الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فهذه:
فائدة في الإيمان
قرأت في الجزء الثاني من حديث يحيى بن معين رواية أبي بكر المروزي (ص/214 رقم156) : حدثنا حكام، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: " لولا أنهم يطلبون مني الآخرة لأعطيتهم الأولى عفوا يقولون: مؤمن يقولون: حقا ".
قال من خرج الكتاب: "الحكم على الأثر: إسناده صحيح. تخريج الأثر: هكذا قرأت النص، ولم أقف على من أخرجه. والله أعلم" انتهى.
التعليق:
الأثر إسناده صحيح كما قال، وقد أخرجه أيضاً: ابن جرير في تهذيب الآثار-مسند ابن عباس(2/ 678 رقم1019) ولفظه: «لولا أنهم يطلبون مني أختها لأعطيتهم الأولى عفوا» ، يقولون: مؤمن، ثم يقولون: حقا".
ومعنى الأثر: أن حبيب بن أبي ثابت يحتاط في إطلاق لفظة "مؤمن" بسبب ما عليه المرجئة من الاستدراج في الكلام، بحيث يجيبهم المجيب عن سؤال: هل أنت مؤمن، فإن قال: "مؤمن" قالوا: تقول: حقاً. فلذلك يجيب بعض السلف عن سؤل: هل أنت مؤمن؟ بجواب: مؤمن إن شاء الله، أو بجواب: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله كما أجاب بذلك ابن مسعود رضي الله عنه وغيره من السلف.
قال ابن جرير في تهذيب الآثار-مسند ابن عباس(2/ 677 رقم1017) حدثني أحمد بن أبي سريج الرازي قال: سألت أبا سلمة الخزاعي، فقلت: يا أبا سلمة، إذا سئلت: أمؤمن أنت؟ ما تقول؟ قال: «أقول مؤمن إن شاء الله» ، قلت: من أدركت ممن يستثني؟ قال: «الناس، إلا من قل» ، قلت: سمهم لي، قال: «شريك، وأبو بكر بن عياش، وحماد بن زيد، والناس إلا من لا يعبأ به».
وإسناده صحيح. وأبو سلمة الخزاعي هو: منصور بن سلمة الخزاعي البغدادي.
قال الدارقطني: "أبو سلمة الخزاعي أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يسالون عن الرجال , ويؤخذ بقوله فيهم , أخذ عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهما علم كذلك". تهذيب الكمال(28/ 532).
وقال أحمد بن منيع في مسنده -كما في المطالب العالية (12/ 558 رقم3005) حدثنا أبو قطن، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال رجل عند عبد الله: إني مؤمن: فقال له عبد الله: فقل: إني في الجنة، فقال: آمنت بالله، وملائكته وكتبه ورسله.
وإسناده صحيح.
وقال معمر بن راشد في جامعه(11/ 128رقم20108 مع المصنف) عن ابن طاوس، قال: كان أبي إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: «آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله» ، لا يزيد على ذلك.
فمعنى قول حبيب بن أبي ثابت رحمه الله: "لولا أنهم يطلبون مني الآخرة" أي لفظة "حقاً" ، "لأعطيتهم الأولى" أي: لفظة "مؤمن"، "عفوا" أي: مباشرة دون تردد.
وعبارة "مؤمن حقاً" مما أنكره السلف على المرجئة لما فيه من تزكية النفس، ولما كان يطلقه المرجئة على من لم يأت بالعمل لكونهم يخرجون عمل الجوارح عن مسمى الإيمان، وغلا بعض المرجئة فأطلقوا لفظة "مؤمن حقاً" على تارك عمل القلب والجوارح، وهو قول الجهمية .
والله أعلم.
17/ 12/ 1436 هـ