ذرُّ التراب على رأس باني السرداب من سراب(دفاعاً عن الشيخ محمد علي فركوس)
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70].
أمَّا بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ اللهِ، وخيرَ الهدي هديُ محمَّد صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم وشَرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
قد وقفت في شبكة الإنترنت على رسالةٍ لشابٍّ جزائري (يدرس حاليًّا في دماج اليمن) تحاملَ فيها على شيخنا محمَّد علي فركوس حفظه الله تحاملاً عنيفًا، وشنَّ عليه حربًا ضَروسًا، بقذائفَ من السَّبِّ والعتاب، ليهدمَ بذلك بزعمه السرداب الذي بناه هو بنفسه من سراب، وألصقه بالشيخ افتراءً وزورًا، ثمَّ صبَّ عليه من أقوال العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين والمعاصرين مُوهِمًا أنَّ الشيخ يخالفهم وأقوالهم تردُّ عليه.
والقضية في أصلها ترجع إلى سؤالٍ قد طرح على الشيخ في موقعه على الإنترنت وهو برقم (280)، في صنف: فتاوى المرأة، بعنوان: «في حكم مشاركة المرأة سياسيًّا». ونصّ السؤال:
«نرجو إفادتَنا عن حكم مشاركة المرأة سياسيًّا، وخاصَّةً في الانتخابات البلدية والبرلمانية؟ حفظكم الله تعالى. مقدمه الطالب: حسن محمد المعلمي -اليمني-.
وكان جواب الشيخ بتأصيلٍ وتفصيلٍ كعادته في أجوبته، وزبدة ما قاله: أنه إذا كان النظام نظامًا إسلاميًّا فإنه لا يجوز للمرأة أن تتولَّى منصب الخليفة، وذكر الأدلة على ذلك، كما لا يجوز لها أن تكون عضوًا في المجلس الشوري القائم على أركان الحكم الإسلامي، لما في ذلك من محاذير، لكن هذا لا يمنعها من أن تعطي رأيَها في من يتولَّى الخلافةَ ويصلح لها، وكذا في اختيار أعضاء المجلس الشوري إذا كانت من أهل الاجتهاد والإفتاء لقصة أم سلمة رضي الله عنها وإشارتها على النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، أمَّا إذا كان النظام غير إسلامي كالنظام الديمقراطي فإنه لا يجوز لها ولا للرجال المشاركة في شيء من ذلك ولا الإعانة عليه، ثمَّ ذكر -حفظه الله- ما يترتَّب على ذلك من المفاسد، واستثنى الانتخابات الرئاسية في حالة الضرورة مع إشارته إلى أفضلية عدم المشاركة فيها.
فهذا فحوى كلام الشيخ في فتواه ولم يأت بشيءٍ جديدٍ يخالف أقوال علماء السنة، لكن لما قرأت رسالة صاحب السرداب الموسومة ب «هدم السرداب» -التي نشرها في شبكة العلوم السلفية- وتتبَّعتُ كلامه فيها وحلَّلته من أوله إلى آخره وجدتُ أنه يقوم على شبهة بنى عليها رسالته كاملة، وهي أنه لا يُفرِّق بين كون المرأة لها حقّ الشورى وبين أن يجوز لها أن تبدي مجرَّد رأيها، ولهذا آثرتُ الابتداء بتفنيد هذه الشبهة أولاً، ثمَّ تليتها بتعليقٍ على مواضع من رسالته كشفتُ فيها على بعض الشبه التي قد تعلق على من قرأ كلامه، ثمَّ ختمتُ بلمحة استقرائية على أسلوب صاحب هدم السرداب وما في رسالته من العتاب الشديد والطعن البذيء ممَّا يؤكِّد قصد التنقُّص من الشيخ لأصِفَ له دواءً ربانيًّا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية، لعلَّه ينتفع به هو ومن كان على طريقته.
أولاً: في بيان زيف ما نسبه إلى الشيخ من القول بأحقية المرأة في مجلس الشورى وعدم اشتراط الذكورية.
لقد نسب هذا المتجني إلى الشيخ هذه الفتوى الخطيرة في عدد من المواضع وإليك ما قاله:
• قال في الصفحة (6): «ومن ذلك؛ فتواه بأحقية إبداء المرأة رأيها في الشورى في اختيار الخليفة ونوابه!».
• وقال في الصفحة (14): «وممَّن كان سلفًا أو موافقًا من أبواق الديمقراطية والشورقراطية للشيخ فركوس -وفقه الله-؛ في أن المرأة أهلٌ لممارسة النشاط السياسي والمشاركة في مجلس الشورى أهل الحل والعقد؛ بإبداء رأيها في شؤون الدولة، وأنه لا تُشترط الذكورية».
• وقال في الصفحة (16): «فأقول للشيخ فركوس- وفقه الله-: إنَّ ما فهمته -كما فهمه أصحاب الشورقراطية!!- من أنَّ للمرأة حقُّ الشورى (هكذا كتبها بالرفع و الصحيح "حقَّ "بالفتح لأنه اسم إنَّ مؤخر) وإبداء رأيها في تولية منصب الخلافة أو الإمامة، أو اختيار الوزراء والنواب والمشاركة في السياسة في النظام الإسلامي».
• وقال في الصفحة (17) و هو يخاطب الشيخ: «إذا كان النساء لهنُّ حقُّ المشورة في الأمور العامة وغير ذلك ممَّا يتعلق بالدولة، فكم هي المجالس التي عقدها رسول الله -صلى اللهُ عليه وسَلَّم- مهن خاصة؟! أو مع الرجال من الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعين؟!».
• وقال في الصفحة (28): «وقال الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله- ردًّا على (زينب غاصب) التي ادَّعت نفس ما ادَّعاه الشيخ فركوس -هداهما الله-من أنَّ المرأة لها حق الشورى والدخول في السياسة في النظام الإسلامي!».
فهذا كلامُ صاحب هدم السرداب فأنا أناشد كلَّ من له عينان تبصران أن يتتبع كلام الشيخ في فتواه من الأول إلى الختام، فهل يجد ذكر عضوية المرأة في مجلس الشورى أو أنَّ هذا من حقها، بل ما ذكر الشيخ إلاَّ أنه يجوز لها إبداء مجرَّد رأيها لا أقل ولا أكثر إذا كانت من أهل الفتوى والاجتهاد، وشتان بين اللفظين والمعنيين إذ الحقوق تقابلها الواجبات، وهذا يعني أنَّ من حقِّها الشرعي أن تكون من أهل الحِلِّ والعقد، وأنه يلزم مراجعتها في أمور السياسة والدولة والإمارة، ولها أن تطالب بذلك إن تخلف، وهذا قد صرَّح الشيخ بتحريمه وعدم جوازه حيث قال: «غير أنَّ المرأة وإن جاز لها شرًعا أن تساهم في أعمال مجلس الشورى بإبداء الرأي في أمور الدولة إلاَّ أنَّه لا يجوز لها أن تكون عضوًا فيه»، وقال: أيضًا-: «فالحاصل أنَّ المرأة وإن كانت لا تصلح سياسيًّا في المشاركة لتولي منصب الخليفة (رئيس الدولة) ولا عضوية مستحقة لها في مجلس الشورى».
أمَّا جواز إبداء الرأي فمعناه أنَّ لها أن تشير إلى ما بدا لها، وتدلي بمجرَّد قولها في أي مجال يمكن نشره، شأنها كالفتوى يجوز لها أن تبدي الرأي فيها بأدواته لكن لا تطالب به على أنه حقّ لها يجب على غيرها أن يلتزم به، بل هو مجرَّد القول والرأي قد يؤخذ وقد يرد، وخلط المتجني بين الأمرين ورتب عليه اللوازم، أورده المهالك، حيث صرَّح بذلك في الصفحة (41) إذ قال: «وهذا من تناقض الشيخ فركوس -وفقه الله-!! كيف يجوِّز للمرأة أن تساهم في أعمال مجلس الشورى بإبداء الرأي في أمور الدولة، وينسب ذلك إلى الشرع(!!)، ثم ينقض ذلك بقوله: (إلا أنه لا يجوز لها أن تكون عضوًا فيه لما يترتب من عضويتها فيه من محاذير)!!!
إذ إنه لا يتصور مساهمتها في أعمال مجلس الشورى إلاَّ بعضويتها فيه!! فالمساهمة في أعمال الشورى هي عين العضوية فيه!! والمحاذير التي تُذكر هنا تُذكر أيضًا هناك!
ثم كيف يكون ذلك جائزًا محذورًا في آنٍ واحدٍ في سطر واحد؟؟!!».
بل أقول إنَّ هذا التناقض حاصل في ذهنٍ قاصرٍ متوهِّمٍ، لأنَّ الجهتين منفكتان تمامًا، ولا تلازم بينهما البتة كما سبق، وإذا فهم الفرق بين العبارتين وعرف خلط صاحب السرداب، فليعلم أنّ من أهل العلم من أشار إلى جواز إبداء المرأة رأيها كالشيخ الألباني -رحمه الله- حيث قال في «السلسلة الضعيفة» (1/625) في تعليقه على الحديث الضعيف «قد هلك الرجال حيث أطاعت النساء»: «وقد ورد لما بلغ النبي صلى اللهُ عليه وسَلَّم أنَّ فارسًا مَلَّكوا بنت كسرى قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" أخرجه البخاري والحاكم أيضًا، والحديث ليس معناه صحيحًا على إطلاقه، وقد ثبت في قصة صلح الحديبية من صحيح البخاري أنَّ أم سلمة رضي الله عنها أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم حين امتنع أصحابه من أن ينحروا هديهم أن يخرج صلى اللهُ عليه وسَلَّم ولا يكلِّم أحدًا منهم كلمة حتى ينحر بدنه ويحلق ففعل صلى اللهُ عليه وسَلَّم، فلمَّا رأى الصحابة ذلك قاموا فنحروا» الحديث فيه أنه صلى اللهُ عليه وسَلَّم أطاع أم سلمة فيما أشارت به عليه فدلَّ على أنَّ الحديث ليس على إطلاقه، ومثله الحديث الذي لا أصل له: "شاوروهم وخالفوهم"» انتهى، وهو واضح في جواز إشارة المرأة بأن تبدي بمجرَّد قولها، ولا يحرم عليها، لا أنه حق لها، ثمَّ العجب من هذا المتجني أنه نقل في طيات رسالته من كلام الشيخ مقبل والشيخ ربيع ما يؤيِّد صراحة موقف الشيخ فركوس -حفظه الله- وما نقلته عن الشيخ الألباني -رحمه الله- ممَّا يدلُّ أنّ صاحب السرداب لا يفقه حتى ما كتبه ببنانه وضمَّنه في رسالته، فكيف يفهم كلام الشيخ فركوس؟ وأظنّ أنّ ظلمة السرداب الذي وقع فيه أصبح كحاطب ليل وجارف سيل لا يفرِّق التمرة والجمرة والشحمة والفحمة وبين ما له وما عليه، فقد نقل في صفحة (28) من رسالته كلام الشيخ مقبل في كتابه «المخرج من الفتنة» قال: «فإن قال قائل: إنَّ النبي صلى اللهُ عليه وسَلَّم قد أخذ بما أشارت عليه أم سلمة في شأن التحلل يوم الحديبية؟ (وهنا محلّ الشاهد من كلام الشيخ مقبل رحمه الله-) فالجواب: أننا لسنا نقول: إنه ليس للمرأة قول! بل نقول: إن النبي صلى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»، وهذا الحديث ليس على إطلاقه، فإنَّ الله عز وجل يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]، والرسول صلى اللهُ عليه وسَلَّم يقول: «لاَ يُفْلِحُ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»..) «المخرج من الفتنة» (ص 137)،.وكذا نقل كلامه في الصفحة (31): «وربما استشار النبي صلى اللهُ عليه وسَلَّم أم سلمة وهي المرأة الفاضلة العاقلة»، ونقل كلام الشيخ ربيع في رده على زينب غاصب التي قالت أن المرأة لها حق الشورى فقال –حفظه الله مبينًا أنَّ للمرأة أن تعطي رأيها ويجوز أن يأخذ به ولكن لا يجوز أن نجعله حقًّا لها في الإسلام قال: «أما أم سلمة فما قدم لها رسول الله صلى اللهُ عليه وسَلَّم الاستشارة وهي في مجلس شورى النساء فأعطته رأيها من خلال هذا المجلس وأيدها نساء المجلس أو خالفنها!! وإنما كانت إحدى زوجاته صلى اللهُ عليه وسَلَّم وقد ذكر لها حالاً طارئة فقالت له: افعل كذا وكذا يتابعك أصحابك، فأخذ برأيها رضي الله عنها، لكن لا يجوز أن نأخذ من هذه الحادثة أصلاً من أصول الإسلام أو السياسة في الإسلام فنقول: وكان للنساء حق المشورة!!»، فكلام الشيخ ربيع واضح في التفريق بين أن يكون لها حقّ في الشورى وبين جواز إبداء رأيها، وهو موافق لكلام الشيخ الألباني وكلام الشيخ مقبل السابق نقله، وعلى هذا نقول لصاحب السرداب: أين سلفك وأين دليلك؟
أمَّا ما توهمه من التلازم بقوله في الصفحة (41): «لا يتصور مساهمتها في مجلس الشورى إلا بعضويتها»، فمعلوم أن لازم القول ليس بقول ما لم يلتزمه صاحبه هذا إن سلمنا صحته، أمَّا وقد بيَّنت فكاك شبهته فلا حاجة إليه، ثمَّ يلزمك إن قلت به أن تورده على مشايخ السنة الثلاثة، أم عيب الشيخ فركوس حفظه الله مطلعه الغرب كما قال ابن حزم -رحمه الله-:
أنا الشمس في جو العلوم منيرة ولكن عيبـي أن مطلـعي الغرب
ولو أنني من جانب الشرق طالع لجد على ما ضاع من ذكري النهب
وقال في نفس القصيدة:
فوا عجبًا من غاب عنه تشوقوا له ودنو المرء من دارهم ذنب
وبهذا يظهر الفرق جليا بين ما كتبه شيخنا أبو عبد المعز –حفظه الله- في فتواه من جواز إبداء المرأة رأيها مشورة، وبين ما ادعاه صاحب السرداب من كونها لها حق المشورة ناسبًا ذلك له -حفظه الله- .
ثـانـيًا: التعليق على بعض الفقرات المنتقاة من هدم السرداب (هذه الفقرات منتقاة من كلام صاحب هدم السرداب بحسب قوة الشبهة وقد عدلت عن الباقي لهزالتها ودناءة مستواها).
(أ).قال صاحب هدم السرداب في الصفحة (13): «وإنما كان الرّدّ علنًا لما كان الخطأ معلنًا، إذ إن منهج أهل السنة واضح مقرّر بأن كيفية رد الخطأ تكون من جنس حالة الخطأ من حيث إسرارُه وإعلانه، فما كان الخطأ فيه لم يشتهر وكان أمره منحصرًا على المخطئ كان النصح له من ذلك الجنس، وما كان الخطأ فيه مشتهرًا ومعلَنًا ردوا عليه علنًا ولم يشترطوا الإسرار في ذلك، إذ إن الخطأ من المنتسب إلى العلم ينشر باسم الدين، وعدم بيان ما فيه مع اشتهاره يجعله كالسنن المقررات، وشرائع من صاحب الشريعة محررات، فيختلط المشروع بغيره ويعود الراجع إلى محض السنة كالخارج عنها...
ومثل هذا لا يحصل استدراكه إلا بتبيين الخطأ علنًا ليجتنب.
قال العلامة أحمد بن يحيى النجمي -رحمه الله تعالى-: «والقاعدة الشرعية أن النصيحة في الخطأ الفردي تكون سرًّا أولاً، وأمَّا الخطأ الذي يقال أو يفعل على رؤوس الملأ فيجب أن يبين على رؤوس الملأ، هذا مقتضى النصيحة لعامة المسلمين، فإن كانت النصيحة عندكم مرفوضة فقولوا... فإن كنتم ترون أن النصيحة تشهير وتحبون أن نحابيكم على الأخطاء ونسكت عنكم فقولوا». [الفتاوى الجلية].
تعليق:
لا شك أنَّ النقد وتبيين الخطأ بُغيةَ الوصول إلى الحقِّ مسعى محمود يصبو إليه كلّ مخلص ناصح لله، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وشيخنا محمَّد علي فركوس نحسبه ممَّن يحب هذا ويرضاه كما عرفنا هذا منه، وألفناه والحمد لله، لكن ثمت فرق بين من كان غرضه النصح ومن كان هدفه التعيير والتنفير، قال الحافظ ابن رجب في رسالته «الفرق بين النصيحة والتعيير»: «ومن عرف أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ولرسوله فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين الذين سبق ذكرهم ومن تبعهم بإحسان، ومن عرف برده عليهم التنقص والذم وإظهار العيب فيستحق أن يقابل بالعقوبة هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة. انتهى. هذا كله على فرض التسليم بأنّ الشيخ وقع في هذا الخطأ حقيقة وإلا فقد تبين زيف تلك الفرية.
(ب) قال صاحب «هدم السرداب» في صفحة (13): «أقول: إنَّ ما ذكره الشيخ فركوس وفقه الله في الحقيقة هو عين لبس الحق بالباطل!! حيث وُجِّه إليه سؤال عن شيء مخصوص وهو (مشاركة المرأة سياسيًّا وخاصة في الانتخابات البلدية والبرلمانية)، وليس مقصود السائل غير ذلك كما هو ظاهرٌ من سؤاله، ولم يتبادر إلى ذهن غيره أيضًا حكمُ مشاركة المرأة فيما سماه ب: السياسة في النظام الإسلامي!!
فأجاب الشيخ فركوس-وفقه الله- بما لا يزيد السائل إلاَّ التباسًا وحيرة!!».
تعليق:
ما ذكره صاحب السرداب من أنَّ الشيخ قد أجاب عن شيء لم يسأل عنه ولا هو مقصود عند السائل فأقول: اعلم بأنَّ صنيع الشيخ هو من محاسن الفتوى وآدابها ومستحباتها، وقد دلَّت على ذلك السنة النبوية كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه برقم: 83 وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: يا رسول الله .إنَّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»، فالسؤال كان على حكم ماء البحر والوضوء منه فأجابه النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن ذلك وزاده أن أخبره عن حكم ميتته. قال العظيم آبادي في «عون المعبود» (ج 1 م1 ص 607) في شرح الحديث وذكر فوائده: «والحديث فيه مسائل… الثالثة: أنَّ المفتي إذ سئل عن شيءٍ وعلم أنَّ للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياها؛ لأن الزيادة في الجواب بقوله "الحل ميتته" لتتميم الفائدة وهي زيادة تنفع لأهل الصيد، وكأن السائل منهم، وهذا من محاسن الفتوى اه. وقال الصنعاني في «سبل السلام» (م1 ص9): «قال ابن العربي: وذلك من محاسن الفتوى أن يجاء في الجواب بأكثر ممَّا سأل عنه تتميمًا للفائدة وإفادة لعلم غير المسؤول عنه اه. كما أنَّ الإمام البخاري قد بوب في صحيحه في كتاب العلم لهذا بابًا حيث قال: «باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله»، ثمَّ أورد تحته حديث ابن عمر عن رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنَّ رجلاً سأله ما يلبس المحرم فقال: «لاَ يَلْبِسُ القَمِيصَ وَلاَ العِمَامَةَ وَلاَ السَّرَاوِيلَ وَلاَ البُرْنُسَ وَلاَ ثَوْبًا فِيهِ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى تَكُونَ تَحْتَ الكَعْبَيْنِ»، فالنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم سئل عمَّا يلبس فأجابه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بذكر ما لا يلبس وما يلبس.
هذا، وقد أجاب الشيخ السائل بما يحتاجه وأضاف له ما يتعلَّق بموضوعه، خاصة وأنَّ السائل كما صرح عن نفسه طالب علم فأفاده الشيخ بشيء من أحكام الإمارة العامة في الشريعة الإسلامية، أمَّا قول صاحب السرداب بأنَّ جواب الشيخ زاد السائل لبسًا وحيرة فرجم بالغيب واتهام بالباطل. قال الشيخ عبد العزيز الراجحي في كتابه «التقليد والإفتاء والاستفتاء» (ص 227): «من كمال نصح المفتي وعلمه وإرشاده أن يجيب السائل بأكثر ممَّا سأله عنه ولا يعتبر ذلك عيبًا في الجواب ولا في المفتي، ومن عاب ذلك فلقلة فهمه وضيق عطنه وقلة نصحه» اه.
(ت) قال صاحب «هدم السرداب» في (ص 15): «(عمدة الشيخ فركوس في إصدار هذه الفتوى).
أقول مستعينًا بالله:
لقد كان ارتكاز واستدلال الشيخ فركوس-وفقه الله- في هذه الفتوى المنحرفة، على تجويز مشاركة المرأة وإبداء رأيها في الشورى وأهل الحل والعقد بثلاثة أمور؛ قياس وعموم وأثر».
تعليق:
أقول: الشيخ فركوس حفظه الله لم يقل بهذه الفتوى أصلاً حتى يستدل لها، وعليه فأثبت العرش ثمَّ انقش ولا تتعب نفسك بهدم سرداب بنيته من سراب، فكلام الشيخ كان لمجرد بيان جواز إدلاء المرأة رأيها كما مرّ لا أقل ولا أكثر ولا حاجة للإعادة.
(ث) ثمَّ شرع صاحب «هدم السرداب» في تفنيد أدلة الشيخ فركوس -بزعمه- وقد أخذ منه هذا أغلب الرسالة، من (ص 15 إلى ص 43) ولا أنقل كلامه بِرُمَّته خشية الإطالة إلا أنَّ الجواب عنها هو أنه إذا علم أنَّ هذه الانتقادات التي وضعها هي فرع عن مخالفة الشيخ للحقّ ولأهل العلم وقد سبق وأن بيَّنت أنَّها مؤسسة على باطل، وما أسس على باطل فباطل.
ثمَّ إنَّ صاحب السرداب زعم بأنَّ الشيخ فركوس استدلَّ بالقياس على تلك الفتوى ثمَّ أخذ يتكلَّف في استخراج من كلام الشيخ ذلك القياس كما يستخرج الفحم من الألماس ومعلوم لمن عنده أدنى إلمام بأصول الفقه وعلوم الإسلام أنَّ القياس له أركان أصل وفرع وعلة وحكم، وأترك القارئ يحكم بكلِّ إنصاف، وقطعًا فإنه لا يجد أي أثر للقياس فضلاً أن تكون له القوادح التي ذكرها من فساد الاعتبار ووجود الفارق والنقض، والتعليل بالوصف النادر، وغاية ما في الأمر أنّ صاحب السرداب يريد الظهور بقسم الظهور كسائر المتشبعين بما لم يعطوا.
قال الشاعر:
من تزيَّن بما ليس فيه كشفته شواهد الامتحان
ثمَّ أخذ صاحب «السرداب» يستعرض عضلاته الأصولية الهزيلة ويرد بعد ذلك على العموم، وأنَّ الشيخ استدل به على تلك الفتوى، وهذا كله مبني على صحة قول الشيخ بها، ثمَّ أخذ ينقل من كلام العلماء كشيخ الإسلام وابن القيم وابن دقيق العيد وابن عبد الهادي والشاطبي والألباني ومقبل وربيع والفوزان وغيرهم رحم الله ميتهم وحفظ حيهم، وكلامهم من أوله إلى آخره حقّ ظاهر أبلج، لكن هذا المتحامل المتجني أراد به باطلاً وظلمًا لجلجًا، والمثير للدهشة أنَّ في كلام بعض المعاصرين ما يؤيِّد ما ذكره الشيخ بأوضح عبارة لكن كما قال الشاعر:
قد تنكر العينُ ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم