ما حقيقة التَّقليد ، وما أقسامه مع بيان الحكم ؟
سُئِلت اللَّجنة الدَّائمة للبحوث العلمية والإفتاء : ما حقيقة التَّقليد ، وما أقسامه مع بيان الحكم ؟
فأجابت اللَّجنة بقولها :
الحمد لله وحده ، والصَّلاة والسَّلام على رسوله وآله وصحبه ، وبعد :
...
( أ ) ذكر علماء الأصول تعريفات لبيان حقيقة التَّقليد ، منها قول بعضهم :
التَّقليد هو : قبول قول القائل وهو لا يدري مستنده .
وذهب بعضهم إلى أن التَّقليد : قبول قول القائل بلا حجة .
واختار أبو المعالي الجويني تعريف التقليد : بأنه اتباع من لم يقم باتباعه حجة ولم يستند إلى علم .
وهذه التَّعاريف متقاربة ، ولعلماء الأصول فيها مناقشات ترجع إلى الصِّناعة المنطقية ،
ولكن القصد هنا بيان حقيقة التَّقليد على وجه التَّقريب .
( ب ) أما أقسامه مع بيان حكم كل قسم فكما يلي :
1 - تقليد من عنده أهلية الاجتهاد غيره من العلماء بعدما تبين له الحق بالأدلة الثابتة
عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، فهذا لا يجوز له تقليد من خالفه فيما وصل إليه بالاستدلال بإجماع .
2 - تقليد من توافرت فيه أهلية الاجتهاد غيره من المجتهدين قبل أن يصل باجتهاده إلى الحكم الشرعي ،
فهذا لا يجوز له تقليد غيره فيما ذهب إليه الشَّافعي وأحمد وجماعة رحمهم الله ، وهو الأرجح ؛
لقدرته على الوصول إلى الحكم الشرعي بنفسه ، فكان مكلفا بالاجتهاد ليعرف ما كلفه الشرع به ؛
لقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }[ التغابن : 16 ]
ولما ثبت من قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم : "
إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (1) .
3 - تقليد العاجز عن البحث في الأدلة واستنباط الأحكام منها عالما توافرت فيه أهلية الاجتهاد
في أدلة الشَّرع فهذا جائز ؛
لقوله تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ]
ولقوله سبحانه : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }[ الأنبياء : 7 ]
ونحوها من النُّصوص الدَّالة على رفع الحرج ولصيانة المكلف عن التَّخبُّط في الأحكام
والقول على الله بغير علم .
4 - تقليد من يخالف الشَّرع الإسلامي من الآباء والسادة والحكام عصبية أو اتباعاً للهوى ،
وهذا محرم بالإجماع ؛ وقد ورد في ذمه كثير من نصوص الكتاب والسنة ،
قال الله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا
أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ }[ البقرة : 170 ]
وقال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء : 65 ]
وقال تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [ الأحزاب : 36 ]
وقال تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور : 63 ]
وقال تعالى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[ آل عمران : 31 ]
وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا *
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا *
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا *
رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } [ الأحزاب : 64 ، 68 ] .اهـ.
__________________
روى البخاري وغيره عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ « اصْبِرُوا ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِى عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِى بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ » . سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم -.
|