بسم الله الرحمن الرحيم
مظاهر الغلو في العصر الحديث
مبحث مستل من كتاب :
نَظَراتٌ وَتَأمُلاَت من واَقع الحياة
لفضيلة الشَّيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس - حفظه الله
أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة – جامعة الإمَام محمد بن سعود
وهي كثيرة متنوعة ، لكن سنحاول نجملها فيما يلي :
1- التكفير :
إذ ظهر فكر التكفير ، والذي هو في الحقيقة امتداد لفكر الخوارج ، فوجد بين عدد من الشباب من يكفر الحكام ، ووزراءهم وعلماء الدين ورجال الشرطة ، بل وعامة أفراد المجتمع ، وذلك في كثير من الأحيان ، إما بسبب المعاصى ، أو بدعوى خضوعهم لحكم الطاغوت وغير ذلك ، وهذا مزلق خطير جدًّا ، ومظهر عظيم من مظاهر الغلو
2- التعسير :
والمقصود به التضييق على الناس ، وتكليفهم بما يشق عليهم ، مع أن الله تعالى لم يكلف الناس إلا بما يطيقون ، والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول في الحديث : " يَسِّرُوا ولاَ تُعَسِّرُوا ، وَبشِّرُوا ولاَ تُنَفِّرُوا "
3- الغلظة والشدة والعنف :
وقد وجد هذا قديمًا ، كما أنه مستمر في زماننا الحالي ، حيث وجد أناس ليس عندهم فقه التعامل مع الآخرين ، ولا مع العصاة والمخالفين ، ولا في الدعوة إلى الله تعالى فتجدهم يعاملون الناس بشدة وغلظة ، وينكرون المنكر بأسوأ أسلوب ممكن وبشكل ينفر العصاة من الاستجابة للدعوة الحقة ، وعندهم من العنف الشيء الكثير ، ولا سيما عند قيامهم بالنهي عن المنكر ، فيغيرون باليد حيث يكفى النصح والكلام ، وقد يمتد ذلك إلى إيذاء الآخرين ، وكل هذا مخالف لقول الله تعالى : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
وكذلك فإن هذا مناف لقول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم : " ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء إلا شانه " ، وهذه الشدة والعنف والغلظة من أهم الأسباب نفور كثير من الناس من الدعوة والتدين وابتعادهم عن أهل الخير ، وتوجسهم منهم
4- الطعن في العلماء :
حيث انتشر بين الناس القدح في العلماء ، ورميهم بالخيانة وأنهم عملاء السلطان ، وأنهم منافقون مداهنون ، وأنهم لا يفقهون الواقع ، وكان من نتيجة ذلك فقدان الثقة في العلماء ، والحط من شأنهم حتى بين العامة والدهماء ، وبالتالي وجدت هوة كبيرة ولازالت تتسع وتكبر بين العلماء ، وبين أهل الغلو ، بل إن بعض العلماء أحيانًا قد يقف موقف العداء ضد الغالين لما وجده منهم من التسفيه والطعن والتجريح
5- ظهور المفتين الجهال :
وهذا كذلك من نتائج الذي قبله ، فإن أهل الغلو لما أسقطوا العلماء وحطوا من شأنهم ، اختاروا من بينهم مفتين جهالا ، أفتو بغير علم وبما زين لهم فكرهم الجاهل القاصر وبما يعجب أتباعهم ، فضلو بذلك وأضلوا خلقًا كثيرًا
6- سوء الظن :
أى سوء الظن بالآخرين ، وافتراض المقاصد السيئة من أقوالهم وأفعالهم ، مع أن عمر بن الخطاب قال : "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا " وقال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ ، فينبغي على المرء أن يحسن الظن بالآخرين بدلا من أن يسىء بهم الظن أو يفترض فيهم دائما الفجور والفسوق والانحلال وغير ذلك
7-الاستبداد بالرأي :
وعدم قبول رأى المخالفين ، أو حتى الاستماع له وإن قام عليه الدليل ، وهذا كله مبنى على خطأ جسيم ، وهو إحسان الظن بالنفس ، وإساءة الظن بالآخرين ، فبالتالي يفترض المستبد برأيه أنه وحده على الحق ، وأنه هو المتبع للشرع ، وأن الآخرين كلهم على باطل ، فيتعصب لرأيه وينتصر له ولو بغير دليل ، ويرد كلام المخالف وإن قام عليه الدليل ، بل قد يسفه ويضلله بل وقد يعاديه ويكيده ، وكل هذا من الأمور الخطيرة جدًا
8-التهويل :
فقد يختلف البعض مع غيرهم في مسألة معينة ، يكون فيها الخلاف سائغًا ، كاختلاف التنوع مثلا ، لكن البعض يقوم فيهول من شأن هذا الخلاف ويعظمه بما لا ينبغي ، ويجدون ذلك مبررًا للحط من شأن الآخرين وتضليلهم ومعاداتهم ، هذا مع أن الصحابة اختلفوا في مسائل ، منها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه تبارك وتعالى ليلة الإسراء والمعراج ، ولم يبدع بعضهم بعضًا أو يفسقه ولا جرهم ذلك إلى التباغض والتعادى ، لكن الجاهلين يهولون من شأن أمور كثيرة ، حتى إن بعضهم ليعامل التارك لبعض السنن المندوبة ، يعامله معاملة تارك الأركان والفرائض ، وهذا كله منبعه من الجهل واتباع الهوى ، وعدم اتباع أهل العلم الصالحين
9-التعصب للرجال :
فقد تجد البعض يتعصب لزيد أو لعمرو من العلماء أو من الدعاة وغيرهم ، ويفترض أنه الوحيد صاحب الأهلية ، ويناصب غيره العداء ، ويحط من شأنهم ، ويرد أقوالهم ، هذا مع أن هذا التعصب لا يجوز بحال ، ولا يعرف الحق بالرجال ، إنما يعرف الرجال بالحق ، ورحم الله الإمام مالك حيث يقول : "كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم – فلا يجوز أن يتعصب المرء لقول أحد من الناس إلا النبي صلى الله عليه وسلم – وإنما ينبغي لزوم الدليل وعدم الانحراف
وهناك مظاهر أخرى قد لا يتسع المقام لسردها ، وفيما أشرت كفاية ونصيحتى لطلبة العلم والدعاة إلى الله تعالى هي أن يبتعدوا عن أسباب الغلو والجفاء ، وأن يأخذوا عن العلماء ويثقوا بهم ويتورعوا عن الخوض في مسائل الكبار التى لا يصلح لها إلا الراسخون في العلم ، وأن يسلكوا طريق السلف رضي الله عنهم ويتخذونهم قدوة ، فإن كل خير في اتباع من سلف ، وكل شر في ابتداع من خلف وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .