قطف الثمرات
ببيان
أجوبة الشيخ حامد
على
أسئلة الإخوة بمدينة ورززات
وعليكم السلام ورحمة الله و بركاته ، وبعد ؛
فمرحباً بإخواننا الأكارم من مدينة ورزازات بالقُطر المغربي الشقيق ، ونسأل الله تعالى أن ينفعكم ، وأن ينفع بكم ، وأن يوفقكم لمرضاته .
ونعتذر إلى إخواننا عن تأخر الإجابة على هذه الأسئلة المهمة - بارك الله فيكم - .
وهذه هي الإجابات بعد إعادة إيراد الأسئلة الذي تقدمتم بها :
السؤال الأول : أخ يسأل هل يجوز أن نقول مثلا : (تبارك الله على فلان) ، أو (تبارك الله على سيارة) ، مع العلم شيخنا أننا قرأنا كلاماً للشيخ الجابري -حفظكم الله و إياه- يقول أنه (تبارك الله) لا تقال إلا لله عز و جل ، إلا أن الأخ استشكل عليه الأمر ، فيقول : الظاهر أنَّ الذي لا يجوز هو أن نقول : (تباركت يا فلان) أو (تبارك فلان)؟
الجواب : (البركة : النماء والزيادة ، والتبريك : الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة) لسان العرب (مادة : بَرَكَ).
والبركة لا تكون إلا من الله تعالى ، ولا يملك المخلوقون منها شيئاً ، فلا يُقال : (بارك زيدٌ عمراً) بمعنى جعله مُباركاً ، ولكن يجوز أن يُقال : (بارَك زيدٌ عمْراً) بمعنى : دعا له بالبركة .
أما أن يُراد أنَّ زيداً أعطى لعمروٍ شيئاً من البركة ، فهذا لا يكون .
وأما التبرُّك بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فهذه تُسمَّى البركة المتعدِّيَة ، حيث أن الله تعالى جعل الأنبياء مُبارَكين ، كما قال عيسى عليه الصلاة والسلام : (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ) ،وجعل هذه البركة جائزة التَّعدِّي إلى البشر ، كما صحَّ عن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء ، فما يُؤتى بإناء إلا غمس يده فيها ، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها . أخرجه مسلم (2324) ، وغيره .
والبركة تكون على نوعين :
النوع الأول : فعل الله تعالى ، وهذا يجوز أن يَتَعَدَّى بنفسه ، فتقول : (بارك اللهُ فلاناً) أي : جعله مباركاً ، ويَصِحُّ أن يَتَعدَّى بــ (في) ، فتقول : (بارك الله في فلان) ، كما قال تعالى : (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا) ، ويَصِحُّ أن يتعدَّى بـــ (على) ، فتقول : (بارك الله على فلان) ، كما قال تعالى : (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ) .
والنوع الثاني : البركة المضافة إلى الله تعالى إضافة وصف ، والفعل منها (تبارك) ، وهذه خاصَّةٌ بالله تعالى ، ولا يجوز أن يُقال : (تبارَك فلانٌ) على الوصف ، حيث أنَّه وصفٌ خاصٌّ بالله تعالى ، لا يجوز إطلاقه على غيره .
والمراد من قولنا : (تبارك) : أنَّ الله اكتملت بَرَكَتُه ، وعَظُمَتْ ، واتَّسَعَت .
وإنما يجوز أن يُكون مُراد القائل من قوله : (تبارك فلانٌ) أي : دعا لنفسه بالبركة ، فهذا جائِزٌ – إن شاء الله – .
وأما تعديَة الفعل (تبارك) بــ (على) ، فهذا لا يَصِحُّ ، ولا يجوز ؛ لأنَّ الفعل (تبارك) على وزن (تفاعل) ، وهذا لا يجوز تعديته بــ (على) ، فتقول : (تبارك الله على فلان) ، فهذا خطأ ، وقد سبق أَنْ قرَّرنا أنَّ (تَبارَك) هي وَصْفٌ لله تعالى دالٌّ على كمال بَرَكَتِه وعِظَمِها واتِّساعِها .
ومن أراد الزيادة ، فله أن يُراجِع كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد .
فلا يَصِحُّ هذا الإطلاق ، والله أعلم .
* هل كلُّ جرحٍ مُعتبر؟ و هل قاعدة الجرح الـمُفَسَّر مُقَدَّمٌ على التعديل المجمل هل هي على إطلاقها؟
الجواب : اعلموا – وفقكم الله تعالى – أنَّ الجرح ينقسم إلى قسمين :
الأول : جرحٌ مُجملٌ .
والثاني : جرحٌ مُفَسَّر .
والجرح المجمل : إنْ صَدَرَ من عارفٍ بأسباب الجرح ، ولم يُعارِضه تعديل من عارفٍ بأسباب التعديل فإنه يُقبل الجرح .
وأما إن عارضه تعديلٌ من عارفٍ بأسباب التعديل ، فحينئذٍ يُقدَّم التعديل على الجرح .
وأما بالنسبة للجرح المُفسَّر : فإنَّه إنْ كان من عارفٍ بأسباب الجرح ، فإنه يُقبل ، سواء عارضه تعديلٌ أو لم يُعارضه .
ولكن مع التنبيه ؛ إلى أنَّ أهل العلم قد يقبلون أحياناً قد يُقدِّمون الجرح المجمل على التعديل ، وذلك بناءً على أنَّ هذا الجارح قد عُرِف عنه أنه لا يجرح إلا عن علمٍ وبصيرة بأسباب الجرح ، ومثال ذلك لو جاءنا عن الإمام أحمد جرح راوٍ ، وجاء عن غيره ممن هو دونه تعديله ، فلا شكَّ أن النفس تميل إلى قول هذا الإمام الجبل على غيره ممن هو دونه .
وهنالك تفاصيل كثيرة تندرج تحت هذا ، وليس هذا موضع بسطها .
* أخ اعتاد أن يصلي صلاة الفجر بالبيت و ذلك لاعتماد مساجدنا التوقيت الفلكي فيصلى الفجر ليلا. ، فهو يصلي بالبيت عملا بأقوال أهل العلم في المسألة. و قد اكتشف مؤخرا أنه كان يصليها بدوره قبل دخول وقتها ظنا منه تحقُّق دخول الوقت فهل عليه قضاء ما صلاه (منذ حوالي شهر تقريبا) أو أنه يدخل في عموم قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ؟
الجواب : يجب على هذا الأخ – وفقه الله تعالى- إعادة هذه الصلوات ، وهو مُفَرِّطٌ في هذه الصلوات ، فإنه قد ترك الصلاة في المسجد لأجل ادِّعائه أن الصلاة تكون ليلاً ، وما دام قد ادَّعى حصول ذلك ؛ فكان ينبغي أن يكون عارفاً بدخول الوقت وخروجه ، وإلا فكيف استطاع أن يُحدِّد أن الصلاة تكون ليلاً ؟!!
*بعد الصلوات المفروضة يعمد بعض المصلين إلى الدعاء جماعة فهل لنا البقاء بالمسجد و الاشتغال بالأذكار المشروعة عقب الصلاة أو الخروج من المسجد مع العلم أن ذكرهم الجماعي قد لا يتعدى دقيقة واحدة ثم ينصرفون.
الجواب : لكم البقاء في المسجد – إن شاء الله – ولا حرج عليكم ، مع وجوب إنكار ذلك بقلوبكم ما دمتم لا تستطيعون تغييره ، عَمَلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (من رأى منكم منكراً فليُغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان) .
وإن كان يتهيَّأُ لكم أن تُصَلُّوا في مسجدٍ آخر لإمام على السنة ، فهو الأولى –بارك الله فيكم - .
* هل يجوز لنا خلال هذا الشهر الدخول مع الإمام في الركعتين الأوليين من صلاة التراويح بنِيَّة صلاة راتبة العشاء أو نصليها بعد صلاة الوتر مع العلم ان الإمام لا ينصرف من القيام حتى يوتر؟
الجواب : لا يجوز ذلك ؛ لأن المداومة على هذا الفعل على هذا النحو تكون بدعة ، ولم تكن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصلٍّي الراتبة في جماعة ، ولا فعله أصحابه رضي الله عنهم .
فيكون ذلك داخلاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من عمل عملاً ليس ليه أمرنا فهو رد) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (وكل بدعة ضلالة) .
* هل يعتبر جلوسنا أمام الحاسوب من أجل الاستماع لدرس مباشر على النت أو لشريط مسجل من أشرطة أهل العلم حلقة من حلقات العلم أو روضة من رياض الجنة؟
الجواب : لا شكَّ أنَّ الأصل في طلب العلم أن يكون من الشيوخ مباشرة ، وهو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه رضي الله عنهم ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ علم الكتاب والسنة من جبريل ، كما قال تعالى : (قل مَن كان عدواًّ لجبريل فإنه نزَّله على قلبك بإذن الله) ، وقال تعالى : (قل نزَّله روح القدس من ربك بالحق ليُثبِّت به الذين آمنوا وبشرى للمسلمين) .
وكان الصحابة رضي الله عنهم يأخذون العلم مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة جداًّ .
ولكن من فضل الله تعالى وكرمه على أمة الإسلام ؛ أنه لم يجعل سبل العلم محصورةً في ذلك ، بل جعل كلَّ الطرق مؤديةً إلى طلب العلم ما لم تكن هذه الطرق مخالفةً للكتاب والسنة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (مَن سَلَكَ طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح : (...ونَكَّرَها .... ؛ لِتَناوُلِ أنواعِ الطُّرُق الـمُوصِلَةِ إلى تحصيل أنواع العلوم الدينيَّة، ولِيَنْدَرِجَ فيه القليل والكثير) ا.هـ .
ومن المعلوم انَّ الله تعالى يكتب للعبد بسبب نيَّته من الأجر والثواب ما قد يحصل عليه العامل ، إذا كان تركه للعمل لأجل شيء من الأعذار المشروعة .
فقد ثبت في الحديث الصحيح ، حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من غزوة تبوك ، وقد كان بعض الصحابة رضي الله عنهم تخلَّفوا لأعذار ، كالشيوخ والنساء ، ونحوهم من أهل الأعذار ، فأخبر أنَّهم لهم من الأجور كالأُجور التي حصل عليها من ذهب إلى الغزوة ، فقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك ، فَدَنا من المدينة ، فقال : (إنَّ بالمدينة أقواماً؛ ما سرتُم مسيراً ، ولا قطعتم وادياً ، إلا كانوا معكم) قالوا: يا رسول الله ! وهم بالمدينة ؟! . قال : (وهم بالمدينة ، حبسهم العذر) متفق عليه واللفظ للبخاري ، وفي رواية لمسلم : (إلا شَرَكُوكم في الأجر) .
بقي التنبيه هنا على ما جاء في آخر السؤال ، فنقول : كلُّ مجلسٍ يُذكر فيه الله تعالى على الوجه المشروع فهو من مجالس الذكر ، ومن رياض الجنة ، وقد جاء الحديث في ذلك مُطلقاً دون تقييدٍ بشيء ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا) قيل : وما رياض الجنة؟ قال : (حلق الذكر) ,
هذا والله أعلى وأعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين
حامد بن خميس بن ربيع الجنيبي
5 شعبان 1432 هـــ
المصدر :
http://www.imam-malik.net/vb/showthread.php?t=817