الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ومن والاه
ذكر أقوال جماعة من أهل العلم في حديث الرجل الذي عرس بامرأة أبيه
1- قول الإمام أحمد
مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله ج 1 ص 351 و352
في الرجل يتزوج ذات المحرم
1294 سألت أبي عن الرجل يتزوج بذات محرم منه وهو لا يعلم به ثم علم
قال إن كان عمدا يضرب عنقه ويؤخذ ماله وإن كان لا يعلم يفرق بينهما كأنه استحسن أن يكون لها ما أخذت ولا يرجع عليها بشيء
قلت لأبي حديث البراء أن رجلا أعرس بامرأة أبيه
قال ذاك على أنه علم تزوج وأعرس بامرأة أبيه هذا لا يكون إلا على العلم
1295 سألت أبي عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا تزوج امرأة أبيه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وأخذ ماله
قال أبي نرى والله أعلم أن ذلك منه على الاستحلال فأمر بقتله بمنزلة وأخذ ما له
قال أبي وكذلك المرتد لا يرثه أهله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يرث المسلم الكافر
مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح ج 3 ص 131
من تزوج امرأة أبيه
1497 قلت الذي تزوج امرأة أبيه أو أمته يستتاب
قال لا هذا على الاستحلال يقتل إذا عرس
2- قول الإمام الطبري
تهذيب الآثار مسند ابن عباس للطبري ج 1 ص 572 – 574
فإن قال فإنك وجهت معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ومن وقع على بهيمة فاقتلوه إلى أنه قتل بالرجم إذ كان حرا محصنا والأخبار التي ذكرتها آنفا عن البراء بن عازب وغيره واردة عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بضرب عنق الذي عرس بزوجة أبيه وذلك غير الرجم قيل إن الذي أمر عليه السلام بضرب عنقه لم يكن أمرا بضرب عنقه على إتيانه زوجة أبيه فقط دون معنى غيره وإنما كان لإتيانه إياها بعقد نكاح كان بينه وبينها وذلك مبين في الأخبار التي ذكرتها قبل وذلك قول الرسول الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الذي فعل ذلك للبراء إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إلى رجل تزوج امرأة أبيه لأضرب عنقه ولم يقل إنه أرسلني إلى رجل زنى بامرأة أبيه لأضرب عنقه وكان الذى عرس بزوجة أبيه متخطيا بفعله حرمتين وجامعا بين كبيرتين من معاصي الله
إحداهما عقد نكاح على من حرم الله عقد النكاح عليه بنص تنزيله بقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء سورة النساء 22
والثانية إتيانه فرجا محرما عليه إتيانه
وأعظم من ذلك تقدمه على ذلك بمشهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلانه عقد النكاح على من حرم الله عليه عقده عليه بنص كتابه الذي لا شبهة في تحريمها عليه وهو حاضره
فكان فعله ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه به عن الله تعالى ذكره وجحوده آية محكمة في تنزيله
فكان بذلك من فعله كذلك عن الإسلام إن كان قد كان للإسلام مظهرا مرتدا أو إن كان من الكفار الذين لهم عهد كان بذلك من فعله وإظهاره ما ليس له إظهاره في أرض الإسلام للعهد ناقضا وكان بذلك من فعله حكمه القتل وضرب العنق
فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وضرب عنقه إن شاء الله لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام والناقض عهده من أهل العهد وفى خبر البراء الذي ذكرناه قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضرب عنق الذي تزوح امرأة أبيه الدليل الواضح والبيان البين عن خطأ قول من زعم أن رجلا من المسلمين لو تزوح أخته أو عمته أو غيرها من محارمه التي نص الله على تحريمها في كتابه وعقد عليها عقدة نكاح ثم وطئها وهو بتحريم الله ذلك عليه عالم أن للمنكوحة من محارمه مهر متاعها وأنه لا حد عليه ولا عليها عقوبة ولا تعزيز وأن النكاح الذي عقد عليها شبهة توجب درأ الحد عنهما ويلزم الرجل لها به مهر إذا وطئها
وذلك أن فاعل ذلك على علم منه بتحريم الله ذلك على خلقه إن كان من أهل الإسلام إن لم يكن مسلوكا به فى العقوبة سبيل أهل الردة بإعلانه استحلال ما لا لبس فيه على ناشىء نشأ فى أرض الإسلام أنه حرام فغير مقصر به عن عقوبة الزناة الذين جعل الله عقوبة البكر غير المحصن منهم الجلد والثيب المحصن منهم الرجم لأنه بفعله ذلك آت فرجا حرم الله عليه إتيانه على علم منه بتحريم الله ذلك عليه فى حال إتيانه إياه
3- قول الإمام الطحاوي
مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ج 4 ص 442
فإن قيل روى البراء بن عازب قال مر بي خالي أبو بردة ومعه الراية فقلت إلى أي تذهب فقال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله فهذا يدل على أن ميراث المرتد فيء
قيل له إنما فعل ذلك لأن الرجل كان محاربا مع استحلاله لذلك حربيا فكان ماله مغنوما لأن الرايات إنما تعقد للمحاربة وقد روى معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن يضرب عنقه ويخمس ماله فهذا يدل على أن مال ذلك الرجل كان مغنوما بالمحاربة ولذلك أخذ منه الخمس
شرح معاني الآثار للطحاوي ج 3 ص 149
وفي الحديث أَيْضًا أَنَّهُ بَعَثَهُ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أبيه وَلَيْسَ فيه أَنَّهُ دخل بها فإذا كانت هذه الْعُقُوبَةُ وَهِيَ الْقَتْلُ مَقْصُودًا بها إلَى الْمُتَزَوِّجِ لِتَزَوُّجِهِ دَلَّ ذلك أنها عُقُوبَةٌ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لاَ بِالدُّخُولِ وَلاَ يَكُونُ ذلك إلَّا وَالْعَاقِدُ مُسْتَحِلٌّ لِذَلِكَ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَهُوَ عِنْدَنَا على أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَدَخَلَ بها قِيلَ له وهو عِنْدَ مُخَالِفِك على أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَاسْتَحَلَّ فَإِنْ قال ليس لِلِاسْتِحْلاَلِ ذِكْرٌ في الحديث قِيلَ له وَلاَ لِلدُّخُولِ ذِكْرٌ في الحديث فان جَازَ ان تَحْمِلَ مَعْنَى الحديث على دُخُولٍ مَذْكُورٍ في الحديث جَازَ لِخَصْمِك أَنْ يَحْمِلَهُ على اسْتِحْلاَلٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الحديث
4- قول الإمام الجصاص
أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 40
فإن احتج محتج بحديث البراء بن عازب قال مر بي خالي أبو بردة ومعه الراية فقلت إلى أين تذهب فقال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله وهذا يدل على أن مال المرتد فيء
قيل له إنما فعل ذلك لأن الرجل كان محاربا مع استحلاله لذلك حربيا فكان ماله مغنوما لأن الراية إنما تعد للمحاربة وقد روى معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن يضرب عنقه ويخمس ماله وهذا يدل على أن مال ذلك الرجل كان مغنوما بالمحاربة ولذلك أخذ منه الخمس
5- قول الإمام الماوردي
الحاوي الكبير للماوردي ج 8 ص 146
والدليل على أن المرتد لا يورث ويكون ماله فيئا رواية أسامة بن زيد أن النبي قال : ' لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم '
فإن منعوا من إطلاق اسم الكفر على المرتد دللنا عليه بقوله تعالى : إن الذين آمنوا ثم كفروا وقوله : ' لا يحل مال امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان ' وروى معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه فأمرني بضرب عنقه وخمس ماله فجعله النبي باستحلال ما نص الله تعالى على تحريمه مرتدا ، وجعل ماله بتخميسه إياه فيئا
الحاوي الكبير للماوردي ج 11 ص 287
وقد روى البراء بن عازب قال : رأيت عمي ومعه راية ، فقلت إلى أين تذهب ، فقال : أرسلني رسول الله إلى رجل أعرس بامرأة أبيه أن أقتله وآتيه برأسه وأخمس ماله .
والعرسة اسم للوطء في نكاح فاحتمل تخميس ماله ، لأنه استحل ذلك فصار مرتداً وصار ماله بالردة فيئاً واحتمل إن لم يستحله فقتله حدا وخمس ماله عقوبة
6- قول الإمام الشوكاني
نيل الأوطار للشوكاني ج 7 ص 286
( وَالْحَدِيثُ ) فيه دَلِيلٌ على أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِ من خَالَفَ قَطْعِيًّا من قَطْعِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فإن اللَّهَ تَعَالَى يقول وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ
وَلَكِنَّهُ لا بُدَّ من حَمْلِ الحديث على أَنَّ ذلك الرَّجُلَ الذي أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ وَفَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا وَذَلِكَ من مُوجِبَاتِ الْكُفْرِ وَالْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ لِلْأَدِلَّةِ الْآتِيَةِ
7- قول الشيخ العظيم آبادي
عون المعبود للعظيم آبادي ج 12 ص 95
( أعرس بامرأة أبيه ) أي نكحها على قواعد الجاهلية وعد ذلك حلالا فصار مرتدا قاله في فتح الودود
8- قول الإمام ابن تيمية
كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه لابن تيمية ج 20 ص 91و92
وأيضا حديث ابى بردة بن نيار لما بعثه النبي إلى من تزوج امرأة أبيه فأمره أن يضرب عنقه ويخمس ماله فإن تخميس المال دل على أنه كان كافرا لا فاسقا وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله
قلت : وفي فتح الباري لابن حجر ج 12 ص 118
وأشهر حديث في الباب حديث البراء لقيت خالي ومعه الراية فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه أخرجه أحمد وأصحاب السنن وفي سنده اختلاف كثير وله شاهد من طريق معاوية بن مرة عن أبيه أخرجه ابن ماجة والدارقطني وقد قال بظاهره أحمد وحمله الجمهور على من استحل ذلك بعد العلم بتحريمه بقرينة الأمر بأخذ ماله وقسمته
قلت – خالد - : وفي حاشية السندي على سنن النسائي ج 6 ص 110
نكح امرأة أبيه على قواعد أهل الجاهلية فإنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم ويعدون ذلك من باب الإرث ولذلك ذكر الله تعالى النهي من ذلك بخصوصه بقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم مبالغة في الزجر عن ذلك فالرجل سلك مسلكهم في عد ذلك حلالا فصار مرتدا فقتل لذلك وهذا تأويل الحديث عند من لا يقول بظاهره والله تعالى أعلم قوله وأخذ ماله ظاهره من قتل مرتدا فماله فيء والله تعالى أعلم
وفي تحفة الأحوذي للمباركفوري ج 4 ص 498
والحديث دليل على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعيا من قطعيان الشريعة كهذه المسألة فإن الله تعالى يقول ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر صلى الله عليه وسلم بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلا وذلك من موجبات الكفر والمرتد يقتل
قلت – خالد - : وقد سئل العلامة العباد في شرحه لسنن أبي داود
السؤال : هل هذا الفعل يعتبر كفراً مخرجاً من الملة إذ التخميس يدل على استحلال الشيء؟
الجواب: نعم، التخميس يدل على أن هذا القتل إنما هو لكفره؛ لأن كونه يخمس ماله كما يخمس الفيء، والفيء: هو ما يحصل من الكفار ولا يحصل من المسلمين.
السؤال: هل حكم عليه بالتكفير بالفعل فقط؟ الجواب: الظاهر أنه كفر بالفعل، ويمكن أن يكون الاستحلال موجوداً، كونه عقد على شيء معلوم ومعروف أنه لا يحل، وأن هذا شيء ليس من الأمور التي تخفى، وهي واضحة جلية فيكون ذلك يدل على استحلاله.
قلت – خالد - : في ذكر التخميس للمال الحجة على كفره فإن التخميس للمال لم يشرع لمعصية دون الكفر فذكره مع ضرب عنقه حجة على كفره وفي التعليل بنكاحه لامرأة أبيه الحجة على أن هذا الفعل هو علة القتل والتكفير وفي المسألة نزاع بين أهل العلم في صحة حديث البراء في قتل الرجل الذي عرس بامرأة أبيه ثم في توجيهه وما ذكرته هنا هو الراجح إن شاء الله تعالى وقد حقق العلامة الألباني في الإرواء صحة الحديث ج8 ص18
قلت – خالد - : وفيه من فقه الاعتقاد أن الكفر يقع بالفعل إذا كان الفعل صريحا في الكفر غير محتمل فمن ذلك ما في تعظيم قدر الصلاة لابن نصر ج 2 ص 930
قال إسحاق ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ومما جاء من عنده ثم قتل نبيا أو أعان على قتله وإن كان مقرا ويقول قتل الأنبياء محرم فهو كافر وكذلك من شتم نبيا أورد عليه قوله من غير تقية ولا خوف
وفي روضة الطالبين للنووي ص 249
واعلم أن اشتراط التوبة بالقول في القذف مشكل وإلحاقه بالردة ضعيف فإن اشتراط كلمتي الشهادة مطرد في الردة القولية والفعلية كإلقاء المصحف في القاذورات
قلت – خالد - : وفي الذخيرة للقرافي ج 12 ص 13
الجناية الثانية الردة
نسأل الله تعالى العافية منها ومن غيرها والنظر في حقيقتها وحكمها النظر الأول : في حقيقتها وهي عبارة عن قطع الإسلام من مكلف وفي غير البالغ خلاف إما باللفظ أو بالفعل كإلقاء المصحف في القاذورات
في كتابه ( منهج أهل السنة و الجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف ) ص 106 :
" و المقصود : أن من تكلم بلا علم يسوغ ، و قال غير الحق ، فإنه يسمى كاذبا .... " اهـ .
قال العلامة الربيع
حفظه الله
الكذَّاب أخبث عند أهل السنة من المبتدع
أخـطــاء خطيرة للدكتور " طـلـعـت زهــران " في بحثه عن << الاسـتـحـلال >>
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وبعد /
فقد ناولني بعض الإخوة منذ عدة أشهر بحثا ًً مطبوعا ً بعنوان : " الاستحلال " كتبه الدكتور طلعت زهران فقرأته متفحصا ً فلم أجده بحثا ً موفقا ً ووافيا ً في موضوعه ؛ وإنما غلب عليه العجلة والتسرع وعدم التحقيق للمسائل والاعتماد على ما ينشر في الشبكة العنكبوتية دون تمحيص ورجوع لكتب أهل العلم ، فألقيته جانبا ً وقلت في نفسي سيُنسى هذا البحث ويترك الناس مافيه ويعودوا إلى كتب الأئمة ففيها غنية إن شاء الله لكل طالب علم .
إلا أنه بلغني عن بعض طلبة العلم أنه أثنى عليه وصار يعول عليه في مسألة الاستحلال وفهمها فأسفت لذلك أشد الأسف ورأيت أنه لابد من تنبيه صاحبه والإخوة لبعض الأخطاء الموجودة فيه حتى يحذروها ولا يقعوا فيها نصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين .
وأنقل لك ـ أخي الكريم ـ عنوانا ً للدكتور طلعت وضع تحته تأصيلا ً به بعض الأخطاء العقدية وأقوم إن شاء الله بالتنبيه عليها وكل ما كان باللون الأحمر فهو نص كلام للدكتور طلعت زهران ...... يقول في الصفحة الثانية من بحثه :
( * الاعتقاد محله القلب ،
وهذا يعني أن ما يرجع التكفير به للاعتقاد فيشترط فيه معرفة الاعتقاد بالتصريح لا بالالجتهاد [ كذا ] . فلا يكفر صاحب الكبيرة إلا بعد أن يصرح هو بلسانه أنه يعتقد الحل في قرارة قلبه .
وهناك مكفرات يكفر صاحبها بمجرد قيامها بالجوارح دون اعتقاد : كسب الله تعالى والاستهزاء بالنبي ، صلى الله عليه وسلم والسجود للصنم . فالكفر في هذه الأمثلة يعلق بالجوارح لا بالقلب .
وبطريقة أخرى :
أهل السنة يرون أنه لا كفر في الظاهر = الجوارح إلا ومعه كفر في الباطن = القلب .
لكنهم عندما يكفرون بالأمور المكفرة فإنهم يعلقون التكفير بالجوارح لا بالاعتقاد ، فقولهم بالتلازم بين الظاهر والباطن إنما هو تفسير لحال الرجل وليس لتعليق التكفير بالاعتقاد .
أما الجهمية فترى أنه لم يكفر إلا لاعتقاده ، لا لعمل جوارحه .
الخلاف ليس في وجود الفساد في الباطن ، فهذا أمر تتفق فيه الجهمية مع أهل السنة .
الخلاف في تعليق الكفر بالباطن في الأمور المكفرة بالجوارح .
مثلا ً :
ساب الله تعالى كافر عند أهل السنة وعند الجهمية وهو فاسد الظاهر والباطن عند الجميع لكن أهل السنة يعلقون التكفير بالظاهر = الجوارح فيقولون : مع أنه سبه لله تعالى يدل على استهانته بالذات الإلهية : إلا أنه كافر بمجرد صدور السب منه ولو لم يستحل ذلك .
والجهمية تعلق التكفير بالاعتقاد فتقول :
هو كافر ، لأن سبه لله تعالى قرينة على أنه مستهين بالذات الإلهية في قرارة قلبه .
فسبب كفره عند أهل السنة : السب .
وسبب كفره عند الجهمية: قرينة الاعتقاد الباطن، فالسب عندهم ليس كفرا ً لكنه دليل على كفر الباطن .) انتهى كلام الدكتور طلعت زهران .
وهذا الكلام عند التأمل ملئ بالتناقضات والخلط بين اعتقاد أهل السنة واعتقاد الجهمية وإليك البيان مفصلا ً بنقل نص كلامه والتعليق عليه :
[ 1 ] يقول الدكتور :
" ( * الاعتقاد محله القلب ، "
قلت ُ :
هذه العبارة خاطئة وهي قول الجهمية ، فالاعتقاد عند أهل السنة يكون بالقول والعمل ؛ قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح كما ذكر شيخ الإسلام في الواسطية فليس الاعتقاد بالقلب فقط كما يقول الدكتور وهذا سيجره إلى أخطاء أخرى تأتي لاحقا ً .
[ 2 ] يقول الدكتور :
" وهذا يعني أن ما يرجع التكفير به للاعتقاد فيشترط فيه معرفة الاعتقاد بالتصريح لا بالالجتهاد [كذا] . "
قلت ُ :
وهذه أيضا ً عبارة خاطئة مبنية على الخطإ الأول ، فالكفر عند أهل السنة يكون بالقول والفعل والاعتقاد ، أما التكفير فلابد من وجود شروط وانتفاء موانع .
فأهل السنة يفرقون بين الفعل والفاعل ، فعندهم الكفر يكون بالقول والفعل والاعتقاد ، إلا أنهم وضعوا قاعدة وهي : " ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه " ، فانطباق الحكم بالتكفير على المعين لابد له من شروط وهي :
1 ـ العلم .
2 ـ العمد .
3 ـ الاختيار .
ولابد من انتفاء موانع وهي :
1 ـ الجهل .
2 ـ الإكراه .
3 ـ التأول .
ولذلك قال أئمة السنة : " ومن ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه إلا بيقين مثله ، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة " ، فهذه ضوابط الكفر والتكفير عند أهل السنة لا كما ذكر الدكتور طلعت في كلامه .
[ 3 ] يقول الدكتور :
" فلا يكفر صاحب الكبيرة إلا بعد أن يصرح هو بلسانه أنه يعتقد الحل في قرارة قلبه " .
قلت ُ :
هذا فيه تفصيل ، وليس كما يقول الدكتور ، فصاحب الكبيرة يقول عنه أهل السنة : " ولا نكفر أحدا ً من أهل القبلة بكل ذنب مالم يستحله " ، والاستحلال عندهم أنواع :
1 ـ اعتقاد الحرام حلال ، أو اعتقاد الحلال حرام .
2 ـ أن يعلم ما حرمه الله ورسوله ثم يمتنع من التزام هذا التحريم ، ويعاند المحرِّم ، فهذا أشد كفرا ً
من النوع الأول .
فإذا اقترن مع الكبيرة اعتقاد حلها وعدم اعتقاد تحريمها فهو كفر ، وإن اقترن معها إباء واستكبار وبغض لما حرم الله ورسوله فهو كفر أشد من النوع الأول ، بل إذا استحل الكبيرة بأحد نوعي الاستحلال فإنه يكفر وإن لم يفعلها .
[ 4 ] يقول الدكتور :
" وهناك مكفرات يكفر صاحبها بمجرد قيامها بالجوارح دون اعتقاد : كسب الله تعالى والاستهزاء بالنبي ، صلى الله عليه وسلم والسجود للصنم . فالكفر في هذه الأمثلة يعلق بالجوارح لا بالقلب ".
قلت ُ :
وهذه أيضا ً عبارة خاطئة ناشئة من عدم تصور وفهم مسائل الإيمان والتكفير عند أهل السنة والجماعة وإليك صوابه محررا ً أولا ً ثم نناقش مافيها من أخطاء .
صواب العبارة أن يقال : هناك مكفرات يكفر صاحبها بمجرد قيامها بالجوارح دون استحلال : كسب الله تعالى والاستهزاء بالنبي ، صلى الله عليه وسلم والسجود للصنم . فالكفر في هذه الأمثلة يعلق بالجوارح لانتفاء التعظيم والانقياد من القلب .
وهذا التأصيل يدرسه صغار الطلبة في أوائل كتب الاعتقاد ، فمن درس كتاب : " أعلام السنة المنشورة " [ 200 سؤال في العقيدة ] يرى أكثر من سؤال يوضح ذلك منها :
( س : ما هو كفر العناد والاستكبار ؟
ج : هو ما كان بعد الانقياد للحق مع الإقرار به ، ككفر إبليس إذ يقول الله تعالى فيه : ( إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) ، وهو لم يمكنه جحود أمر الله بالسجود ولا إنكاره ، وإنما اعترض عليه وطعن في حكمة الآمر به وعدله ، وقال : ( ءأسجد لمن خلقت طينا ً ) ، وقال : ( لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ) ، وقال : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) .
س : وإذا قيل لنا : هل السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسب الرسول والهزل بالدين ونحو ذلك هذا كله من الكفر العملي فيما يظهر ، فلم كان مخرجا ً من الدين وقد عرفتم الكفر الأصغر بالعملي ؟
ج : اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس ، ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لا يبقى معها شئ من ذلك ، فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد ، ولم تكن هذه لتقع إلا من منافق مارق أو معاند مارد ، وهل حمل المنافقين في غزوة تبوك على أن : ( قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا ) إلا ذلك مع قولهم لما سُئلوا : ( إنما كنا نخوض ونلعب ) قال الله تعالى : ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعملي مطلقا ً ، بل بالعملي المحض الذي لم يستلزم الاعتقاد ولم يناقض قول القلب ولا عمله .
فكما ترى أخي الكريم : الكفر في هذه الأمثلة يعلق بعمل الجوارح وعمل القلب لا كما يقول الدكتور طلعت : ( فالكفر في هذه الأمثلة يعلق بالجوارح لا بالقلب ) .
[ 5 ] ثم قال الدكتور طلعت :
وبطريقة أخرى :
أهل السنة يرون أنه لا كفر في الظاهر = الجوارح إلا ومعه كفر في الباطن = القلب .
قلت ُ :
هذه العبارة منه تنقض ما سبق من كلامه حيث أثبت ارتباط الكفر الظاهر بالكفر الباطن كما سبق وأبنتـُه لك آنفا ً في الفقر السابقة [ 4 ] .
[ 6 ] إلا أن الدكتور طلعت عاد وناقض نفسه ثالثا ً فقال :
" لكنهم عندما يكفرون بالأمور المكفرة فإنهم يعلقون التكفير بالجوارح لا بالاعتقاد ، فقولهم بالتلازم بين الظاهر والباطن إنما هو تفسير لحال الرجل وليس لتعليق التكفير بالاعتقاد " .
قلت ُ :
يا سبحان الله .... انظر أخي الكريم كيف أصل أصلا ً بدعيا ً في [ 4 ] وعاد فنقضه في [ 5 ] ثم عاد ونقض النقض في [ 6 ] وعاد إلى القول القديم .
من قال من أهل السنة أن كفر الظاهر لا يرتبط بكفر الباطن كما يقول الدكتور طلعت ، ولذلك شعر بوهاء وضعف قوله فعاد مرة ثانية يفسر كلام أهل السنة في التلازم تفسيرا ً مغلوطا ً فقال : " فقولهم بالتلازم بين الظاهر والباطن إنما هو تفسير لحال الرجل وليس لتعليق التكفير بالاعتقاد " .
وهذا كما وضحت من قبل يدل على عدم فهم الدكتور لارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب ، فكلما زادت أعمال القلوب زادت أعمال الجوارح ، وكلما ظهرت الذنوب والمعاصي على الجوارح كان دليلا ً على ضعف أعمال القلوب لحديث : " ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " فالظاهر يرتبط بالباطن زيادة ً وضعفا ً ، وإذا ظهر الكفر على أقوال وأعمال الإنسان فهو دليل على ذهاب قول القلب أو عمله أو هما معا ً .
[ 7 ] ثم قال الدكتور طلعت :
" أما الجهمية فترى أنه لم يكفر إلا لاعتقاده ، لا لعمل جوارحه .
الخلاف ليس في وجود الفساد في الباطن ، فهذا أمر تتفق فيه الجهمية مع أهل السنة .
الخلاف في تعليق الكفر بالباطن في الأمور المكفرة بالجوارح " .
قلت ُ :
وهذه أيضا ً عبارة خاطئة مجملة ، فإن الجهمية تعلق الكفر بانتفاء التصديق الباطن ونحن ذكرنا أن الاعتقاد يشمل قول القلب وعمل القلب فلا اتفاق بين أهل السنة والجهمية في هذه النقطة ولذلك أخطأ الدكتور طلعت حين قال : " الخلاف ليس في وجود الفساد في الباطن ، فهذا أمر تتفق فيه الجهمية مع أهل السنة " . ، فلا اتفاق بين أهل السنة والجهمية في هذه النقطة .
ثم ذكر الدكتور طلعت مثالا ً لتوضيح كلامه خلّط فيه أيضا ً أيما تخليط ،
[ 8 ] فقال الدكتور طلعت :
" مثلا ً :
ساب الله تعالى كافر عند أهل السنة وعند الجهمية وهو فاسد الظاهر والباطن عند الجميع لكن أهل السنة يعلقون التكفير بالظاهر = الجوارح فيقولون : مع أنه سبه لله تعالى يدل على استهانته بالذات الإلهية : إلا أنه كافر بمجرد صدور السب منه ولو لم يستحل ذلك .
والجهمية تعلق التكفير بالاعتقاد فتقول :
هو كافر ، لأن سبه لله تعالى قرينة على أنه مستهين بالذات الإلهية في قرارة قلبه " .
قلت ُ :
الدكتور لم يفهم مذهب الجهمية فظن أنهم يتفقون مع أهل السنة في تكفير الساب وليس كذلك ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى ج 7 ص 188 : " ومن هنا يظهر خطأ قول " جهم بن صفوان " ومن اتبعه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي الله ورسوله ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار غاية الكرامة ويهين المؤمنين غاية الإهانة قالوا : وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن " .
فهذا معتقد وكلام الجهمية نقله شيخ الإسلام ابن تيمية وكما ترى أخي الكريم مخالف تماما ً لما ذكره الدكتور طلعت .
إلا أن الدكتور عاد فقال عجيبة من الأعاجيب حيث قال : " والجهمية تعلق التكفير بالاعتقاد فتقول :
هو كافر ، لأن سبه لله تعالى قرينة على أنه مستهين بالذات الإلهية في قرارة قلبه " .
فهذه أعجوبة جديدة من الدكتور طلعت لأن الجهمية لا تعلق التكفير بالاستهانة ، بل بانتفاء التصديق كما وضحت آنفا ً وإليك هذا النقل من شيخ الإسلام في نفس الموضع السابق ج 7 ص 189: " إذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة قالوا : فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل والإيمان شيء واحد وهو العلم أو تكذيب القلب وتصديقه " فلم تقل الجهمية أبدا ً بالتكفير بسبب الاستهانة وإنما قال بذلك أهل السنة كما شرحته لك في الفقرة رقم [ 4 ] ونقلت لك كلام الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى .
وبعد أخي الكريم ، فهذا نقض لنصف صفحة من بحث الدكتور طلعت زهران رأيت فيه أخطاء الدكتور في عقيدة أهل السنة بل وفي عقيدة الجهمية ، وعدم فهمه لأصول هذه المسائل ، فاحذر هذا البحث وعليك بكتب الأئمة الكبار فانهل منها وارتع فيها عسلا ً ولبنا ً مصفى ً سائغا ً للشاربين .
وأرجو من الدكتور طلعت أن يرجع عن كلامه ذاك ، ويعلن براءته من هذا البحث ، وأن يلزم غرز أئمة السنة ويقول بقولهم ، والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل ، والحمد لله رب العالمين
وكتبه
أبو عبدالله إيهاب البديوي
الاسكندرية