو أن يتنبّه المرء إلى هذه القصة قصة سورة يوسف، ومعنى أن الله جل وعلا جعل في آخرها قوله العظيم ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي?[يوسف:108]، هذه السورة فيها العلم فإن يوسف عليه السلام علمه الله جل وعلا علما، وعلمه جل وعلا حكمة ودعا إلى الله جل وعلا بعد العلم، ولهذا أيضا جاء في آخر السورة التنبيه على ذلك بقوله ?أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ? والبصيرة هي العلم وأيضا تجد في هذه السورة التي ذكر الله جل وعلا فيها قصة أحد المرسلين ودعوته وتنوع خطابه للناس ذكر في آخرها آية عظيمة بل ذكر آيتين قال الله جل وعلا ?وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ?[يوسف:103]، وهذا له مناسبة، ما مناسبة مجيء هذه الآية وهي قوله ?وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ? في هذه السورة آخر سورة يوسف، قال أيضا المستنبطون: إن الداعية قد يلتفت إلى الكثرة، وإذا التفت إلى الكثرة فإنه خالف أصل الدعوة؛ لأن الدعوة إلى الله إن استجاب واحد أو مائة أو ألف أو أقل أو أكثر المقصود أن تكون الدعوة على بصيرة وعلم وعلى وفق طريقة الأنبياء والمرسلين، أما كثرة المستجيب فإنها تغشى قلب الداعية يريد أن يكثر المستجيبون له؛ لكن هذا ليس هو الأمر المهم، إنما المهم أن يكون في دعوته موافقا للصواب على السنة، قبل الناس أم لم يقبلوا؟ ولهذا الأنبياء والمرسلون كان المستجيبون لهم قليلا، قال جل وعلا ?وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ?[الأنعام:116]، وقال جل وعلا في نوح ?وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ?[هود:40] إلى آخر الآيات في ذم الكثرة ومدح القلة التي اتبعت الحق عن علم وبصيرة.
وهذه لاشك مسألة مهمة من قواعد الدعوة وهي أن الداعية يهتم بقول الحق وببيانه وإن كان المستجيب لذلك قليلا، قد يكون القول باطلا ويكون المستجيب للباطل قليلا، ليست العبرة بالقلة؛ ولكن العبرة بقول الحق وإن كان الموافق له قليلا، بعض الناس يمدح نفسه بالقلة، ويأتي بالآيات التي فيها امتداح القلة ولو كان على باطل وهذا ليس بمراد؛ بل المراد أن يكون على حق على علم على بصيرة ولو كان قليلا أتباعه أو كان قليلا أصحابه فإن القلة ليست مطعنا في الحق؛ ولكن يعرف الناس بالحق ولا يعرف الحق بالناس.
هذا الأصل عظيم جدا وهو أن العبرة في صواب الدعوة، العبرة في كون الدعوة حقا، العبرة في كون الدعوة على علم وبصيرة؛ لأنها هي التي تمكث، ?فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ?[الرعد:17]، والله جل وعلا قص لنا أن نوحا عليه السلام ?فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ?[العنكبوت:14] إلى آخر الآيات في ذلك، ولكن هذه القصة في قصة نوح تعلم أن بعد هذه المدة الطويلة أنه لم يستجب لنوح إلا العدد القليل ?وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ?.
إذن الكثرة لا تنظر إليها وإنما أنظر إلى التأسيس إلى إصلاح القلوب إلى جعل القلوب معبدة إلى ربها جل وعلا، فإن هذا أساس مهم من أساسيات الدعوة إلى الله جل جلاله، وهذا إذا صلح؛ إذا صلح تأسيس القلوب وتأسيس القاعدة للدعوة التي تبين للناس الحق وقد اقتنعت عن بصيرة وعلم، فإنها تنشر ذلك في الناس ويكون له أثره في الناس أنظر إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم كيف كانوا مع النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في مكة قليلا قليلا، ثم في المدينة كثروا، ثم بعده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان أولئك هم الذين هدوا الناس في شرق الأرض وفي غربها، فدخل الناس في دين الله أفواجا أكثر من عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ؛ وذلك لأنهم حملوا الدعوة على بصيرة وعلم، كانوا هم المتبعين للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
فإذن هذه المسألة مهمة في أن لا يغتر الداعي بكثرة المستجيب أو بقلته، وإنما يكون اهتمامه بصلاح دعوته وبكونها على بصيرة وهدى، لكونها على طريقة محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
من الضوابط المهمة في الدعوة إلى الله جل جلاله أن يعتني الداعية بالبداءة بالأهم فالمهم، الأمور لها درجات، فهناك أمور مهمة وهناك أمور أهم منها، هناك مسائل شرعية مهمة؛ ولكن ثم مسائل شرعية أهم منها فمن فقه الداعية إلى الله جل وعلا ومما يجعله يسير على السنة في الدعوة، أن يكون عنده فقه للأولوات في الدعوة للأهم فالمهم، وهذا ذكره إمام هذه الدعوة في مسائل كتاب التوحيد على حديث معاذ المعروف قال رحمه الله: فيه -يعني في حديث معاذ- البداءة بالأهم فالمهم. وهذا ظاهر من حديث معاذ فإن معاذا لما بعثه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن قال له «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله» كما هي رواية البخاري في كتاب التوحيد أو «إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك أو فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم الليلة فإن هم أطاعوك في ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» الحديث فهذا في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أرسل معاذا إلى اليمن بيّن له أنه سيأتي قوما أهل كتاب فكيف يدعو أولئك؟ جعل الدعوة معهم درجات فأولا الدعوة إلى التوحيد فإن أجابوا إلى الصلوات، فإن أجابوا إلى الزكاة، وهكذا وهذا فيه تأصيل مهم في أن الداعية لا بد له أن يرعى البداءة بالأهم فالمهم، الأمور متنوعة في مخاطبة الناس، في الذنوب التي يقع فيها الناس، في الفرائض التي تخلفوا عنها، في مراحل الدعوة فيما يتبعون فيما يتركون، وهذا كله إذا ترك في البداءة في الأهم والمهم فإنه الدعوة تكون غير ناجحة أو غير فقيهة فيما يجب عليها.
لهذا إذا نظر الداعية إلى الله جل وعلا في أحوال الناس فإنه يرعى أن ينقلهم إلى أحب ما يكون إلى الله جل وعلا، فإذا استجابوا لذلك يأتي إلى مرحلة ثانية فينقلهم إلى ما بعد ذلك إلى ما يصلحهم.
مثلا يأتي إلى من لا يصلي في المسجد أصلا، مثلا من المسلمين من لا يصلي في المسجد أصلا، يصلي في بيته فتجد أنه يشتد عليه في أمور من اللّمم مثلا، ويكون بينه وبينه شحناء وربما بغضاء في بعض الأمور التي هي من الصغائر، وهذا الأمر الذي هو من الفرائض الكبار أداء الصلاة محافظا عليها في المساجد مع جماعة المسلمين وأداء الصلاة في أوقاتها ونحو ذلك، تجد أنه لا يبحث عن السبيل إلى قناعة الناس به، نعم ذلك محرم وصغيرة من الصغائر يجب النهي عنه، وهذا فريضة من الفرائض يجب الأمر به، لكن كي السبيل إلى الدخول إلى قلب ذا الذي تخلف، وهذا الذي عصى لابد أن تنظر إلى حاله فتبدأ معه بالأهم وترجئ المهم وكل أمور الشرع مهم لكن المسائل درجات والطاعات درجات، ولهذا لابد رعاية مرات ذلك.
إذا نظرت مثلا في الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من المهم أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر؛ لكن أهم من الأمر والنهي عن المنكر أن يكون الأمر والنهي على ما توجبه الشريعة؛ يعني أن يكون متفقها بالأمر والنهي؛ لأنه قد يأمر وينهى على غير علم أو على غير معرفة بما توجه الشريعة، سواء في ذلك الأمر للأشخاص أم للجماعات أم للدول أم للأحوال أم للعلماء أم للصغار، إذا لم يعلم ما توجبه الشريعة في ذلك فإنه يفسد ولا يصلح، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: من رأى منكرا فأراد النهي عنه، ولم يعلم أنه بالنهي عنه تكون المصلحة راجحة فإنه يأثم إذا نهى؛ يعني إذا نظر إلى أمر فوجد ثَم مصلحة في الإنكار وثَم مفسدة من الإنكار وتساوت عنده، يقول شيخ الإسلام يأثم إذا أنكر؛ لأن الأصل أن تدرأ المفاسد ولا تحصّل المصالح مع بقاء المفاسد إذا استوتا، كما هي القواعد المعروفة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وضابط هذه القاعدة إذا استوت هذه بهذه.
فهذا الأمر مهم فإن من الناس من يأمر وينهى ويدعو إلى الله جل وعلا ويجعل الدعوة هي همّه وهي حركته ونشاطه وجُزي خيرا؛ ولكن أهم من النشاط في الدعوة أن يكون النشاط في الدعوة على وفق الصواب، أن يكون النشاط في الأمر والنهي على ما توجبه الشريعة، ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية أن أهل السنة والجماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ليس بالإطلاق؛ ولكن قال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة؛ لأن من الناس من يأمر بما يمليه عقله ينهى بما يمليه رأيه ولا يتابع الشرع الأهم فالمهم والشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميها وبدرء المفاسد وتقليلها.
وهذا أصل مهم في أن الدعوة لابد أن يرعى فيها الأهم فالمهم، في أحالك في تنقلاتك، في تربيتك لنفسك، في نظرك في أهل بيتك، لابد أن تسعى في الأهم فالمهم، بعض الناس يقنع ممن حوله من أهل بيته في الاستجابة له في بعض الأمور؛ لكنه لا يكون على معرفة بما هو الأولى من ذلك، فتجد أنهم يحصّلون شيئا من الطاعات ولكنهم يفرقون في أشياء أعظم أو يرتكبون مما هو أعظم منها أو يرتكبون مما هو أعظم، وهذا من الغفلة عن هذا الأصل المهم في الدعوة ألا وهو أن يبدأ في الدعوة بالأهم فالمهم، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلم، إن أجابوك فأعلمهم.
هذا فيه ترتيب بين ودعوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتدرج في إخبار الناس بالأوامر والنواهي أصل في هذا واضح كما قرره العلماء.
من الأمور المهمة في الدعوة ومن الضوابط الشرعية التي يجب أن تُرعى أن الدعوة حقيقتها الإخبار عن الله جل وعلا فيما يحب وما يسخط؛ لأنك تدعو الناس إلى ما يحب الله أو تحذر الناس مما يسخط الله، فحقيقتها أن تخبر عن الله جل وعلا، ولهذا كان لزاما في الدعوة من العلم.
فمن شروط الدعوة أن يكون الداعية عالما؛ عالما بما يدعو إليه، العلم أقسام منه علم تام ومنه علم ناقص، ومنه علم بمسألة، فالداعية يدعو إلى الله جل وعلا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لكن بشرط أن يكون فيما دعا وفيما أمر وفيما أمر وفيما نهى؛ يعني في عين المسألة التي تكلم فيها أن يكون عالما بحكم الله جل وعلا فيها، أما إذا كانت المسألة لا يعلم حكمها أو لا يعلم تفصيلات الكلام فيها؛ فإنه لا يخوض فيها، وإنما ينصح الناس نصيحة بأن يرجعوا في ذلك لأهل العلم.
ولهذا نقول إن الدعوة في حركة الداعي وحده أو في الدعوة التي يكون فيها تعاون على البر والتقوى، لابد أن يكون أصلها الأصيل العلم، وإذا فقدت العلم فإنها على غير السبيل وعلى غير الجادة، جاءت دعوات، وظهرت دعوات، وبادت دعوات، وإنما بقي من الدعوات مباركا نفع وأثنى الناس عليه وآتى ثماره كدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لَمّا كانت دعوة قائمة على العلم، فإذا كانت الدعوة قائمة على العلماء على أهل العلم فإنها منضبطة لأنهم يسيرون على السنة وعلى وفق ما جاء به الأدلة.
فإذن من مهمات الدعوة أن تكون قائمة على العلم الشرعي، في أصحابها، في أفرادها، في مجموعتها أن يكون العلم به التحرك، وأن يكون العلم به تحليل المواقف، وأن يكون العلم به الرؤية إلى الأشياء، أما إذا دخل الرأي، ودخل اعتبار المصالح بدون النظر إلى الأمر الشرعي؛ فإن هذا يكون سيئة من سيئات أولئك الذين دعوا؛ لأن الدعوة ليست بالآراء، وإنما هي بالعلم قال الله قال رسوله؛ فإن هذا هو العلم، والجهل به لاشك أنه داء قاتل، كيف إذا كان في أمر مصلحته أو مفسدته تعود إلى الجميع، ورحم الله ابن القيم إذ يقول في نونيته:
والجهلُ داء قاتلٌ وشفــاؤه أمران في التركيب متفقـانِ
نص من القرآن أو من سنـة وطبيب ذاك العالم الرباني
والعلم أقسام ثلاث ما لـها من رابع والحق ذو تبيـانِ
علم بأوصاف الإلـه وفعلـه وكذلك الأسماء للديـانِ
والأمر والنهي الذي هو دينـه وجزاؤه يوم المعاد الثانـي
والكلُّ في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث بالفرقان
والله ما قال امرِئ متحذلـق بسواهما إلا من الهذيــان
وهذا من الحق الذي هدى الله جل وعلا ابن القيم إليه.
وهكذا تكون الدعوة ناجحة إذا كانت على علم، أما إذا كانت بآراء بمصالح بأهواء ولم تكن عن علم ودليل فإنها تضر ولو بعد حين، ولو كثر أتباعها فإنها تضر لأنها ليست على سبيل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
من ضوابط الدعوة المهمة أنه تقوم الدعوة على التعاون على البر والتقوى، قال جل وعلا ?وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ?[المائدة:2]، فحقيقة المجتمعين على الدعوة أن يتعاونوا على البر والتقوى؛ يعني يعين بعضهم بعضا على تحصيل البر والتقوى، ويعين غيرهم فينمن يهدون إلى الحق يعينونهم على البر والتقوى، وهذا التعاون الرابطة التي تربط أصحابه الذين يتعاونون هي التطاوع، وهذا أصل جاء في القرآن وفي السنة، فالقرآن جاء في التعاون على البر والتقوى، وفي السنة لما بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلين من أصحابه إلى اليمن قال لهما «تطاوعا ولا تختلفا وبشرا ولا تنفرا» تطاوعا؛ لأنه بعثهما دعاة، فدل على أن الدعوة يحتاج أصحابها إلى تطاوع بعضهم يطيع بعضا يطيع بعضا في أي شيء؟ فيما دل عليه الدليل من الحق، فيما كان أقرب إلى مراد الشارع إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
فإذن من الضوابط المهمة في المسير في الدعوة إلى الله أن يكون ثَم بين الداعين إلى الله تعاون وتطاوع.
وإذا تقرر هذا فمعناه أن يُنفى أن يكون ثم بينهم طاعة؛ لأن الطاعة في الشرع إنما جاءت للإمام إمام المسلمين بالسمع والطاعة، وللعالم في أمر الدين تسمع له وتطيع، وللوالد للوالدين طاعة، ولأمير السفر طاعة، وليس ثم في الشرع نوع رابع من أنواع الطاعات.
فإذن من سلك في سبيله في الدعوة إلى أن ثم مطاعا يطاع ويصدر عن أمره طاعة شرعية لا يعصى في هذا الأمر ولا ينظر في كلامه هل وافق الشرع أم خالفه فهو على غير السبيل؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوضح لنا ذلك بهديٍ هدى به اثنين من أصحابه حيث قال لهما (تطاوعا) مع أنهما في سفر ومع أن أحدهما أمير على الآخر فقال لهما (تطاوعا ولا تختلفا وبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا) يعني في الدعوة لا تنفرا في الدعوة يسرا في الدعوة لا تعسرا، وفي الدعوة تطاوعا ولا تختلفا؛ يعني ينفي أن يكون ثم طاعة يصدر الناس عن قول هذا يصدر الدعاة عن قول هذا لا يعصون له أمرا.
لاشك أن هذا من المصايب التي دخت على المسلمين في آراء واجتهادات باطلة لا يوافق عليها أصحابها؛ بل الدعوة تحتاج إلى تعاون، إلى تطاوع؛ ولكن ليس ثم طاعة يلزم فيها المرء بفعل شيء ما، والتطاوع مبني على الدليل، مبني على العلم، ليس مبني على المراتب.
من الضوابط المهمة أيضا في الدعوة إلى الله جل جلاله أن يرعى في الدعوة أن ثمة اجتهادات، ومعلوم أنّ الاجتهاد يعذر فيه الناس، إذا اجتهد مجتهد في مسألة وآخر في مسألة، فكانت المسألة اجتهاد فإنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذه المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل، وهو أنّ من المسائل ما لا يكون فيها دليل واضح في الشرع، فتكون مسألة اجتهاد، فإذا كان مسألة اجتهاد، فإن الواجب فيها أن يُرجع إلى أهل العلم للحكم فيها، ونعني بأهل العلم الراسخين فيه، الذين ثبتت قدمهم فيه، وشهد لهم بالعلم والعمل، فإنهم هم الذين يجتهدون في المسائل الواقعة في الدعوة، ما الذي يصلح الدعوة؟ هل هذا الفعل أصلح أو ذاك الفعل أصلح؟ فإنه إذا حصل ذلك فإن بعض المهتمين بالدعوة يعذر الآخر لحصول ذلك الاجتهاد من أهل العلم وليس من الجهلة أو من أنصاف المتعلمين؛ بل من الراسخين في العلم، وهذا يختلف عن مسائل الاختلاف، فإن مسائل الخلاف يكون فيها إنكار، أما مسائل الاجتهاد فلا إنكار فيها، ومسائل الخلاف التي اختلف فيها الناس مع جود دليل، مع وجود حجة؛ لأحد القولين، فهذا من خالف الحجة، من خالف الدليل، من خالف السنة فإنه ينكر عليه، وهذا غير مسائل الاجتهاد مسائل الاجتهاد مسألة واقعة نازلة اجتهد الناس فيها في حكم أو تصرف فيها اجتهاد ليس فيها نص لا من الكتاب ولا من السنة ولا من كلام أهل السنة والجماعة.
أما مسائل الخلاف فيأتي تأتي المسألة ويكون فيها نص من القرآن أو في السنة أو في تأصيل أهل السنة والجماعة في عقائدهم ومنهجهم، فهنا من خالف طريقة أهل السنة والجماعة، من خالف طريقة أهل العلم بما استدلوا عليه من الكتاب والسنة فإنه ينكر عليه.
فثمة فرق مهم بين قاعدتين من قواعد أهل العلم:
الأولى يقولون لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذا صحيح بالتوضيح الذي أوضحت.
والثانية ينكر في مسائل الخلاف، وهذا صحيح.
بعض الناس يجعل القاعدة لا إنكار في مسائل الخلاف وهذا غلط ومسائل الخلاف كثيرة والمسائل المجمع عليها قليلة، فما ثَم مسألة إلا والخلاف قائم فيها إلا ما أُجمع عليه وهو قليل بالنسبة إلى كثرة المسائل المختلف فيها.
فلو قيل لا إنكار في كل مسألة اُختلف فيها، صار المجال واسعا ولا ينكر إلا ما خولف فيه الإجماع، وهذا باطل؛ بل ينكر على من خالف الكتاب والسنة؛ لأن من ذهب إلى قول من الأقوال، قد يكون فاتته السنة، قد يكون ما فقه الدليل، قد يكون له عذر؛ ولكن إذا اتضحت السنة وجب اتباعها ولم يُعذر أحد بمخالفتها، وإذا خالفها فإنه ينكر عليه ويبين لأنه حماية دين الله أعز من احترام الناس أو احترام الشخصيات.
هذه مسألة مهمة وقاعدة ضرورية في رعايتها، وكثير ما حصل الخلط بين هاتين القاعدتين، ولم يُعرف الفرق:
بين المسائل الاجتهادية التي يقال هذه فيها اجتهاد لا إنكار فيها، اجتهد هؤلاء، وهؤلاء اجتهدوا فلا إنكار في مسائل الاجتهاد، هذا صحيح.
وبين المسائل التي يكون الخلاف فيها قائما خلاف للسنة، خلاف لقول أئمة أهل السنة خلاف لكلام أهل العلم الراسخين فيه، وهذا ينكر على المخالف فيه، وليست المسألة مما لا إنكار فيها؛ بل يجب أن ينكر على المخالف على الأدلة، وخالف كلام أهل السنة وخالف كلام الراسخين في العلم المتحققين فيه، بخلاف مسائل الاجتهاد.
وهذا ضابط مهم أن يفرق بين المسائل الاجتهادية ومسائل الخلاف، وكثير من صغار طلبة العلم أو من المهتمّين بالدعوة يسمع هذه الكلمة، مسألة اجتهادية، هؤلاء اجتهدوا، وهؤلاء اجتهدوا، فيظن أنها على حقيقتها مسألة اجتهادية، وفي الواقع تكون ليست مسألة اجتهادية وغير صحيح أنها من مسائل الاجتهاد؛ بل تكون من مسائل الخلاف؛ لأن المخالف فيها صادم نصا صادم نصوصا صادم قول أهل السنة في مسائل كثيرة.
وهذا يظهر في الدعوات في الداخل وفي الخارج في الذين يخالفون السنة، ويأخذون ببعض الآراء، أو يسهلون السبيل للمخالفين للسنة في البدع والاحتفالات إلى آخره، ظنا منهم -في بعض صور ذلك- ظنا منهم أن ذلك: فيه مصلحة وأن هذه مسائل اجتهادية وفلان داعية وحبب البدع لكن يعذر، لأن هذه مسائل اجتهادية، لا بأس أن يدعو إلى الاحتفالات، يخطئ في مسائل التوحيد لا نكر عليه.
ومن العجب العجيب أن من الناس من قال إنه حتى مسائل التوحيد اختلف فيها الناس، فلا ينبغي أن نفرق بينهم، وننكر فيها على الكبار؛ لأن ذلك يفرق الصف، وحصل من ذلك حادثة أخبرني بها بعض الأقارب وكان يدرس في أمريكا قال أتانا داعية من السودان وكان له شأن عظيم وعملت له دعايات وإخبار واجتمع الناس فأول ما جلس على الكرسي ابتدأ الكلام بدعوات شركية -والعياذ بالله من كل ذلك القول ومما قرب إليه ومن صاحبه- قال: مدد يا سيدي مرغني مدد يا فلان. ثم استأنف الكلام، فقام واحد أمم من الناس قام واحد فقط وأنكر عليه الشرك العلني وقال: إذا كانت الدعوة تبتدئ بالشرك فأي خير في هذه الدعوة، المقصود ليس هذا ليس هذا بغريب لم يتمكن التوحيد والسنة من قلبه؛ لكن الغريب أن هذا المنكِر من هذه البلاد، لما انتهت وقام وترك، لما انتهت المحاضرة وحضرت الجموع وسمعت عوتب وقيل له كيف تنكر هذا وفرقت وهذا جاء يدعو ويبين للناس ونحن كذا وكذا، إلى آخره، فلم الإنكار في هذه المسألة؟ وقيل له إن الإنكار في مثل هذه المسائل يختلف فيها الدعاة، تختلف فيها الجماعات، فلا داعي تنكر وتفرق إلى آخره.
فأي خير يبقى؟ وأي اجتماع يبقى؟ إذا كان أصل الأصول وهو التوحيد وأصل الأصول وهي السنة واتباع السلف الصالح واتباع دعوة التوحيد إذا كانت فيها أيضا خلاف، فلا بقاء إذن لاجتماع البتّة.
فهذه مسألة مهمة راجت وربما لم يفطن كثيرون لحقيقتها، ولابد أن تدرسها وتراجع كلام أهل العلم فيها، وهي الفرق بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف.
ما هي مسائل الاجتهاد؟ وهل صحيح أن ما تسمع أن هذه المسألة اجتهاد، قال: فلان كذا، وقال: أولئك كذا اجتهد هؤلاء واجتهد هؤلاء هل صحيح أنها مسألة اجتهاد أم هي مسألة خلاف يجب فيها الإنكار؟ هذه من مسائل الدعوة المهمة ومن الضوابط التي ينبغي مراعاتها.
من الضوابط أيضا المهمة في الدعوة إلى الله جل وعلا أن يكون الداعية مصلحا لنفسه قبل أن يصلح الآخرين، فإنه هو المطالَب بأن يستقيم ثم من تاب معه ?فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ?[هود:112]، فتستقيم أولا، وبعد ذلك ترجو أن يقبل الناس منك، وإذا كان الداعية هو صاحب الخلل وهو الضعيف في موعظة نفسه وهو الضعيف بين يدي وهو الضعيف في شهواته، وهو قليل البكاء بين يدي الله جل وعلا، وهو قليل التضرع لله، وهو قليل المعرفة وتعظيم ذنبه، فكيف يرجى أن ينقل الدعوة الإصلاح إلى الناس؟ لاشك أن المرء إذا كان أعظم تأثيرا على نفسه تأثر الناس منه، وإذا كان أضعف كان الناس في التأثر به أضعف في قبول ما يقول، ولا شك أن القلب يغرف ما فيه اللسان، وإذا كان ما في القلب مشوشا، فإن اللسان يغرف شيئا مشوشا ولا يؤثر بذلك على الخلق.
ولا عجب أن بين ابن مسعود حال المطيع والعاصي حال المستقيم والفاجر في كلمات له منها قوله: إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل العظيم يخشى أن يقع عليه، وإن الكافر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفيه فقال به هكذا.
وهذا واقع لعدد من الدعاة، ولا يحس بما يلحق الدعوة من خلل وهو لا يقيم نفسه على الحق والهدى، يستسهل بالذنوب ويستسهل ويستسهل ولا يحس أن أثر الذنوب يظهر في استجابة الناس له، والقلوب أوعية، والله جل وعلا بيده قلوب الخلق، هو الذي يكرم هذا بأن يستجاب له ويخذل ذاك بأن لا يستجاب له، ولا شك أن قبول الناس للحق من إكرام الله جل وعلا.
ومن فضله فمن المهمات في الدعوة أن يرعى المرء نفسه وأن لا يخلي نفسه من كثير محاسبة وأن يكون كثير العبادة كثير الصلاة له نصيب من الليل، يُعرف بتلاوة القرآن، يجتهد في أن يكون حافظا للقرآن أن يكون تاليا له، وأن تكون حجته دائما من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن كلام أهل العلم وما يقرب إلى الله جل وعلا، فإن هذا فيه الخير والصلاح.
هذه كلمات وثَم كثير من الأمور التي يجب في الدعوة أن تراعى لكن لعل في الإجابة على الأسئلة ما يفصح عن ما راب منها.
وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والسداد والهدى والرشاد، وأن يجعل ما استمعتم في موازينكم، وأن يجعلنا وإياكم من المخلصين له المتبعين لنبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، وأن لا يكلنا لأنفسنا طرفة عين لا حول لنا ولا قوة إلا باللهـ استغفر الله وأتوب إليه من جميع الذنوب والخطايا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[الأسئلة]
س1/ فضيلة الشيخ ورحمة الله وبركاته هل الدعوة توقيفية أم اجتهادية أرجو التفصيل في ذلك؟
س/ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، هذا السؤال كثير ما يرد، وله منشأ، ومنشؤه أنّ من الدعاة من جعل في دعوته أشياء من رأيه واجتهاده واتبعوه عليها أناس، فأثيرت هذه المسألة هل الدعوة -يعني في وسائلها- توقيفية أم اجتهادية؟ وفي قول الله جل وعلا ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي?[يوسف:108] فيها اشتراط البصيرة بعد شرط الإخلاص، وأن من اتبعه على هذه البصيرة.
وإذا كان كذلك ففي أصل الدعوة لابد أن يكون على ما دعا إليه الدعاة ومن المصلحون من أهل السنة والجماعة من أئمتنا، هذا في التأصيل العام.
من حيث الوسائل، وسائل الدعوة تنقسم إلى:
وسائل ظهرت حرمتها وبان بالدليل أنها لا تجوز.
وإلى وسائل ظهر أنها جائزة ومباحة، مثل هذه الأجهزة المختلفة، تأليف الكتب والتسجيل إلى آخره.
والقسم الثالث وهي مشكل وهي وسائل يختلف فيها الناظر، فينظر بعضهم إلى أنها تورث خيرا، وينظر آخر إلى أنها لا تورث خيرا، فهذه الوسائل المختلف فيها يرجع فيها أهل العلم، وإذا اختلف أهل العلم في وسيلة من هذه الوسائل، أعني بأهل العلم الراسخين فإنها تكون المسألة اجتهادية، وإذا كانت كذلك فإنه لا يلام من أخذ بأحد القولين في الاجتهاد؛ لكن الذي يختار أن يترك المختلف فيه، يترك هذا الذي قال فيه بعض أهل العلم إنه لا يجوز احتياطا؛ لأن الدعوة إنما يبارك فيها إذا كانت على الاتباع.
وإذا كانت مسألة ثم من أهل العلم من يقول لا تجوز من وسائل الدعوة، فإن تركها أقرب إلى الصواب؛ لأن تركها يمحّض الدعوة للاتباع.
من الوسائل المحرمة التي ذكرت لكم في أوله، من أمثلتها ما شاع في هذا العصر مما يسمى الأناشيد الإسلامية؛ لأن هذه الأناشيد حقيقتها أنها تدعو إلى الإقبال على الآخرة وإلى الزهد بالدنيا وإلى القوة وإلى الجهاد ونحو ذلك.
فهي إذن تحبب في أمر شرعي، وهذا ظهر في عهد الأئمة الشافعي وأحمد؛ أظهره بعض الصوفية وهو ما يسمى التغبير: ينشدون فيه القصائد ويضربون على جلود قديمة، ويحببون الخير إلى الناس عن طريق تلك القصائد.
فسماه العلماء التغبير، وسئلوا عنه فقالوا محدث محدث وقال بعضهم بدعة، وقال بعضهم لا يجوز هذا ظاهر [...]، ومما يدل على هذا أنه إنما جاء من البلاد التي تكثر فيها الطرق الصوفية الذين يغشون مثل هذا السماع، ويعرفون السماع الصوفي، فظهر له تحسين حتى صار يسمى الأناشيد الإسلامية ونحو ذلك.
إذن فخلاصة الجواب أن وسائل الدعوة:
منها ما هو محرّم لظهور حرمته وأنه محدث ولا يجوز بالدليل أو بكلام أهل العلم المتقدمين.
ومنها ما هو جائز مباح.
ومنه ما هو محل اجتهاد، وهذا الذي هو محل اجتهاد الأرجح والأحوط اجتنابه، اجتناب تلك الوسيلة حتى تكون الدعوة خالصة في الاتباع والله أعلم.
س2/ هل تعدّ إقامة الحفلات من الدعوة، وهل تكون عبادة من حيث أنها دعوة، أرجو التوضيح في ذلك؟
ج/ الحفلات لا أدري ما هذه الحفلات التي يريد، أي الحفلات هذه، ما فهمت المقصود منها، لعله يقصد حفلات المدارس التي تقام فيها أنشطة المدراس، النشاط المدرسي نعم، النشاط المدرسي منقسم فيما يشتمل عليه إلى ما يجوز وإلى ما لا يجوز منه أشياء طيبة جيدة، ومنه أشياء تمارس ليست بجيدة.
فمن حيث هو نشاط هذا أمر طيب ومحمود لأنه من الدعوة إلى الله جل وعلا، وهذه الحفلات إذا كان فيها تدريب على الخطابةـ وعظ الناس أو التذكير بأصول إلقاء كلمات محاورات علمية، إفادة الناس بفوائد يجهلونها، ترسيخ معاني التوحيد والسنة والعلم النافع والصلاح والإقبال على الآخرة في أنفس الشباب، فهذا أمر محمود.
أما إذا كان عن طريق تمثيليات مثلا أو عن طريق معسكرات أو عن طريق أشياء نحو هذه لم تألفها هذه البلاد وإنما جاءت عن طرق لها أصولها في غير هذه البلاد، فهذا ينبغي تركه؛ بل يجب تركه لأن هذه البلاد متميزة، متميزة في عقيدتها ومتميزة في سلوكها، ومتميزة في دعوتها ولن أصلح أهل هذه البلاد أن تنقلهم إلى شيء مستجلب من خارجها؛ بل دعوتها فيها يحملها أهلها بين صدورهم، دعوة قامت وأسست هذا البنيان العظيم الذي ترونه، والذي هو أقرب ما على الأرض إلى الإسلام الصحيح فيما نعلم.
والحمد لله على توفيقه على ذلك، فالمحافظة عليه بأن لا نرضى بإدخال شيء غريب عليه، إذ المحافظة على رأس المال واجب، ورأس مالنا هم هؤلاء الشباب وما في قلوبهم من الفطرة الصحيحة وحب الدين والتوحيد، فلا ندخل عليهم أشياء تعكّر عليهم هذا التأصيل الذي قام في نفوسهم.
س3/ ما الأحسن: أن يدعو المسلم إلى بنفسه مباشرة؟ أم يتعلم الدعوة ممن سبقه ويفيد من تجاره في هذا المجال؟
ج/ الدعوة إلى الله جل وعلا مشترط فيها العلم كما أسلفت، وإذا كان كذلك فإذا علم مسألة يدعو إليها، فإذا علم حكم الصلاة جماعة في المسجد دعا إلى ذلك، إذا علم حكما دعا إليه، إذا علم معنى التوحيد إذا علم معنى السنة دعا إلى ذلك، كل ذلك بحسب العلم، والتجارب التي يستفيدها مما سبق إنما في طريقة مخاطبة الناس وما هو الأولى وما هو الأصلح ونحو ذلك، وإذا كان ثم من أهل العلم من يفيده بالأصلح فيما يجهله فإنّ عليه أن يستشير أهل العلم ممن سبقه في الدعوة إلى الله جل وعلا، ويسير على وفق ما قال؛ لأنها تجارب ومعها علم، هناك تجارب ليس معها العلم وهذه لا ترعى، وإنما التجارب التي معها العلم هي التي ترعى لأنها هي النافعة.
فإذن رجع السؤال إلى أنه فيما يدعو إليه إذا جهل الأسلوب فكيف يفعل؟ يسأل من جرب قبله إذا كان من الموثوقين بعلمهم وأمانتهم ودينهم.
س4/ فضيلة الشيخ بعض الشباب المتحمس للدعوة يشتم بعض طلبة العلم إذا كان عليه أخطاء، ولا يقبل منه أي حق، وإذا قيل له لا تغتابه قال أبين الحق للناس؟ وأيضا ترى كأنه يعلم ما يقصد الشيخ، ويفسر مقاصد الشيخ حسب رأيه، فهل هذا صحيح؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.
ج/ أولا ثم حق للمؤمنين بعضهم على بعض فالله جل وعلا وصف المؤمنين بقوله ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ?[التوبة:71]، ?بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ? يعني بعضهم ينصر بعضا ويحب بعضا، إذْ الولاية معناها المحبة والمودة والنصرة، فبين كل مؤمن ومؤمن ولاية يجب عليه أن يستحضرها وهي أن يحبها في الله وأن يواده في الله، أن ينصره في الله جل وعلا، ولاشك أن المؤمنين من حيث التزامهم بالدين والشرع والحق تختلف مراتبهم، فكلما كانت مرتبة هذا أقرب إلى الحق كلما كان حقه أعظم، فحق أهل العلم أعظم المؤمنين؛ لأنهم لهم الحق الذي جعله الله جل وعلا لهم في آيات كثيرة، وإذا كان لهم الحق فإن لهم حق الولاية في محبتهم ومودتهم ونصرتهم.
وأهل العلم واجب احترامهم وواجب محبتهم كما أسلفت؛ لأن ذلك من الحقوق الواجبة.
وهناك طلبة للعلم، وهناك دعاة، وهناك معلمون، وهناك خطباء وهناك أساتذة، فهؤلاء أيضا لهم حق ومن حقهم أن تحبهم وتودّهم وأن توادهم وأن تنصرهم في الحق الذي أصابوا فيه بما صوبهم فيه أهل العلم الراسخون؛ لأن طلبة العلم والخطباء والمعلمين ونحو ذلك قد يكون عندهم خطأ؛ لأن العلم عزيز وهو حاكم لا محكوم، فإذا خالف من البشر من الناس يعني من أهل الإيمان خالف ما يقتضيه الحق والعلم والدليل إما بقول أو تصرف أو رأي تبناه أو نحو ذلك، فإنه يجب أن يوادّ فيما أصاب فيه، وأن يخطا فيما أخطأ فيه.
وهذه التلازمية هذه قاعدة عند أهل السنة والجماعة، والرد على من أخطأ ليس تبرءا من حقه؛ بل هو عين حقه، ولهذا قيل للإمام أحمد ولغيره: إنكم تردّون على هؤلاء؛ يعني الذين أحدثوا بعض المقالات البدعية، قال رحمه الله: اذهب عني أو إليك عني نحن لهم أنصح من آبائهم وأمهاتهم، ألا تجد نُصحي له كيف أبيّن خطأه حتى لا يتبعه الناس في ذلك فتعظم أوزاره.
وهذه مسألة قل من يفقهها؛ لأن النفس قد تعلق بمعظم قد تتعلق بكبير، فيكون الرد عليه فيما أخطأ فيه محزنا للنفس وحرجا، وهذا في الحقيقة من ردّ عليه وبين ما أخطأ فيه أنصح له ممن تابعه في الخطأ؛ لأن هذا حجز الناس عن أن يتبعوه، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فالناس صار عندهم شيء من عدم التصور للواجب الشرعي، فالواجب الشرعي في هذه المسائل أنه إذا أحطا مخطئ فإن تبيين خطئه لا يعني سلخه من القلب؛ لا يعني أن لا يحب أن لا يود أن لا ينصر؛ بل يكون المرء في محبة له بما معه من الإيمان والصواب والإخلاص الذي ظهر منه، ويكون فيما أخطأ فيه يبين ما عليه.
وأنّ ما ذكر من مسألة أن من بين الخطأ قيل له هذه الغيبة الجواب أن لا تكون في بيان الواجب إذا كان ثم بيان واجب فلا غيبة الغيبة تكون بذكرك أخاك لما يكره.
وما ذكره في آخر السؤال هذا داء صحيح أنه فشا في ضعاف العلم وهو أنهم يفسرون كلام الناس بما يُدّعى فيه أنه مقاصد لهم، وهناك عند الأصوليين تأصيل في فهم العبارات، فهناك دلالة للكلام وضعية، وهناك دلالة للكلام حملية؛ يعني تستدل من الكلام على معناه بمجمله، ولا تأخذ كل لفظة وتحلّلها؛ لأن الكلام المجمل نقصد بالمجمل الجمل المتتابعة توضح القصد الخاص، توضح القصد للمتكلم وأما إذا أتى للحمل النفسي؛ يعني يتصور هذا الكلام على نحو ما ويأتي يحلله على وفق شهوة هذا الذي حلل كلام الناس، هذا يوقعه في باطل وهو أن يحكم على الناس بما لم يدلّ عليه صريح كلامهم والناس إنما يحكم عليهم خاصة أهل العلم وخاصة طلبة العلم ونحو ذلك بما دل عليه الصريح، لا بما دل عليه ما يظن أنه مقصد له.
والله جل وعلا أمرنا باجتناب كثير من الظن، فالأصل أن يحمل طلبة العلم على القصد الحق، فإذا كانت كلمة تحتمل معنيين، فتحمل على المعنى الخير، وإذا ظهر الخطأ منه فإنه ليس ثم معصوم في الأمة بعد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا بالإجماع وإذا كان كذلك ليس ثم معصوم، فقد يكون ثم مخطئ في مسألة في قول في رأي في قول إلى آخره، فيجاب عنه.
والفرق بين طريقة أهل العلم وطريقة من ليس من أهل العلم أن أهل العلم يبينون الحق فيما أخطأ فيه المؤمن الذي له ولاية يعني محبة وله نصرة يبينون ذلك بدليله وبوضوحه ولا يوجبون قطيعة ولا يوجبون براءة لأنهم يحذرون من أن يتبع المخطئ في خطئه، وأما من جهل فإنه يوجب أن يكون المرء إما أن يصيب تماما وإما أن لا يفعل شيئا، ولا شك أن هذا ليس بصحيح وهدي علمائنا كما علمتم أنهم يفعلون أو يتبعون طريقة آهل السنة الذين ذكرت تأصيلهم في هذه المسائل في الموالاة والمعاداة عند المؤمنين وحقيقة الرد وكيف يكون التلازم بين [...] المحبة.
هذا كله إذا كان المردود عليه من أهل السنة والجماعة أما إذا كان من أهل البدع إذا كان من المخالفين للسنة المحببين للبدع والشركيات ومخالفة طريقة السلف الصالح، وهذا لاشك أن الحديث في شأنه ليس داخلا في السؤال، وإنما عنى السائل بعض ما جرى في الواقع .... الغصب والرضا في كلمة الحق في كل حال والله المستعان.
س/ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج أحيانا إلى القوة في الأمر والنهي مما يكون وازعا للعصاة لترك منكرهم، والدعوة قد تقتضي اللين وطول النفس، فإذا عرض لشخص من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر شيئا من ذلك، فهل يقدم ما لديهم من قدرة على تغيير المنكر من سلطته، أم يدعو إلى تعالى على طول نفس حتى يقلع العاصي عن منكره باقتناع من نفسه؛ لأن كثير من أهل الخير يعاتبون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إذا قبضوا على بعض المجرمين في بعض القضايا بأنهم لا يعطونهم الفرصة وقد لا يوجهون لهم النصيحة.
فما توجيه فضيلتكم بارك الله فيكم؟
ج/ مسألة النصيحة والدعوة غير مسألة الإنكار، قال الله جل وعلا ?وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ?[آل عمران:104] فهناك نصيحة وهناك دعوة وهناك إنكار، فإذا خلط بين هذه الثلاثة تداخلت المسائل في الواقع.
أما من جهة الإنكار فضابطه قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقله وذلك أضعف الإيمان» وأهل الحسبة أو الرجل في بيته أم من له ولاية على من تحت يده هو من أهل اليد، أهل الحسبة أعطاهم السلطان أعطاهم ولي الأمر في ذلك أن يكونوا من أهل اليد، فمقامهم مقام إنكار إذا ظهر لهم منكر فإنهم ينكرونه على قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) ورأى هنا يعني رأى بعينيه، قال العلماء أما عن سمع أنه فُعِل فإنه ليس الباب إنكار، (من رأى منكم منكرا) يعني يعيينه، ألحقوا به السماع المحقق؛ يعني سمع مثلا من بيت معازف محققة، ألحقوه بالرؤية لأنها في مقام الرؤية من جهة اليقين.
أما سمع أنه حصل في المكان كذا وكذا، فلا يكون الباب باب إنكار.
المقصود أنه إذا صارت المسألة مسألة إنكار برؤية المنكر صار الواجب فيها الإنكار.
باب النصيحة أن تسمع بوقوع هذا الشيء في دار فلان أو أن يكون جار مع جاره يراه يتخلف عن الصلوات مثلا، أو يرى في بيته ما لا ينبغي أو يراه متخلفا عن صلة الرحم، أو نحو ذلك في مثل هذه المسائل، فهذه يكون الباب فيها باب نصيحة؛ لأنه في المنكر لابد أن يراه يعينه، فإذا رآه أنكره، وهو يسوغ له الإنكار في هذه الحالة، وباب النصيحة فيما سُمع أنه فعل انتشر أن فلانا فعل كذا، أو عُرف أنه الواقع في المكان الفلاني كذا فيكون الباب باب نصيحة سواء على الأمير أو على المأمور أو على العامة أو على الخاصة.
وباب النصيحة الأصل فيه أن يكون سرا؛ بل هو يكون بالسر، ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى من نصحني سرا فقد نصحني، ومن نصحني علنا فقد فضحني، قال العلماء: يشترط في النصيحة أن تكون سرا. كما ذكر ذلك ابن رجب في شرحه للأربعين قال: يشترط أن تكون سرا لأنها أبلغ.
الإنكار نعم يكون ظاهرا، وأما النصيحة فيما أسلفت بعض صوره هذا يكون سرا.
الدعوة إلى الله جل وعلا هذه عامة تخالط الناس بعامة تجتمع عند أناس تحدثهم بأشياء عامة وهذا يكون من باب الدعوة إلى الله جل وعلا.
عمل الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا راجع إلى أنه آمر ناهي عنده سلطة، إذا أتته بعض القضايا وكان منكرا ظاهرا فإن عليه أن يوقع العقوبة الشرعية لمن أظهر المنكر في بلاد المسلمين، ونصيحته لها باب إذا لم تكمل الشرائط في حقه التي تجعله فعله منكرا أو سُمع ها البيت يغشاه كذا، فيريد أن يحجز بينهم وبين هذا الفعل فيتصل بهم أو يكتب لهم رسالة أو يحذرهم، هذا باب نصيحة، أما إذا ظهر المنكر ووصل إلى رجال الحسبة، فهذا يكون منكرا يجب إنكاره.
هل رجال الحسبة يعني هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل يعدون سلطانا، فإذا بلغت الحدود السلطان فلا يشفع؟ فلعن الله الشافع والمشفِّع، هل يعدون كذلك أم يعد ذلك الإمارة أو القاضي؟ الظاهر دخول الجميع -في فتوى أهل العلم- دخول جميع أنهم من السلطان أنهم نواب عنه.
وقال بعض أهل العلم السلطان القاضي أو الإمارة، أما الهيئات فهم شهود على القضايا وشهود عدول، فإنهم يدخلون في أنهم ليسوا بسلطان وإن كانوا نوابا في ذلك؛ يعني في إقامة الأمر والنهي، وهذه مسألة اجتهادية.
المقصود أن يجتهد أهل الهيئات ويأمروا وينهوا وأن لا يتساهلوا أن المنكر إذا تسوهل به فإنه يفشو، والخشية أن تنقلب هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مراكز للدعوة ومراكز للنصيحة فقط دون إنكار، فتذهب حقيقتها التي أَناطها العلماء بها أول ما أنشئت هذه الهيئات من عقود من الزمن مضت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
س/ ذكرتم بارك الله فيكم أن إنكار المنكر يشترط له رؤية المنكر، فمثلا يحصل مسائل يأتي إمام المسجد ويتصل يبلغ الهيئة أن فلانا من الناس يتخلف عن الصلاة فعلى حسب ما ذكرتم أنه لا يجوز أن ينكَر عليه فإنما يدخل في النصيحة، فلا يجوز مثلا أن يسعى لفرع أمره إلى ولي الأمر أو للمحكمة أو لغير ذلك لأن الهيئة أو رئيس الهيئة أو عضو الهيئة لم ير بعينه منكر التخلف عن الصلاة فأرجو التوضيح؟
ج/ هذا رجع إلى مسألة الشهادة؛ يعني من جهة إمام المسجد الذي رأى توجه عليه الإنكار، إمام المسجد الذي رأى هذا المتخلف يتخلف هنا هو وجب عليه الإنكار، (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) فالواجب على إمام المسجد أن ينكر هو، إذا أراد أن يوصلها إلى الهيئات فوظيفته هو شاهد عدل فيما شهد به؛ يعني شهد بأن فلانا يتخلف عن الجماعة، فالهيئة ما توقع به عقوبة حتى تكمل الشهادة الشرعية في إقراره مثلا، أو بشهود يعني بشاهدين أو نحو ذلك.
فإذن يفرق في المسألة بين توجه إنكار على من تخلف في الصلاة فيمن رآه، ووظيفة الهيئة أنهم يشهد عندهم أن هذا يتخلف.
فهنا يسأل هل أنت تخلفت أم لا؟ فإن أقر على نفسه صار عليه التعزير يعني رفع وعزر، وإن لم يقر على نفسه احتيجت المسألة إلى شاهدين؛ لأن إمام المسجد قد يكون متغرضا لهذا المتخلف فالمسألة راجعة إلى الشرع إمام المسجد يجب عليه أن ينكر إذا رأى ذلك الرجل يتخلف عن الصلاة وهذا من مسؤولياته ومن واجباته.
أما الهيئة تأخذ كلام هذا الإمام ككلام شاهد ومبلغ عدل في هذه المسألة ثم تتحرك.
س/ قلتم حفظكم الله أنه لا طاعة إلا للأمير والعالم والوالي وليس ثم شيء رابع فما رأي فضيلتكم في طاعة الزوجة لزوجها والعبد لسيده؟
ج/ هناك طاعات أخر هذه الطاعات مقيدة، الطاعات العامة التي تكون في البلد هي ثلاثة، وفي الحضر واحدة طاعة الإمام، طاعة الوالد طاعة العالم، هذه لها فضيلتها الخاصة ولها الأمر الخاص بها أما طاعة المرأة لزوجها، فنعم أمرت المرأة بأن تطيع زوجها وطاعتها له فيما يتصل بالمنزل فيما يتصل بحقوقه هو، أما طاعة الوالد فليست متصلة بحقه هو طاعة مطلقة في غير معصية الله، وطاعة الإمام طاعة مطلقة في غير معصية الله، وطاعة العالم هي طاعة مطلقة في غير معصية الله؛ يعني فيما بلغه عن الدين.
فإذن طاعة العبد لسيده وطاعة المرأة لزوجها هذه طاعة مقيّدة فيما لها عليه من الحقوق، فافترقت المسألة، نحن ذكرنا أربع صور وقلنا ليس خامس يعني أمير السفر الوالد العالم الأمير، الأمير والعالم يشتركان أنهما من أولي الأمر والوالد له حق خاص بحيث إنه لو رغب في ولده أن يتخلف عن فرض من الفرائض فإنه يطيعه في التخلف عن واجب من الواجبات، ليس دائما؛ ولكن لعارض عرض، وإذا أمره أن يترك نفلا وجب عليه أن يطيعه، وإذا أمره أن يفعل مكروها وجب عليه أن يطيعه، فطاعته أخص، طاعته ملحقة بطاعة العالم وكذلك أمير السفر.
وأما الزوجة فإن طاعتها لزوجها مقيدة لاشك بقيود معروفة في كتب أهل العلم.
وإذا أراد السائل أن يجعل المسألة أوسع ويدخل طاعة المرأة وطاعة السيد في ذلك بحسب يعني بتوسيع معنى الطاعة، فهذا لا بأس به لكن الحصيلة أنه ليس ثم طاعة لأمير دعوة أو لقائد جماعة طاعة مطلقة، مثل طاعة من أطلقت طاعتهم في النصوص في غير معصية الله جل وعلا.
س/ هناك من يستعمل بعض الأمور في الدعوة ويكون عليها بعض الأشياء من الملاحظات يحتج قائلا الغاية تبرر الوسيلة، فنرجو منكم بيان ذلك بيانا شافيا؟
ج/ الغاية تبرر الوسيلة ليست قاعدة شرعية، الغاية تبرر الوسيلة ليست قاعدة شرعية، وإنما القاعدة الشرعية الأمور بمقاصدها، وقاعدة أخرى الوسائل لها أحكام المقاصد، لها أحكام الغايات، فليست الغاية مبرّرة للوسيلة، فإذا كانت الغاية محمودة لا تبرر كل وسيلة؛ بل لابد أن تكون الوسيلة إلى المحمود محمودة، فيشترط في كون الوسيلة مأذونا بها أن تكون مباحة، فتأخذ الوسيلة حينئذ حكم الغاية، حكم المقصد.
فمثلا المشي من البيت إلى المسجد، حضور الصلاة في المسجد واجب، المشي هو وسلة الوصول، ما حكم هذا المشي؟ نقول الوسيلة لها حكم الغاية، فيكون المشي حكمه الوجوب، ما معنى كونه واجبا؟ يعني أنه يثاب عليه ثواب الواجبات، فأحيانا تكون الوسيلة مباحة؛ لكن لكونها توصل إلى واجب صارت واجبة، والله جل وعلا جعل الوسيلة إلى الجهاد يؤجر عليها العبد، فقال سبحانه ?وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ?[التوبة:121] هم ذاهبون إلى الجهاد، فكيف يكون قطع الوادي فيه أجر ويكتب له قال العلماء: لأن الوسيلة لها حكم الغاية.
فإذن ما ذكر الوسيلة تبرر الغاية هذا باطل وليس في الشرع، وإنما في الشرع أن الوسائل لها أحكام المقاصد بشرط الوسيلة مباحة، أما إذا كانت الوسيلة محرمة كمن يشرب الخمر للتداوي، فإنه ولو كان فيه الشفاء فإنه يحرم، فليست كل وسيلة توصل إلى المقصود لها حكم المقصود؛ بل بشرط أن تكون الوسيلة مباحة.
إذا تقرر هذا، فمسألة الوسائل في الدعوة ليست على الإطلاق؛ بل لابد أن تكون الوسيلة مباحة، ليست كل وسيلة يظنها العبد ناجحة أو تكون ناجحة بالفعل يجوز فعلها.
مثال ذلك المظاهرات مثلا إذا أتى طائفة كبيرة وقالوا: إذا عملنا مظاهرة فإن هذا يسبب الضغط على الوالي وبالتالي يصلح وإصلاحه مطلوب، والوسيلة تبرر الغاية.
نقول هذا باطل لأن الوسيلة في أصلها محرمة، فهذه الوسيلة وإن أوصلت إلى المصلحة؛ لكنها في أصلها محرم كالتداوي بالمحرم ليوصل إلى الشفاء.
فثم وسائل كثيرة يمكن أن تخترعها العقول لا حصر لها وتُجعل الوسائل مبررة للغايات، وهذا ليس بجيد بل هذا باطل بل يشترط أن تكون الوسيلة مأذونا بها أصلا ثم يحكم عليها بالحكم على الغاية إن كانت الغاية مستحبة صارت الوسيلة مستحبة وإن كانت الغاية واجبة صارت الوسيلة واجبة، وهكذا.
رد مع اقتباس