الحلقة الثانية :
الثاني : لا إنكار (كائنا) بلْ إقرارٌ كُلّـُه ؛ وهذا في حال نفي الجنس ؛ والحال هنا كسابقه فإما أن يكون هذا إخبارا عن المشاهد والواقع يرده لأن الإنكار حاصل ثابت لا يقبل الدفع ؛ وإما أن يكون نفيا متضمنا نهيا؛ أو قل نهي في سياق النفي وهذا الوجه قد يكون مراد بعض المتفقهة على وجه من الأوجه التي سيأتي ذكرها والماثلة في المطلب الثاني من المبحث الأول ضمن ثاني فصول هذا البحث –إن شاء الله- ؛ ولكن نرد هذا الوجه أيضا لا لكونه غير مناسب لما ترمي إليه القاعدة من طلب لترك الإنكار وإنما لكونه مشتركا مع الوجه الأول في الأصل وبذلك فاختيار المقطوع فيه البين الدلالة مقدم على المحتمل عند التعارض ونحن عندنا(لا) العاملة عمل (إن) أوضح في حصول النفي للجنس بخلاف (لا) العاملة عمل (ليس)[1] فإنها تحتمل الوجهين نفي الجنس ونفي الوحدة ولذلك فإننا نختار العاملة عمل (إن) لدلالتها القطعية-والله أعلم-.
ثانيا : إن الجواب على السؤال الثاني حول دلالة الإخبار لابد له من مقدمتين : المقدمة الأولى : أن الغالب في القواعد الأصولية والفقهية الإتيان بها على صيغة الإخبار مع ما تتضمنه من حكم فقهي أو أصولي وهذا الوجه من الاستعمال وارد في لسان العرب وفي مواضع كثيرة من نصوص الكتاب والسنة ويدخل تحت أبواب غير قليلة من مباحث علمي البلاغة والنحو وكذلك يكثر استعماله في تصانيف الأدباء الكبار ومن الأبواب التي لها تعلق وطيد بهذا اللون من التعبير اللغوي ما يسمى بأسلوب الالتفات ويدخل تحته العدول من الإنشاء إلى الخبر ومن الخبر إلى الإنشاء و العدول من الخطاب إلى الغيبة و من الغيبة إلى الخطاب و العدول من الماضي إلى المضارع و من المستقبل إلى الماضي و غيرها من الأساليب ؛ ومن ألوان التعبير في بابنا ما يسمى عند بعض أهل الفن معدول الخطاب و كذلك ما يسمى نهيا في سياق النفي و كذلك ذكر اللفظ العام وإرادة المعنى الخاص و إرادة العموم بذكر الخصوص و غيرها كثير ؛ و لمزيد بيان فهذه أمثلة متنوعة :
- قال أبوحيان في تفسيره[2](654 - 745هـ،/ 1256 - 1344م):"معدول الخطاب في قوله تعالى: {لا ريب فيه} صيغته خبر ومعناه أمر ؛ وقد مضى الكلام فيه....،قيل : وتضمنت هذه الآيات ضروبا من البديع: منها معدول الخطاب ؛ وهو أن الخطاب بقوله :{والذين يتوفون} الآية عام والمعنى على الخصوص.".
الحاشية:
[1]جاء في اللمحة في شرح الملحة ، محمد بن الحسن الصايغ (سنة الوفاة 720 هـ )، تحقيق : إبراهيم بن سالم الصاعدي ، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية ، الطبعة الأولى، 1424هـ/2004م:" وتكونُ بمعنى (ليس) مختصّة بالنّكرات... (وجاء في هامش التحقيق):(لا) النّافية تعمل عمل (ليس) عند الحجازيّين، ومذهب بني تميم إهمالُها، ويُشترط لعملها عمل (ليس) عند الحجازيّين ثلاثة شروط: 1- أنْ يكون اسمها وخبرها نكرتين، نحو: (لا رجلٌ أفضلَ منك)، 2- أن لا يتقدّم خبرها على اسمها، فلا نقول: (لا قائمًا رجلٌ) ، 3- ألا ينتقض النّفي بـ(إلاَّ)، فلا تقول: (لا رجلٌ إلاَّ أفضلَ من زيد) بنصب (أفضل) بل يجب رفعُه.
وكما تُنظر هذه المسألة في:
المفصّل 109، وشرح الكافية الشّافية 1/440، وشرح الرّضيّ 1/270، وأوضح المسالك 1/203، وابن عقيل 1/288 ـ 292، والهمع 2/118 - 120، وابن جني في اللمع 1/44 ، وابن القاسم في حاشية الآجرومية 111-112 .
[2]تفسير البحر المحيط ؛ محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي؛ وفي تفسيره بعض التأويلات غير السائغة خالف بها مذاهب السلف في باب الأسماء والصفات ؛ ويا حبذا لو يتصدى لدراسة كتب التفسير متخصص من أهل الإثبات فينخل مناهج أصحابها في العقيدة ؛ وذلك أنني رأيت على قصر باعي وقلة اطلاعي أبحاثا كثيرة عني فيها أصحابها بمناهج المؤلفين في تقرير العقيدة في أكثر من فن كاللغة والفقه وأصوله ؛ ولم أقف على بحث حول مناهج المفسرين في تقرير العقيدة مع خطورته وأهميته البالغة ؛ مع اكتساح هذه التفاسير لمكتبات أهل الإثبات-والذي يجدر بالذكر أن بعض العلماء مروا على هذه المسألة تبعا في طيات كتبهم ومن أولئك ابن تيمية في مقدمة التفسير؛ ومجموع الفتاوى-؛ ولتحقيق واجب البيان وسيرا على الشرط الذي وضعه أهل العلم عند النقل عن أمثال هؤلاء من بيان حالهم ليحذرهم الناس ولا يغتر بهم العامة لمجرد النقل عنهم مع الإشارة إلى أن أكثرهم معدودون في أئمة الإسلام ولا يستغنى عن علمهم وإنما وقعوا فيما وقعوا بدافع البيئة وغيرها من الأسباب التي اعتذر بها العلماء لهم ؛ فإنني أحاول بيان حالهم بذكر بعض الإشارات مراعاة لحال الإيجاز وعدم الخروج عن المقصود ؛ مع التزام النصيحة للمسلمين بأخصر عبارة ؛ والله من وراء القصد.