[المساجد وأهمّيتها]
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-
قال الشيخ الفوزان -حفظه الله- في كتاب (شرح بلوغ المرام):
"فالمساجد هي محلّ إقامة الصلوات المفروضة، ولها أحكام أرشد إليها النّبي -صلى الله عليه وسلّم- يجب معرفتها. والمساجد: جمع مسجد بكسر الجيم، ويُقال: مسجَد بفتحها، والمسجد بكسر الجيم هو مكان الصلاة المخصص لها، وأمّا المسجد بفتح الجيم فالمراد به موضع السّجود. والمساجد هي أحبّ البقاع إلى الله، وبناؤها من أفضل الأعمال، كما جاء في الحديث: ((من بنى لله مسجداً ولو كمفحَصِ قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)). والمساجد هي بيوت الله سبحانه وتعالى، نوّه بشأنها في كتابه الكريم يعد أن ذكر نوره الذي يلقيه في قلوب أهل الإيمان، فقال: {اللهُ نورُ السماواتِ والأرضِ مثلُ نورهِ كمشكاةٍ فيها مصباحٌ} ثم ذكر أن مكان هذا النّور ومنطلقه هو المساجد، فقال: {في بيوتٍ أذِنَ الله أن تُرفعَ ويُذكرَ فيها اسمهُ يسبّح له فيها بالغدوِّ والأصالِ*رجالٌ لا تلهيهمْ تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ يخافونَ يوماً تتقلبُ فيهِ القلوبُ والأبصارُ} فهذه البيوت هي المساجد، أذن أذن الله أن ترفع، أي: شرع أن ترفع بالبناء المناسب، وأن ترفع أيضاً بالرفع المعنوي وهو التشريف والتكريم والصيانة لها ورفْعُ قدرها عند المسلمين، وذلك بعمارتها بذكر الله -سبحانه وتعالى- والصلاة والطاعات، كما قال تعالى: {إنما يعمرُ مساجدَ اللهِ منْ آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ وأقامَ الصلاةَ وءاتى الزكاةَ ولم يخشَ إلا اللهَ} فالعمارة تكون بالطّين ومواد البناء لكنها وحدها لا تكفي لأن عمارتها بطاعة وعبادة الله -سبحانه وتعالى- هذه هي العمارة الحقيقية، أمّا أن تشيّد المساجد ولا يُصلّى فيها، وأيضاً لا يكون فيها ما كان في المساجد في صدر الإسلام من نور العلم والتعليم فإن هذه المساجد لا تُؤدي الغرض المطلوب من إيجادها، فإن المساجد كانت في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي عهد السّلف الصالح، كانت منارات إشعاع للمسلمين، يؤدُّون فيها صلواتهم جماعة ويتلقَّون فيها العلم من علمائهم ويدرسون فيها كتاب الله عز وجل ويتدارسونه فيما بينهم ويعتكفون فيها الأيام العديدة في طاعة الله -سبحانه وتعالى-، كما أن كان يجلس فيها العلماء للفتيا ولحلّ الخصومات والقضاء بين المسلمين، وكذلك كانت تعقد فيها رايات الجهاد في سبيل الله، ويُعيّن فيها القادة للجهاد، كلّ ذلك في المساجد، فقد كانت المساجد في عهد السّلف الصالح مصدر الخير -بجميع أنواعه- للمسلمين، وأمّا في العصور الأخيرة فإن المساجد عُطّلت من كثير من وظائفها، حتى من الصلاة، فأصبحت لا تُؤدى فيها كما كانت تُؤدى في عهد السّلف الصالح، بل أُحدث فيها من البدع والضلالات ما يتنافى مع حُرمتها ومكانتها ووظيفتها، أُحدث فيها دفن الأموات، وأُحدثت فيها بدع الصوفيّة وغير ذلك من المنكرات ولذلك ضعف أثر المساجد في حياة المسلمين في وقتنا الحاضر، فالتعليم أُخرج منها وجُعل في المدارس والجامعات لذا فقد حصل على المسلمين نقص كثير من منافع المساجد لأن المساجد فيها سرّ ففيها تنزل الرحمة وفيها تلتقي الملائكة وفيها خضوع المسلم لربّه وخالقه بخلاف ما إذا كان ذلك خارج المسجد، فالحاصل أن المساجد لها مكانة عظيمة في الإسلام وقد نوّه الله بشأنها في كتابه الكريم وتوعّد من منع المساجد أن يُذكر اسم الله فيها، فقال -سبحانه وتعالى-: {ومنْ أظلمُ ممن منعَ مساجدَ اللهِ أنْ يُذكرَ فيها اسمهُ وسعى في خرابها أولئك ما كانَ لهمْ أن يدخلوها إلا خائفينَ لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ}. وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كلّ إساءة أدب في المساجد كالتفل والتنخّم والبصاق فيها، وكذلك نهى عن البيع والشراء وإنشاد الضالة فيها، كما أمر -صلى الله عليه وسلم- بتطهير المسجد لمّا بال فيه الأعرابي، فدعا بذنوب من الماء فأهراقه عليه. ...وقد كان علماء الحديث يخصصّون لها باباً خاصّاً كما في صحيح البخاري وغيره وكما في هذا الكتاب [بلوغ المرام] كما أنه أُلّفت في المساجد مؤلفات مستقلّة ذُكرت فيها الآيات والأحاديث الخاصّة بالمساجد مع ذكر تفسيرها وذكر كثير من أحكامها، ومن هذه الكتب: كتاب (المساجد) للإمام الزركشي الشافعي وكتاب (تطهير المساجد من البدع والعوائد) للشيخ جمال الدين القاسمي وكتاب (تحذير السّاجد من اتخاذ القبور مساجد) للشيخ ناصر الدين الألباني".