عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 10-11-2010, 09:34 PM
أبو مصعب زكرياء الدبوسي أبو مصعب زكرياء الدبوسي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: المغرب
المشاركات: 83
شكراً: 6
تم شكره 9 مرة في 8 مشاركة
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى أبو مصعب زكرياء الدبوسي إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو مصعب زكرياء الدبوسي
افتراضي

وجزاك كل خير أخي معاذ ووفقك لكل خير
وهذا تفريغ الدرس الرابع و الثلاثون من شرح الشيخ أبو عمر العتيبي للقواعد والأصول لمنهج السلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم...وهو تكملة لشرح القاعدة (25) ضوابط التكفير وتتمة شرح الضابط الثاني - بيان معنى الإصرار على الذنب وأنواعه

إن الحمد لله ، نحمده ،و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [ آل عمران:102 ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ النساء:1 ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [ الأحزاب: 70 -71 ].
أما بعد ...
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخيرَ الهدي هدْيُ محمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وشرَّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فما زلتُ معكم في هـٰذا الدرس الّذي أسأل الله- عَزَّ وَ جَلَّ أن يجعله مباركا ، و هو بعنوان : " القواعد و الأصول لمنهج خير السلف أصحاب الرسول- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .
و الحديث مازال مستمرا في القاعدة الخامسة و العشرين المتعلقّة بضوابط التبديع و التكفير و التفسيق ، ووصلت في الحديث عن ضوابط التكفير إلى الضابط الثاني ؛ و الضابط الثاني هو : وجوب معرفة أسباب التكفير ليكون الحكم منوطا بأسبابه الّتي بيّنها الشّرع ، و يدخل تحت هذا الأصل معرفة أنّ الكفر كفران : أكبر مخرج من الملّة و أصغر لا يخرج من الملّة ؛ و كذا الشرك و النفاق و الظلم و الجهل ، و يدخل فيه أيضا أنّ الكفر الأكبر لا يُشترط فيه الاستحلال بل مجرد فعله بعد ثبوته عن فاعله تحصل به الردّة عند توفر الشروط و انتفاء الموانع . و يدخل فيه أيضا أنّ المعاصي و الذنوب الّتي ليست من الكفر الأكبر مهما كثرت و تعددت و أصرّ عليها مرتكبها لا تُخرج من الملّة . و كان الحديث في الدرس الماضي عن الاستحلال و أنواعه و ضابطه و متى يكون مجزومًا به و متى لا يكون كذلك .
اليوم أتكلّم عن قضية أخرى متعلقة بهذا الموضوع و هي قضية " الإصرار" . و ربّ العزّة و الجلال يقول في كتابه الكريم :
وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿
فوصف ربّ العزّة و الجلال عباده المتقين بأنّهم لا يصرون على الذنوب و المعاصي ، بل يقلعون عنها ولا يكون في نفوسهم العزم على العودة إليها ، فلا يصرون على فعل الذنوب و لا المعاصي ؛ كما في قول الله - عَزَّ وَ جَلَّ - :
﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران :133 -134-135-136 ]
فما هو الإصرار المراد به في هذه الآية ؟ و ما هي أنواعه ؟.
الإصرار : يقول ابن القيّم - رَحِمَهُ اللهُ - في "مدارج السّالكين" : معنى الإصرار على المعصية هو الاستقرار على المخالفة و العزم على المعاودة .
فيُصرّ بمعنى يبقى على ذنبه إما في الظّاهر و الباطن ؛ و إما يتركها في الظّاهر و لكن تبقى في الباطن موجودة لم يُقلع عنها في باطنه ، و يعزم على أن يعود إلى هـٰذا الذنب ؛ فقلبه مستمر في المعصية.
و من العلماء من عرّف الإصرار بأنّه عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به ، يعني متى تيسرت له دواعي ارتكاب الذنب فإنّه يبادر إليه ، فإنّما يترك الذنب عن عجز ؛ لا عن خوف من الله - عَزَّ وَ جَلَّ و تقوى وإنّما لأنه لم يقدر على ارتكابه بسبب عدم وجود ما يُيسِّره له - و العياذ بالله -.
و قول الله تعالى : ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ
بعض العلماء قالوا: يعني أنّهم لم يقيموا على ذنوبهم و معاصيهم و لكنّهم تابوا و أنابوا فأقلعوا عنها قلبًا و قالبًا. و قال آخرون في معنى الإصرار : أنّهم لم يُواقعوا الذنب إذا همّوا به يعني قد يوجد الهمّ في الباطن و لكنّه لا يواقع الذنب خوفا من الربّ ، فهذا فيه نفي الإصرار الباطن و نفي الفعل الظاهر مع وجود الهمّ و إرادة المعصية ابتداءً لكن بدون إصرار و بدون بحث و تنقيب عنها و مجاهدة في فعلها و الله المستعان - .
و قال آخرون : معنى الإصرار السكوت على الذنب وترك الاستغفار يعني أنّه يعمل الذنب ثمّ لا يحدث توبة ولا يكرر الذنب وربّما كرر ، فإنّه مازال مُصِرا ما دام أنّه لم يتب ؛ لا سيما إذا كان هذا الذنب من كبائر الذنوب .
قال بن جرير - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : و أولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا ؛ قول من قال : الإصرار الإقامة على الذنب عامدًا أو ترك التوبة منه .
فهؤلاء الّذين قال الله فيهم : ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
فإنّهم لا يقيمون على الذنوب عامدين ؛ لا يصرون على ارتكابها و كذلك لا يتركون التوبة بل يبادرون إلى التوبة إلى الله - عَزَّ وَ جَلَّ - .
وأريد أن أنبه إلى أمر هام ؛ إلى أنّ الإصرار له ثلاثة أحوال :
* الأول : أن يكون الذنب الّذي أصرّ عليه و عمله وارتكبه ممّا يُخرج من ملّة الإسلام ، يعني يصرّ مثلا على السجود للصنم ، يصرّ على سب الله ورسوله - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ - ، هذا يصرّ على ارتكاب الأمر الكفري فهذا كفر بمواقعته و لو لم يعزم على العودة إليه ، لكن يُنبه في هذه القضية إلى أمر هامّ و هو : إذا عقد قلبه على الكفر كفر و لو لم يفعل بجوارحه ، و هذه قضية هامّة مع إجماع العلماء عليها تجد هناك من لا يحسنها ولا يفهمها ولا يعرف قول أهل العلم فيها .
إذًا الحال الأول للإصرار : أن يكون الذنب الّذي أصرّ عليه ممّا يُخرج من ملّة الإسلام ، أن يكون من نواقض الإسلام ، فهذا الإصرار كفر لأن الذنب بحدّ ذاته كفر ؛ السجود للصنم و استحلال ما حرّم الله و قتال الأنبياء و الاستهانة بالمصحف ..... هذه الأمور الكفرية لو أن الإنسان أصرّ عليها فإنّ إصراره لا يختلف عن الفعل الّذي أصرّ عليه و عمله وارتكبه لأنه كفر ، فالإصرار على هذا الكفر كفر ، و هذا لا خلاف فيه ، لكن الّذي أردت أن أنبه إليه و هو الإصرار على الذنب الّذي هو من المكفرات المخرجة من ملّة الإسلام كسبّ الله ورسوله بدون ارتكاب الذنب ظاهرا ، فهذا في الباطن يكون كافرا لأنه قصد و عزم على الكفر بالله ، لاسيما يتضح كفره لدينا إذا قال بلسانه إنّه سيكفر غدا أو بعد غدٍ أو بعد حين ، أو قال إذا جاء فلان فإنّي كافر الله أو إذا تولّى فلان منصب الإفتاء سأكفر بالله ، فهذا بمجرد قوله ؛ بل بمجرد عزمه بقلبه إذا تحرك القلب و عمل كفر . ليس الوساوس و الخطرات ؛ هذه لا تُكفر ، إنما إذا تحرك القلب بالعمل هذا في نفسه يكون كافرا ، لكن نحن لا نطّلع على القلوب لذلك نحن ننتظر منه ما يدلنا على ذلك و ذلك إذا كان بقوله أو فعله ( فعله أن يكون قد أهان المصحف - داس على مصحف أو نحو ذلك-) ( بقوله إذا تكلم بهذا الكلام الّذي هو كفر-) .
* القسم الثاني من الإصرار : و هو الإصرار على ترك جميع الواجبات الّتي أوجبها الشّرع ، فيصرّ بقلبه على ترك الفرائض كلّها ، و يدل على إصراره لنا هو تركه الظّاهر لها ؛ فلو أن عبدا أصرّ على ترك الفرائض في باطنه فإنه يكون كافرا ، فإذا ظهر لدينا أنه ترك الفرائض كلّها فإنه يكون كافرا بإجماع أهل العلم . و قد قال عبد الله بن الإمام أحمد- رَحِمَهُ اللهُ - : حدّثنا سُويد بن سعيد الهروي ، قال سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجائي ، فقال: يقولون الإيمان قول ، و نحن نقول الإيمان قول و عمل ، و المرجئة أوجبوا الجنّة لمن شهد أن لا إله إلاّ الله مصرّا بقلبه على ترك الفرائض و سمّوا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ، و ليسا بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية و ترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر و بيان ذلك في أمر آدم صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ و إبليس و علماء اليهود ، أما آدم فنهاه الله - عَزَّ وَ جَلَّ - عن أكل الشجرة و حرّمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملِكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من غير كفر و أما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا ، و أما علماء اليهود فعرفوا نعت النّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - و أنه نبيّ رسول كما يعرفون أبناءهم وأقروا به باللّسان ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله - عَزَّ وَ جَلَّ كفارا ، فركوب المحارم مثل ذنب آدم عَلَيْهِ السَّلامُ - و غيره من الأنبياء ، و أما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس لعنه الله ، و تركها على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود ، و الله أعلم .
فالإصرار بباطنه على ترك الواجبات و الفرائض كلّها مع إلحاق هذا الإصرار القلبي بالترك الظاهر هذا يكون كافرا بإجماع المسلمين ، ولا يُقال أن عنده عمل القلوب أو اعتقاد القلب لا يوجد ؛ مثل هذا لا يمكن أن يكون عنده محبة لله و خوف منه ، فانتبهوا لهذا رعاكم الله - .
* الحال الثالث : هو الإصرار على الذنوب و المعاصي الّتي ليست بكفر كالإصرار على الزنا و الإصرار على اللّواط و الإصرار على السرقة و الإصرار على شرب الخمر ؛ و الإصرار على نحو ذلك من الذنوب الّتي لا تُخرج من الملّة ، فالإصرار عليها بمعنى الاستقرار على المخالفة و العزم على المعاودة و عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به ، هذا لا يكون كفرا بإجماع المسلمين ، أجمع السلف على أن المصرّ على المعصية و الذنب و لو اجتهد في تحصيلها و بدل ماله و جهده في البحث عنها ليفعلها و لو قال بلسانه إني أريد أن أفعل المعصية و الزنا ؛ وأحب أن أفعل الزنا و نحو ذلك هذا لا يكون كافرا بالإجماع ، ولا يكون كلامه هذا قرينة على أنه مستحل في الباطن ، و سيأتي مزيد بيان لهذه المسألة عند الكلام في الدرس القادم إن شاء الله عن المجاهرة بالمعصية .
فالإصرار على الذنب و الإقامة عليه بإجماع أهل السُّنة لا يُخرج من الملّة ، و النّبيّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ ))، و أجمع العلماء على أن مدمن الخمر لو مات مدمنا للخمر لا يكون من الكافرين ، و النّبيّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيء له بصحابي اسمه عبد الله ملقب بالحمار يُؤتى به دائما يشرب الخمر و يُحدّ ، و مع ذلك لما قيل له - لعنه الله قال : (( لا تَلْعَنُوهُ ، فَإنِّي لا أَعْلَمُهُ إلاَّ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُلَهُ )). فلو كان الإصرار على الذنب و المعصية بكفر لكفّره رسول الله - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ - .
فالإصرار على الذنب و المعصية و العزم عليها و الهمّ بها ، كلّ هذا لا يُخرج من ملّة الإسلام بالإجماع ، و لم يقل بأن المصرّ على المعصية يكون كافرا إلا الخوارج و من تشبّه بهم ممن يدّعون أنهم سلفيّون و هم خوارج ؛ حيث يُكفرون بالإصرار ، فالإصرار على المعصية قولا أو فعلا لا يكون كفرا ما دام أنه لم يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام ، فهذا الإصرار لا يكون كفرا و الله أعلم .
قال بن القيّم- رَحِمَهُ اللهُ مبيّنا عِظم هذه المعصية معصية الإصرار على الذنوب - : (و ذلك ذنب آخر لعلّه أعظم من الذنب الأول بكثير ، و هذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبا أكبر منه ، ثمّ الثاني كذلك ، ثم الثالث كذلك ، حتى يستحكم الهلاك ، فالإصرار على المعصية معصية أخرى ، و القعود عن تدارك الفارق من المعصية إصرار و رضًا بها و طُمأنينة إليها ، و ذلك علامة الهلاك يعني أنه على خطر عظيم
يقول بن القيّم : (و أشدّ من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب - جَلَّ وَ عَلاَ – من فوق عرشه إليه ؛ فإنه آمن بنظره إليه و أقدم على المجاهرة ، فعظيم) يعني أنه مع معرفته بأن الله مطّلع عليه و مع ذلك يفعل المعصية بل يجاهر بها فهذا عظيم لكنّه ليس بكافر طبعا ، لكن يقول بن القيّم : (و إن لم يؤمن بنظره إليه و اطّلاعه عليه فكفر وانسلاخ من الإسلام بالكليّة ) ، ليس الكفر الّذي بسبب المجاهرة ؛ الكفر هنا بسبب إنكاره أن الله يطّلع عليه و هذا طعن في الربّ و كفر به ، فالّذي يُنكر اطلاع الربّ على العباد و علمه بأحوالهم هذا كافر بإجماع أهل العلم ، أما إنكار الصفة الّتي هي صفة الرؤية فهذه من صفات أهل البدع من الجهمية و المعتزلة و الأشاعرة و هي في الحقيقة كفر ، لكنه لا يُكفر إلا إذا أقيمت عليه الحجة و أزيلت عنه الشبهة
يقول :( فهو دائر بين الأمرين) يعني المجاهر و المصرّ على المعصية (بين قلة الحياء و مجاهرة نظر الله إليه و بين الكفر و الانسلاخ من الدين ) يعني إذا أنكر اطلاع الله عليه ( فلذلك يُشترط في صحة التوبة تيقّنه أن الله كان ناظرا ولا يزال مطلعا عليه ، يراه جهرة عند مواقعة الذنب لأن التوبة لا تصح إلا من مسلم أو إلا من سلم ألاّ يكون كافرا بنظر الله إليه جاحدا له ، فتوبته دخوله في الإسلام وإقراره بصفات الربّ - جَلَّ وَ عَلاَ - )
و مما يُؤثر عن السلف في هذه المسألة وهي أثر عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : ( لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ وَ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرَارِ ) و هـٰذا الحديث رُوي مرفوعا عن النّبيّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ ولا يصح ، بل هو صحيح موقوفا عن بن عباس . ( لَا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرَارِ وَ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ )، و ذلك أن الإصرار على الصغائر يصيّرها كبيرة ، فالإصرار أمره عظيم ينبغي و يجب على المسلم و خاصة الشباب أن ينتبهوا لهذا ، فإن الإنسان قد يتساهل في بعض المعاصي من صغائر الذنوب كالنظر إلى الصور المحرمة ، فإن هذا حرام و هو من صغائر الذنوب ، لكنه إذا استمرأ ذلك واستمر عليه فإن هـٰذا النظر يصبح من كبائر الذنوب .
لذلك يقول بن القيّم- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- :(وأما الحديث الآخر لو لقيتني بتراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة فلا يدل على أن ما عدا الشرك كله صغائر ، بل يدل على أن من لم يُشرك بالله شيئا فذنوبه مغفورة كائنة ما كانت و لكن ينبغي أن يعلم ارتباط إيمان القلوب بأعمال الجوارح و تعلقها بها و إلا لم يفهم مراد الرسول - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ و يقع في الخلط و التخبيط فاعلم أن هذا النفي العام للشرك ؛ أن لا يشرك بالله شيئا البتّة يعني لا أصغر ولا أكبر - و قال : هذا لا يصدر من مصرّ على معصية أبدا ، ولا يمكن مدمن الكبيرة و المصرّ على الصغيرة أن يصفو له الوحيد حتى لا يُشرك بالله شيئا هذا من أعظم المحال - يعني الّذي يفعل الكبائر و يصرّ على الصغائر هـٰذا لابد أن يكون عنده شيء من الشرك الأصغر ، قال : ولا يُلتفت إلى جدلي لا حظ له من أعمال القلوب بل قلبه كالحجر أو أقسى يقول يعني هذا الجدلي و ما المانع؟ وما وجه الإحالة ؟ و لو فرضت ذلك واقعا لم يلزم منه محال لذاته هذا كلام الجدلي يقول بن القيّم : فدع هذا القلب المفتون بجدله و جهله ، واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله و رجائه لغير الله و حبه لغير الله و ذله لغير الله و توكله على غير الله ما يصير به منغمسا في بحار الشرك يعني أن الإنسان قد يصل به الإصرار عى الذنوب و الكبائر و المعاصي إلى درجة ينسلخ بها من دين الإسلام ، و يؤديه حرصه على الدنيا والتفاته إليها و ضعف القلب بسبب المعاصي و الذنوب فيُظلِم قلبه فينغمس في بحار الشرك . يقول الحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل فإن دل المعصية لابد أن يقوم بالقلب ، كما في حديث بن مسعود في ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين : 14] يقول : (فيورثه خوفا من غير الله تعالى و ذلك شرك ، و يورثه محبة لغير الله و استعانة بغيره ، من الأسباب الّتي توصله إلى غرضه فيكون عمله لا بالله و لا لله و هذا حقيقة الشرك ) نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل و عبّاد الأصنام و هو توحيد الربوبية و هو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله ، و لو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عبّاد الأصنام و الشأن في توحيد الإلهية الّذي هو الفارق بيت المشركين والموحدين ، و المقصود أن من لم يشرك بالله شيئا يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا مصرا عليها غير تائب منها مع كمال توحيده الّذي هو غاية الحب و الخضوع و الذل و الخوف و الرجاء للربّ تعالى .
إذن بارك الله فيكم الإنسان لابد أن يعاهد قلبه و أن يصحح مساره ، فلا ينغمس في المعاصي و الذنوب لأنها تورث الذل وربما توقع صاحبها في الشرك لاسيما وأن المعصية بريد الكفر كما هو معلوم ، فانتبهوا بهذه القضية ، فقولنا إن المصرّ لا يكون كافرا ليس معناه أن يستهين الناس بالإصرار في الذنوب و المعاصي فإن هذا أمر عظيم ، فالإصرار على المعصية ، الإصرار على الكبيرة هذا ذنب غير ارتكاب الكبيرة ، عزمه على العودة إليها و عقد القلب على أنه دائما أنه يفعلها متى تمكن منها هذا إثمه عظيم و قلة حياء مع رب العالمين ، لذلك يجب على المسلم أن يحاول جاهدا أن يبتعد عن الذنوب و المعاصي و يكثر من الاستغفار و ينقي قلبه و يتوب إلى الله - عَزَّ وَ جَلَّ - . يقول بن رجب - رَحِمَهُ اللهُ في جامع العلوم و الحكم : وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصف به النّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الوصية في قوله تعالى :
﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران :133 -134-135-136 ]
فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق و كظم الغيظ و العفو عن الناس ، فجمع بين وصفهم ببذل الندى واحتمال الأذى ، و هذا هو غاية حسن الخلق الّذي وصى به النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ ، ثم وصفهم بأنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و لم يصروا عليها فدل على أن المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر و هي الفواحش و صغائر و هي ظلم النفس لكنهم لا يصرّون عليها بل يذكرون الله عقب وقوعها فيستغفرونه و يتوبون إليه منها و التوبة هي ترك الإصرار ، و معنى قوله : ﴿ذَكَرُواْ اللّهَ ﴾ أي ذكروا عظمته و شدة بطشه وانتقامه وما توعد به على المعصية من العقاب فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال و الاستغفار و ترك الإصرار ، و قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف :201 ]
و في الصحيحين عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (( أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّي إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لي فَقَالَ اللهُ : عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ و يَأْخُذُ بالذَنْبِ ؛ قَدْ غَفَرْتُ لعَبْدي ، ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ ... إلى أنْ قَالَ في الرَّبِعَةِ فَلْيَعْمَلْ مَا شَاء )) يعني ما دام على هذا الحال كلما أذنب ذنبا استغفر منه ، يعني أن هذا لا يكون مصرّا ؛ هذا استغواه الشيطان فتاب ، استغواه فتاب ، هذا حال العبد ، و هذا الإنسان ما دام أنه يتوب و يرجع إلى الله هذا فيه خير ، لكن المصيبة كل المصيبة فيمن يصرّ ولا يقلع عن الذب و توبته تكون توبة كاذبة . يقول بن رجب - رَحِمَهُ اللهُ - بعد أن ذكر ذلك الحديث وفي الترمذي من حديث أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عن النّبيّ- عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ قال : (( مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي اليَوْمِ سَبْعينَ مَرَّةً )) و هذا إسناده ضعيف - .
و خرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر أن رجلا أتى النّبيّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ فقال : - يا رسول الله أحدنا يُذنب قال : (( يُكْتَبُ عَلَيْهِ )) ، قال ثم يستغفر منه قال : (( يُغْفَرُ لَهُ وَ يُتَابُ عَلَيْهِ )) ، قال فيعوذ فيذنب قال : ((يُكْتَبُ عَلَيْهِ )) ، قال ثم يستغفر منه و يتوب قال : (( يُغْفَرُ لَهُ وَ يُتَابُ عَلَيْهِ وَلا يَمَلَّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا )) - و هذا الحديث في إسناده عبد الله بن صالح كاتب بن ليث و فيه ضعف -.
يقول بن رجب : و خرج الطبراني بإسناد ضعيف عن عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْها قالت : جاء حبيب بن الحارث إلى النّبيّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ فقال : يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب ، قال : (( فَتُبْ إلى الله - عَزَّ وَ جَلَّ -)) قال : أتوب ثم أعود
قال : (( فَكُلَّمَا أذْنَبْتَ فَتُبْ )) قال : يا رسول الله إذن تكثر ذنوبي ، قال : (( فَعَفْوُ اللهِ أَكْثَرُ مِنْ ذُنُوبِكَ يَا حَبِيب ابن الحارث )) و خرجه بمعناه من حديث ابن أنس مرفوعا بإسناد ضعيف - ، و بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال : من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها و استغفر الله لم يحبسها شيء حتى يُمحاها و في إسناده ضعف يسير - .
و روى بن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال : (خياركم كل مفتَّنٍ تواب ) قيل فإن عاد ؟ قال : (يستغفر الله و يتوب) ، قيل فإن عاد ؟ قال : (يستغفر الله و يتوب) ، قيل فإن عاد ؟ قال : (يستغفر الله و يتوب) ، قيل حتى متى ؟ قال: ( حتى يكون الشيطان هو المحصور ) يعني هو الّذي يتعب و يَعْي.
قال و خرج بن ماجة من حديث بن مسعود مرفوعا : (التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) و هذا حديث حسن ، حسّنه شيخنا و له طرق
و قيل للحسن : ألا يستحيي أحدنا من الربّ يستغفر من ذنوبه ثم يعود ، ثم يستغفر ثم يعود .. فقال : (ود الشيطان من لو ظفر منكم بهذه ) يعني اليأس و القنوط من رحمة الله- (فلا تملوا من الاستغفار) .
و رُوي عنه أنه قال : ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين يعني أن المؤمن كلما أذنب تاب و قد رُوي : (المُؤْمِنُ مفتُّنٌ تَوَّابٌ )و هذا حديث حسن في [........36:45....] في الصحيحة .
و رُوي من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعا : ( المؤمن واهٍ راقع فسعيد من هلك على رقعه ) لكن هذا حديث ضعيف -.
و قال عمر بن عبد العزيز في خطبته : ( من أحسن منكم فليحمد الله و من أساء فليستغفر الله فإنه لابد لأقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم و كتبها عليهم ) و في رواية أخرى عنه أنه قال: ( أيها الناس من ألمّ بذنب فليستغفر الله و ليتب ، فإن عاد فليستغفر الله و ليتب، فإن عاد فليستغفر الله و ليتب ، فإنما هي خطايا مُطوقة في أعناق الرجال ، و إن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها) انتبهوا لهذا يقول بن رجب و معنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قُدر عليه من الذنوب ، كما قال النّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(( كُتِبَ عَلى ابْنِ آدم حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلكَ لَا مَحَالَةَ )) - الحديث في الصحيحين قال : (( و لَكِنَّ اللهَ جَعَلَ للعَبْدِ مَخْرَجًا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ و مَحَاهُ بالتَّوْبَةِ و الاسْتِغْفَارِفَإنْ فَعَلَ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِنْ شَرِّ الذَّنْبِ ،و إنْ أَصَرَّ عَلى الذَّنْبِ هَلَكَ )).
و في المسند من حديث عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ قال : (( اِرْحَمُوا تُرْحَمُوا ، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ ، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ القَوْلِ ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُون َ)) و إسناده صحيح - ، و فُسّر أقماع القول بمن كانت أذُناه كالقمع لما يسمع من الحكمة و الموعظة الحسنة فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج من الأخرى و لم ينتفع بشيء مما سمع. انتهى الكلام المتعلق حول الإصرار على الذنوب .
نسأل الله - عَزَّ وَ جَلَّ أن يتوب علينا جميعا ، و أن يلهمنا رشدنا ، وأن يكفينا شر أنفسنا و شر نزغات الشيطان ، و أن يجعلنا ممن إذا أذنب استغفر ، و نسأله أن يعصمنا من الذنب و الزلل ، و أن يعفو عنا و أن يغر لنا و يرحمنا .
والله تعالى أعلم و صلى الله وسلم على نبيّنا محمد ، و الحمد لله رب العالمين .

__________________
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ الشبع ، إن القوم لما شبعت بطونهم ، جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا .

رقم القيد : 182
رد مع اقتباس