الحالة الثالثة: أدلة استدلوا بها وهي خطأ من أصلها، ومن ذلك:
قولهم: إن الزاني، يسمى زانياً، ولو كان جاهلاً، قالوا: فكذلك الذي يقع في الشرك يسمى مشركاً ولو كان جاهلاً.
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أنهم أخطأوا في ذلك حيث خلطوا بين اسم الفاعل وبين الحكم عليه، فالزاني جاهلاً أو غير جاهل يسمى زانياً، هذا اسم الفاعل من الزنا، والحكم أنه فاسق إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فليس بفاسق.
وأما من صرف العبادة لغير الله كالذبح والنذر أو الدعاء، فاسم الفاعل لهذه الأشياء التي تقابل اسم الفاعل للزنا، هو الذابح لغير الله، والناذر لغير الله، والداعي لغير الله، والحكم أنه مشرك مع العلم، وليس بمشرك مع الجهل.
فالزنا يقابل الذبح لغير الله، والزاني يقابله الذابح لغير الله والفاسق يقابل المشرك، وأما هم فخلطوا بين الأمور فجعلوا الزاني يقابل المشرك.
وعليه: فعندما نقول الزاني يسمى زانياً هذا صحيح، لكن ليس هذا هو الحكم عليه، إذ الحكم أنه فاسق إن خلى من موانع التفسيق، أو ليس بفاسق إن وجد فيه مانع من موانع التفسيق.
وكذا من ذبح أو نذر أو دعا غير الله فيسمى الذابح أو الناذر أو الداعي لغير الله، والحكم أنه مشرك إن خلى من الموانع، أو ليس بمشرك إذا كان فيه مانع من موانع التكفير كالجهل.
الوجه الثاني: أن هذا لازم لكم في المكره والمخطئ، فما كان جواباً لكم عن عدم تكفيرهما فهو جوابنا عن عدم تكفير الجاهل.
ومن ذلك قولهم: إن هؤلاء الجهال لم يفهم معنى لا إله إلا الله، فلم يدخلوا في الإسلام.
والجواب من وجهين:
الأول: أنه يلزم على ذلك تكفير أعيان الأشاعرة والماتوريدية لأنهم يقولون إن معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله، أو لا قادر إلا الله، ولا قائل بذلك.
الثاني: يلزم على ذلك تكفير الصحابة الذي في قصة ذات أنواط لأنهم لم يفهموا المعنى الكامل للا إله إلا الله.
الحالة الرابعة من الأدلة التي استدلوا بها: أن تكون من الاستدلال بمحل النزاع:
ومن ذلك قولهم:
فإن هذا كله مبني على التسليم لهم بأن الجاهل إذا وقع في الشرك فإنه يخرج من الإسلام، ويكون مشركاً لا مسلماً، وهل هذا إلا محل النزاع فكيف يحتجون به.
وأقرب ذلك بمثال:
لو فرض أن اختلف اثنان على كفر من أنكر العلو وهو جاهل أو متأول، فقال الذي يكفره: إن الناس ما بين مسلم وكافر وهذا المتلبس بالكفر لا يوصف بأنه مسلم؛ لأنه تلبس بالكفر فهو إذن كافر والجنة لا تدخلها إلا نفس مسلمة لا كافرة.
أو قال: الذي أنكر علو الله قد تلبس بالكفر فلو مات لم تصح الصلاة عليه؛ لأنه مات على الكفر، وهل تصلي على رجل أنكر العلو ثم مات بعد إنكاره مباشرة؟!!!
فالجواب عن ذلك كله: أنا لا نسلم لك بالمقدمات التي بنيت عليها النتيجة، لأنها قائمة على مذهبك في التكفير ونحن لا نسلم لك بذلك.
فأنت تقول عنه مشرك أو كافر ونحن لا نقول ذلك.
فلا حجة لهم في ذلك، بل هو عند التأمل مجرد صياغة للدعوى بطريقة أخرى المراد منها تخويف القائل بالعذر بالجهل، وهيهات لهم هيهات.
الباب السابع: بماذا تقام الحجة ويزول العذر بالجهل؟
إن الشريعة علقت الوعيد على التبين أي على الفهم في أكثر من آية قال تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) [النساء : 115] وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) [محمد : 25] وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ) [محمد : 32]
فمن لم يتبين له -أي لم يفهم المراد- لا تلحق به نصوص الوعيد ومنها التكفير ، ومن المكابرات الفاضحات أن يقال: لا يشترط التبين والفهم ويكفي البلاغ والتبيين من الداعي وإن لم يتبين للمدعو.
هل يقول عاقل: إن العربي إذا بين للأعجمي قامت الحجة على الأعجمي الذي لا يعرف لغة العرب لأنه حصل البيان و لا يشترط التبين للمخاطب.
ومن لم يشترط الفهم مطلقاً لزمه القول بقيام الحجة على مثل هذا الأعجمي الذي لا يعرف لغة العرب.
وبدلالة نصوص التبين السابقة يفهم معنى البلاغ في قوله تعالى (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [الأنعام : 19] والمراد به البلاغ مع الفهم الذي يحصل به التبين، وقد تقدمة الأدلة المبينة لهذه الآية.
وذكر هذا جمع من أهل العلم- كما في نقل كلام أهل العلم في العذر بالجهل- مثل شيخ الإسلام ابن تيمية إذ قال: حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم اهـ . وهذا نصه في الرد على البكري ونقله بهذا النص الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن في مصباح الظلام ص449،
بل زاد شيخ الإسلام تأكيداً لذلك بالنص على وجوب إزالة الشبهة فقال في رسالة الكيلانية ضمن مجموع الفتاوى (12/466): وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتي تقام عليه الحجة، وتبين له المحَجَّة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة.ا.هـ
وقال رحمه الله في كتاب الاستغاثة أو الرد على البكري: "فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يخالفه ا.هـ من الرد على البكري (ص 377).
وقال –رحمه الله-: فلهذا كان أهل العلم و السنة لا يكفرون من خالفهم و إن كان ذلك المخالف يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه و تزني بأهله لأن الكذب و الزنا حرام لحق الله تعالى و كذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله و رسوله.
وأيضا فإن تكفير الشخص المعين و جواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها و إلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر.
ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة و التابعين كقدامة بن مظعون و أصحابه شرب الخمر و ظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة اتفق علماء الصحابة كعمر و علي و غيرهما على أنهم يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا و إن أقروا به جلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق فإذا أصروا على الجحود كفروا.
وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله إذا أنا مت فأسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين فأمر الله البر فرد ما أخذ منه و أمر البحر فرد ما أخذ منه وقال ما حملك على ما فعلت قال خشيتك يا رب فغفر له فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته و أنه لا يعيده أو جوز ذلك و كلاهما كفر لكن كان جاهلا لم يتبين له الحق بيانا يكفر بمخالفته فغفر الله له.
و لهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية و النفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم كفر و أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وكان هذا خطابا لعلمائهم و قضاتهم و شيوخهم وأمرائهم و أصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح و المعقول الصريح الموافق له.ا.هـ من الرد على البكري.
فانظر -وفقك الله- إلى ابن تيمية كيف لم يكفر الذي شك في قدرة الله، ولم يكفر الجهمية ولم يكفر الحلولية، مع أن بطلان حلول الله في مخلوقاته أظهر عند كل عالم من بطلان الاستغاثة بالمخلوق من دون الله، ولم يجعل مجرد بلوغ الحجة لهم كاف في تكفيرهم بل دندن على أنه لا بد أن يتبين لهم الحق، كم رأيت ذلك بأم عينك.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه اهـ الدرر السنية (1/56)
فعلق التكفير على معرفته دين الرسول صلى الله عليه وسلم يعني فهمه لا مطلق البيان ولو لم يعرفه
وكذلك هم أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ حمد بن ناصر رحمهم الله تعالى حيث ورد عليهم سؤال في الدرر السنية، هذا نصه:
بلغنا: أنكم تكفرون أناسا من العلماء المتقدمين، مثل ابن الفارض، وغيره، وهو مشهور بالعلم، من أهل السنة.
فأجابوا: ما ذكرت أنا نكفر ناسا من المتقدمين، وغيرهم، فهذا من البهتان الذي أشاعه عنا أعداؤنا، ليجتالوا به الناس عن الصراط المستقيم، كما نسبوا إلينا غير ذلك من البهتان أشياء كثيرة، وجوابنا عليها أن نقول: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [سورة النور آية: 16]؛ ونحن لا نكفر إلا رجلا عرف الحق وأنكره، بعدما قامت عليه الحجة، ودعي إليه فلم يقبل، وتمرد وعاند، وما ذكر عنا من أنا نكفر غير من هذا حاله، فهو كذب علينا.
وأما ابن الفارض وأمثاله من الاتحادية، فليسوا من أهل السنة بل لهم مقالات شنع بها عليهم أهل السنة، وذكروا أن هذه الأقوال المنسوبة إليه كفريات.
فتأمل قولهم: ونحن لا نكفر إلا رجلا عرف الحق وأنكره، بعدما قامت عليه الحجة، ودعي إليه فلم يقبل، وتمرد وعاند. ولم يكتفوا بالفطرة والعقل كما يزعم الحجي.
وقال الشيخ عبداللطيف بن حسن آل الشيخ رحمه الله في "مصباح الظلام ص: 499": "فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا رحمه الله قد قرّر هذا وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداء بهم ولم يكفر إلاّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل حتى إنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله: حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له".
فاشترط رحمه الله حصول البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله.
وقال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب: ولكن في أزمنة الفترات، وغلبة الجهل لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة، ويبين له ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله ا.هـ من مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 1/79
لاحظ قوله: ويبين له ويعرف.
وقال أيضاً : ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت، ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرا معاندا ا.هـ من الدرر السنية 1/234-236
لا حظ قوله :ووضحت له المحجة ا.هـ
وتكملة الفتوى تطبيق حكم الإعذار على ابن حجر الهيتمي داعية الشرك في الألوهية مع كونه عالماً فلم يكفره .
وقال الشيخ عبداللطيف في مصباح الظلام ص449: فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له اهـ
لا حظ لابد من فهمه وعقله ليتم التبين .
وقال الشيخ ابن عثيمين في كلامه على التكفير بالشرك في الألوهية : ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) [النساء : 115] اهـ لاحظ قول الشيخ ابن عثيمين أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره ثم استدل بآية التبين .
1-إن الناس ما بين موحد ومشرك وهذا المتلبس بالشرك لا يوصف بأنه موحد؛ لأنه تلبس بالشرك فهو إذن مشرك والجنة لا تدخلها إلا نفس مسلمة لا مشركة. 2-وقولهم: الذي يأتي إلى قبر ويذبح لصاحبه قد تلبس بالشرك فلو مات لم تصح الصلاة عليه؛ لأنه مات على الشرك، وهل تصلي على رجل ذبح لغير الله ثم مات بعد ذبحه مباشرة؟!!!
وقال الشيخ ابن عثيمين : ولا يكفي مجرد بلوغ الحجة حتى يفهمهما لأنه لو فرضنا إنساناً أعجمياً وقرأنا عليه القرآن صباحاً ومساء لكن لا يدري ما معناها فهل قامت عليه الحجة ا.هـ لقاء الباب المفتوح (48/ السؤال رقم 15)
وقال الشيخ صالح آل الشيخ في رسالته منهج أئمة الدعوة في الدعوة الى الله:
إقامة الحجة تشمل أشياء:
الأول :سرد الحجة وإسماع الآخر الحجة قال الله عز وجل {فأجره حتى يسمع كلام الله}
والثاني:بيان الحجة بمعنى إيضاح دلالة هذه الحجة باللسان الذي يتكلم به المخاطب . إيضاح الحجة معنى الدليل دل على كذا , معنى العبادة كذا وكذا , والحجة فيها كذا
الثالث : إزالة الشبهة إن كان عند المتلقي الشبهة .
الرابع : فهم الحجة بحسب اللسان ,هذه داخلة في بعضها لكن نص عليه لغرض . والعلماء من قبل قالوا لا يشترط فهم الحجة ,وإنما المقصود إقامة الحجة . وهذا صحيح ,لكن الفهم فهمان :
فهم لسان
وفهم قناعة
أما فهم اللسان فهو من إقامة الحجة ,فهو مشترط أن يفهم المعنى ,ويفهم وجه الحجة , ويفهم الدليل ,ويفهم اللسان ويفهم الكلمات , ويفهم القواعد , ويفهم وجه الدلالة ,ويفهم رد الشبهة وهذا لابد منه .
الفهم الثاني فهم القناعة : وهذا لا يشترط ولذلك قال الشيخ إمام الدعوة رحمه الله :ولو اشترط فهم الحجة لم يكفر الا المعاند ,لو قلنا :إنه يشترط فهم الحجة ,يعني فهم القناعة , قال :لم يكفر الا المعاند .
ما حال المعاند ؟
يقول :أنا اقتنعت لكن لن أؤمن . لم يكفر الا المعاند ,لو اشترطنا الفهم لكن هنا فهم القناعة ليس شرطا ,هو يقول :أنا ما اقتنعت ,قد يقول :أنا اقتنعت . لكنه مكابر. أنا لا أريد أن أؤمن .قال الله تعالى { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } هم مقتنعون لكن ما يريدون الإيمان وقال سبحانه { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا }
مستيقنين بها ومقتنعين لكن منعهم العناد .هذا ليس هو المراد ,قد يكون هو فهم الحجة لكنه لم يقتنع بوجود عارض عنده بقوة التمسك بأحوال الشرك , أو بأصول الشرك ونحو ذلك . فهذا لا يشترط له فهم القناعة ,أما فهم اللسان وفهم البيان فهذا لا بد منه , وهو داخل في إقامة الحجة.
فأين الحجي رده الله إلى الصواب من هذا كله، لعله أن يقول كعادته إن هذا من المتشابه!!
الباب الثامن: مخالفات الحجي في هذه المسألة وغيرها، والرد عليه، وتحته فصول:
الفصل الأول: قول الحجي في عدم العذر بالجهل ليس قول علماء السنة الذين يقولون بعدم العذر بالجهل، بل قول المعتزلة الذين يقولون إن العقل يكفي دون إرسال الرسل.
لقد جاء الشيخ في كلامه عن هذه المسألة بأمور عجيبة، والأعجب منها نقله الاتفاق عليها، وكلامه في هذه المسألة مبني على ما يلي:
وهذا هو قول المعتزلة والعياذ بالله، قال محمد يوسف إطفيش الإباضي المعتزلي:
(فصاحب الجزيرة –أي الذي انقطع في جزيرة عن الناس- غير معذور في الشرك ولا في جهل الفرائض، ولو لم يسمع من أحد عندنا...
وقال بعض قومنا: يعذر في غير التوحيد، إن لم يصله غيره).ا.هـ
وإليك الرد من كلام أئمة السنة:
قال اللالكائي –رحمه الله في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة-: سياق ما يدل من كتاب الله عز و جل وما روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل قال الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه و سلم بلفظ خاص والمراد به العام (فاعلم أنه لا إله إلا الله) وقال تبارك وتعالى (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين) وقال تبارك وتعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) فأخبر الله نبيه صلى الله عليه و سلم في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد وقال تعالى (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي إنه سميع قريب) وقد استدل إبراهيم بأفعاله المحكمة المتقنة على وحدانيته بطلوع الشمس وغروبها وظهور القمر وغيبته وظهور الكواكب وأفولها ثم قال (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) فعلم أن الهداية وقعت بالسمع وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع قال الله تبارك وتعالى (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) وقال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقال تبارك وتعالى (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وقال تبارك وتعالى (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما آتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله عز و جل وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.ا.هـ
وقال ابن تيمية في بيان بدعية هذا القول وأنه قول المعتزلة:
والناس لهم في هذا المقام ثلاثة أقوال...:
طائفة تقول : إن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة ولا سيئة البتة وكون الفعل حسنا وسيئا إنما معناه أنه منهي عنه أو غير منهي عنه وهذه صفة إضافية لا تثبت إلا بالشرع وهذا قول الأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك و الشافعي و أحمد كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وهؤلاء يجوزون أن يعذب الله من لم يذنب قط فيجوزون تعذيب الأطفال والمجانين.
وطائفة تقول : بل الأفعال متصفة بصفات حسنة وسيئة وأن ذلك قد يعلم بالعقل ويستحق العقاب بالعقل وإن لم يرد سمع كما يقول ذلك المعتزلة ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم : أبي الخطابي وغيره.
وطائفة تقول : بل هي متصفة بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم ولكن لا يعاقب أحدا إلا ببلوغ الرسالة كما دل عليه القرآن في قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}.
وفي قوله : { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير}.
وقال تعالى لإبليس : {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}.
وهذا أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة فإن الله أخبر عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم وأخبر أنه لا يعذبهم إلا بعد إرسال رسول إليهم.
وقوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } حجة على الطائفتين وإن كان نفاة التحسين والتقبيح العقلي يحتجون بهذه الآية على منازعيهم فهي حجة عليهم أيضا فإنهم يجوزون على الله أن يعذب من لا ذنب له ومن لم يأته رسول ويجوزون تعذيب الأطفال والمجانين الذي لم يأتهم رسول بل يقولون : إن عذابهم واقع.
وهذه الآية حجة عليهم كما أنها حجة على من جعلهم معذبين بمجرد العقول من غير إرسال رسول.
والقرآن دل على ثبوت حسن وقبح قد يعلم بالعقول ويعلم أن هذا الفعل محمود ومذموم، ودل على أنه لا يعذب أحدا بعد إرسال رسول والله سبحانه أعلم .ا.هـ
وقد تقدم الجواب عن هذا، وأنه لا قائل به إلا الصنعاني، كما ذكر الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن.
وهذه مكابرة منه، وإلا فقد قدمنا النقل الكثير عن علماء السنة بل من الأئمة والذي يقررون فيه القول بالعذر بالجهل.
وقد تقدم الجواب عن هذه الشبهة الرديئة.
وادعى أن القول بعذر الجاهل في التوحيد يهدم دعوة التوحيد، فقال في مقال له في موقعه بعنوان " العذر بالجهل": وكان الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لما أظهر الدعوة للتوحيد لم يستطع علماء السوء الرد عليه في ذلك فألقى الشيطان على ألسنتهم أن يقولوا له نحن نخالفك فقط في التكفير والقتال وبذلك تفسد دعوته من أصلها لأن النهي عن الشرك يعني تكفير المعين وقتاله عند القدرة فإذا قالوا لا تكفر المعين ولو أشرك استوى الموحد والمشرك ولم يعد للتوحيد معنى.ا.هـ
وهذا كله من زخرفة قوله ليلبس به على الناس والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا لو كان لازماً لنا فهو لازم له في عذره الجاهل في أسماء الله وصفاته كعلو الله والجاهل لحكم الصلاة، والصيام والزكاة والحج.
الوجه الثاني: أن من أشد الناس دعوة إلى التوحيد أناساً يعذرون بالجهل وفي مقدمهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، ناهيك عن علمائنا المعاصرين مثل الشيخ محمد العثيمين، ثم هل القول بعدم تكفير تارك الزكاة والصيام والحج الذي يقول به عامة أهل السنة يلزم منه التهوين من هذه الأركان؟!
والجواب: إن من أعظم الجهل والتهور نسبة من يعذر بالجهل إلى الإرجاء وكأن النبز بلقب الإرجاء صار مفزعاً وملجأً لكل متهور لا حجة معه إلا الهوى والبغي، فلما أفلس من الحجة أخذ يرمي غيره بالألقاب البدعية ليعمي أعين الناس عن إبصار الحقيقة، وللأسف أن هذا عين صنيع الحجي، ولن نطيل في رد كلامه المتهافت، بل سنكل ذلك إلى أحد أئمة السنة الذين يغمزهم الحجي وأمثاله في الخفاء لأنهم خالفوا سماحته في هذه المسألة، وهذا الإمام هو العلامة الشيخ محمد بن عثيمين.
فقد سئل الشيخ رحمه الله :ما حكم من يصف الذين يعذرون بالجهل بأنهم دخلوا مع المرجئة في مذهبهم ؟ .فأجاب : وأما العذر بالجهل : فهذا مقتضى عموم النصوص ، ولا يستطيع أحد أن يأتي بدليل يدل على أن الإنسان لا يعذر بالجهل ، قال الله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء/ 15 ، وقال تعالى : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء/ 165 ، ولولا العذر بالجهل : لم يكن للرسل فائدة ، ولكان الناس يلزمون بمقتضى الفطرة ولا حاجة لإرسال الرسل ، فالعذر بالجهل هو مقتضى أدلة الكتاب والسنة ، وقد نص على ذلك أئمة أهل العلم : كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، لكن قد يكون الإنسان مفرطاً في طلب العلم فيأثم من هذه الناحية أي : أنه قد يتيسر له أن يتعلم ؛ لكن لا يهتم ، أو يقال له : هذا حرام ؛ ولكن لا يهتم ، فهنا يكون مقصراً من هذه الناحية ، ويأثم بذلك ، أما رجل عاش بين أناس يفعلون المعصية ولا يرون إلا أنها مباحة ثم نقول : هذا يأثم ، وهو لم تبلغه الرسالة : هذا بعيد ، ونحن في الحقيقة - يا إخواني- لسنا نحكم بمقتضى عواطفنا ، إنما نحكم بما تقتضيه الشريعة ، والرب عز وجل يقول : ( إن رحمتي سبقت غضبي ) فكيف نؤاخذ إنساناً بجهله وهو لم يطرأ على باله أن هذا حرام ؟ بل إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال : " نحن لا نكفر الذين وضعوا صنماً على قبر عبد القادر الجيلاني وعلى قبر البدوي لجهلهم وعدم تنبيههم " ." لقاءات الباب المفتوح " ( 33 / السؤال رقم 12 ).
الفصل الثاني: تناقضات الحجي، وتحته مسائل:
المسألة الأولى: تناقضه في الوصية بالعلماء، ثم عدم أخذه بكلامهم.
يكثر الحجي في موقعه بالوصية بأهل العلم والأخذ عنهم، ثم يناقض نفسه بمواقفه الغريبة والعجيبة، ومن ذلك:
المسألة الثانية: تناقضه بتورعه عن الإجابة على الأسئلة الفقهية المعلومة، ثم تصديه للنوازل المدلهمة كالتبديع.
إن كل متابع لموقع الحجي عموماً وفتاواه المنهجية خصوصاً يلحظ محاولة بُعد الشيخ عبد الرحمن الحجي عن الإجابة على الأسئلة الفقهية بدافع التورع –وهذا طيب لمن لم يكن أهلاً لها أو كان من أهلها واكتفى بغيره من الثقات- لكنك تراه في مقابل هذا التورع يتصدر للنوازل، ويخالف في تلك النوازل أهل العلم، كفتواه في الأسهم والتي أفرد لها خطباً، مع أننا لا نعلم أحداً من العلماء الراسخين يوافقه على فتاواه في هذا الباب من كل وجه، والأغرب من هذا أنه ينفرد بفتواه ثم ينسبها للراسخين من أهل العلم مع أنه لا موافق له من كل وجه فيها، وفي نسبته هذه الأقوال التي ذهب إليها للراسخين في العلم مع مخالفته الشيخ ابن باز أو ابن عثيمين غمز مبطن لهما بأن قولهما ليس قول الراسخين في العلم.
ومن تناقضه في هذا الشأن مبادرته للطعن واللمز في بعض أهل العلم من السلفيين كالإمام الألباني والعلامه الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، والشيخ عبدالله العبيلان والشيخ عبدالعزيز الريس مع تورعه عن الفتيا في المسائل الفقهية المشهورة الظاهرة، والأولى التورع عن لمز السلفيين لأنهم الأصل أنهم سلفيون والكلام في الأعراض شديد ولا يحسنه كل أحد، قال أحمد: إخراج الرجل من السنة شديد.
المسألة الثالثة: تناقضه بأمره بالشدة على أهل البدع، ثم سكوته المريب عن تسمية أهل البدع الظاهرين حوله كسلمان العودة وغيره.
وهذا من عجائبه، وعجائبه جمة، فتراه يؤصل ويقعد وجوب الشدة على أهل البدع، ثم لا ترى في موقعه التصريح برؤوس أهل البدع في بلده الذين من حوله، كسلمان العودة التنويري الجديد، وكناصر العمر المتعالم البليد، وكعائض القرني الضائع العنيد.
وإنما ترى فيه الطعن الصريح أو الغمز والهمز في السلفيين، المتقدمين منهم كابن خزيمة، والمتأخرين كالألباني وربيع، فحق لموقعه أن يسمى موقع الضرار والعياذ بالله.
المسألة الرابعة: تناقضه بزعمه وضوح المسألة، ثم تركه لبيان أدلته والجواب عن أدلة المخالفين له.
وهذه مما يضعف موقفه عند طلبة العلم وأهله، فهو لا يكاد أن يطرح قوله في هذه المسألة إلا عن طرق الوعظ بأهمية التوحيد، والتحذير من خطر الشرك والتهوين منه، مما يروج به عند العامة الدهماء.
وإلا فأين الحجي عن كتابة رسالة ولو مختصرة فيها بيان أدلته ووجه الدلالة منها ونقل فهم أهل العلم لها كما فهمها هو، ثم ذكره لأدلة المخالفين والجواب عنها وعن ما تعلقوا به من كلام العلماء، لاسيما وقد رد عليه أخونا العبدالكريم في أكثر من رد.
الباب الأخير: الخاتمة وفيه وصايا ونصائح، وتحته ثلاثة فصول:
الفصل الأول: وصية للولاة من الأمراء والعلماء السلفيين في داخل المملكة وخارجها.
أوصيهم أن يتقوى الله في هذه الدعوة المباركة (الدعوة السلفية) وأن يسعوا جاهدين للذب عنها من الأعداء الخارجيين، واستصلاح أبنائها الداخليين، المنتسبين إليها، بكل ما يستطيعون، وأن لا يقفوا منهم موقف المتفرج وهم يرونهم يَهلَكون ويُهـلِكون، فإنهم مسؤولون أمام الله تعالى عن ذلك هل قاموا بدورهم أم لا؟ ومن رأوا منه بغياً أو جوراً ناصحوه وبينوا له، فإن لم يرتدع عاقبوه بالعقوبة الرادعة له وأمثاله، وليعلموا علم اليقين أن سنة الله ماضية فيهم وفي غيرهم، فإن قاموا بهذه الدعوة حق القيام فليبشروا بسنة التمكين، كما قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وإن آثروا القعود والتولي عن نصرتها، شحاً بدنياهم ورئاساتهم أو غيرها من الأعذار الشيطانية فليبشروا بسنة الاستبدال كما قال تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).
الفصل الثاني: وصية لعامة أهل السنة السلفيين.
وهي الوصية بالاستمساك بغرز أهل العلم السلفيين، فإن اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة. فإذا اتفقوا لم يكن لنا محيد عن قولهم، وإن اختلفوا فالواجب على من عرف الدليل أن يتبعه، ومن لم يعرفه فالواجب عليه أن يحتاط لدينه فيأخذ بقول الأعلم، لا ما يشتهيه، مع بقاء الأخوة الدينية، بين المختلفين، فلا يتهاجرون ولا يتدابرون ولا يتباغضون، بل يكونون متحابين في الله، متعاونين على البر والتقوى بحسب استطاعتهم.
قال ابن تيمية في الفتاوى 14/483: قد يبغى بعض المستنة -يعني أهل السنة- إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة، بزيادة على ما أمر الله به، و هو الإسراف، المذكور في قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا.
وقال في الفتاوى 4/425: ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول، بخلاف من نازع في مسائل الاجتهاد، التي لم تبلغ هذا المبلغ في تواتر السنن عنه، كالتنازع بينهم في الحكم بشاهد ويمين، وفي القسامة والقرعة، وغير ذلك من الأمور التي لم تبلغ هذا المبلغ.ا.هـ
وقال في الاقتضاء 1/ 457: أهل التوحيد... وإن حصل بينهم تنازع في شيء مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يوجب ذلك لهم تفرقاً ولا اختلافاً بل هم يعلمون أن المصيب منهم له أجران وأن المجتهد المخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له ا.هـ.
وقال في الفتاوى 30/79: ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه.ا.هـ
وقال ابن القيم عن الاختلاف في المسائل الاجتهادية في الصواعق المرسلة 2/517: وهذا النوع من الاختلاف، لا يوجب معاداة ولا افتراقاً في الكلمة ولا تبديداً للشمل، فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع كالجد مع الإخوة... فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغناً، ولا ينطوي له على معتبة، ولا ذم بل يدل المستفتي عليه، مع مخالفته له ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق.ا.هـ
و قال ابن تيمية في الفتاوى 3/348: ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة؛ بخلاف من وإلى موافقه، وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه، دون موافقه، في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات.ا.هـ
وقال في الفتاوى الكبرى 2/41: وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق، حتى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى كما يفعله بعض أهل المشرق فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا.ا.هـ
وقال ابن تيمية في الفتاوى 12/492: وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: بل عجبتُ ويقول إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيمَ النخعي فقال: إنما شريح شاعرٌ يعجبه علمه، كان عبدالله أفقهَ منه، وكان يقول: بل عجبتُ، فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة، وكذلك بعض السلف أنكر بعض حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قولـه: أفلم ييأس الذين آمنوا وقال إنما هي أو لم يتبين الذين آمنوا وإنكار الآخر قراءة قوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وقال إنما هي ووصى ربك، وبعضهم كان حذف المعوذتين وآخرُ يكتب سورة القنوت وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر.ا.هـ
وقال في الفتاوى 3/348: ومما ينبغي أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة.
ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة...ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك ا.هـ.
وقال :أما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير وقد قال النبي لأصحابه يوم بنى قريظة لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة فأدركتهم العصر في الطريق فقال قوم لا نصلى إلا في بنى قريظة وفاتتهم العصر وقال قوم لم يرد منا تأخير الصلاة فصلوا في الطريق فلم يعب واحدا من الطائفتين أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر، وهذا وإن كان في الأحكام فما لم يكن من الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام.ا.هـ من الفتاوى 24/174.
وقال الذهبي في السير 14/40: ولو أنا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له، قمنا عليه، وبدَّعناه وهجرناه، لما سَلِمَ معنا لا ابنُ نصر ولا ابنُ مندة، ولا من هو أكبرُ منهما، والله هو هادي الخَلْقِ إلى الحقِّ، وهو أرحم الرَّاحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.ا.هـ
وقال أيضاً في السير 14/374: ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة إيمانه وتوخيه لإتباع الحق- أهدرناه وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا رحم الله الجميع بمنه وكرمه. ا.هـ
3-من أصول مذهب الحجي في هذه المسألة: زعمه عدم وجود سلف للقائلين بعذر المنتسب للإسلام الذي يقع في الشرك جهلاً منه. 4-من أصول مذهب الحجي في هذه المسألة: أنه لافرق بين قولنا للذي يسرق إنه سارق، أوللذي كذب إنه كاذب، وبين الذي يقع في الشرك بأنه مشرك، فكل ذلك من باب واحد قال في مقال له في موقعه بعنوان " العذر بالجهل": والعجيب أنهم يقولون من كذب يطلق عليه كاذب ومن سرق يطلق عليه سارق ومن أشرك لا يطلق عليه مشرك.ا.هـ 5- من أصول مذهب الحجي وأدلته في هذه المسألة: أن الذي يعذر الجاهل في التوحيد لم يعرف منزلة التوحيد لأنه جعل التوحيد وسائر الأشياء متساوية، قال في مقال له في موقعه بعنوان "العذر بالجهل" : هم لم يعرفوا منزلة التوحيد والنهي عن الشرك في الإسلام فجعلوهما كسائر الأشياء.ا.هـ 1-إحداث القول بين أهل السنة أن العقل يكفي في قيام الحجة في التوحيد، وهل هذا إلا من تنكب طريق العلماء والصدود عن أقوالهم. 2-عدم اعترافه بالمخالفين لسماحته من أهل العلم في هذه المسألة، كابن تيمية وابن القيم وابن عثيمين وغيرهم. 3-لمزه للعلماء بالضعف في عدم تبديعهم لمن وقع في نفي الصورة عن الله تعالى. 4-لمزه لبعض أهل العلم كالشيخ ربيع، لما سئل عن أخذ العلم عنه، فأجاب أن يؤخذ العلم من الراسخين في العلم كالفوزان، وكأن الشيخ ربيع تلميذ من تلاميذ سماحته في الجامعة أو الجامع. 5-مخالفة طريقة العلماء في هذه المسألة فإن ابن باز والفوزان لم يهجروا فضلاً عن أن يأمروا بالهجر من خالفهم في هذه المسألة، وهو يعادي ويهجر ويضلل من خالف سماحته 1-أن التوحيد لا يحتاج لإقامة الحجة فيه لإرسال الرسل، بل الميثاق والفطرة والعقل كافية في ذلك، ومن خالف التوحيد فهو مخلد في النار ولو لم ير إلا نفسه، لأن السمعيات يدخلها العذر عند عدمها كالعلم بالرسول صلى الله عليه وسلم، أما التوحيد فليس من هذا الباب بل يعلم بالميثاق والفطرة والعقل، قال –هداه الله في خطبة "تارك التوحيد هل يعذر" موجودة في موقعه-: أمور الدين على نوعين أمور لا يمكن أن يعلمها العبد إلا من قبل السمع حتى يسمعها ولو أجتهد عمره كله وعقله كله لن يبلغها حتى يسمعها فهذه عذر الله الناس فيها حتى يبلغهم السمع فإذا سمعوا قامت الحجة عليهم وهي أمور السمعيات ومن ذلك نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلو أجتهد العبد ما أجتهد فلن يصل بنفسه وبعقله وبفطرته أن يعلم أن الله قد بعث نبيا اسمه محمد حتى يسمع به،... وأما التوحيد أيها الأخوة , فان الله لم يقم فيه الحجة بالرسل فقط, وإنما حجج التوحيد تملأ البر والبحر والسهل والسماء والأرض, وإنما الرسل تأتى لتؤكد هذا الأمر وتنذر وتبشر... وذكر العهد، ثم قال: والحجة الثانية على ابن ادم الفطرة قال علية الصلاة والسلام ( كل مولود يولد على الفطرة ).ثم ذكر العقل فقال: ومن الحجج العقل ركب الله فيهم العقل والسمع والبصر , أدوات العقل حتى يعقل , أن الله هو ربه , وهو المستحق للعبادة ولذلك يبين الله أن الحجج على نوعين سمع وعقل , السمع في السمعيات والعقل في العقليات والفطريات، فأمور التوحيد يكفى فيها العقل والفطرة. أ.هـ 6- من أصول مذهب الحجي في هذه المسألة: أن الذي يعذر الجاهل في التوحيد مرجئ، خارج عن مذهب أهل السنة. 6-لقد طولب الحجي مرات عدة كما أفادني الإخوة بالاحتكام عند الشيخ الفوزان في طريقته هذه فأبى وتهرب، فأين أخذه بكلام أهل العلم؟! 2-من أصول مذهب الحجي في هذه المسألة: أنه لا فرق بين الكافر الأصلي أو المشرك الأصلي، وبين الذي دخل في الإسلام وهو واقع في الشرك، لذلك تجد الشيخ الحجي –هداه الله- يستدل بالأدلة التي في الكفار الأصليين على الذين ينتسبون للإسلام ووقعوا في الشرك بجهلهم. قال –هداه الله في خطبة "تارك التوحيد هل يعذر"-: وإذا كان القرآن مملوءاً بأن كفار قريش لم يأتهم نذير قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام ومع ذلك هم مشركون كفار مقتهم الله وأبغضهم حتى من مات قبل البعثة فكيف بهؤلاء؟ إلا إذا كانوا يعتقدون أن أهل مكة قبل بعثة نبينا كانوا مسلمين.ا.هـ
الفصل الثالث: (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)
هذا ما أردت بيانه على عجلة من أمري –والله الذي لا إله غيره- لأن التأخر يزيد الشر والفتنة، ولكن لي رجعة قريبة إن شاء الله أكر فيها –بحول الله وقوته ثم بصفحة الأدلة الشرعية الناصعة- على فلولهم المهزومة ممن يـُنتظر منهم الرد على هذا الكتاب من أمثال الدكتور عبدالرحمن الحجي، وأتباعه، بل إني أستبق الأحداث بدعوة الحجي أو غيره ممن يقول بنفس قوله، بل أتوسل إليه –إن كان يرى أن قوله حق لا مرية فيه- أن يـُبــِين لنا عن أقواله في هذه المسألة وأدلته، كما أدعوا أتباع الحجي أن يطلبوا منه ذلك، بدل أن يجذبهم إلى حرب ضروس طاحنة، بغير سلاح ولا عتاد، سوى كلمات الوعظ والحماس غير المبنية على أساس.
كما أدعوهم أن يتأملوا في أمرهم وحالهم مع الحجي، وما الذي جرهم إليه:
لقد جرهم إلى ازدراء الأمراء والعلماء والتنقص منهم.
لقد جرهم إلى التفرق عن إخوانهم.
لقد جرهم إلى الانشغال عن عدو الله ورسوله من الحزبيين والحركيين بالانشغال بإخوانهم السلفيين.
لقد جرهم إلى مخالفة سبيل المؤمنين في طريقة التعامل مع هذه المسألة.
وكل ذلك بغير برهان واضح، ولا حجة بينة، ولا رد على أدلة المخالفين، بل بمجرد دعوى الغيرة على التوحيد والسنة! فإلى متى يا إخواننا هذا التفرق والتحزب الذي يمقته الله.
أسأل الله أن يجمع القلوب على الهدى، وأن يأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى.
وكتب: خليفة بن علي العماري
كان الله معه
__________________
قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى
ولا يتنقص أهل الحديث وينتقص علومهم إلا جاهل ضال مفتر .
والجرح والتعديل هم أئمته وهم مرجع علماء الأمة فيه من مفسرين وفقهاء وهم الذين تصدوا لأهل البدع فكشفوا عوارهم وبينوا ضلالهم من خوارج وروافض ومعتزلة ومرجئة وقدرية وجبرية وصوفية , ولا يزالون قائمين بهذا الواجب العظيم , ولا يزال باب الجرح والتعديل قائماً ومفتوحاً ما دام هناك أهل حق وأهل باطل وأهل ضلال وأهل هدى , ولا يزال الصراع قائماً بين الطائفة المنصورة ومن خالفها من أهل الضلال ومن خذلها
http://www.m-noor.com/
|