عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 09-12-2012, 11:29 AM
أم دعاء السلفية الفلسطينية أم دعاء السلفية الفلسطينية غير متواجد حالياً
العضو المشاركة - وفقهـا الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 548
شكراً: 13
تم شكره 17 مرة في 17 مشاركة
افتراضي الأبعاد السياسية للطاعنين في معاوية رضي الله تعالى عنه – الحلقة الثانية

الأبعاد السياسية للطاعنين في معاوية رضي الله تعالى عنه – الحلقة الثانية
تناولنا في الحلقة الماضية تواطؤ بعض الجهات على الطعن في الصحابي الجليل معاوية رضي الله عنه، وتم إجمالها في أربع جهات، وهم: الشيعة، والممهِّدون للتشيع، ورموز من الصوفية، ورموز من الإخوان المسلمين، وتم التنبيه هناك والإشارة إلى ما يحمله هذا التواطؤ والتحالف وبالخصوص في مثل هذه الأيام من التعريض بأنظمة الحكم في دول الخليج ومحاولة المساس بها تحت شعارات وطرق مختلفة، وهذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل في حلقات قادمة بإذن الله.
وأما في هذه الحلقة وما بعدها فسنسلِّط الضوء على بعض الخلفيات المهمة لتلك الجهات الأربعة ودوافعها وراء الطعن في معاوية رضي الله عنه بل والطعن في جملة من الصحابة رضي الله عنهم، وحينئذٍ نقول:
لقد مثَّل الغلوُّ بمختلف أنواعه والخروج عن الاعتدال والوسطية منحدرًا إلى كثير من المعتقدات والمواقف الحادة، وأفرز كثيرًا من المشكلات والتحديات، وأدى إلى كثير من المواقف العصيبة، ومن أخطر الجوانب التي تلبَّس أناسٌ فيها بالغلوِّ والميل عن جادة الاعتدال: موضوع الإمامة والحكم.
عندما نعود إلى الحقبة الأولى وجدودنا الأوائل الذين وقفوا أمام التحديات بكل قوة وعزم وحنكة وبُعد نظر والذين لولا إيمانهم وصمودهم وإصرارهم ونضالهم ودفاعهم عن هذه الديار بعد فضل الله سبحانه لربَّما كنَّا كما يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حفظه الله في محاضرته (روح الاتحاد) منضمِّين إلى آخرين.
بعد لحوق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وقد بلَّغ الرسالة من ربِّه وأدى الأمانة ونصح الأمة – بأبي هو وأمِّي – وقد منَّ الله سبحانه عليه باجتماع القلوب المتفرِّقة في جزيرة العرب وبعد مبايعة المسلمين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كانت هناك محاولات عدة من فئات مختلفة مغرضة للإطاحة بالدولة الإسلامية وزعزعة أمنها واستقرارها وإدخال جزيرة العرب في حالة من الفتن والفوضى والصراعات وإفساد الدين، وقد استطاع أبو بكر رضي الله عنه الخليفة الأوَّل لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الوقوف أمام هذه التحديات بكل حزم وقوَّة وإخماد هذه الفتن وإطفاء نار الفرقة بحمد الله سبحانه وفضله والمحافظة على دعائم دولة الإسلام ومقرَّراتها ووحدتها وأمنها واستقرارها.
وبعد انهيار الإمبراطورية الفارسية وتهاوي عرشها الكسروي ودخول أرض فارس في إطار الدولة الإسلامية إبان خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني كانت هناك نفوس قد أُلهبت بنار الحقد من أبناء تلك الديار واستحوذت عليها الرغبة الشديدة في الانتقام بسبب زوال ملك كسرى وانطفاء نار المجوسية العقيدة السائدة في تلك البلاد آنذاك، ومن هنا سولت لأبي لؤلؤة المجوسي نفسه اغتيال خليفة المسلمين عمر رضي الله عنه، وتسنَّى له ذلك في لحظة غادرة ماكرة كان الخليفة فيها يؤم المسلمين في صلاة الفجر.
وفي مقابل هذه الواقعة المأساوية والجريمة النكراء التي هزَّت مدينة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تزعم الشيعة – وهي الجهة الأولى التي سنلقي الضوء على خلفيات مهمة لها – أن أبا لؤلؤة هذا إنَّما كان رجلاً شيعيًّا من الموالين لعلي رضي الله عنه ومن أنصاره، وأنه قتل عمر رضي الله عنه انتقامًا لآل البيت، وأنه أحسن في ذلك وأجاد، ولذلك فهم يبجلِّونه ويعظِّمونه إلى يومنا هذا.
فمما جاء في كتاب (سفينة البحار) من الكتب الشيعية أن أبا لؤلؤة كان من أكابر المسلمين والمجاهدين بل من خُلَّص أتباع أمير المؤمنين (يعنون عليًّا رضي الله عنه)!
وهكذا تم تحوير جريمة قتل خليفة المسلمين في ذلك الزمان وتسويغ اغتياله من طرف الشيعة على أنَّه عمل جهاديٌّ بطولي ثوريٌّ لنصرة أهل البيت، وذلك لأن الشيعة ترى أن قيادة الأمة هي حقٌّ إلهي مخصوصٌ بعليٍّ رضي الله عنه.
ومع افتراق الشيعة إلى طوائف شتى فإن الطائفة الإثنى عشرية الجعفرية الإمامية ترى أن قيادة الأمة حقٌّ إلهيٌّ منصوص عليه من الله محصورٌ على اثني عشر إمامًا ابتداءً من عليٍّ رضي الله عنه وانتهاءًا بمحمد بن الحسن العسكري الملقَّب عندهم بالمهدي والقائم والذي تنتظره الشيعة بفارغ الصبر، وهي شخصية تزعم الشيعة أنها وُلدت منذ قرون عديدة وغابت عن الأنظار منذ تلك الأحقاب إلى يومنا هذا، وأنَّه في فترة غياب وأنه سيخرج في الوقت الذي يريد لينتقم من العرب أشد انتقام ويذبحهم ذبح الشياه!
ونتيجة هذه العقيدة التي تدَّعي أن قيادة الأمة محصورة على الأئمة الاثني عشر فلا تعترف الشيعة بأيِّ قيادة إلاَّ إذا كان على هذا الوجه، ومن هنا فقد كان الخط الشيعي منذ بدايات ظهوره خطًّا ثوريًّا تصادميًّا دمويًّا هدفه الأوَّل والرئيس هو إقامة الإمامة الإلهية والبراءة من أعدائها والنيل منهم وإضعاف شوكتهم ورشقهم باللعن والتكفير والتعاون ضدَّهم ولو مع ألد أعداء الأمَّة.
ومع هذه العقيدة الإمامية التي تحصر القيادة في الاثني عشر ومع غياب الثاني عشر منذ قرون فلم تستطع رؤوس شيعية سياسية إقناع أتباعها بإقامة دولة شيعية مع هذه المعضلة إلا تحت ستار أن نظام الحكم إنَّما سيكون بالنيابة عن الإمام.
وقد كان لإسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية الدور المحوري في استعمال هذه الورقة، وكان ذا جذور صوفية، ثم اعتنق المذهب الشيعي وجعله المذهب الرسمي لدولته، ولما كانت الشيعة في تلك الفترة ذات أقلية في إيران فقد قام إسماعيل الصفوي بعمليات طائفية عنيفة في سبيل توسيع رقعة التشيع في دولته ابتدأها بقتل علماء المذهب السني وإبادتهم واستيراد علماء شيعة من لبنان وممارسة شتى الأدوار الإرهابية المروِّعة لإرغام الناس على اعتناق الفكر الشيعي، وقد كان لهذه الأفاعيل المهولة الدور البارز في تغيير خريطة إيران وتحويلها إلى دولة شيعية اثني عشرية.
وعندما كان الفكر الشيعي الاثنا عشري قائمًا على عقيدة الإمامة الإلهية التي هي مبتدأة عندهم بعليٍّ رضي الله عنه – وهو منهم براء – ومختتمة بمن أسموه بمحمد العسكري – الذي أثبت التاريخ أنَّه لم يكن له وجود وأنَّ الحسن العسكري الذي يدَّعون أنه أباه لم يكن له ذرية ولا عقب – فقد ترتب على هذه العقيدة المختلقة الطعن في الخلفاء الراشدين الثلاث وفي معظم الصحابة ومنهم معاوية ولعنهم وتكفيرهم باعتبارهم مغتصبين لحقِّ عليٍّ رضي الله عنه، وملؤوا كتبهم ومجالسهم ومنابرهم بألفاظ اللعن والتكفير والتخليد في النار والبراءة.
كما ترتَّب على هذه العقيدة عدم اعتراف الشيعة بأي حكومة قائمة ما لم تكن حكومة إمامية، فلم تكن عندهم الدولة الأمورية ولا الدولة العباسية ولا غيرها بحكومات شرعية، وعدم الاعتراف بالأنظمة الملكية باعتبارها على غير الطريقة الإمامية التي يستمدُّ صاحبها السلطة من الله.
يقول الخميني في كتابه (الحكومات الإسلامية):”وحكومة الإسلام ليست ملكية ولا شاهنشاهية ولا إمبراطورية”.
بل إنَّ الأمر أخذ منحى أشد خطرًا في التاريخ الحديث عندما طرح الخميني في الكتاب نفسه وفي مواضع أخرى طريقة جديدة للخروج من مأزق غياب الإمام المزعوم محمد العسكري وهو ما سمَّاه بولاية الفقيه والذي يجعل إدارة الحكم بيد أحد رجال الدين الشيعة يقوم مقام الغائب.
ثم يقول الخميني:”وفي حالة عدم إمكان تشكيل تلك الحكومة فالولاية لا تسقط؛ لأن الفقهاء قد ولاَّهم الله، فعليه أن يأخذ الزكاة والخمس والخراج والجزية إن استطاع، لينفق كل ذلك في مصالح المسلمين، وعليه إن استطاع أن يقيم الحدود.
ويستدل لذلك بالخلافة التكوينية التي يدَّعي أنها تخوِّل للأئمة السيطرة على جميع ذرات الكون، إلى أن يقول:”وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبيل مرسل”.
وحينئذٍ فالأمر لا يتوقف على مجرد عدم اعتراف الاثنى عشرية بالحكومات القائمة إذا لم تكن على الطريقة الإمامية، بل لا بدَّ للطائفة الشيعية – بناءً على ولاية الفقيه – من أن يتولى رجلُ دينٍ شيعي إدارة أمور الطائفة والقيام بمهامه كحاكم ولو لم تكن هناك حكومة شيعية قائمة، ذلك الذي من نتائجه البديهية تكوين تنظيمات شيعية في كيان الدول السنية وتكوين دولة إمامية بقيادة رجل دين شيعي داخل مجتمعات سنية، ويُمكن لهذا الكيان الإمامي أن يتواجد في هذه المجتمعات في صورة حزب سياسي أو جمعية شيعية أو تحت أي مسمَّى آخر، يعطي الولاء المطلق للدولة الإيرانية الإمامية المنفردة في نظرهم بشرعية الحكم حيث تجتمع هناك الخيوط وتتلاقى.
وقد حاول بعض هؤلاء الإمامية أن يستدلَّ على طعنه في معاوية رضي الله عنه بأنه نقض الشورى، محاولاً إلهاب مشاعر الآخرين والتأثير عليهم، ومع فساد هذا الاستدلال كما سيأتي فإنَّه لا يستقيم ألبتَّة على مذهب الإمامية؛ لأن أصل أصول المذهب الإمامي الإيمان بأن الإمام منصوب من الله سبحانه، ومن هنا فلا مجال للشورى في اختياره؛ لأن الإمامة اختيار إلهي لا خيرة للبشر فيه، وحينئذٍ فإذا كان هناك كلام عن نقض الشورى فإن مذهب الإمامية هي التي قامت على نقض الشورى بادعاء أن الإمامة أمرٌ لا اختيار للبشر فيه.
وأما من أنكر ولاية الفقيه من المنتسبين إلى التشيع في العصر الحديث بل وأنكر قضية الإمامة من مثل أحمد الكاتب فقد كان طعنه في معاوية رضي الله عنه وفي أنظمة الملك عمومًا مبنيًّا على وجه آخر غير ذلك الوجه القائم على الإمامة الإلهية للاثني عشر، وهو التذرع بأن النظام الملكي نقضٌ للشُّورى، وأن معاوية رضي الله عنه نقض الشورى.
يقول أحمد الكاتب في كتابه (نحو خلافة ديمقراطية) في معرض هجومه على معاوية رضي الله عنه:”وعندما وجد معاوية نفسه عاريًا من صفات الخلافة الحقة، وصبغتها الشرعية، وفاقداً لرضا الأمة؛ حاول تأسيس شرعية دستورية جديدة هي العصبية القبلية القرشية والتعويض بها عن الشورى المفقودة ومبادئ العدالة الإسلامية”.
إلى أن يقول:”وأرسى معاوية بذلك أخطر انقلاب دستوري في تاريخ المسلمين من نظام الشورى الى نظام الوراثة العائلية، اعتمادا على قوة السيف واستناداً الى أعراف النظام القرشي الجاهلي”.
وقد نسي أحمد كاتب أو تناسى أن الله سبحانه جعل من أنبيائه وصفوة خلقه ملوكًا كما جاء ذلك منصوصًا عليه في القرآن الكريم.
فإذا كان نظام الملك في حدِّ نفسه نظامًا استبداديًّا مناقضًا للشورى والعدل فهل يبيح الله سبحانه لأنبيائه أن ينقضوا الشورى ويستعيضوا عنه بنظام استبداديٍّ ظالم؟!
وإذا كان المقصود من الحكم هو القيام بمصالح الدين والدنيا فماذا يضير القائم بها المقيم للعدل والقسطاس إن كان وصل إلى الحكم بالوراثة وماذا ينفع المفرِّط في تلك المصالح المضيِّع لها إذا كان وصوله إلى الحكم بطريقٍ آخر؟!
ومن المنتسبين إلى التشيع أيضًا والذين رفضوا الإمامة وهو مع ذلك من الطاعنين في معاوية رضي الله عنه بالذريعة السابقة نفسها أحمد القبانجي حيث يقول ضمن كلامه عن الخلافة والإمامة:”النظرية الشيعية التي تختزل الإمامة في منصب السلطة الزمنية تكرس مفهوم السلطة الوراثية التي ابتدعها معاوية وعمل على تحويل الخلافة إلى سلطنة موروثة دون مبرر عقلي أو مسوّغ شرعي”.
هكذا تواطأ أحمد الكاتب وأحمد القبانجي وآخرون من الذين يزعمون أنهم من أهل النقد والتصحيح في البيت الشيعي على الطعن في الصحابي الجليل معاوية رضي الله عنه والطعن في الأنظمة الملكية ووصفها بأنظمة الاستبداد والظلم وأنَّه ابتداع من معاوية رضي الله عنه لا مبرر عقلي له ولا مسوغ شرعي.
وأحمد القبانجي صاحب المذهب الشيعي الذي يحاول أن يتقرَّب ويتزلَّف بنقد هذا المذهب هو أيضًا من المعتنقين للفكري الليبرالي المتطرِّف وغارق في العقائد الباطنية، فهو على سبيل المثال: يجاهر بأن القرآن ليس كتابًا منزَّلاً من عند الله سبحانه وإنَما هو نتاج بشري، ساخرًا في معرض ذلك من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مستهزئًا به ضمن كلام قبيح دنيء، نافيًا وجود الجنة والنار، مشبِّهًا الجنة بحظيرة أغنام، إلى غير ذلك من الموبقات العظائم.
ذلك الذي يجعلنا لا ننخدع بكلِّ من ينتسب إلى التشيع ويتزلَّف إلينا بنقد البيت الشيعي ويظنُّ أنَّه يمكن أن يغرينا بكونه ورقة رابحة في نقد الأدبيات الشيعية، فهو يدخل إلينا متزلِّفًا متقرِّبًا من هذا الباب وبهذه الادعاءات ليرمي فلذات الأكباد إلى الفكر الذي يدَّعي أنه ينتقده من باب آخر أو إلى أفكار وسموم أخرى.
إننا حينما نقف على هذه الخلفية ونعرف أن الأمر عقيدة إماميَّة لا تعترف بأيِّ حكومة طالما أنها ليست حكومة إمامية أو قائمة مقام الإمام ينجلي لنا سرُّ مناداة طوائف الشيعة في البحرين وغيرها بملكية دستورية، وقد تنادوا مع آخرين بأن هذه المطالبة في البحرين إلا بداية الطريق إلى جميع دول الخليج.
وقد تواطأت على المناداة بالملكية الدستورية في دول الخليج فئات عدة كما سيأتي، منهم أصحاب التيار الليبرالي كأحمد منصور في الإمارات، ومن أمثال ابتسام الكتبي وغيرهم، كما سنورد أقوالهم إن شاء الله في حلقات قادمة، ونسلِّط الضوء على أبعاد هذا التواطؤ الذي يسعى لزعزعة أمن واستقرار دول الخليج والثورة على أنظمتها تحت شعار المطالبة بالملكية الدستورية وشعارات أخرى، ومن هنا ينجلي لنا سر تحالف جهات عدة على تكريس ثقافة الطعن في الصحابي الجليل معاوية رضي الله عنه أول ملوك المسلمين.
يتبع …

كاتب إماراتي - حفظه الله -
رد مع اقتباس