من الأحاديث الصحيحة في صفة المسيح الدجال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من الدجال، وبيان صفاته، وعظيم فتنته، وبيان خطره على العالَم أجمع، كيف وقد حذر جميع الأنبياء عليهم السلام من الدجال، وأنذروا أممهم منه.
ولقد فصل فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيه تفصيلاً لم يسبق لنبي بمثله.
وقد كتب أهل العلم كتباً عديدة في أشراط الساعة على سبيل العموم، وفصلوا في حال الدجال، ومنهم من خص بيان حاله بالتأليف، كما صنع شيخنا الألباني رحمه الله في رسالته "قصة المسيح الدجال".
ومن تلك الأحاديث حديث هشام بن عامر الأنصاري رضي الله عنه.
وقد ذكر شيخنا الألباني رحمه الله حديث هشام بن عامر بإحدى روايتين عنه، وهي : «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ» رواه مسلم في صحيحه.
ولكن له رواية أخرى صحيحة لم يذكرها، سأذكرها في هذا المقال لاشتماله على ذكر مهم يندفع به شر الدجال.
روى هذا الحديث أبو قِلابة عبدالله بن زيد الجرمي، التابعي الجليل رحمه الله، وقد ورد هذا الحديث مرة بذكر اسم الصحابي هشام بن عامر، ومرة بدون ذكر اسمه.
أولاً: بذكر اسم الصحابي.
عَنْ أبي قلابة عن هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رَأْسَ الدَّجَّالِ مِنْ وَرَائِهِ حُبُكٌ حُبُكٌ، وَإِنَّهُ سَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَمَنْ قَالَ: أَنْتَ رَبِّي افْتُتِنَ، وَمَنْ قَالَ: كَذَبْتَ، رَبِّيَ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، فَلا يَضُرُّهُ، أَوْ قَالَ : فَلا فِتْنَةَ عَلَيْهِ».
رواه معمر في جامعه ومن طريقه: الإمام أحمد في المسند، والطبراني، والحاكم في المستدرك عن أيوب السختياني عن أبي قلابة به. وسنده صحيح.
ثانياً: بذكر رجل من الأنصار دون تسميته.
عَنِ أَبِي قِلابَةَ رحمه الله قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ قَدْ تَكَابُّوا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ بَعْدِي الْكَذَّابَ الْمُضِلَّ، وَإِنَّ رَأْسَهُ مِنْ وَرَائِهِ حُبُكٌ حُبُكٌ، يَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، وَمَنْ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ».
رواه الإمام أحمد في المسند، وحنبل في كتاب الفتن، وابن جرير في تفسيره، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، والخطيب في تاريخ بغداد من طريق أيوب عن أبي قلابة به، ورواه عن أيوب: حماد بن زيد، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن علية، وعبيد الله بن عمرو.
ورواه عن حماد: حجاج بن المنهال، وسليمان بن حرب.
واللفظ السابق موافق لرواية جميع من سبق ذكره، وأما سليمان بن حرب فرواه عن حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوب ، عَنْ أَبي قِلَابةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَجُلًا بالْمَدِينَةِ وَقَدْ طَافَ النَّاسُ بهِ، وَهُوَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ : «إِنَّ مِنْ بعْدِكُمْ الْكَذَّاب الْمُضِلَّ، وَإِنَّ رَأْسَهُ مِنْ بعْدِهِ حُبكٌ حُبكٌ حُبكٌ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَإِنَّهُ سَيَقُولُ : أَنَا رَبكُمْ، فَمَنْ قَالَ : لَسْتَ رَبنَا، لَكِنَّ رَبنَا اللَّهُ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْهِ أَنَبنَا، نَعُوذُ باللَّهِ مِنْ شَرِّكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ» رواه الإمام أحمد، ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة.
قال ابن قتيبة في غريب الحديث(2/ 603) : «وَفِي حَدِيث آخر: «رَأسه حبك». والحبك: المتكسر من الجعودة مثل المَاء الْقَائِم تضربه الرّيح فَيكون لَهُ حبك. والرملة تصيبها الرّيح وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يجوز أَن يكون محبك الشّعْر».
ففي الحديث فوائد منها:
1- وصف الدجال بالكذاب المضل. كما جاء وصفه بالدجال. وهو كثير الشُّبَهِ والتلبيس، لذلك حذر منه جميع الأنبياء.
وعنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ، فَلْيَنْأَ مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلَا يَزَالُ بِهِ لِمَا مَعَهُ مِنَ الشُّبَهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ» رواه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم وغيرهم بسند صحيح.
2- وصف شعره بأنه حُبُكٌ حُبُكٌ، أي: شديد الجعودة، وكذلك جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: «جعد قَطط» أي: الشَّدِيدُ الجُعُودَة، وهو ضد السِّبْط من الشعر، وهذا جاء في نصوص أخرى، وكذلك جاء وصف الدجال في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه بأنه «جفال الشعر» أي: كثير الشَّعر.
3- أن من يُثَبِّتُهُ الله، ويقول للدجال: «رَبِّيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» أو يقول: «لَسْتَ رَبنَا، لَكِنَّ رَبنَا اللَّهُ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْهِ أَنَبنَا، نَعُوذُ باللَّهِ مِنْ شَرِّكَ» فإنه لا يَكُون لَهُ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ ، وَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ» رواه مسلم من حديث النواس رضي الله عنه.
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» رواه مسلم .
وغير ذلك من الفوائد.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.