"انتصار الديمقراطية" عبارة منكرة تتردد هذه الأيام فيما يتعلق بتركيا
"انتصار الديمقراطية" عبارة منكرة تتردد هذه الأيام فيما يتعلق بتركيا
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
يردد بعض الناس عبارة "انتصار الديمقراطية" بمناسبة ما أعلن من فشل انقلاب نفذه منتسبون إلى الجيش التركي.
وهذا كلام جاهلي كاذب لا أساس له من الصحة ولا من الحق.
وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب للشعب، ويكون الحكم فيها للشعب لا للرب عز وجل، فما يريده الشعب تقضي به هذه الديمقراطية، وما يرفضه الشعب ترفضه الديمقراطية، وهذا كفر بالله العظيم، الذي يقول في محكم التنزيل: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [يوسف: 40].
الوجه الثاني: أن حكم الشعب بالشعب في منظور الديمقراطية هو حكم الأغلبية والأكثرية على الأقلية، وهذا يكذبه الواقع.
فالذي يحكم الشعب هم القوة الفاعلة ظاهرة كانت أو خفية، وقد تتحقق الأكثرية بعد تحديد من شاؤوا للتصويت وتحييد من شاؤوا وفق دساتيرهم وقوانينهم الأرضية، وبعد المكر والخداع المأذون به عندهم الذي يقوم به إعلام هذه القوة الفاعلة، وكذلك الأموال التي يشترون بها ذمم من شاؤوا.
وجميع الدول التي تعمل بالنظام الديمقراطي تعلم هذه الحقائق، وتظهر في إعلامهم بعض تلك الفضائح.
ولا ينكر هذا إلا مكابر معاند.
الوجه الثالث: الناظر في الأنظمة الديمقراطية في العالم أجمع يجد أنها لا تكاد تتوفر فيها قضية الأغلبية الحقيقية الواقعية على الأرض، وإنما تتم الأغلبية عبر صناديق يشرف عليها من الشعب من قد يكون له من الهوى ما يجعله يغش أو يخفي أو يزوِّر ما يرد في تلك الصناديق، وتجد الاتهامات بالتزوير متبادلة بين القوى المتنازعة، ولا تكاد تمر انتخابات في تلك الدول إلا وبلاغات المخالفات، وادعاءات التزوير تملأ الأرجاء، وتتناقلها وسائل الإعلام.
فهو نظام بشري خطير كثير الضرر والتدمير للدين والخلق والمبادئ.
الوجه الرابع: أن حكم الأغلبية ليس هو حكم للشعب بالشعب، بل هو حكم البعض للبعض الآخر، فهي قضية تنافس وتخاصم بين الشعب نفسه.
فالديمقراطية تقوم على مبدأ تقسيم الناس وتفرقهم، وتعزز هذا التفرق والاختلاف بما ينشؤونه من أحزاب تكرس هذه الخلافات، وتنشر الكره والبغضاء بين أفراد الشعب الواحد.
فالديمقراطية نظام يدعي الاجتماع بعد تثبيت التفرق والمنازعة والمباغضة.
ولكن في الحقيقة يكون اجتماعهم على غش وبأحقاد وكراهية، وعدم تسليم بالآخر، ويعلمون أن الديمقراطية لعبة واستغلال، فيربون شعوبهم على اللعب والاستغلال والانتهازية والحقد والكراهية.
الوجه الخامس: أن الديمقراطية المزعومة ترتكز في آلياتها وعملها إلى الدستور الذي يحكمون به تلك البلاد، وهذه الدساتير هي كذلك من صنع هذه الأغلبية، لذلك فدستورهم معرض للتغيير والتبديل، فكل فئة تحصل على الأغلبية بالمكر والخداع-سواء عبر تصويت البرلمان أو استفتاء عام- يكون بمقدورها تغيير الدستور والقانون، ومن ثم تغيير قواعد التصويت والحكم، وتكون النتيجة أن يعيش الناس قي وهم الديمقراطية وتلاعب القوة الفاعلة الحقيقية من وراء هذه الدعوى الكاذبة المسماة بالديمقراطية.
الوجه السادس: كيف يكون إفشال الانقلاب بسبب الديمقراطية الكاذبة الفاشلة الماكرة المخادعة؟!!
وهل الشعب الأعزل المتفرق والمختلف والذي تأصل فيه الاختلاف وتجذر التفرق وكثرت فيه الأحقاد والبغضاء يستطيع إفشال انقلاب تقوده القوة الفاعلة؟
لو كان هذا الأمر صحيحا لفشلت جميع الانقلابات على الحكومات الديمقراطية، والواقع يخالف ذلك.
إذا ما هو سبب إفشال الانقلاب حسب ما أعلن ذلك؟
هذه قضية نازلة ولم تنته الأمور، ومن الصعوبة الخوض في هذه القضية في هذا الوقت، لكن مما يظهر من الواقع: أن الذي وقع هو صراع بين أجنحة الجيش نفسه، وكذلك بقية الأجهزة الأمنية، فالواقع هو صراعات بين رجال الأمن أنفسهم، وهم من أفشل أو يحاول إفشال ما قام به منافسوهم.
وأما أفراد الشعب فمشاركتهم رمزية دعائية لا تقدم ولا تؤخر كثيراً، وقد يكون لها أثر لكن لا يكون كافيا بدون جيش وقوة.
وواقع الأمر أن القوة الفاعلة لو كانت مع الانقلاب وأيدها من أيدها من الغرب فقد ينجح، ولو كانت القوة الفاعلة ضد الانقلاب فسيفشل، فهذه سنة الله في خلقه بالنظر إلى موازين القوة، والغلبة والانتصارات في التنافسات الدنيوية.
وأما قضية حكم الإخوان، وحكم أردغان، وما يتعلق في تركيا من منكرات وشركيات، فهذا أمر آخر، وليس هو موضع حديثي.
وإنما الكلام حول مزاعم انتصار الديمقراطية بمواجهة الحكم العسكري أو الانقلاب العسكري، سواء قيل هذا في تركيا وغيرها.
والمؤمن الموحد يبغض البدع والأحزاب البدعية، ويحارب البدع والشركيات، ولا يرضى ما في كثير من بلاد المسلمين من تبرج وسفور ومعاص وفجور.
وما يحصل في تركيا من تنازع على السلطة، ومن قتل بين أفراد الجيش ورجال الأمن، وما يقومون به من انقلاب كله منكر، ولا يأتي بخير، بل بالشر والفساد والضرر.
وموقف السلفيين من هذه الثورات والانقلابات والانفلاتات الأمنية ثابت لا يتزحزح لأن مرده إلى الشرع الذي حكم في هذه القضايا، وحسمها.
الوجه السابع: إن من الخطأ الجسيم أن يقال: انتصرت الديمقراطية، ولو قيل إنهم أرادوا انتصارها على حكم الجيش، فهذا خطأ واقعا وتاريخا، بل الواقع يثبت أن الديمقراطية هزمت أصحابها، وانهزمت أمام السلاح والقوة، فمجرد التصويت والآراء والأغلبية العددية لا تقدم ولا تؤخر إذا لم يكن معها قوة فاعلة، وقوة نوعية.
الوجه الثامن: أن من فقه دين الله، واستسلم لله يعلم يقينا أن الكفر عاقبته إلى خسران وبوار، والعاقبة للمتقين، والنصر من عند الله لمن نصر دينه.
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]
وليتأمل كل دعاة الديمقراطية هذه الآيات الكريمات: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } [محمد: 7 - 9].
فتأييد الديمقراطية الكافرة، والترويج لها، وزعم انتصارها، والثناء عليها، وتأييد أهلها بعد العلم بكفر هذا المنهج ومخالفته للدين الحق فهو سبب من أسباب حبوط الأعمال، ونوع من أنواع الكفر والردة عن دين الإسلام .
أما من يقصد بالديمقراطية الشورى بضوابطها الشرعية ، أو يستخدمها من باب مخادعة الكفار وهو ينكرها ويرفضها ولا يعتقدها فهذا لا يكون كافرا مع كونه مخطئا مخالفا. والله أعلم.
كذلك من يجهل حالها، والتبس عليه أمرها بسبب تشويه دعاة الضلالة فهذا ينصح ويبين له الحق.
فمما سبق يتبين أن الديمقراطية الكافرة لا يمكن أن تنتصر وأسباب فشلها ركن من أركانها، وأس من أساسها.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
كتبه:
أسامة بن عطايا العتيبي
11/ شوال/ 1437 هـ
التعديل الأخير تم بواسطة أسامة بن عطايا العتيبي ; 07-16-2016 الساعة 03:33 PM
|