العلامة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يذكر ما جرى بعد دخول الأمير سعود بن محمد مكّة وأسماء بعض علماء ذاك الزّمان
قال العلّامة عبدالله بن محمّد عبدالوهّاب رحمه الله تعالى يذكر ما جرى بعد دخول الأمير سعود بن محمد مكّة وأسماء بعض علماء ذاك الزّمان وذلك في نصف النهار من يوم السبت الثامن من شهر الله المحرم سنة ١٢١٨ (الدرر السنية ١/ ٢٢٢):
(ولما تمت عمرتنا : جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير رحمه الله على العلماء ما نطلب من الناس ...، وهو : إخلاص التوحيد لله تعالى وحده؛ وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين، أحدهما : إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد، وترك الإشراك، قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة . والثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه .
فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلاً، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم، وعفى عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق، لا سيما العلماء ؛ ونقرر لهم حال اجتماعهم وقال انفرادهم لدنيا : أدلة ما نحن عليه ونطلب منهم المناصحة، والمذاكرة، وبيان الحق .
وعرفناهم : بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم، بأنا قابلون ما وضحوا برهانه، من كتاب، أو سنة، أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين، المأمورين باتباعهم، بقوله صلى الله عليه وسلم " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " أو عن الأئمة الأربعة المجتهدين، ومن تلقى العلم عنهم، إلى آخر القرن الثالث ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ".
وعرفناهم : أنا دايرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح ؛ ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمراً، فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات،إن بقي لديهم شبهة؟
فذكر بعضهم شبهة، أو شبهتين، فرددناها بالدلايل القاطعة، من الكتاب والسنة، حتى أذعنوا، ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب ...
وحلفوا لنا الإيمان المغلظة، من دون استحلاف لهم، على انشراح صدورهم، وجزم ضمائرهم : أنه لم يبق لديهم شك، في أن من قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يا ابن عباس، أو يا عبد القادر، أو غيرهم من المخلوقين، طالباً بذلك دفع شر، أو جلب خير، من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، من شفاء المريض، والنصر على العدو، والحفظ من المكروه، ونحو ذلك : أنه مشرك شركاً أكبر، يهدر دمه، ويبيح ماله ؛وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون، هو الله تعالى وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء، متشفعاً بهم، ومتقرباً بهم، لتقضى حاجته من الله، بسرهم، وشفاعتهم له فيها، أيام البرزخ .
وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين : صارت في هذه الأزمان، أصناماً تقصد لطلب الحاجات، ويتضرع عندها، ويهتف بأهلها في الشدائد، كما كانت تفعله الجاهلية الأولى.
وكان من جملتهم : مفتي الحنيفة، الشيخ عبد الملك القلعي؛ وحسين المغربي مفتي المالكية؛ وعقيل بن يحيي العلوي؛ فبعد ذلك : أزلنا جميع ما كان يعبد، بالتعظيم والاعتقاد فيه، ويرجى النفع والنصر بسببه، من جميع البناء على القبور، وغيرها، حتى لم يبق في تلك البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك .
ثم رفعت : المكوس، والرسوم، وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه، وأحرقت أماكن الحشاشين، والمشهورين بالفجور، ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك، بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد، ويكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة، رضوان الله عليهم ؛ واجتمعت الكلمة حينئذ، وعبد الله وحده، وحصلت الألفة، وسقطت الكلفة، وأمر عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد، والحمد لله رب العالمين)
(الدرر السنية ١/ ٢٢٢)
__________________
روى البخاري وغيره عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ « اصْبِرُوا ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِى عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِى بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ » . سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم -.
|