فوائد في الماء الجاري
( الْقَاعِدَةُ الْأُولَى ) الْمَاءُ الْجَارِي هَلْ هُوَ كَالرَّاكِدِ أَوْ كُلُّ جرية مِنْهُ لَهَا حُكْمُ الْمَاءِ الْمُنْفَرِدِ .
فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ : ( أَحَدُهَا ) لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَهَلْ يُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَنْجُسْ بِدُونِ تَغَيُّرٍ وَإِلَّا نَجُسَ أَوْ تُعْتَبَرُ كُلُّ جَرْيَةٍ بِانْفِرَادِهَا فَإِنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ وَإِلَّا نَجُسَتْ .
فِيهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُ
( وَالثَّانِيَةُ ) : الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي وَالثَّانِيَةُ : لَوْ غُمِسَ الْإِنَاءُ النَّجِسُ فِي مَاءٍ جَارٍ وَمَرَّتْ عَلَيْهِ سَبْعُ جَرْيَاتٍ فَهَلْ ذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ سَبْعُ غَسَلَاتٍ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : حَكَاهُمَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْغَازِي تِلْمِيذُ الْآمِدِيِّ ، وَذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ ذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَفِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ لِلْقَاضِي : أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ثَوْبًا وَنَحْوِهِ وَعَصَرَهُ عَقِيبَ كُلِّ جَرْيَةٍ
( وَالثَّالِثَةُ ) : لَوْ انْغَمَسَ الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فِي مَاءٍ جَارٍ لِلْوُضُوءِ وَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جَرْيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَهَلْ يَرْتَفِعُ بِذَلِكَ حَدَثُهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ .
قُلْتُ : بَلْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَأَنَّهُ إذَا انْغَمَسَ فِي دِجْلَةَ فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ حَتَّى يُخْرِجَ حَدَثَهُ مُرَتَّبًا
( وَالرَّابِعَةُ ) لَوْ حَلَفَ لَا يَقِفُ فِي هَذَا الْمَاءِ وَكَانَ جَارِيًا لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَ يَتَبَدَّلُ وَيَسْتَخْلِفُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْوُقُوفُ فِيهِ .
وَقِيَاسُ الْمَنْصُوصِ أَنَّهُ يَحْنَثُ ، لَا سِيَّمَا وَالْعُرْفُ يَشْهَدُ لَهُ وَالْأَيْمَانُ مَرْجِعُهَا إلَى الْعُرْفِ ، ثُمَّ وَجَدْت الْقَاضِيَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا [ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ] .
القواعد لابن رجب
|