حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام (الحلقة الثالثة) للشيخ ربيع حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام - الحلقة الثالثة
وحيث إن المجال لا يتسع لعرض هذه المقالات وما حوته من أخذ ورد في هذا البحث المحدد فقد رأيت أنه لا مناص لي من الاكتفاء بمناقشة ما لخص محمد صدقي من شبه بلغت عشرين شبهة (1 ) وهي:
الشبهة الأولى:
قوله: "قال أحمد بن حنبل ما معناه: إن الأحاديث الواردة في تفسير عبارات القرآن الشريف لا أصل لها، كما نقله الحافظ السيوطي في الإتقان".
أقول -مستعيناً بالله- إنّ الرد عليه من وجوه:
1- أين إسناد هذا القول إلى الإمام أحمد، وأنت لا تقبل من حديث رسول الله إلا المتواتر؟.
2- إن صح هذا عن الإمام أحمد فهل يريد منه الطعن في سنة رسول الله كما تريد ذلك أنت؟.
3- إن الإمام أحمد من أكثر الناس اهتماماً بسنة رسول الله واحتراماً لها ودعوة إليها وتحذيراً من مخالفتها ومن أشدهم اعتصاماً بها.
قال -رحمه الله- في التحذير من مخالفـة السنة: "من رد حديث رسول الله فهو على شفا هلكه"( 2).
وروى ابن بطة بسنده إلى الإمام أحمد -رحمه الله- يقول: "نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النور:63).
فجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك لعله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيزيغ قلبه فيهلك، وجعل يتلو هذه الآية: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ (النساء:65)".
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: "من رد حديث النبي فهو على شفا هلكة" ( 3).
وقال رحمه الله:" الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي وعن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير" ( 4).
وقال رحمه الله: "رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار" ( 5).
والمقام لا يتسع لنقل أقواله في هذا الصدد وهو معلوم لدى العامة والخاصة.
4- إن هناك فرقاً بين كلام الإمام أحمد الذي نُسب إليه وبين هذا الكلام الذي نسبته أنت إليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم، ولهذا قال الإمام أحمد:
"ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي".
ويروى: "ليس لها أصل" أي إسناد لأن الغالب عليها المراسيل" (6 ).
ومعلوم أن التفسير منه المنقول عن النبي ، ومنه المنقول عن الصحابة كأبي بكر وعمر وأبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس، ومنه المنقول عن التابعين كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومنه المنقول عمن بعدهم.
فأحمد تحدث عن ثلاثة علوم غير علوم السنة التي تميزت بحفظ الله لها وتميزت بعناية أئمة الحديث بها بما لا يوجد له نظير، تلك العناية التي تضاهي العناية بالقرآن، فهل من الأمانة العلمية. أن تقول: "إن الأحاديث الواردة في تفسير عبارات القرآن لا أصل لها"، وهي عبارة لم يقلها الإمام أحمد، ومن المستبعد جداً أن تخطر بباله، كيف يقولها وهو يعلم أن معظم السنة تأكيد وتفسير وبيان للقرآن في كل أبواب العقائد والعبادات والمعاملات وسائر شئون الحياة.
وقد أفنى حياته في طلبها والرحلة في طلبها وحفظها وتدوينها وتعليمها وتطبيقها.
وانظر إلى عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية " فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره"، وهذا ما يدين به كل مسلم صادق في إسلامه يؤمن بحفظ الله لهذا الدين كما وعد بذلك في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9).
وأخيراً إن كلام الإمام أحمد إن ثبت عنه فإنما يقصد به ما نقل في تفسير القرآن عن الصحابة فمن بعدهم، ولا يقصد بذلك سنة رسول الله التي أولاها المسلمون عناية خاصة تضاهي أو تقارب العناية بالقرآن ودونت في دواوين خاصة، منها: مسنده الذي ألفه ليكون مرجعاً للمسلمين.
الشبهة الثانية:
قال محمد صدقي:
" وقال الإمام الشافعي: إن نسخ القرآن بالحديث لا يجوز".
والجواب على هذا من وجوه:
1- أن الشافعي يرى أن السنة لا تنسخ القرآن وأن القرآن -أيضاً- لا ينسخ السنة إلا إذا كان معه سنّة تبين هذا النسخ ( 7).
2- أن الإمام الشافعي صار مضرب المثل في التمسك بالسنة والحث عليها، ومن أقواله التي تكتب بماء الذهب قوله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، و"إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط" إلى أقوال ذهبية أخرى.
3- معروف ذبه عن السنة وتصديه لدحض شبه وأباطيل منكري السنة أو حجية أخبار الآحاد في كتابيه "الرسالة" و"جماع العلم" وسيأتي الحديث عن هذا الدفاع المجيد عن السنة من هذا الإمام.
الشبهة الثالثة:
قال محمد صدقي:
"وقالت الظاهرية: إن تخصيص عموم القرآن بها غير جائز. وإنّ العمل بها غير واجب".
والجواب:
من أي مصدر نقلت هذا الكلام عن الظاهرية فإن المعروف عن داود الظاهري شدة تمسكه بظواهر النصوص ونفيه للقياس واعتقاده في نصوص الكتاب والسنة أنها كافية لمواجهة كل الأحداث التي تجدُّ في حياة المسلمين، وكذلك ابن حزم حامل لواء مذهب الظاهرية، وهو يرى أن السنة تخصص عموم القرآن، وتقيد مطلقه، وتبين مبهمه، وهو من أشد الناس دعوة إلى السنة وذباً عنها، ويرى أن أخبار الآحاد تفيد العلم اليقيني، وله جولات قوية في هذا الميدان على من يخالف السنة أو يرى أن آحادها تفيد الظن وسيأتي الحديث عن هذا -إن شاء الله-.
فقد ظهر أن تعلقك بالإمامين أحمد والشافعي وبالظاهرية تعلق باطل من أشد أنواع الباطل والتمويه وهم أشد الناس حرباً لمنهجك ومنهج أمثالك.
الشبهة الرابعة:
قال محمد صدقي:
" وقال جمهور الأصوليين: إنها ظنية ".
والجواب:
أن هذا ادعاء باطل؛ فإن فحول الأصوليين من أتباع المذاهب الأربعة يقولون: إن أخبار الآحاد التي تلقتها الأمة بالقبول تصديقاً بها وعملاً بموجبها تفيد العلم اليقيني، وهذا قول أهل الحديث قاطبة ومن يقول منهم إن أخبار الآحاد تفيد الظن يقول:"إن خبر الآحاد إذا حفته القرائن يفيد العلم النظري"( 8).
الشبهة الخامسة:
قال محمد صدقي:
"وقال جمهور المسلمين: إنه لا يجوز الأخذ بها في العقائد ".
والجواب:
أن هذه دعوى عريضة يكذبها الواقع والتاريخ فالصحابة والقرون المفضلة يعتقدون في سنة نبيهم أنها تفيد العلم ويأخذون بها في عقائدهم وغيرها.
ثم لما ظهرت بدعة المعتزلة القائلين بأن أخبار الآحاد تفيد الظن خالفهم أهل السنة، وهم جمهور المسلمين، واستمروا على الأخذ بسنة نبيهم في العقائد لا يفرقون بينها وبين نصوص القرآن.
وتابع عتاةَ المعتزلةِ الروافضُ والخوارجُ في القول بأن أخبار الآحاد تفيد الظن وفي عدم الأخذ بها في العقائد.
على أنه من الجائز أن يكون هناك من هذه الفرق أفراد وجماعات من يأخذ بأخبار الآحاد في العقائد.
ومن ادعى خلاف هذا فعليه أن يأتي بالبراهين على صحة دعواه.
وعليه فقد بطل ما هول به هذا الرجل على سنة رسول الله وتبين أنه يركض في ميادين أهل الضلال.
الشبهة السادسة:
قال محمد صدقي:
"وقال كثير من الأئمة كالقاضي عياض: إنه لا يجب الأخذ بها في المسائل الدنيوية ".
والجواب من وجوه:
1- هذه دعوى عريضة فلو كانت دعواك صحيحة لجئت بأسمائهم ومصادر أقوالهم وإذ لم تقم بذلك فاللوم عليك في انهيار ما هولت به.
2- أنَّ الأمور الدنيوية تشمل البيوع، والنكاح، والصداق، والطلاق، والخلع، والرجعة، والإيلاء، والظهار، واللعان، والعدد، والرضاع، والنفقات، والحضانة، والجنايات، والديات، والحدود، والأطعمة، واللباس، والصيد، والأيمان وكفاراتها، والقضاء، والشهادات، والعارية، والغصب، والشفعة، والودائع، وإحياء الموات، والجعالة، واللقطة، والوقف، والهبة، والعطية، والزراعة إلى آخر القضايا الدنيوية. التي أبعَدتَ عنها سنة رسول الله فلا يقبل فيها أمر ولا نهي على منطقك.
أليس هذا هدماً لدواوين السنّة التي تضمنت ألوف الأحاديث في سائر شئون الحياة؟ بل أليس هذا هدماً لكتب الفقه التي ألفها الأئمة من مختلف المذاهب والتي لا قيام ولا قيمة لها إلا بسنة محمد ، وبرأ الله الأئمة مما تقول، أهذه هي ثمار العقلانية والدعوة إلى نبذ التقليد ؟.
الشبهة السابعة:
قال محمد صدقي:
" وقال جميع المحدثين: إن الموضوع منها كثير، وتمييزه عسير، وفي بعض الأحوال مستحيل، راجع ما ذكرناه في الكلمة الرابعة".
والجواب:
حاشا أهل الحديث أن يقولوا هذا الباطل فإن واقعهم وتاريخهم يكذب هذه الدعوى العريضة التي لم يسمع بمثلها، فقد ميزوا الصحيح من غيره، وألفوا في السنة الصحاح والحسان، في كتب يعرفها العلماء وطلاب العلم بل العوام من أهل السنة وأهل البدع ألا وهي الصحيحان والسنن الأربع، تلك الكتب المشهورة المتداولة في بلاد المسلمين شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، وما كان في السنن من خلل فقد بينه مؤلفوها أو غيرهم. ويلحق بها كتب المستخرجات على الصحيحين و"صحيح" ابن خزيمة و"صحيح" ابن حبان و"مستدرك" الحاكم(9 ) و"المختارة" للضياء المقدسي، وقد نزهت هذه الكتب من الموضوعات لأمور:
منها قوة حفظ مؤلفيها وسعة اطلاعهم.
ومنها ورعهم وشدة حذرهم من الكذب على رسول الله .
ومنها الملكات القوية التي منحهم الله إياها التي يميزون بها بين ما يصح نسبته إلى رسول الله وما لا يصح، إلى ميزات أخرى منحهم الله إياها.
وأما الموضوعات، فقد ألف أهل الحديث فيها كتباً كـ"الأباطيل" للحافظ أبي عبد الله الجورقاني، ضمنه أحاديث موضوعة ومنكرة وإن ذكر فيه بعض الصحاح، و"الموضوعات" لابن الجوزي، و"معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة" لابن طاهر المقدسي، و"الموضوعات" للصاغاني، و"اللآلئ المصنوعة" للسيوطي، و"تنـزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" لابن عراق، و"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني، و"تذكرة الموضوعات" للفتني الهندي، و"المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" للعلامة ملا علي القارئ، و"الكشف الإلهي عن شديد الضعف والموضوع والواهي" لمحمد بن محمد الحسيني الطرابلسي، و"الموضوعات في الإحياء" للسويدي، وغيرها من المؤلفات في الموضوعات.
والمتقدمون وإن لم يؤلفوا الكتب في الموضوعات فإنهم يكثر بيانهم لها في كتب العلل وكتب الرجال، مثل: كتاب "الكامل" لابن عدي، وكتب التواريخ، والكتب في الضعفاء، ونصوا على وضع نسخ معروفة مثل كتاب "العقل" و"الأربعين الودعانية".
قال الشوكاني - رحمه الله -: "...وقد أكثر العلماء -رحمهم الله- من البيان للأحاديث الموضوعة وهتكوا أستار الكذابين، ونفوا عن حديث رسول الله انتحال المبطلين وتحريف الغالين وافتراء المفترين وزور المزورين.
وهم -رحمهم الله- قسمان قسم: جعلوا مصنفاتهم مختصة بالرجال الكذابين والضعفاء، وما هو أعم من ذلك، وبينوا في تراجمهم ما رووه من موضوع، أو ضعيف، كمصنف ابن حبان (يعني المجروحين)، والعقيلي، والأزدي في الضعفاء، وأفراد الدارقطني، وتاريخ الخطيب، والحاكم، وكامل ابن عدي، وميزان الذهبي.
وقسم: جعلوا مصنفاتهم مختصة بالأحاديث الموضوعة كـ"موضوعات" ابن الجوزي، والصغاني، والجورقاني، والقزويني، ومن ذلك "مختصر المجد" صاحب القاموس، و"مقاصد" السخاوي(10 )، و"تمييز الطيب من الخبيث" لابن الدَّيْبع، و"الذيل على موضوعات ابن الجوزي" للسيوطي، وكذلك كتاب "الوجيز"له، و"اللآلئ المصنوعة" له، و"تخريج الإحياء" للعراقي، و"التذكرة"لابن طاهر الفتني.
وها أنا بمعونة الله وتيسيره أجمع في هذا الكتاب جميع ما تضمنته هذه المصنفات من الأحاديث الموضوعة " ( 11).
ولهم مؤلفات في العلل كـ"العلل" لابن المديني، و"العلل" لأحمد، و"العلل" لابن أبي حاتم، و"العلل" للدارقطني، ومؤلفات -كالتخريجات لكتب الفقه وكتب التفسير للعراقي وابن حجر وابن كثير والزيلعي والعلامة الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"، وغيرهم- تميز الصحيح من الضعيف من الموضوع.
فهل ترى أن فحول أهل الحديث قد ميزوا الصحيح من غيره من الموضوع والضعيف والمعل بأنواعه، أم تراه عسر عليهم كما عسر على الجهال المتطفلين على الإسلام، وأهله وعلومه؟!.
الشبهة الثامنة:
قال محمد صدقي:
" وقال أبو حنيفة وأضرابه من أهل الرأي والقياس: إن الصحيح منها قليل جداً، حتى إنه لم يأخذ إلا ببضعة عشر حديثاً".
والجواب: أين قال هذا أبو حنيفة وأضرابه؟، وهل عندك أسانيد متواترة إلى هؤلاء ؟، وهل استقرأت كتب الأحناف كلها فلم تجدها قائمة في كل أبواب الفقه إلا على بضعة عشر حديثاً؟!.
إن أبا حنيفة كان يحث أتباعه على اتباع السنة.
فمن أقواله - رحمه الله –: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
ومنها :"لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا مالم يعلم من أين أخذناه".
وفي رواية " حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي"( 12).
ومنها: " إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول فاتركوا قولي( 13)".
وهل عرف هذا الرجل مؤلفات الأحناف في السنة؟.
مثل "موطأ" محمد بن الحسن، و"شرح معاني الآثار" في أربعة أجزاء، و"مشكل الآثار" في ستة عشر مجلداً كلاهما للطحاوي، و"نصب الراية" للزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية" في أربعة أجزاء، فهؤلاء هم أضراب أبي حنيفة وهذه مواقفهم من السنة نعم لهم عثرات وليسوا كأهل الحديث وفقهائهم، ولكن أصلهم الكتاب والسنة ويحترمونها ويعظمونها ويدافعون عنها إلى يومنا هذا، وقد تصدوا لأمثالك من القرآنيين وغيرهم، فهم منك ومن أمثالك برءاء وأنتم بريئون منهم ومن كل من يحترم السنة والقرآن.
الشبهة التاسعة:
قال محمد صدقي:
" قال مالك – –: إن عمل أهل المدينة مقدم عليها، وكذلك أهل الرأي والقياس يقدمون القياس الجلي عليها".
والجواب:
أن الإمام مالكاً إمام أهل السنة عقيدة ومنهجاً ومن أشد الناس تمسكاً بسنة رسول الله وحضاً للمسلمين على الأخذ بها، فمن أقواله رحمه الله:
" إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه( 14) ".
ومنها: " ليس أحد بعد النبي إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم (15)".
وكانت تشد إليه الرحال من أنحاء العالم الإسلامي من الأندلس إلى خراسان لأخذ سنة رسول الله عنه.
وكان من أشد الناس تحرياً في أخذ السنة والأخذ عن الرجال ومن أشد أئمة السنة في نقد الرجال حتى أنه لا يحدث عن رجال عرفوا بالصدق والصلاح.
وتقديمه لعمل أهل المدينة ليس فيه رد للسنة ولا الطعن في أخبار الآحاد، وإنما هو من باب ترجيح سنة على سنة لأن أهل المدينة في نظره أعلم بحديث رسول الله وأشدهم تمسكاً بها لأنها دار الهجرة ودار الخلافة الراشدة، وأهلها هم أصحاب محمد ومن تبعهم بإحسان، فليس الأخذ بعملهم من باب تقديم الرأي على السنة حاشا وكلا، وإنما هو تقديم لعمل يراه قام على الكتاب والسنة، والترجيح عند تعارض النصوص في الظاهر أصل من أصول أهل السنة ومع هذا فقد خالف مالكاً علماء مثل الليث والشافعي وأحمد وأتباعهم وأبي حنيفة وأتباعه، وقد يقدم العالم مالك وغيره سنة على سنة ترجحت له وقد يقع في مخالفة سنة أو نص من القرآن لعذر يعذره الله به.
ولا يجوز لمسلم أن يتهم أحداً من هؤلاء الأئمة الذين عرفوا بالتقوى والعلم وتعظيم كتاب الله وسنة رسول الله والحث على التمسك بهما بأنهم يردون السنة لهوى من الأهواء.
الشبهة العاشرة:
قال محمد صدقي:
" أجمع جمهور المسلمين على عدم تكفير من أنكر أي حديث منها ".
الجواب: من أين لك هذا الإجماع؟، ومن هم هؤلاء الجمهور؟.
أهم الخوارج والروافض والمعتزلة؟!.
يقول أخوك في عداوة السنة وأهلها أبو رية: "إن شيوخ الدين يعتقدون أن الأحاديث كآيات القرآن في وجوب التسليم لها وفرض الإذعان لأحكامها بحيث يأثم أو يرتد أو يفسق من خالفها ويستتاب من أنكرها أو شك فيها ".
وهذا الذي نسبه أبو رية إلى شيوخ الدين حق -وإن كان قد قاله على سبيل الإنكار أو السخرية – وسنة رسول الله حَرِيّة بذلك فالله يقول في بيان منـزلة رسول الله وسنته:
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (النساء:65).
ويقول تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النور: 63). فكيف بمن ينكر سنته ويحاربها؟.
قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي -رحمه الله- تعليقاً على قول أبي رية:
" أقول: أما ما لم يثبت منها ثبوتاً تقوم به الحجة فلا قائل بوجوب قبوله والعمل به.
وأما الثابت فقد قامت الحجج القطعية على وجوب قبوله والعمل به، وأجمع علماء الأمة عليه كما تقدم مراراً، فمنكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً تقام عليه الحجة، فإن أصر بَانَ كفره، ومنكر وجوب العمل ببعض الأحاديث إن كان له عذر من الأعذار المعروفة بين أهل العلم وما في معناها فمعذور وإلا فهو عاص لله ورسوله والعاصي آثم فاسق، وقد يتفق ما يجعله في معنى منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً وقد مرَّ" ( 16).
ويروى عن الإمام إسحاق بن راهوية أن من رد حديثاً فهو كافر.
وقال الشيخ صالح اليافعي في مناقشة هذه الفقرة: " قلت: إن من أنكر ذلك لأنه لم يصح لديه، فالأمر كذلك ونحن نقول بذلك، وأما من رد ما عرف أن النبي قاله بلا مسوغ فهو كافر برسالة محمد " (17 ).
الشبهة الحادية عشرة:
قال محمد صدقي:
" إن تناقضها كثير، ومعرفة ناسخها من منسوخها عسير أو مستحيل، وكذلك أكثر أسباب قولها ".
والجواب: أنه ليس في القرآن والسنة تناقض بحمد الله؛ لأنهما من عند الله قال تعــالى: وَلَوْ كَـانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَـدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء: 82 ).
وقد يتبادر إلى أذهان بعض الملاحدة أو الجهلة من أهل الزيغ أن بين نصوص القرآن والسنة تعارضاً، وليس الأمر كذلك، ولدفع ما يوهم التعارض عن النصوص النبوية ألف عدد من كبار الأئمة في هذا الباب مثل الإمام الشافعي ألف كتاب "مختلف الحديث"، وألف ابن قتيبة "تأويل مختلف الحديث"، وألف الطحاوي كتاب "مشكل الآثار"، وألف ابن قتيبة "مشكل القرآن"، وألف العلامة الشنقيطي "دفع إيهام الاضطراب".
والواقع كما ذكرنا أنه ليس في نصوص القرآن أو نصوص السنة تعارض، والأئمة يعلمون هذا ويوقنون به، ولهذا أزالوا ما قد يتوهم الجاهلون من التعارض في تلك المؤلفات التي ذكرناها وغيرها.
ومن هنا قال الإمام ابن خزيمة: "لا أعرف أنه رروي عن رسول الله حديثان بإسنادين صحيحين متضادان، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما" ( 18) .
الشبهة الثانية عشرة:
قوله: " قام الدليل الحسي على أن الله لم يتكفل بحفظها من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان ".
والجواب: أن هذه دعوى عريضة باطلة.
فلقد حفظ الله هذه السنة العظيمة التي هي البيان القولي والعملي من رسول الله المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى للقرآن الكريم وهي داخلة في ضمان الله لحفظ الذكر في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْـرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9).
ومن حرف شيئاً أو زاد أو نقص منها شيئاً فإن كان متعمداً فضحه الله وإن كان مخطئاً وفق الله حماة هذه السنة والذابين عنها لبيان خطئه تحريفاً كان أو زيادة أو نقصاً.
حتى قال الإمام ابن حبان في كلام له حول حفظ السنة:"...حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله ألف ولا واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، لحفظ هذه الطائفة السنن على المسلمين وكثرة عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء ما شاء." ( 19).
وقد ألفت كتب في المدرج، وكتب في العلل لبيان كل أنواع العلل من الزيادة والحذف والقلب في المتون وأسماء الرواة، وألفت كتب في بيان المصحَّف والمحرف كما ألفت كتب في الموضوعات والعلل والأحاديث الضعيفة، وما ذلك إلا تحقيق لوعد الله وضمانه لحفظ الذكر - أي الوحي- الذي يشمل القرآن وبيانه.
فهذه الأعمال العظيمة أدلة حسية وبراهين عملية على رعاية الله وحفظه لهذا الدين، دين الإسلام الذي ختم الله به الرسالات هذا الدين العظيم الذي بعث الله به محمداً إلى الناس أجمعين ورحمةً للعالمين.
أترى أيها المسكين أن الله لا يحمي حياض دينه ؟
إن مؤدى كلامك: أن الله ترك دينه لعبث العابثين تعالى الله عما يقوله ويعتقده الظالمون علواً كبيراً.
الشبهة الثالثة عشرة:
قال محمد صدقي:
" لم يجمعها الصحابة ولم يتفقوا عليها ".
الجواب: أن الأمر ليس كما تدعي فلقد حفظوها وجمعوها في صدورهم وطبقوها في حياتهم وكتبوا الكثير منها في حياة رسول الله ، وبعد موته بحيث نقطع بأنه لم يضع منها شيء.
وإذا كان العرب قد حفظوا في جاهليتهم تاريخهم، ودواوين شعرهم وأنسابهم ولغتهم، فكيف يضيعون سنة نبيهم، وهم يعلمون قيمة أي كلمة يقولها رسول الله ويعلمون مكانة سنته وأنها مع القرآن جنباً إلى جنب مصدر سعادتهم في الآخرة ومصدر عزتهم وكرامتهم وسيادتهم في هذه الحياة. كيف يحفظون أخبار الجاهلية ودواوين شعرهم ومنه القصائد الطوال ومنها الفخر الجاهلي أو الهجاء أو الغزل والهزل ويضيعون سنة نبيهم وهي مصدر سعادتهم وعزتهم، وعليها يقوم دينهم وحياتهم؟! كيف يهملون ويضيعون ما لا تقوم أركان دينهم إلا به من صلاة وزكاة وصيام وحج؟!.
كيف يضيعون ما تقوم عليه عقائدهم وأخلاقهم وجهادهم وتجارتهم وسائر شؤون حياتهم؟.
وإذا كان الضالون المنحرفون ينظرون إلى السنة، وإلى الصحابة الكرام الأمناء الذين ائتمنهم رسول الله على سنته وأمرهم بتبليغها وأشهد الله عليهم في حجة الوداع بهذا التبليغ، واعترفوا له به، إذا كان الضائعون المضيعون الذين ضاقت صدورهم بهذه السنة العظيمة ينظرون إليهم بالمنظار الأسود قياساً على أنفسهم، فإن المؤمنين الصادقين الواثقين بأمانة أصحاب رسول الله يعتقدون اعتقاداً جازماً أن أصحاب رسول الله قد حفظوا سنة رسول الله ، وأن شاهدهم كان يؤديها إلى غائبهم كما أمرهم رسول الله ، بهذا الأداء بقوله: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب".
وكان يأمر من تلقى منه شيئاً أن يبلغه من وراءه من عشيرته وغيرها، كما يعتقد المؤمنون في أصحاب محمد أنهم أشد الناس ذكاء وأغزرهم علماً وأقواهم حفظاً وأرسخهم في الأمانة والصدق وأنهم أشد الناس حرصاً على حفظ دينهم وسنة نبيهم ، بل هم أشد حرصاً وحفاظاً عليها من حرصهم على حياتهم وحياة أبنائهم وأشد الناس غيرة عليها حتى إنهم ليهجرون أقرباءهم وأبناءهم إن هم تهاونوا في تطبيقها والتزامها.
وأما قولك:"ولم يتفقوا عليها"، فلا ندري ماذا تعني بعدم الاتفاق بينهم، هل كانت بينهم معارك في حفظها وتطبيقها ومعارضات كمعارضات الأحزاب الجاهلية، هذا يبني وهذا يهدم، هذا يبلغ وهذا ينقض ما بلغ ذاك ويكذبه؟!.
ألا تذكر قول الله -تعالى- ممتناً عليهم بما أسبغ عليهم من نعمة الأخوة والمحبة والتآلف: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً (آل عمران: 103).
هؤلاء الذين أكلتهم العداوة والفرقة في جاهليتهم، فلم تمنعهم هذه الحال من حفظ تاريخهم وأنسابهم وأشعارهم، أيهملون دينهم الذي لم تعرف الإنسانية مثله بعد اجتماعهم وتآخيهم وتآلف قلوبهم، وبعد أن أظهر الله دينهم ودخلت أمم وشعوب في هذا الدين العظيم؟.
وحياتهم وحياة هذه الأمم قائمة على الحفاظ على كل جزئية من جزئيات الرسالة وتبليغ كل شيء ائتمنهم عليه رسول الله .
اللهم إننا نشهد أنهم قد بلغوا عن نبيك محمد كل ما سمعوه منه وما رأوه حتى ما يتعلق بالنوم والأكل والشرب وحتى تقليم الأظافر وقص الشوارب وحتى ما يتعلق بالخراءة والبول والمخاط والعطاس.
فكيف يفرطون أو يختلفون في مهمات الأمور دينية ودنيوية.
فليمت غيظاً وكمداً كل مبغض وشانئ لرسول الله وسنته وأصحابه رضوان الله عليهم.
الشبهة الرابعة عشرة:
قوله: "لم يبلغوها للأمم بالتواتر مع علمهم بأن اتباع الظن غير جائز في الإسلام إلا لضرورة".
والجواب: أنهم بلغوها على أحسن وجوه البلاغ، والمبلغ الواحد منهم أحفظ وأصدق وأوثق عند الناس من عشرات ومئات من الجهمية والمعتزلة والخوارج وتلاميذ المستشرقين الذين يشترطون التواتر في التبليغ وقيام الحجة، وما جاءوا بهذه الشروط إلا لهدم الإسلام لا حفاظاً عليه.
إن رسول الله الذي قال الله له يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ( المائدة:67 )،كان يكتفي بإرسال الأفراد من أصحابه الأمناء دعاة ومبلغين عنه القرآن والسنة، وكان الناس عربهم وعجمهم يقبلون ويصدقون بكل ما جاءهم به هؤلاء الأفراد لا يشكون في شيء مما بلغهم به كل واحد بمفرده والناس على اختلاف شعوبهم ومللهم لهم عقول وفطر ومدارك ومع ذلك لم يكذبوا هؤلاء الأفراد ولا شكوا في صدقهم وأحقية ما بلغوهم، لأنه لم يكن قد نشأ فيهم الفكر الجهمي والمعتزلي والإستشراقي( 20).
ولم يكن الواحد من المبلغين يعتقد أنه يبلغ الناس الظنون وإنما يعتقد أنه يبلغ العلم الحق الذي تقوم به الحجة على المبلَّغين، وهذا الاعتقاد نفسه متوفر عند المبلغين من التابعين -يعني لا يعتبرون ما يبلغهم ظنوناً- ويبلغه الثقات والمأمونون إلى غيرهم على أساس أن ما يبلغونه حجة توجب العلم والعمل.
ولما ظهر هذا المذهب المخترع المبتدع حاربـه أهل العلم وقمعوه بالحجج والبراهين، لأنه مذهب فاسد يفسد العقول ويفسد على الناس حياتهم ودينهم ويقتضي تعطيل تجاراتهم وسائر معاملاتهم ومناكحهم ومطاعمهم ومشاربهم ويبث الشكوك فيما يقوله المعلمون وطلابهم والأزواج وزوجاتهم والأبناء وآباؤهم والمرضى وأطباؤهم.
اعرض هذا المذهب على الشركات والتجار، والأطباء والمهندسين والإعلاميين، والزراع، والصناع، هل سيقبلونه ويعيدون بناء حياتهم كلها على أساسه أو سيديرون له ظهورهم وسيدركون أن تطبيقه سيعطل حياتهم ويوقف سير عجلة الحياة في كل الميادين؟.
لماذا تُشَنُّ الحرب على سنة رسول الله وحدها من بين سائر العلوم والفنون والأديان الفاسدة؟.
مع أن سنة رسول الله قد حظيت من الحياطة والحفاظ عليها والعناية الفائقة والشروط القوية بما لم يحظ بعشر معشاره أي علم أو فن من الفنون.
ولقيت من المعاقل والحصون المنيعة ما يحميها من كل كيد ومكر أو شوب كذب أو خطأ ونسيان من ألوف ألوف الرجال الحفاظ الثقات الأمناء بعد رعاية الله وحفظه لها.
فهل يا ترى ضحـايا البدع والخرافات من الجهمية والمعتزلة والخوارج وأفراخ المستشرقين أشد غيرة على سنة رسول الله من فرسانها وحاملي لوائها وجنودها المخلصين؟ أو هو الجهل والهوى بل والكيد لسنة رسول الله ؟.
الشبهة الخامسة عشرة:
قال محمد صدقي:
" إنهم نهوا عن كتابتها وأمروا بإحراق ما كتبوه منها كما في الروايات التي صحت ( 21) عندكم".
الجواب من وجوه:
1- أن كلامه يفيد أن الصحابة كلهم قد نهوا عن كتابة السنة وأمروا بإحراق ما كتبوه منها.
2- وأن الروايات في هذا الباب كلها صحيحة، كأن الصحابة كلهم قد اتفقوا على حرب السنة النبوية.
3- أنه قد وردت بعض الآثار في النهي عن الكتابة.
وجوابه: أن جلها لا يثبت، وما ثبت منها لا يقول أصحابها: إن الله قد حرم كتابة سنة رسول الله ، ولا يقولون :إن رسول الله قد حرم ذلك أو نهى عنه.
__________________
اللهم اشف ابني حمود وألبسه لباس الصحة والعافية يا رب
|