و هذا تعليق الأخ الفاضل رائد آل طاهر على مقال الشيخ عبد القادر الجنيد في شبكة سحاب أنقله لتعم به الفائدة:
(جزاك الله خيراً أيها الشيخ المفضال على هذا الجهد الطيب في تحرير هذه المسألة الفقهية، وهذا السعي المتواصل في إيقاظ الهمم في البحث العلمي في مثل هذه المسائل.
لكن:
لي على بحثك هذا - من باب المناقشة العلمية - هذه الوقفات:
1- إنَّ الصحابة رضي الله عنهم نقلوا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في يوم العيد من آداب وصلاة وخطبة ودقائق الأمور كما نقلوا ذلك في يوم الجمعة سواء، لكنهم ذكروا الخطبتين والفصل بينهما بجلوس في الجمعة، ولم يذكروا ذلك في العيد!، فماذا يدل هذا؟!
إما أن يكون العيد خطبة واحدة؛ فلا يحتاجون إلى ذكر هذا البيان كما احتاجوه في يوم الجمعة.
وإما أن يكون خطبتين ولم ينقلوا ذلك!، وهذا ممتنع؛ لأنَّ مثل هذه الأمور [تكرار الخطبة والابتداء بالتكبير قبل الحمد لله] التي يكثر وقوعها في مجمع من الناس وتتوافر الدواعي والهمم على نقلها، يمتنع القول بوقوعها مع عدم نقلها، فعدم نقلها يدل على عدم فعلها، قال العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: ((وأما نقلهم لتركه صلى الله عليه وسلم؛ فهو نوعان، وكلاهما سنة:
أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله؛ كقوله في شهداء أحد "ولم يغسلهم ولم يصل عليهم" وقوله في صلاة العيد "لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء" وقوله في جمعه بين الصلاتين "ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة منهما" ونظائره.
والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحدٌ منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدَّث به في مجمع أبداً علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائماً بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية، وقوله اللهم اهدينا فيمن هديت يجهر بها ويقول المأمومين كلهم آمين، ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة ألبتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يوماً واحداً، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف.
ومن ههنا يعلم أنَّ القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإنَّ تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أنَّ فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق.
فإن قيل: مَنْ أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟!
فهذا سؤال بعيد جداً عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقُبِلَ لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟! واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟! واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟! واستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر الله واسم رسوله جماعة وفرادى، وقال: من أين لكم أنَّ هذا لم ينقل؟! واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب، وقال: من أين لكم أنَّ إحياءهما لم ينقل؟! وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أنَّ هذا لم ينقل؟! ومن هذا تركه أخذ الزكاة من الخضروات والمباطخ وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة فلا يطالبهم بزكاة ولا هم يؤدونها إليه)).
2- إنَّه ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب في العيد قائماً على رجليه من غير منبر، وثبت أنه خطب وهو جالس على راحلته، فأين دعوى الجلوس - في الصورة الأولى والثانية - الذي يفصل بين الخطبتين؟!
3- دعوى عدم الخلاف في هذه المسألة تفرد بها العلامة ابن حزم رحمه الله كما يظهر من بحثك، ولم يذكرها غيره من العلماء، فهل تفرده - في نقل أو قول أو فهم أو حكم - مقبول عندك؟! وما هو قولك: لو أنَّ ابن حزم رحمه الله نقل الخلاف في مسألة ادَّعى فيها غيره من العلماء الإجماع أو كان لا يرى فيها ثبوت الإجماع؟!
أي: هل يُقبل نقله للخلاف كما يُقبل نقله لعدمه؟
أم بينهما فرق عندك؟
وأنا حقيقة مستغرب جداً من هذه الدعوى التي نقلها ابن حزم - مع ما هو معلوم من شدة ظاهريته! - من غير أن يعتمد فيها على حديث أو أثر، فهو رحمه الله لم يذكر حديثاً ولا أثراً في كون العيد خطبتين!!، ومع هذا نقل عدم الخلاف في ذلك!!، وأما العلماء فلم ينقلوا الإجماع، ولا قالوا أنَّ للعيد خطبتين إلا قياساً على الجمعة؛ وهذا ما لا يقبله ابن حزم من أصله!.
ومستغرب أكثر من اعتماد الشيخ عبدالقادر وفقه الله على هذا النقل الذي تفرد به العلامة ابن حزم رحمه الله، والذي عرفتُه - وقد أكون مخطئاً! - من خلال بعض بحوث الشيخ المنشورة في شبكة سحاب أنه لا يعتبر قول ابن حزم إذا تفرد في مسألة!، فها هو قد تفرد في نقل عدم الخلاف!.
4- إنَّ العلامة ابن حزم رحمه الله ذكر عدة مسائل تخص صلاة العيد وخطبتها ثم قال بعدها: ((كُلُّ هَذَا لا خِلافَ فِيهِ إلا فِي مَوَاضِعَ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى))، والمتتبع لهذه المسائل يجد في أغلبها خلافاً بين العلماء واضحاً، وقد ذكر طرفاً منه ابن حزم نفسه فيما بعد!، وعدم ذكره أو علمه بالمخالف في مسألتنا على وجه الخصوص لا يستلزم منه عدم وجود المخالف أصلاً؛ قال العلامة ابن القيم رحمه الله في [الصلاة وحكم تاركها ص115]: ((وقد أنكر الأئمة كالإمام أحمد والشافعي وغيرهما دعوى هذه الإجماعات التي حاصلها عدم العلم بالخلاف، لا العلم بعدم الخلاف فإنَّ هذا مما لا سبيل إليه إلا فيما علم بالضرورة أنَّ الرسول جاء به!!. وأما ما قامت الأدلة الشرعية عليه فلا يجوز لأحد أن ينفي حكمه لعدم علمه بمن قال به؛ فإنَّ الدليل يجب إتباع مدلوله، وعدم العلم بمن قال به لا يصح أن يكون معارضاً بوجه ما؛ فهذا طريق جميع الأئمة المقتدى بهم)).
5- قلتَ أيها الشيخ المفضال: ((فإذا لم يكن خلاف بين مَن تقدَّمنا من أهل العلم في الخطبتين، وأجمعوا عليهما))، وصرَّحتَ فيما بعد بأنَّ ما ذهبتَ إليه ثابت بالإجماع، ونسبة ذلك إلى ابن حزم!.
ومعلوم عندكم الفرق بين نقل (عدم الخلاف) ونقل (الإجماع)، فابن حزم رحمه الله نفى الخلاف ولم يثبت الإجماع في هذه المسألة، وقد قال في كتابه [مراتب الإجماع]: ((واتفقوا على أنَّ صلاة الظهر من يوم الجمعة في المصر الجامع إذا أمر بذلك الإمام الواجبة طاعته وخطب الإمام خطبتين قائماً يجلس بينهما جلسة))، ولم ينقل مثل هذا الاتفاق في صلاة العيد!.
وابن حزم رحمه الله نفسه لا يقبل هذه المساواة بين الدعوتين (عدم الخلاف) و (الإجماع)، فقال في الإحكام: ((واعلموا أنَّ الذي يدَّعي ويقطع بدعوى الإجماع في مثل هذا، فإنه من أجهل الناس بأقوال الناس واختلافهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، فظهر كذب من ادَّعى أن ما لا يعرف فيه خلاف: فهو إجماع)).
وقال في مقدمة مراتب الإجماع: ((وقد أدخل قوم في الإجماع ما ليس فيه، وقوم عدوا قول الأكثر إجماعاً، وقوم عدوا ما لا يعرفون فيه خلافاً إجماعاً وإن لم يقطعوا على أنه لا خلاف فيه، وقوم عدوا قول الصاحب المشهور المنتشر إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفاً وإن وجد الخلاف من التابعين فمن بعدهم فعدوه إجماعاً، وقوم عدوا قول الصاحب الذي لا يعرفون له مخالفاً من الصحابة رضي الله عنهم وإن لم يشتهر ولا انتشر إجماعاً، وقوم عدوا قول أهل المدينة إجماعاً، وقوم عدوا قول أهل الكوفة إجماعاً، وقوم عدوا اتفاق العصر الثاني على أحد قولين أو أكثر كانت للعصر الذي قبله إجماعاً؛ وكل هذه آراء فاسدة، ولنقضها مكان آخر)).
فكيف سوَّغتَ أيها الشيخ الحبيب دعوى (الإجماع) ولم ينطق بها حتى ابن حزم نفسه؟!
وأما نسبة مثل هذا الإجماع إلى ابن حزم فبعيدٌ جداً؛ قال العلامة ابن حزم رحمه الله في المحلى: ((لا تَحِلُّ دَعْوَى الإِجْمَاعِ إلا فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا تُيُقِّنَ أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَرَفُوهُ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ عَنْهُمْ وَأَقَرُّوا بِهِ.
وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ مَنْ خَالَفَهُ كَافِرًا خَارِجًا عَنْ الإِسْلامِ؛ كَشَهَادَةِ أَنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَالإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجُمْلَةِ الزَّكَاةِ، وَالطَّهَارَةِ لِلصَّلاةِ، وَمِنْ الْجَنَابَةِ، وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ؛ وَالدَّمِ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ فَقَطْ)).
6- اتفاق علماء المذاهب الأربعة أو تتابع بعض العلماء على قول ما أو اشتهاره بين أهل العلم؛ لا يعد حجة، قال ابن حزم رحمه الله في المحلى: ((وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ إذَا اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَانَ أَسْهَلُ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ دَعْوَى الإِجْمَاعِ!، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِمْ مُؤْنَةٌ مِنْ دَعْوَى: أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَنَّ خِلافَهُ شُذُوذٌ!، وَأَنَّ خُصُومَهُمْ لَيَرْثُونَ لَهُمْ مِنْ تَوَرُّطِهِمْ فِي هَذِهِ الدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِهَا)).
وقال رحمه الله في [الإحكام 2/186-187] لما أورد قول الخصم: "وقالوا: نرجِّح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الأكثر من الناس" فردَّ عليه بقوله: ((ولأنَّ كثرة القائلين بالقول لا تُصَحِّح ما لم يكن صحيحاً قبل أن يقولوا به، وقلة القائلين بالقول لا تُبطِل ما كان حقاً قبل أن يقول به أحد؛ وقد بينا هذا جداً في باب: "إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة" في آخر هذا الباب، وأيضاً: فإنَّ القول قد يكثر القائلون به بعد أن كانوا قليلاً، ويقلّون بعد أن كانوا كثيراً؛ فقد كان جميع أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي رحمه الله ثم رجعوا إلى مذهب مالك، وقد كان جمهور أهل إفريقية ومصر على مذهب أبي حنيفة وكذلك أهل العراق ثم غلب على إفريقية مذهب مالك وعلى مصر والعراق مذهب الشافعي؛ فيلزم على هذا: أنَّ القول إذا كثر قائلوه صار حقاً وإذا قلوا كما ذكرنا عاد باطلاً؛ وهذا هو الهذيان نفسه)).
7- مما ينقض دعوى عدم الخلاف - فضلاً عن الإجماع! – ما أخرجه عبدالرزاق في مصنفه 3/285 حديث (5650): عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: متى كان مَنْ مضى يخرج أحدهم من بيته يوم الفطر للصلاة؟ فقال: "كانوا يخرجون حتى يمتد الضحى فيصلون ثم يخطبون قليلاً سويعة" يقلِّل خطبتهم، قال: "لا يحبسون الناس شيئاً"، قال: "ثم ينزلون فيخرج الناس"، قال: "ما جلس النبي صلى الله عليه وسلم على منبر حتى مات، ما كان يخطب إلا قائماً؛ فكيف يخشى أن يحبسوا الناس؟ وإنما كانوا يخطبون قياماً لا يجلسون، إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يرتقي أحدهم على المنبر فيقوم كما هو قائماً لا يجلس على المنبر حتى يرتقي عليه، ولا يجلس عليه بعد ما ينزل، وإنما خطبته جميعاً وهو قائم، إنما كانوا يتشهدون مرة واحدة الأولى"، قال: "لم يكن منبر إلا منبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء معاوية حين حج بالمنبر فتركه"، قال: "فلا يزالوا يخطبون على المنابر بعد".
قلتُ:
عطاء بن أبي رباح من كبار التابعين وأئمة الفقه والدين، وقد التقى بمائتين من الصحابة، لكن لم يثبت سماعه من عثمان رضي الله عنه فضلاً عن أبي بكر وعمر، فهو مرسل، ومراسيل كبار التابعين وإنْ كان لها قوة عند بعض العلماء، إلا أنَّ عطاء كان يُرسل عن كل أحد!.
ويكفينا من هذا الأثر: أن يكون مذهباً لعطاء رحمه الله نفسه، فهو يرى رحمه الله أنَّ خطبة العيد تكون قياماً من أول ما يرتقي الإمام المنبر حتى ينزل، وليس في خطبة العيد جلوس على المنبر؛ وتكون خطبته جميعاً وهو قائم، ويتشهد مرة واحدة، وهذا كله يدل على أنها خطبة واحدة لا خطبتان فتأمَّل.
8- نقلك أيها المكرَّم عن الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله أراه مختصراً؛ وقد يحتاج أن يعلم القارئ تمام كلامهما، ولهذا أجدني مضطراً أن أنقل كلامهما بتمامه:
قول الشيخ ابن باز رحمه الله بتمامه هو: ((خطبة العيد خطبتان، وأثر عبيدالله مرسل فهو ضعيف؛ لكن يتأيد عند الجمهور بأنها مثل الجمعة فألحقوها بها، وتتابع العلماء على ذلك)).
وفي كلامه رحمه الله فائدتان: أنَّ الشيخ ابن باز لا يُثبت الإجماع وإنما هو قول الجمهور!، والثانية أنَّ الشيخ يضعف أثر عبيدالله.
أما قول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فهو بتمامه: ((هذا ما مشى عليه الفقهاء رحمهم الله أنَّ خطبة العيد اثنتان؛ لأنَّه ورد هذا في حديث أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه نظر: "أنه كان يخطب خطبتين"، ومَنْ نظر في السنة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما: تبين له أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطب إلا خطبة واحدة)).
وفيه فائدتان: أنَّ قول الفقهاء مبنيٌّ على حديث ضعيف، وأنَّ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله على خلاف قول الفقهاء، ويرى أنَّ السنة الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم في العيد أنه لم يخطب إلا خطبة واحدة.
9- أما الكلام عن الآثار في التكبير على المنبر:
فقد كفانا مؤنة البحث فيها وتحقيقها الشيخ الألباني رحمه الله فقال في السلسلة الضعيفة: ((ثم وجدتُ لابن أبي يحيى هذا أثراً آخر عن ابن عتبة بنفس إسناده المذكور عنه؛ لكنه أسقط إبراهيم بن عبد الله، فقال عبد الرزاق في مصنفه (3 / 290 - 291) عن ابن أبي يحيى عن عبد الرحمن بن محمد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "السنة التكبير على المنبر يوم العيد: يبدأ خطبته الأولى بتسع تكبيرات قبل أن يخطب، ويبدأ الآخرة بتسع"!، وهذا أشد نكارة من رواية الشافعي عنه؛ فإنه زاد عليها التكبير!، وعلى المنبر!، ولم يثبت ذلك في السنة المحمدية فيما علمت)).
قلتُ:
وإبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى الأسلمي شيخ الإمام الشافعي في هذه الرواية: متروك وقد كذَّبه بعضهم، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد قال الحافظ في التقريب: مقبول، فهو لا يقبل إلا بالمتابعة، وإبراهيم بن عبد الله مجهول؛ وفي بعض الروايات أسقط فهي منقطعة فلينتبه لهذا!، ومحمد بن عبد الرحمن القارىء لم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ومع هذا؛ لو صحَّ الأثر بمجموع طرقه الضعيفة جداً والتي يدل فيها على مشروعية التكبير قبل البدء بالخطبة!، فلا يقبل ذلك لأنه مرسل تابعي، وقوله "من السنة" ليس ظاهراً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل المعروف من سنته أنه يبدأ خطبه بالحمد لله، قال العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: ((وعبيد الله المذكور أحد فقهاء التابعين، وليس قول التابعي "من السنة" ظاهراً في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال باستحباب التكبير على الصفة المذكورة في الخطبة كثير من أهل العلم، وقال ابن القيم: "وأما قول كثير من الفقهاء إنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيدين بالتكبير!؛ فليس معهم فيها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ألبتة، والسنة تقتضي خلافه؛ وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله"، والحديث الثاني يرجِّحه القياس على الجمعة، وعبيد الله بن عبد الله تابعي كما عرفتَ فلا يكون قوله "من السنة" دليلاً على أنها سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ كما تقرر في الأصول)).
10- قولك أيها الفاضل: ((إنَّ ما ورد في الأحاديث النبوية محتمل وليس بصريح، وذلك لأنَّ هذه الأحاديث ليس فيها النص على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطب في يوم العيد إلا خطبة واحدة، وغاية ما ورد فيها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في يوم العيد)).
جواب هذا الاعتراض:
أنَّ في يوم الاستسقاء والكسوف قد ورد الحديث بلفظ (خطب) أيضاً من غير تحديد (خطبة واحدة) أو (خطبتين)؛ فهل تقول أيها الشيخ الفاضل أنهما خطبتان أيضاً كما قلتَ في العيد؟!
علماً أني لا أقول كما قال الشيخ الألباني رحمه الله: ((لا قائل بذلك))!، فقد ثبتَ ذلك عن الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله، جاء في [المدونة 1/231]: ((وقال مالك: الخطب كلها خطبة الإمام في الاستسقاء والعيدين ويوم عرفة والجمعة، يجلس فيما بينها، يفصل فيما بين الخطبتين بالجلوس، وقبل أن يبتدئ الخطبة الأولى يجلس ثم يقوم يخطب ثم يجلس أيضاً ثم يقوم يخطب))، وقال الشافعي في الأم (1/272): ((أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله عن إبراهيم بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس"، وكذلك خطبة الاستسقاء وخطبة الكسوف وخطبة الحج وكل خطبة جماعة، ويبدأ الإمام في هذا كله إذا ظهر على المنبر، فيسلِّم ويرد الناس عليه، فإنَّ هذا يروى عالياً، ثم يجلس على المنبر حين يطلع عليه جلسة خفيفة كجلوس الإمام يوم الجمعة للأذان، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس بعد الخطبة الأولى جلسة أخف من هذه أو مثلها، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، فالخطب كلها سواء فيما وصفتُ)).
لكن هل الشيخ عبدالقادر يقول بهذا القول أيضاً؟!
أم يقول للكسوف والاستسقاء خطبة واحدة؛ مع ورودها بلفظ (خطب) كالعيد؟!
- ثم أليس الأصل في لفظ (خطب) أن تكون خطبة واحدة؛ ولا تنصرف إلى الخطبتين إلا بدليل آخر أو بقرينة؟!
أم أنَّ لفظ (خطب) يدل على الخطبتين، ولا ينصرف إلى الخطبة الواحدة إلا بدليل!، كما يطالبنا الشيخ عبدالقادر الجنيد بالنص الصريح على أنَّ خطبة العيد واحدة؟!!
طيب؛ ماذا نفعل بالأحاديث التي ورد فيها "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم"، والتي لم تقيد بجمعة ولا بعيد ولا باستسقاء ولا بكسوف ولا بعرفة؛ كخطبة الوداع وخطبة يوم فتح مكة وغيرها كثير في مناسبات مختلفة؟!
ما هو الأصل فيها خطبة أم خطبتان؟!
11- لا يصح قياس العيد على الجمعة للفوارق بينهما؛ قال المرداوي في الإنصاف: ((واستثنى جماعة من الأصحاب أنها تفارق الجمعة في الطهارة واتحاد الإمام والقيام و "الجلسة بين الخطبتين" والعدد؛ لكونها سنة لا شرط للصلاة في أصح الوجهين. قال في مجمع البحرين: "وتفارق خطبة العيد خطبة الجمعة في ستة أشياء: فلا تجب هنا الطهارة، ولا اتحاد الإمام، ولا القيام، ولا الجلسة هنا، قولاً واحداً، بخلاف الجمعة في وجه، ولا يعتبر لها العدد، وإن اعتبرناه للصلاة بخلاف الجمعة، ولا يجلس عقيب صعوده للخطبة في أحد الوجهين لعدم انتظار فراغ الأذان هنا" انتهى))، وهناك فوارق أخرى، منها: أنَّ المأموم مخيِّر بين الجلوس لاستماع الخطبة وبين الذهاب إلى بيته، وأنَّ الخطبة في الجمعة تكون على المنبر داخل المسجد، بينما في العيد تكون في المصلى بلا منبر. والقياس مع الفارق لا يصح كما لا يخفى على مثلك.
12- ممَنْ قال بثبوت الخلاف في المسألة:
قال العلامة الصنعاني رحمه الله في (سبل السلام) عند شرحه حديث أبي سعيد رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم، فيعظهم ويأمرهم": ((فيه دليل على مشروعية خطبة العيد، وأنها كخطب الجمع أمر ووعظ، وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة، وأنه يقعد بينهما، ولعله لم يثبت ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم، وإنما صنعه الناس قياساً على الجمعة)).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين: ((وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم بل من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يخطب أصحابه الخطب الراتبة والخطب العارضة: أما الخطب الراتبة فمثل خطبة الجمعة خطبة العيد خطبة الاستسقاء خطبة الكسوف هذه خطب راتبة كلما وجد سببها خطب عليه الصلاة والسلام، في الجمعة يخطب خطبتين قبل الصلاة، وفي العيد خطبة واحدة بعد الصلاة، وكذلك في الاستسقاء، وفي الكسوف خطبة واحدة بعد الصلاة، أما الخطب العارضة فإنها تكون إذا وجد سبب عارض فيقوم النبي عليه الصلاة والسلام خطيباً يخطب الناس)).
وفي مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين:
5630/ سُئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يخطب الإمام في العيد خطبة واحدة أو خطبتين؟
فأجاب فضيلته بقوله: ((المشهور عند الفقهاء رحمهم الله أنَّ خطبة العيد اثنتان لحديث ضعيف ورد في هذا، لكن في الحديث المتفق على صحته أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يخطب إلا خطبة واحدة، وأرجو أن الأمر في هذا واسع)).
5631/ وسُئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو الثابت في خطبة العيد هل هي واحدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ((خطبة العيد: اختلف العلماء رحمهم الله فيها، فمنهم من قال: إنَّ العيد له خطبتان يجلس بينهما، ومنهم من قال: ليس له إلا خطبة واحدة...)).
وسُئلت اللجنة الدائمة [فتاوى إسلامية 1/425]: هل في خطبة العيدين جلوس بين الخطبتين؟
فكان جوابها: ((خطبتا العيدين سنة وهي بعد صلاة العيد، وذلك لما روي النسائي وابن ماجه وأبو داود عن عطاء عن عبد الله بن السائب رضي الله عنهما قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب" قال الشوكاني رحمه الله في النيل: " قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه بيان أن الخطبة سنة، إذ لو وجبت وجب الجلوس لها" اهـ، ويشرع لمن خطب خطبتين في العيد أن يفصل بينهما بجلوس خفيف قياساً على خطبتي الجمعة، ولما روي الشافعي رحمه الله عن عبيد بن عبد الله بن عتبة رضي الله عنه قال: السنة أنَّ يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس لصلاة العيد إلا خطبة واحدة؛ لأنَّ الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيها إلا خطبة واحدة، والله أعلم)).
وأخيراً:
فقد قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في وصف الإمام أحمد رحمه الله تعالى [إعلام الموقعين 1/30]: ((ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملاً ولا رأياً ولا قياساً ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ويقدمونه على الحديث الصحيح؛ وقد كذَّب أحمد من ادَّعى هذا الإجماع، ولم يسوِّغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضاً نصَّ في رسالته الجديدة على: أنَّ ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: "ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعاً" وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعتُ أبي يقول" ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، لعلَّ الناس اختلفوا ما يدريه ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك؛ هذا لفظه.
ونصوصُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلُّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدِّموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطَّلت النصوص، وساغ لكل مَنْ لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدِّم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده)).
وقال رحمه الله في [الروح 264]: ((فصل؛ والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها:
أنَّ تجريد المتابعة أنْ لا تقدِّم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائناً من كان، بل تنظر في صحة الحديث أولاً، فإذا صحَّ لك نظرت في معناه ثانياً؛ فإذا تبين لك: لم تعدل عنه ولو خالفك مَنْ بين المشرق والمغرب.
ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها صلى الله عليه وسلم؛ بل لا بدَّ أن يكون في الأمة مَنْ قال به ولو لم تعلمه، فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله؛ بل اذهبْ إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعاً ولكن لم يصل إليك.
هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه؛ فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة؛ ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك؛ فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقاً.
فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم؛ بل اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقاً مَنْ امتثل ما أوْصَوا به، لا مَنْ خالفهم، فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من: تقديم النص على أقوالهم.
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كلَّ ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه:
فالأول: يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة؛ بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به ولذلك سمى تقليداً، بخلاف ما استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة؛ فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى، قال الشافعي: أجمع الناس على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد)).
وأختم بما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في [المجموع 24/172]: ((وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: "فإنْ تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إنْ كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً"، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، نعم مَنْ خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافاً لا يُعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع)).
ومَنْ أحب زيادة في التفصيل فليراجع البحثين الماتعين:
* للشيخ المفضال محمد علي فركوس وفقه الله:
http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=122856
* وللشيخ المفضال جمال بن فريحان الحارثي وفقه الله:
http://www.osalaf.com/vb/showthread.php?t=1036
والله الموفِّق ).
شبكة سحاب:
http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=132876