منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > منبر الحديث الشريف وعلومه

آخر المشاركات ردود الصعافقة بعضهم على بعض وكشف بعضهم أسرار بعض ليست صحوة ضمير وإنما تنازع لصوص، واختلاف زعامات،... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من بكائيات الصعافقة على ما فعلوه في أنفسهم من اللؤم ونكران الجميل! (محمد خليفة الداودي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من أفرد عاشوراء بالصوم فقط هل يحصل على ثواب تكفير السنة كاملة؟ (الكاتـب : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          والله إني لأتعجب من شدة وقاحة ووضاعة وصفاقة وجه الصعافقة(مثل نزار هاشم وفواز المدخلي وبلال السالمي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الصعفوق فواز المدخلي جاء ليدافع عن نزار هاشم السوداني في بدعته حول اسم الله الشافي فورط نفسه ومن... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات المشبه الأشعري محمد رجب عريان الحسني (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من عجائب زماننا وهو من عجائب الصعافقة وكيف كانوا يعيشون على المكر والخبث (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات وأكاذيب الرويبضة (ذَنَب الكوري هدي) المدعو أبو يحيى مصطفى البيضاوي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          التنبيه على (مكر عابر) لأحد مكرة الصعافقة المغاربة المدعو (فؤاد منجيب) (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من تعالم الصعافقة وابتداعهم أقوالا للتبرير لشيوخ الفتنة عندهم (دفاع هوراز الكردي عن نزار... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-22-2011, 10:22 PM
أبو عبيدة طارق الجزائري أبو عبيدة طارق الجزائري غير متواجد حالياً
طرد لأنه من المتحزبين للحجوري المبتدع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 338
شكراً: 9
تم شكره 13 مرة في 12 مشاركة
افتراضي مختارات من كتاب [بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار] للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-


مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-


الحديث الثامن
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق الله ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ، ولينته . وفي لفظ فليقل : آمنت بالله ورسله متفق عليه . وفي لفظ لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا : من خلق الله ؟ .
احتوى هذا الحديث على أنه لا بد أن يلقي الشيطان هذا الإيراد الباطل : إما وسوسة محضة ، أو على لسان شياطين الإنس وملاحدتهم . وقد وقع كما أخبر ، فإن الأمرين وقعا ، لا يزال الشيطان يدفع إلى قلوب من ليست لهم بصيرة هذا السؤال الباطل ، ولا يزال أهل الإلحاد يلقون هذه الشبهة التي هي أبطل الشبه ، ويتكلمون عن العلل وعن مواد العالم بكلام سخيف معروف .
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم إلى دفع هذا السؤال بأمور ثلاثة : بالانتهاء ، والعوذ من الشيطان ، وبالإيمان .
أما الانتهاء - وهو الأمر الأول - : فإن الله تعالى جعل للأفكار والعقول حدا تنتهي إليه ، ولا تتجاوزه . ويستحيل لو حاولت مجاوزته أن تستطيع ، لأنه محال ، ومحاولة المحال من الباطل والسفه ، ومن أمحل المحال التسلسل في المؤثرين والفاعلين ، فإن المخلوقات لها ابتداء ، ولها انتهاء . وقد تتسلسل في كثير من أمورها حتى تنتهي إلى الله الذي أوجدها وأوجد ما فيها من الصفات والمواد والعناصر وأن إلى ربك المنتهى فإذا وصلت العقول إلى الله تعالى وقفت وانتهت ، فإنه الأول الذي ليس قبله شيء ، والآخر الذي ليس بعده شيء . فأوليته تعالى لا مبتدأ لها مهما فرضت الأزمان والأحوال ، وهو الذي أوجد الأزمان والأحوال والعقول التي هي بعض قوى الإنسان . فكيف يحاول العقل أن يتشبث في إيراد السؤال الباطل . فالفرض عليه المحتم في هذه الحال : الوقوف ، والانتهاء .
الأمر الثاني : التعوذ بالله من الشيطان ، فإن هذا من وساوسه وإلقائه في القلوب ; ليشكك الناس في الإيمان بربهم . فعلى العبد إذا وجد ذلك : أن يستعيذ بالله منه ، فمن تعوذ بالله بصدق وقوة أعاذه الله وطرد عنه الشيطان ، واضمحلت وساوسه الباطلة .
الأمر الثالث : أن يدفعه بما يضاده من الإيمان بالله ورسله ، فإن الله ورسله أخبروا بأنه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء ، وأنه تعالى المتفرد بالوحدانية ، وبالخلق والإيجاد للموجودات السابقة اللاحقة .
فهذا الإيمان الصحيح الصادق اليقيني يدفع جميع ما يضاده من الشبه المنافية له ، فإن الحق يدفع الباطل ، والشكوك لا تعارض اليقين .
فهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم تبطل هذه الشبه التي لا تزال على ألسنة الملاحدة ، يلقونها بعبارات متنوعة . فأمر بالانتهاء الذي يبطل التسلسل الباطل ، وبالتعوذ من الشيطان الذي هو الملقي لهذه الشبهة ، وبالإيمان الصحيح الذي يدفع كل ما يضاده من الباطل . والحمد لله . ( فبالانتهاء ) : قطع الشر مباشرة ، ( وبالاستعاذة ) : قطع السبب الداعي إلى الشر ، ( وبالإيمان ) اللجأ والاعتصام بالاعتقاد الصحيح اليقيني الذي يدفع كل معارض .
وهذه الأمور الثلاثة هي جماع الأسباب الدافعة لكل شبهة تعارض الإيمان . فينبغي العناية بها في كل ما عرض للإيمان من شبهة واشتباه يدفعه العبد مباشرة بالبراهين الدالة على إبطاله ، وإثبات ضده وهو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال ، وبالتعوذ بالله من الشيطان الذي يدفع إلى القلوب فتن الشبهات ، وفتن الشهوات ، ليزلزل إيمانهم ، ويوقعهم بأنواع المعاصي . فبالصبر واليقين : ينال العبد السلامة من فتن الشهوات ، ومن فتن الشبهات . والله هو الموفق الحافظ .


الحديث الرابع عشر
عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه سائل أو طالب حاجة ، قال : اشفعوا تؤجروا ، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء متفق عليه .
وهذا الحديث متضمن لأصل كبير ، وفائدة عظيمة ، وهو أنه ينبغي للعبد أن يسعى في أمور الخير سواء أثمرت مقاصدها ونتائجها أو حصل بعضها ، أو لم يتم منها شيء . وذلك كالشفاعة لأصحاب الحاجات عند الملوك والكبراء ، ومن تعلقت حاجاتهم بهم ، فإن كثيرا من الناس يمتنع من السعي فيها إذا لم يعلم قبول شفاعته ، فيفوت على نفسه خيرا كثيرا من الله ، ومعروفا عند أخيه المسلم . فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يساعدوا أصحاب الحاجة بالشفاعة لهم عنده ليتعجلوا الأجر عند الله ، لقوله : اشفعوا تؤجروا فإن الشفاعة الحسنة محبوبة لله ، ومرضية له . قال تعالى : من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها
ومع تعجله للأجر الحاضر فإنه أيضا يتعجل الإحسان وفعل المعروف مع أخيه ، ويكون له بذلك عنده يد .
وأيضا ، فلعل شفاعته تكون سببا لتحصيل مراده من المشفوع له أو لبعضه ، كما هو الواقع . فالسعي في أمور الخير والمعروف التي يحتمل أن تحصل أو لا تحصل خير عاجل ، وتعويد للنفوس على الإعانة على الخير ، وتمهيد للقيام بالشفاعات التي يتحقق أو يظن قبولها .
وفيه من الفوائد : السعي في كل ما يزيل اليأس ، فإن الطلب والسعي عنوان على الرجاء والطمع في حصول المراد ، وضده بضده ، وفي الحديث دليل على الترغيب في توجيه الناس إلى فعل الخير ، وأن الشفاعة لا يجب على المشفوع عنده قبولها إلا أن يشفع في إيصال الحقوق الواجبة ، فإن الحق الواجب يجب أداؤه وإيصاله إلى مستحقه ، ولو لم يشفع فيه ، ويتأكد ذلك مع الشفاعة .
وفيه أيضا : رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في حصول الخير لأمته بكل طريق . وهذا فرد من آلاف مؤلفة تدل على كمال رحمته ورأفته صلى الله عليه وسلم ، فإن جميع الخير والمنافع العامة والخاصة لم تنلها الأمة إلا على يده وبوساطته وتعليمه وإرشاده ، كما أنه أرشدهم لدفع الشرور والأضرار العامة والخاصة بكل طريق . فلقد بلغ وأدى الأمانة ، ونصح الأمة صلوات الله وسلامه وبركته عليه وعلى آله وصحبه .
قوله : ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء قضاؤه تعالى نوعان : قضاء قدري ، يشمل الخير والشر والطاعات والمعاصي ، بل يشمل جميع ما كان وما يكون ، وجميع الحوادث السابقة واللاحقة ، وأخص منه القضاء القدري الديني الذي يختص بما يحبه الله ويرضاه ، وهذا الذي يقضي على لسان نبيه من القسم الثاني ؛ إذ هو صلى الله عليه وسلم عبد رسول ، قد وفى مقام العبودية ، وكمل مراتب الرسالة ، فكل أقواله وأفعاله وهديه وأخلاقه عبودية لله متعلقة بمحبوبات الله تعالى . ولم يكن في حقه صلى الله عليه وسلم شيء مباح محض لا ثواب فيه ولا أجر ، فضلا عما ليس بمأمور ، وهذا شأن العبد الرسول الذي اختار صلى الله عليه وسلم هذه المرتبة التي هي أعلى المراتب حين خير بين أن يكون رسولا ملكا ، أو عبدا رسولا .


الحديث الخامس عشر
عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنزلوا الناس منازلهم رواه أبو داود .
يا له من حديث حكيم ، فيه الحث لأمته على مراعاة الحكمة . فإن الحكمة وضع الأشياء مواضعها ، وتنزيلها منازلها ، والله تعالى حكيم في خلقه وتقديره ، وحكيم في شرعه وأمره ونهيه وقد أمر عباده بالحكمة ومراعاتها في كل شيء ، وأوامر النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاداته كلها تدور على الحكمة .
فمنها : هذا الحديث الجامع ، إذ أمر أن ننزل الناس منازلهم . وذلك في جميع المعاملات ، وجميع المخاطبات ، والتعلم والتعليم .
فمن ذلك : أن الناس قسمان : قسم لهم حق خاص ، كالوالدين والأولاد والأقارب ، والجيران والأصحاب والعلماء ، والمحسنين بحسب إحسانهم العام والخاص . فهذا القسم تنزيلهم منازلهم : القيام بحقوقهم المعروفة شرعا وعرفا ، من البر والصلة والإحسان والتوقير والوفاء والمواساة ، وجميع ما لهم من الحقوق ، فهؤلاء يميزون عن غيرهم بهذه الحقوق الخاصة .
وقسم ليس لهم مزية اختصاص بحق خاص ، وإنما لهم حق الإسلام وحق الإنسانية ، فهؤلاء حقهم المشترك : أن تمنع عنهم الأذى والضرر بقول أو فعل ، وأن تحب للمسلمين ما تحب لنفسك من الخير وتكره لهم ما تكره لها من الشر ، بل يجب منع الأذى عن جميع نوع الإنسان وإيصال ما تقدر عليه لهم من الإحسان .
ومما يدخل في هذا : أن يعاشر الخلق بحسب منازلهم ، فالكبير له التوقير والاحترام ، والصغير يعامله بالرحمة والرقة المناسبة لحاله ، والنظير يعامله بما يجب أن يعامله به ، وللأم حق خاص بها ، وللزوجة حق آخر ، ويعامل من يدل عليه ويثق به ، ويتوسع معه ، ما لا يعامل به من لا يثق به ولا يدل عليه . ويتكلم مع الملوك وأرباب الرئاسات بالكلام اللين المناسب لمراتبهم ، ولهذا قال تعالى لموسى وهارون : اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى
ويعامل العلماء بالتوقير والإجلال والتعلم ، والتواضع لهم ، وإظهار الافتقار والحاجة إلى علمهم النافع ، وكثرة الدعاء لهم ، خصوصا وقت تعليمهم وفتواهم الخاصة والعامة .
ومن ذلك : أمر الصغار بالخير ، ونهيهم عن الشر بالرفق والترغيب ، وبذل ما يناسب من الدنيا لتنشيطهم وتوجيههم إلى الخير ، واجتناب العنف القولي والفعلي ، ولهذا قال : مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين ، واضربوهم عليها لعشر وكذلك سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤلفة قلوبهم - من العطاء الدنيوي الكثير - ما يحصل به التأليف ، ويترتب عليه من المصالح ، ولم يفعل ذلك مع من هو معروف بالإيمان الصادق تنزيلا للناس منازلهم .
وكذلك مخاطبة الزوجة والأولاد الصغار بالخطاب اللائق بهم الذي فيه بسطهم ، وإدخال السرور عليهم .
وكذلك من تنزيل الناس منازلهم : أن تجعل الوظائف الدينية والدنيوية والممتزجة منهما للأكفاء المتميزين ، الذين يفضلون غيرهم في ولاية تلك الوظيفة ، فمعلوم أن ولاية الملك : أن الواجب فيها خصوصا - وفي غيرها عموما - مشاورة أهل الحل والعقد في تولية من يصلح لها ممن جمع بين القوة والشجاعة والحلم ، ومعرفة السياسة الداخلية والخارجية ، ومن له القوة الكافية لتنفيذ العدل ، وإيصال الحقوق إلى أهلها ، وردع الظلمة والمجرمين ، وغير ذلك مما يدخل في الولاية .
وكذلك ولاية القضاء : يختار لها الأعلم بالشرع وبالواقع ، الأفضل في دينه وعقله وصفاته الحميدة .
وكذلك ولاية الإمامة في المساجد في الجمعة والجماعة : يختار لها الأعلم بأحكام العبادات الأتقى ، ثم الأمثل فالأمثل - وكذلك ولاية قيادة الجيوش : يختار لها أهل القوة والشجاعة والرأي والنصح ، والمعرفة لفنون الحرب وأدواتها ، وما يتبع ذلك مما تتوقف عليه هذه الوظيفة المهمة التي هي من أهم الوظائف وأخطرها ، إلى غير ذلك من الولايات الكبار والصغار . فإنها داخلة في قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وهذه الولايات من أعظم الأمانات . فيتعين أن تؤدى إلى أهلها ، وأن يوظف فيها أهل الكفاءة بها ، وكل وظيفة لها أكفاء مختصون ، وهو داخل في هذا الحديث الشريف .
وكذلك يدخل في ذلك معاملة العصاة والمجرمين ، فمن رتب الشارع على جرمه عقوبة من حد ونحوه تعين ما عينه الشارع ، لأنه هو عين المصلحة العامة الشاملة ، ومن لم يعين له عقوبة ، عزر بحسب حاله ومقامه ، فمنهم من يكفيه التوبيخ والكلام المناسب لفعلته ، ومنهم من لا يردعه إلا العقوبة البليغة .
وكذلك في الصدقة والهدية ، ليس عطية الطواف الذي يدور على الناس فتكفيه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان كعطية الفقير المتعفف الذي أصابته العيلة بعد الغنى . وفي الأثر ( ارحموا عزيز قوم ذل ) .
وكذلك يميز من له آثار وسوابق وغناء ونفع للمسلمين على من ليس كذلك .
فهذه الأمور وما أشبهها داخلة في هذا الكلام الجامع الذي تواطأ عليه الشرع والعقل . وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن .


الحديث الحادي والعشرون
عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظافر ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء ، يعني الاستنجاء قال الراوي : ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة . رواه مسلم .
" الفطرة " هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها ، وجعلهم مفطورين عليها : على محبة الخير وإيثاره ، وكراهة الشر ودفعه ، وفطرهم حنفاء مستعدين ، لقبول الخير والإخلاص لله ، والتقرب إليه ، وجعل تعالى شرائع الفطرة نوعين .
أحدهما : يطهر القلب والروح ، وهو الإيمان بالله وتوابعه : من خوفه ورجائه ، ومحبته والإنابة إليه . قال تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين فهذه تزكي النفس ، وتطهر القلب وتنميه ، وتذهب عنه الآفات الرذيلة ، وتحليه بالأخلاق الجميلة ، وهي كلها ترجع إلى أصول الإيمان وأعمال القلوب .
والنوع الثاني : ما يعود إلى تطهير الظاهر ونظافته ، ودفع الأوساخ والأقذار عنه ، وهي هذه العشرة ، وهي من محاسن الدين الإسلامي ; إذ هي كلها تنظيف للأعضاء ، وتكميل لها ، لتتم صحتها وتكون مستعدة لكل ما يراد في الأصل '' يراه '' والصحيح ما أثبتناه . منها .
فأما المضمضة والاستنشاق : فإنها مشروعان في طهارة الحدث الأصغر والأكبر بالاتفاق ، وهما فرضان فيهما من تطهير الفم والأنف وتنظيفهما ، لأن الفم والأنف يتوارد عليهما كثير من الأوساخ والأبخرة ونحوها ، وهو مضطر إلى ذلك وإزالته ، وكذلك السواك يطهر الفم . فهو " مطهرة للفم مرضاة للرب " ولهذا يشرع كل وقت ويتأكد عند الوضوء والصلاة والانتباه من النوم ، وتغير الفم ، وصفرة الأسنان ، ونحوها .
وأما قص الشارب أو حفه حتى تبدو الشفة ، فلما في ذلك من النظافة ، والتحرز مما يخرج من الأنف ، فإن شعر الشارب إذا تدلى على الشفة باشر به ما يتناوله من مأكول ومشروب ، مع تشويه الخلقة بوفرته ، وإن استحسنه من لا يعبأ به . وهذا بخلاف اللحية ، فإن الله جعلها وقارا للرجل وجمالا له . ولهذا يبقى جماله في حال كبره بوجود شعر اللحية . واعتبر ذلك بمن يعصي الرسول صلى الله عليه وسلم فيحلقها ، كيف يبقى وجهه مشوها قد ذهبت محاسنه وخصوصا وقت الكبر ، فيكون كالمرأة العجوز إذا وصلت إلى هذه السن ذهبت محاسنها ، ولو كانت في صباها من أجمل النساء وهذا محسوس ، ولكن العوائد والتقليد الأعمى يوجب استحسان القبيح واستقباح الحسن .
وأما قص الأظفار ونتف الإبط ، وغسل البراجم ، وهي مطاوي البدن التي تجتمع فيها الأوساخ - فلها من التنظيف وإزالة المؤذيات ما لا يمكن جحده ، وكذلك حلق العانة .
وأما الاستنجاء - وهو إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر - فهو لازم وشرط من شروط الطهارة .
فعلمت أن هذه الأشياء كلها تكمل ظاهر الإنسان وتطهره وتنظفه ، وتدفع عنه الأشياء الضارة والمستقبحة والنظافة من الإيمان .
والمقصود : أن الفطرة هي شاملة لجميع الشريعة باطنها وظاهرها ; لأنها تنقي الباطن من الأخلاق الرذيلة ، وتحليه بالأخلاق الجميلة التي ترجع إلى عقائد الإيمان والتوحيد ، والإخلاص لله والإنابة إليه وتنفي الظاهر من الأنجاس والأوساخ وأسبابها ، وتطهره الطهارة الحسية والطهارة المعنوية ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : الطهور شطر الإيمان وقال تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين
فالشريعة كلها طهارة وزكاء وتنمية وتكميل ، وحث على معالي الأمور ، ونهي عن سفسافها ، والله أعلم .


الحديث الحادي والخمسون
عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عبد الرحمن بن سمرة ، لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها . وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها ، فائت الذي هو خير ، وكفر عن يمينك . متفق عليه .
هذا الحديث احتوى على جملتين عظيمتين :
إحداهما : أن الإمارة وغيرها من الولايات على الخلق ، لا ينبغي للعبد أن يسألها ، ويتعرض لها . بل يسأل الله العافية والسلامة ، فإنه لا يدري ، هل تكون الولاية خيرا له أو شرا ؟ ولا يدري ، هل يستطيع القيام بها ، أم لا ؟
فإذا سألها وحرص عليها ، وكل إلى نفسه . ومتى وكل العبد إلى نفسه ، لم يوفق ، ولم يسدد في أموره ، ولم يعن عليها ، لأن سؤالها ينبئ عن محذورين :
الأول : الحرص على الدنيا والرئاسة ، والحرص يحمل على الريبة في التخوض في مال الله ، والعلو على عباد الله .
الثاني : فيه نوع اتكال على النفس ، وانقطاع عن الاستعانة بالله . ولهذا قال : وكلت إليها .
وأما من لم يحرص عليها ولم يتشوف لها ، بل أتته من غير مسألة ورأى من نفسه عدم قدرته عليها ، فإن الله يعينه عليها ، ولا يكله إلى نفسه لأنه لم يتعرض للبلاء ، ومن جاءه البلاء بغير اختياره حمل عنه ، ووفق للقيام بوظيفته . وفي هذه الحال يقوى توكله على الله تعالى ، ومتى قام العبد بالسبب متوكلا على الله نجح .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : أعنت عليها دليل على أن الإمارة وغيرها من الولايات الدنيوية جامعة للأمرين : للدين ، وللدنيا ، فإن المقصود من الولايات كلها : إصلاح دين الناس ودنياهم .
ولهذا : يتعلق بها الأمر والنهي ، والإلزام بالواجبات ، والردع عن المحرمات ، والإلزام بأداء الحقوق . وكذلك أمور السياسة والجهاد ، فهي لمن أخلص فيها لله وقام بالواجب من أفضل العبادات ، ولمن لم يكن كذلك من أعظم الأخطار .
ولهذا كانت من فروض الكفايات ؛ لتوقف كثير من الواجبات عليها .
فإن قيل : كيف طلب يوسف ولاية الخزائن المالية في قوله : اجعلني على خزائن الأرض
قيل : الجواب عنه قوله تعالى : إني حفيظ عليم
فهو إنما طلبها لهذه المصلحة التي لا يقوم بها غيره : من الحفظ الكامل ، والعلم بجميع الجهات المتعلقة بهذه الخزائن . من حسن الاستخراج ، وحسن التصريف ، وإقامة العدل الكامل . فهو لما رأى الملك استخلصه لنفسه وجعله مقدما عليه ، وفي المحل العالي ، وجب عليه أيضا النصيحة التامة ، للملك والرعية . وهي متعينة في ولايته .
ولهذا : لما تولى خزائن الأرض سعى في تقوية الزراعة جدا . فلم يبق موضع في الديار المصرية من أقصاها إلى أقصاها يصلح للزراعة إلا زرع في مدة سبع سنين . ثم حصنه وحفظه ذلك الحفظ العجيب . ثم لما جاءت السنون الجدب ، واضطر الناس إلى الأرزاق ، سعى في الكيل للناس بالعدل ، فمنع التجار من شراء الطعام خوف التضييق على المحتاجين ، وحصل بذلك من المصالح والمنافع شيء لا يعد ولا يحصى ، كما هو معروف .
الجملة الثانية : قوله صلى الله عليه وسلم : وإذا حلفت على يمين ، فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير ، وكفر عن يمينك .
يشمل من حلف على ترك واجب ، أو ترك مسنون ؛ فإنه يكفر عن يمينه ، ويفعل ذلك الواجب والمسنون الذي حلف على تركه . ويشمل من حلف على فعل محرم ، أو فعل مكروه ، فإنه يؤمر بترك ذلك المحرم والمكروه ، ويكفر عن يمينه .
فالأقسام الأربعة داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم : فائت الذي هو خير لأن فعل المأمور مطلقا ، وترك المنهي مطلقا : من الخير .
وهذا هو معنى قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس
أي : لا تجعلوا اليمين عذرا لكم وعرضة ومانعا لكم من فعل البر والتقوى ، والصلح بين الناس إذا حلفتم على ترك هذه الأمور ، بل كفروا أيمانكم ، وافعلوا البر والتقوى ، والصلح بين الناس .
ويؤخذ من هذا الحديث : أن حفظ اليمين في غير هذه الأمور أولى ، لكن إن كانت اليمين على فعل مأمور ، أو ترك منهي ، لم يكن له أن يحنث . وإن كانت في المباح ، خير بين الأمرين . وحفظها أولى .
واعلم أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة على مستقبل إذا حلف وحنث . وهي على التخيير بين العتق ، أو إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم . فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام .
وأما اليمين على الأمور الماضية أو لغو اليمين ، كقول الإنسان : لا والله ، وبلى والله في عرض حديثه ، فلا كفارة فيها . والله أعلم .


الحديث الثالث والخمسون
عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، ويرد عليهم أقصاهم ، وهم يد على من سواهم . ألا لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . رواه أبو داود والنسائي . ورواه ابن ماجه عن ابن عباس .
هذا الحديث كالتفصيل لقوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة
وقوله صلى الله عليه وسلم : وكونوا عباد الله إخوانا .
فعلى المؤمنين : أن يكونوا متحابين ، متصافين غير متباغضين ولا متعادين ، يسعون جميعا لمصالحهم الكلية التي بها قوام دينهم ودنياهم ، لا يتكبر شريف على وضيع ، ولا يحتقر أحد منهم أحدا . فدماؤهم تتكافأ ، فإنه لا يشترط في القصاص إلا المكافأة في الدين ، فلا يقتل المسلم بالكافر ، كما في هذا الحديث ، والمكافأة في الحرية ، فلا يقتل الحر بالعبد .
وأما بقية الأوصاف ، فالمسلمون كلهم على حد سواء . فمن قتل أو قطع طرفا متعمدا عدوانا ، فلهم أن يقتصوا منه بشرط المماثلة في العضو ، لا فرق بين الصغير بالكبير ، وبالعكس ، والذكر بالأنثى وبالعكس ، والعالم بالجاهل ، والشريف بالوضيع ، والكامل بالناقص كالعكس في هذه الأمور .
قوله صلى الله عليه وسلم : ويسعى بذمتهم أدناهم يعني : أن ذمة المسلمين واحدة . فمتى استجار الكافر بأحد من المسلمين وجب على بقيتهم تأمينه ، كما قال تعالى : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه فلا فرق في هذا بين إجارة الشريف الرئيس ، وبين آحاد الناس .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ويرد عليهم أقصاهم أي : في التأمين وكذلك اشتراك الجيوش مع سراياه التي تذهب فتغير أو تحرس ، فمتى غنم الجيش ، أو غنم أحد السرايا التابعة للجيش ، اشترك الجميع في المغنم . ولا يختص بها المباشر ؛ لأنهم كلهم متعاونون على مهمتهم .
وقوله صلى الله عليه وسلم : وهم يد على من سواهم أي : يجب على جميع المسلمين في جميع أنحاء الأرض أن يكونوا يدا على أعدائهم من الكفار ، بالقول والفعل ، والمساعدات والمعاونة في الأمور الحربية ، والأمور الاقتصادية ، والمدافعة بكل وسيلة .
فعلى المسلمين : أن يقوموا بهذه الواجبات بحسب استطاعتهم ، لينصرهم الله ويعزهم ، ويدفع عنهم بالقيام بواجبات الإيمان عدوان الأعداء ، فنسأله تعالى أن يوفقهم لذلك .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ولا ذو عهد في عهده أي : لا يحل قتل من له عهد من الكفار بذمة أو أمان أو هدنة ، فإنه لما قال : لا يقتل مسلم بكافر لما احترز بذلك البيان عن تحريم قتل المعاهد ، لئلا يظن الظان جوازه . والله أعلم .

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبيدة طارق الجزائري ; 12-23-2011 الساعة 12:36 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-22-2011, 10:56 PM
أبو عبيدة طارق الجزائري أبو عبيدة طارق الجزائري غير متواجد حالياً
طرد لأنه من المتحزبين للحجوري المبتدع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 338
شكراً: 9
تم شكره 13 مرة في 12 مشاركة
افتراضي تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-

تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن
ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-


الحديث الرابع والخمسون
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من تطبب ولم يعلم منه طب ، فهو ضامن . رواه أبو داود والنسائي .
هذا الحديث يدل بلفظه وفحواه على : أنه لا يحل لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يحسنها ، سواء كان طبا أو غيره ، وأن من تجرأ على ذلك ، فهو آثم . وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما ، فهو ضامن له ، وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يحسنها ، فهو مردود على باذله ; لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يحسن ، وهو لا يحسن ، فيدخل في الغش ، و من غشنا فليس منا .
ومثل هذا البناء والنجار والحداد والخراز والنساج ونحوهم ممن نصب نفسه لذلك ، موهما أنه يحسن الصنعة ، وهو كاذب .
ومفهوم الحديث : أن الطبيب الحاذق ونحوه إذا باشر ولم تجن يده ، وترتب على ذلك تلف ، فليس بضامن ؛ لأنه مأذون فيه من المكلف أو وليه . فكل ما ترتب على المأذون فيه ، فهو غير مضمون ، وما ترتب على غير ذلك المأذون فيه ، فإنه مضمون .
ويستدل بهذا على : أن صناعة الطب من العلوم النافعة المطلوبة شرعا وعقلا . . والله أعلم .


الحديث الخامس والخمسون
عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج ، فخلوا سبيله ، فإن الإمام إن يخطئ في العفو ، خير من أن يخطئ في العقوبة . رواه الترمذي مرفوعا وموقوفا .
هذا الحديث : يدل على أن الحدود تدرأ بالشبهات . فإذا اشتبه أمر الإنسان وأشكل علينا حاله ، ووقعت الاحتمالات : هل فعل موجب الحد أم لا ؟ وهل هو عالم أو جاهل ؟ وهل هو متأول معتقد حله أم لا ؟ وهل له عذر عقد أو اعتقاد ؟ . درئت عنه العقوبة ، لأننا لم نتحقق موجبها يقينا .
ولو تردد الأمر بين الأمرين ، فالخطأ في درء العقوبة عن فاعل سببها ، أهون من الخطأ في إيقاع العقوبة على من لم يفعل سببها ، فإن رحمة الله سبقت غضبه ، وشريعته مبنية على اليسر والسهولة .
والأصل في دماء المعصومين وأبدانهم وأموالهم التحريم ، حتى نتحقق ما يبيح لنا شيئا من هذا .
وقد ذكر العلماء على هذا الأصل في أبواب الحدود أمثلة كثيرة ، وأكثرها موافق لهذا الحديث .
ومنها : أمثلة فيها نظر ، فإن الاحتمال الذي يشبه الوهم والخيال ، لا عبرة به . والميزان لفظ هذا الحديث . فإن وجدتم له ، أو فإن كان له مخرج ، فخلوا سبيله .
وفي هذا الحديث : دليل على أصل . وهو : أنه إذا تعارض مفسدتان تحقيقا أو احتمالا ، راعينا المفسدة الكبرى ، فدفعناها تخفيفا للشر . والله أعلم .


الحديث الثالث والستون
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال . رواه البخاري .
الأصل في جميع الأمور العادية الإباحة ، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله ، إما لذاته كالمغصوب ، وما خبث مكسبه في حق الرجال والنساء ، وإما لتخصيص الحل بأحد الصنفين ، كما أباح الشارع لباس الذهب والفضة والحرير للنساء ، وحرمه على الرجال .
وأما تحريم الشارع تشبه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، فهو عام في اللباس ، والكلام ، وجميع الأحوال .
فالأمور ثلاثة أقسام :
قسم مشترك بين الرجال والنساء من أصناف اللباس وغيره ، فهذا جائز للنوعين ؛ لأن الأصل الإباحة ، ولا تشبه فيه .
وقسم مختص بالرجال ، فلا يحل للنساء ، وقسم مختص بالنساء ، فلا يحل للرجال .
ومن الحكمة في النهي عن التشبه : أن الله تعالى جعل للرجال على النساء درجة ، وجعلهم قوامين على النساء ، وميزهم بأمور قدرية ، وأمور شرعية ، فقيام هذا التمييز وثبوت فضيلة الرجال على النساء ، مقصود شرعا وعقلا . فتشبه الرجال بالنساء يهبط بهم عن هذه الدرجة الرفيعة . وتشبه النساء بالرجال يبطل التمييز .
وأيضا ، فتشبه الرجال بالنساء بالكلام واللباس ونحو ذلك : من أسباب التخنث ، وسقوط الأخلاق ، ورغبة المتشبه بالنساء في الاختلاط بهن ، الذي يخشى منه المحذور ، وكذلك بالعكس .
وهذه المعاني الشرعية ، وحفظ مراتب الرجال ومراتب النساء ، وتنزيل كل منهم منزلته التي أنزله الله بها ، مستحسن عقلا ، كما أنه مستحسن شرعا .
وإذا أردت أن تعرف ضرر التشبه التام ، وعدم اعتبار المنازل ، فانظر في هذا العصر إلى الاختلاط الساقط الذي ذهبت معه الغيرة الدينية ، والمروءة الإنسانية ، والأخلاق الحميدة ، وحل محله ضد ذلك من كل خلق رذيل .
ويشبه هذا - أو هو أشد منه - تشبه المسلمين بالكفار في أمورهم المختصة بهم ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال : من تشبه بقوم فهو منهم فإن التشبه الظاهر يدعو إلى التشبه الباطن ، والوسائل والذرائع إلى الشرور قصد الشارع حسمها من كل وجه .

الحديث الخامس والستون
عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب . وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ، وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث بها أحدا ، فإنها لن تضره متفق عليه .
أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : أن الرؤيا الصالحة من الله ، أي : السالمة من تخليط الشيطان وتشويشه ، وذلك لأن الإنسان إذا نام خرجت روحه ، وحصل لها بعض التجرد الذي تتهيأ به لكثير من العلوم والمعارف . وتلطفت مع ما يلهمها الله ، ويلقيه إليها الملك في منامها . فتتنبه وقد تجلت لها أمور كانت قبل ذلك مجهولة ، أو ذكرت أمورا قد غفلت عنها ، أو تنبهت لأحوال ينفعها معرفتها ، أو العمل بها ، أو حذرت مضارا دينية أو دنيوية لم تكن لها على بال ، أو اتعظت ورغبت ورهبت عن أعمال قد تلبست بها ، أو هي بصدد ذلك ، أو تنبهت لبعض الأعيان الجزئية لإدخالها في الأحكام الشرعية .
فكل هذه الأمور علامة على الرؤيا الصالحة ، التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة . وما كان من النبوة فهو لا يكذب .
فانظر إلى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور كم حصل بها من منافع واندفع من مضار .
وكذلك قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا [ الفتح : 27 ] ، كم حصل بها من زيادة إيمان ، وتم بها من كمال إيقان ، وكانت من آيات الله العظيمة .
وانظر إلى رؤيا ملك مصر ، وتأويل يوسف الصديق لها ، وكما تولى التأويل فقد ولاه الله ما احتوت عليه من التدبير ، فحصل بذلك خيرات كثيرة ، ونعم غزيرة ، واندفع بها ضرورات وحاجات ، ورفع الله بها يوسف فوق العباد درجات .
وتأمل رؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - الأذان والإقامة ، وكيف صارت سببا لشرع هذه الشعيرة العظيمة التي هي من أعظم الشعائر الدينية .
ومرائي الأنبياء والأولياء والصالحين - بل وعموم المؤمنين وغيرهم - معروفة مشهورة ، لا يحصى ما اشتملت عليه من المنافع المهمة ، والثمرات الطيبة . وهي من جملة نعم الله على عباده ، ومن بشارات المؤمنين ، وتنبيهات الغافلين ، وتذكيره للمعرضين ، وإقامة الحجة على المعاندين .
وأما الحلم الذي هو أضغاث أحلام ، فإنما هو من تخليط الشيطان على روح الإنسان ، وتشويشه عليها وإفزاعها ، وجلب الأمور التي تكسبها الهم والغم ، أو توجب لها الفرح والمرح والبطر ، أو تزعجها للشر والفساد والحرص الضار .
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أن يأخذ العبد في الأسباب التي تدفع شره ، بأن لا يحدث بها أحدا ، فإن ذلك سبب لبطلانه واضمحلاله ، وأن يتفل عن شماله ثلاث مرات . وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، الذي هو سبب هذا الحلم والدافع له ، وليطمئن قلبه عند ذلك أنه لا يضره ، مصداقا لقول رسوله ، وثقة بنجاح الأسباب الدافعة له .
وأما الرؤيا الصالحة ، فينبغي أن يحمد الله عليها ، ويسأله تحقيقها ، ويحدث بها من يحب ويعلم منه المودة ، ليسر لسروره ، ويدعو له في ذلك . ولا يحدث بها من لا يحب ، لئلا يشوش عليه بتأويل يوافق هواه ، أو يسعى - حسدا منه - في إزالة النعمة عنه .
ولهذا لما رأى يوسف الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ساجدين له ، وحدث بها أباه قال له : يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين
ولهذا كان كتم النعم عن الأعداء - مع الإمكان - أولى ، إلا إذا كان في ذلك مصلحة راجحة .
واعلم أن الرؤيا الصادقة تارة يراها العبد على صورتها الخارجية ، كما في رؤيا الأذان وغيرها ، وتارة يضرب له فيها أمثال محسوسة ، ليعتبر بها الأمور المعقولة ، أو المحسوسة التي تشبهها ، كرؤيا ملك مصر ونحوها ، وهي تختلف باختلاف الرائي والوقت والعادة ، وتنوع الأحوال .


الحديث التاسع والستون
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين . متفق عليه .
هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم : لبيان كمال احتراز المؤمن ويقظته ، وأن المؤمن يمنعه إيمانه من اقتراف السيئات التي تضره مقارفتها ، وأنه متى وقع في شيء منها ، فإنه في الحال يبادر إلى الندم والتوبة والإنابة .
ومن تمام توبته : أن يحذر غاية الحذر من ذلك السبب الذي أوقعه في الذنب ، كحال من أدخل يده في جحر فلدغته حية ، فإنه بعد ذلك لا يكاد يدخل يده في ذلك الجحر ، لما أصابه فيه أول مرة .
وكما أن الإيمان يحمل صاحبه على فعل الطاعات ، ويرغبه فيها ، ويحزنه لفواتها ، فكذلك يزجره عن مقارفة السيئات ، وإن وقعت بادر إلى النزوع عنها ، ولم يعد إلى مثل ما وقع فيه .
وفي هذا الحديث : الحث على الحزم والكيس في جميع الأمور . ومن لوازم ذلك : تعرف الأسباب النافعة ليقوم بها ، والأسباب الضارة ليتجنبها .
ويدل على الحث على تجنب أسباب الريب التي يخشى من مقاربتها الوقوع في الشر . وعلى أن الذرائع معتبرة .وقد حذر الله المؤمنين من العود إلى ما زينه الشيطان من الوقوع في المعاصي ، فقال : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين
ولهذا فإن من ذاق الشر من التائبين تكون كراهته له أعظم ، وتحذيره وحذره عنه أبلغ ؛ لأنه عرف بالتجربة آثاره القبيحة .
وفي الحديث : الأناة من الله ، والعجلة من الشيطان ، ولا حليم إلا ذو عثرة ، ولا حكيم إلا ذو تجربة والله أعلم .









التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبيدة طارق الجزائري ; 12-22-2011 الساعة 11:23 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-23-2011, 01:00 AM
أبو عبيدة طارق الجزائري أبو عبيدة طارق الجزائري غير متواجد حالياً
طرد لأنه من المتحزبين للحجوري المبتدع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 338
شكراً: 9
تم شكره 13 مرة في 12 مشاركة
افتراضي تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن

تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن
ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-


الحديث الخامس والسبعون
عن مصعب بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ؟ ) . رواه البخاري .
فهذا الحديث فيه : أنه لا ينبغي للأقوياء القادرين أن يستهينوا بالضعفاء العاجزين ، لا في أمور الجهاد والنصرة ، ولا في أمور الرزق وعجزهم عن الكسب .
بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قد يحدث النصر على الأعداء وبسط الرزق بأسباب الضعفاء ، بتوجههم ودعائهم ، واستنصارهم واسترزاقهم .
وذلك : أن الأسباب التي تحصل بها المقاصد نوعان .
نوع يشاهد بالحس ، وهو القوة بالشجاعة القولية والفعلية ، وبحصول الغنى والقدرة على الكسب . وهذا النوع هو الذي يغلب على قلوب أكثر الخلق ، ويعلقون به حصول النصر والرزق ، حتى وصلت الحال بكثير من أهل الجاهلية أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر ، ووصلت بغيرهم إلى أن يتضجروا بعوائلهم الذين عدم كسبهم ، وفقدت قوتهم ، وهذا كله قصر نظر ، وضعف إيمان ، وقلة ثقة بوعد الله وكفايته ، ونظر للأمور على غير حقيقتها .
النوع الثاني : أسباب معنوية ، وهي قوة التوكل على الله في حصول المطالب الدينية والدنيوية ، وكمال الثقة به ، وقوة التوجه إليه والطلب منه .
وهذه الأمور تقوي جدا من الضعفاء العاجزين الذين ألجأتهم الضرورة إلى أن يعلموا حق العلم ، أن كفايتهم ورزقهم ونصرهم من عند الله ، وأنهم في غاية العجز . فانكسرت قلوبهم ، وتوجهت إلى الله ، فأنزل لهم من نصره ورزقه - من دفع المكاره ، وجلب المنافع - ما لا يدركه القادرون . ويسر للقادرين بسببهم من الرزق ما لم يكن لهم في حساب ؛ فإن الله جعل لكل أحد رزقا مقدرا .
وقد جعل أرزاق هؤلاء العاجزين على يد القادرين ، وأعان القادرين على ذلك ، وخصوصا من قويت ثقتهم بالله ، واطمأنت نفوسهم لثوابه فإن الله يفتح لهؤلاء من أسباب النصر والرزق ما لم يكن لهم ببال ، ولا دار لهم في خيال .
فكم من إنسان كان رزقه مقترا ، فلما كثرت عائلته والمتعلقون به ، وسع الله له الرزق من جهات وأسباب شرعية قدرية إلهية .
ومن جهة وعد الله الذي لا يخلف : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه
ومن جهة : دعاء الملائكة كل صباح يوم : اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلقا .
ومن جهة أن أرزاق هؤلاء الضعفاء توجهت إلى من قام بهم ، وكانت على يده .
ومن جهة أن يد المعطي هي العليا من جميع الوجوه .
ومن جهة أن المعونة من الله تأتي على قدر المؤنة ، وأن البركة تشارك كل ما كان لوجهه ، ومرادا به ثوابه . ولهذا نقول :
ومن جهة إخلاص العبد لله ، وتقربه إليه بقلبه ولسانه ويده ، كلما أنفق ، توجه إلى الله وتقرب إليه . وما كان له فهو مبارك .
ومن جهة قوة التوكل ، وثقة المنفق ، وطمعه في فضل الله وبره . والطمع والرجاء من أكبر الأسباب لحصول المطلوب .
ومن جهة دعاء المستضعفين المنفق عليهم ، فإنهم يدعون الله - إن قاموا -وقعدوا ، وفي كل أحوالهم - لمن قام بكفايتهم . والدعاء سبب قوي : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
وكل هذا مجرب مشاهد ، فتبا للمحرومين ، وما أجل ربح الموفقين ، والله أعلم .

الحديث السابع والسبعون
عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يتمنين أحدكم الموت لضرر أصابه ، فإن كان لا بد فاعلا ، فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق عليه .
هذا نهي عن تمني الموت للضر الذي ينزل بالعبد ، من مرض أو فقر أو خوف ، أو وقوع في شدة ومهلكة ، أو نحوها من الأشياء ، فإن في تمني الموت لذلك مفاسد .
منها : أنه يؤذن بالتسخط والتضجر من الحالة التي أصيب بها ، وهو مأمور بالصبر والقيام بوظيفته . ومعلوم أن تمني الموت ينافي ذلك .
ومنها : أنه يضعف النفس ، ويحدث الخور والكسل ، ويوقع في اليأس . والمطلوب من العبد مقاومة هذه الأمور ، والسعي في إضعافها وتخفيفها بحسب اقتداره ، وأن يكون معه من قوة القلب وقوة الطمع في زوال ما نزل به . وذلك موجب لأمرين : اللطف الإلهي لمن أتى بالأسباب المأمور بها ، والسعي النافع الذي يوجبه قوة القلب ورجاؤه .
ومنها : أن تمني الموت جهل وحمق ، فإنه لا يدري ما يكون بعد الموت ، فربما كان كالمستجير من الضر إلى ما هو أفظع منه ، من عذاب البرزخ وأهواله .
ومنها : أن الموت يقطع على العبد الأعمال الصالحة التي هو بصدد فعلها والقيام بها ، وبقية عمر المؤمن لا قيمة له ، فكيف يتمنى انقطاع عمل الذرة منه خير من الدنيا وما عليها .
وأخص من هذا العموم : قيامه بالصبر على الضر الذي أصابه ، فإن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب .
ولهذا قال في آخر الحديث : فإن كان لا بد فاعلا فليقل : اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي فيجعل العبد الأمر مفوضا إلى ربه الذي يعلم ما فيه الخير والصلاح له ، الذي يعلم من مصالح عبده ما لا يعلم العبد ، ويريد له من الخير ما لا يريده ، ويلطف به في بلائه كما يلطف به في نعمائه .
والفرق بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم : لا يقل أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، ولكن ليعزم المسألة ; فإن الله لا مكره له ، أن المذكور في الحديث الذي فيه التعليق بعلم الله وإرادته ، هو في الأمور المعينة التي لا يدري العبد من عاقبتها ومصلحتها .
وأما المذكور في الحديث الآخر : فهي الأمور التي يعلم مصلحتها بل ضرورتها وحاجة كل عبد إليها ، وهي مغفرة الله ورحمته ونحوها . فإن العبد يسألها ويطلبها من ربه طلبا جازما ، لا معلق بالمشيئة وغيرها . لأنه مأمور ومحتم عليه السعي فيها ، وفي جميع ما يتوسل به إليها .
وهذا كالفرق بين فعل الواجبات والمستحبات الثابت الأمر بها ; فإن العبد يؤمر بفعلها أمر إيجاب أو استحباب ، وبعض الأمور المعينة التي لا يدري العبد من حقيقتها ومصلحتها ، فإنه يتوقف حتى يتضح له الأمر فيها .
واستثنى كثير من أهل العلم من هذا ، جواز تمني الموت خوفا من الفتنة ، وجعلوا من هذا قول مريم رضي الله عنها : يا ليتني مت قبل هذا كما استثنى بعضهم تمني الموت شوقا إلى الله . وجعلوا منه قول يوسف صلى الله عليه وسلم : أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين
وفي هذا نظر ; فإن يوسف لم يتمن الموت ، وإنما سأل الله الثبات على الإسلام ، حتى يتوفاه مسلما ، كما يسأل العبد ربه حسن الخاتمة . . والله أعلم .


الحديث الحادي والثمانون
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دعوني ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم . متفق عليه .
هذه الأسئلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها : هي التي نهى الله عنها في قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم
وهي الأسئلة عن أشياء من أمور الغيب ، أو من الأمور التي عفا الله عنها ، فلم يحرمها ولم يوجبها ، فيسأل السائل عنها وقت نزول الوحي والتشريع ، فربما وجبت بسبب السؤال ، وربما حرمت كذلك ، فيدخل السائل في قوله صلى الله عليه وسلم : أعظم المسلمين جرما : من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته .
وكذلك ينهى العبد عن سؤال التعنت والأغلوطات ، وينهى أيضا عن أن يسأل عن الأمور الطفيفة غير المهمة ، ويدع السؤال عن الأمور المهمة ، فهذه الأسئلة وما أشبهها هي التي نهى الشارع عنها .
وأما السؤال على وجه الاسترشاد عن المسائل الدينية من أصول وفروع ، عبادات أو معاملات ، فهي مما أمر الله بها ورسوله ، ومما حث عليها ، وهي الوسيلة لتعلم العلوم ، وإدراك الحقائق ، قال تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون
إلى غيرها من الآيات . وقال صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وذلك بسلوك طريق التفقه في الدين دراسة وتعلما وسؤالا ، وقال : ألا سألوا إذ لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال .
وقد أمر الله بالرفق بالسائل ، وإعطائه مطلوبه ، وعدم التضجر منه . وقال في سورة الضحى : وأما السائل فلا تنهر فهذا يشمل السائل عن العلوم النافعة والسائل لما يحتاجه من أمور الدنيا ، من مال وغيره .
ومما يدخل في هذا الحديث : السؤال عن كيفية صفات الباري ، فإن الأمر في الصفات كلها كما قال الإمام مالك لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش ؟ فقال : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة " .
فمن سأل عن كيفية علم الله ، أو كيفية خلقه وتدبيره ، قيل له : فكما أن ذات الله تعالى لا تشبهها الذوات ، فصفاته لا تشبهها الصفات ، فالخلق يعرفون الله ، ويعرفون ما تعرف لهم به من صفاته وأفعاله ، وأما كيفية ذلك ، فلا يعلم تأويله إلا الله .
ثم ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أصلين عظيمين :
أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم : فإذا نهيتكم عنه فاجتنبوه فكل ما نهى عنه النبي من الأقوال والأفعال ، الظاهرة والباطنة ، وجب تركه ، والكف عنه ، امتثالا وطاعة لله ورسوله .
ولم يقل في النهي : " ما استطعتم " لأن النهي طلب كف النفس ، وهو مقدور لكل أحد ، فكل أحد يقدر على ترك جميع ما نهى الله عنه ورسوله ، ولم يضطر العباد إلى شيء من المحرمات المطلقة ، فإن الحلال واسع ، يسع جميع الخلق في عباداتهم ومعاملاتهم ، وجميع تصرفاتهم .
وأما إباحة الميتة والدم ولحم الخنزير للمضطر ، فإنه في هذه الحالة الملجئة إليه قد صار من جنس الحلال ; فإن الضرورات تبيح المحظورات ، فتصيرها الضرورة مباحة ; لأنه تعالى إنما حرم المحرمات حفظا لعباده ، وصيانة لهم عن الشرور والمفاسد ، ومصلحة لهم ، فإذا قاوم ذلك مصلحة أعظم - وهو بقاء النفس - قدمت هذه على تلك رحمة من الله وإحسانا .
وليست الأدوية من هذا الباب ، فإن الدواء لا يدخل في باب الضرورات ، فإن الله تعالى يشفي المبتلى بأسباب متنوعة ، لا تتعين في الدواء . وإن كان الدواء يغلب على الظن الشفاء به ، فإنه لا يحل التداوي بالمحرمات ، كالخمر وألبان الحمر الأهلية ، وأصناف المحرمات ، بخلاف المضطر إلى أكل الميتة ، فإنه يتيقن أنه إذا لم يأكل منها يموت .
الأصل الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وهذا أصل كبير ، دل عليه أيضا قوله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم
فأوامر الشريعة كلها معلقة بقدرة العبد واستطاعته . فإذا لم يقدر على واجب من الواجبات بالكلية ، سقط عنه وجوبه . وإذا قدر على بعضه - وذلك البعض عبادة - وجب ما يقدر عليه منه ، وسقط عنه ما يعجز عنه .
ويدخل في هذا من مسائل الفقه والأحكام ما لا يعد ولا يحصى . فيصلي المريض قائما ، فإن لم يستطع صلى قاعدا ، فإن لم يستطع صلى على جنبه ، فإن لم يستطع الإيماء برأسه ، أومأ بطرفه . ويصوم العبد ما دام قادرا عليه . فإن أعجزه مرض لا يرجى زواله ، أطعم عنه كل يوم مسكينا ، وإن كان مرضا يرجى زواله ، أفطر ، وقضى عدته من أيام أخر .
ومن ذلك من عجز عن سترة الصلاة الواجبة ، أو عن الاستقبال أو توقي النجاسة : سقط عنه ما عجز عنه . وكذلك بقية شروط الصلاة وأركانها ، وشروط الطهارة ، ومن تعذرت عليه الطهارة بالماء للعدم ، أو للضرر في جميع الطهارة ، أو بعضها ، عدل إلى طهارة التيمم .
والمعضوب في الحج ، عليه أن يستنيب من يحج عنه ، إذا كان قادرا على ذلك بماله .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يجب على من قدر عليه باليد ، ثم باللسان ثم بالقلب .
وليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج في ترك العبادات التي يعجزون عنها ، أو تشق عليهم مشقة غير محتملة .
ومن عليه نفقة واجبة ، وعجز عن جميعها ، بدأ بزوجته ، فرقيقه ، فالولد ، فالوالدين ، فالأقرب ثم الأقرب . وكذلك الفطرة .
وهكذا جميع ما أمر به العبد أمر إيجاب أو استحباب ، إذا قدر على بعضه ، وعجز عن باقيه ، وجب عليه ما يقدر عليه ، وسقط عنه ما عجز عنه . وكلها داخلة في هذا الحديث .
ومسائل القرعة لها دخول في هذا الأصل ؛ لأن الأمور إذا اشتبهت : لمن هي ؟ ومن أحق بها ؟ رجعنا إلى المرجحات . فإن تعذر الترجيح من كل وجه ، سقط هذا الواجب للعجز عنه ، وعدل إلى القرعة التي هي غاية ما يمكن . وهي مسائل كثيرة معروفة في كتب الفقه .
والولايات كلها - صغارها وكبارها - تدخل تحت هذا الأصل ، فإن كل ولاية يجب فيها تولية المتصف بالأوصاف التي يحصل بها مقصود الولاية . فإن تعذرت كلها ، وجب فيها تولية الأمثل فالأمثل .
وكما يستدل على هذا الأصل بتلك الآية وذلك الحديث ، فإنه يستدل عليها بالآيات والأحاديث التي نفى الله ورسوله فيها الحرج عن الأمة ، كقوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها وما جعل عليكم في الدين من حرج ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يريد الله أن يخفف عنكم
فالتخفيفات الشرعية في العبادات وغيرها بجميع أنواعها داخلة في هذا الأصل ، مع ما يستدل على هذا بما لله تعالى من الأسماء والصفات المقتضية لذلك ، كالحمد والحكمة ، والرحمة الواسعة ، واللطف والكرم والامتنان . فإن آثار هذه الأسماء الجليلة الجميلة كما هي سابغة وافرة واسعة في المخلوقات والتدبيرات ، فهي كذلك في الشرائع ، بل أعظم لأنها هي الغاية في الخلق . وهي الوسيلة العظمى للسعادة الأبدية .
فالله تعالى خلق المكلفين ليقوموا بعبوديته . وجعل عبوديته والقيام بشرعه طريقا إلى نيل رضاه وكرامته . كما قال تعالى - بعد ما شرع الطهارة بأنواعها - ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون
فظهرت آثار رحمته ونعمته في الشرعيات والمباحات ، كما ظهرت في الموجودات . فله تعالى أتم الحمد وأعلاه ، وأوفر الشكر والثناء وأعلاه ، وغاية الحب والتعظيم ومنتهاه . وبالله التوفيق .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12-23-2011, 01:14 AM
أبو عبيدة طارق الجزائري أبو عبيدة طارق الجزائري غير متواجد حالياً
طرد لأنه من المتحزبين للحجوري المبتدع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 338
شكراً: 9
تم شكره 13 مرة في 12 مشاركة
افتراضي تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن

تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن
ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-


الحديث التاسع والثمانون
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ، فيقول : اللهم إني أسألك الهدى والتقى ، والعفاف والغنى رواه مسلم .
هذا الدعاء اللهم إني أسألك الهدى والتقى من أجمع الأدعية وأنفعها . وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا ، فإن " الهدى " هو العلم النافع . " والتقى " العمل الصالح ، وترك ما نهى الله ورسوله عنه . وبذلك يصلح الدين ، فإن الدين علوم نافعة ، ومعارف صادقة ، فهي الهدى ، وقيام بطاعة الله ورسوله ، فهو التقى .
و العفاف والغنى يتضمن العفاف عن الخلق ، وعدم تعليق القلب بهم . والغنى بالله وبرزقه ، والقناعة بما فيه ، وحصول ما يطمئن به القلب من الكفاية . وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا ، والراحة القلبية ، وهي الحياة الطيبة .
فمن رزق الهدى والتقى ، والعفاف والغنى ، نال السعادتين ، وحصل له كل مطلوب ، ونجا من كل مرهوب . والله أعلم .


الحديث السابع والتسعون
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمور ، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . رواه الترمذي والشافعي وغيرهما .
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم : أي لا يبقى في القلب غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة ، بل تنفي عنه غله ، وتنقيه منه ، وتخرجه منه ، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل . وكذلك يغل على الغش ، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلال . فهذه الثلاثة تملؤه غلا ودغلا . ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه ، بتجريد الإخلاص والنصح ، ومتابعة السنة . انتهى .
أي فمن أخلص أعماله كلها لله ، ونصح في أموره كلها لعباد الله ، ولزم الجماعة بالائتلاف ، وعدم الاختلاف ، وصار قلبه صافيا نقيا ، صار لله وليا ، ومن كان بخلاف ذلك ، امتلأ قلبه من كل آفة وشر ، والله أعلم .

الحديث الثامن والتسعون
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة . متفق عليه .
هذا الحديث مشتمل على خبر صادق ، وإرشاد نافع .
أما الخبر ، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن النص شامل لأكثر الناس ، وأن الكامل - أو مقارب الكمال - فيهم قليل ، كالإبل المائة ، تستكثرها ، فإذا أردت منها راحلة تصلح للحمل والركوب ، والذهاب والإياب ، لم تكد تجدها ، وهكذا الناس كثير ، فإذا أردت أن تنتخب منهم من يصلح للتعليم أو الفتوى أو الإمامة ، أو الولايات الكبار أو الصغار ، أو الوظائف المهمة ، لم تكد تجد من يقوم بتلك الوظيفة قياما صالحا ، وهذا هو الواقع ، فإن الإنسان ظلوم جهول ، والظلم والجهل سبب للنقائص ، وهي مانعة من الكمال والتكميل .
وأما الإرشاد ، فإن مضمون هذا الخبر إرشاد منه صلى الله عليه وسلم إلى أنه ينبغي لمجموع الأمة أن يسعوا ، ويجتهدوا في تأهيل الرجال الذين يصلحون للقيام بالمهمات ، والأمور الكلية العامة النفع .
وقد أرشد الله إلى هذا المعنى في قوله : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم فأمر بالجهاد ، وأن يقوم به طائفة كافية ، وأن يتصدى للعلم طائفة أخرى ، ليعين هؤلاء هؤلاء ، وهؤلاء هؤلاء ، وأمره تعالى بالولايات والتولية أمر بها ، وبما لا تتم إلا به من الشروط والمكملات .
فالوظائف الدينية والدنيوية ، والأعمال الكلية ، لا بد للناس منها ولا تتم مصلحتهم إلا بها ، وهي لا تتم إلا بأن يتولاها الأكفاء والأمناء ، وذلك يستدعي السعي في تحصيل هذه الأوصاف بحسب الاستطاعة . قال الله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم والله أعلم .


الحديث التاسع والتسعون
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر رواه الترمذي .
وهذا الحديث أيضا يقتضي خبرا وإرشادا .
أما الخبر ، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه في آخر الزمان يقل الخير وأسبابه ، ويكثر الشر وأسبابه ، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بالدين من الناس أقل القليل ، وهذا القليل في حالة شدة ومشقة عظيمة ، كحالة القابض على الجمر ، من قوة المعارضين ، وكثرة الفتن المضلة ، فتن الشبهات والشكوك والإلحاد ، وفتن الشهوات وانصراف الخلق إلى الدنيا وانهماكهم فيها ، ظاهرا وباطنا ، وضعف الإيمان ، وشدة التفرد لقلة المعين والمساعد .
ولكن المتمسك بدينه ، القائم بدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أهل البصيرة واليقين ، وأهل الإيمان المتين ، من أفضل الخلق ، وأرفعهم عند الله درجة ، وأعظمهم عنده قدرا .
وأما الإرشاد ، فإنه إرشاد لأمته ، أن يوطنوا أنفسهم على هذه الحالة ، وأن يعرفوا أنه لا بد منها ، وأن من اقتحم هذه العقبات ، وصبر على دينه وإيمانه - مع هذه المعارضات - فإن له عند الله أعلى الدرجات ، وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه ، فإن المعونة على قدر المؤونة .
وما أشبه زماننا هذا بهذا الوصف الذي ذكره صلى الله عليه وسلم ، فإنه ما بقي من الإسلام إلا اسمه ، ولا من القرآن إلا رسمه ، إيمان ضعيف ، وقلوب متفرقة ، وحكومات متشتتة ، وعداوات وبغضاء باعدت بين المسلمين ، وأعداء ظاهرون وباطنون ، يعملون سرا وعلنا للقضاء على الدين ، وإلحاد وماديات ، جرفت بخبيث تيارها وأمواجها المتلاطمة الشيوخ والشبان ، ودعايات إلى فساد الأخلاق ، والقضاء على بقية الرمق .
ثم إقبال الناس على زخارف الدنيا ، بحيث أصبحت هي مبلغ علمهم ، وأكبر همهم ، ولها يرضون ويغضبون ، ودعاية خبيثة للتزهيد في الآخرة ، والإقبال بالكلية على تعمير الدنيا ، وتدمير الدين واحتقاره والاستهزاء بأهله ، وبكل ما ينسب إليه ، وفخر وفخفخة ، واستكبار بالمدنيات المبنية على الإلحاد التي آثارها وشررها وشرورها قد شاهده العباد .
فمع هذه الشرور المتراكمة ، والأمواج المتلاطمة ، والمزعجات الملمة ، والفتن الحاضرة والمستقبلة المدلهمة - مع هذه الأمور وغيرها - تجد مصداق هذا الحديث .
ولكن مع ذلك ، فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله ، ولا ييأس من روح الله ، ولا يكون نظره مقصورا على الأسباب الظاهرة ، بل يكون متلفتا في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب ، الكريم الوهاب ، ويكون الفرج بين عينيه ، ووعده الذي لا يخلفه ، بأنه سيجعل له بعد عسر يسرا ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات وحلول المفظعات .
فالمؤمن من يقول في هذه الأحوال : " لا حول ولا قوة إلا بالله " و" حسبنا الله ونعم الوكيل . على الله توكلنا . اللهم لك الحمد ، وإليك المشتكى . وأنت المستعان . وبك المستغاث . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ويقوم بما يقدر عليه من الإيمان والنصح والدعوة . ويقنع باليسير ، إذا لم يمكن الكثير . وبزوال بعض الشر وتخفيفه ، إذا تعذر غير ذلك : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومن يتوكل على الله فهو حسبه ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:29 AM.


powered by vbulletin