بسم الله الرحمن الرحيم
يأتي على العلماء زمان يفضلون الموت على الذهب الأحمر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإن الأصل النهي عن تمني الموت بسبب الضر الذي يصيب المؤمن، ولكن يستثنى ذلك زمن الفتن العظيمة حينما يكون الموت أيسر من الأمور التي تترتب على البقاء حيا في زمن الفتنة.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت، إلاّ عند الفتن، كما في حديث معاذ -: «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين»(1)، وفي الحديث الآخر: «ابن آدم الموت خير لك من الفتنة»(2)، وقالت مريم عليها السلام: {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم:23].
وتَمَنَّى الموتَ علِيُّ بن أبي طالب لما تفاقمت الأمور، وعَظُمَتِ الفِتَنُ، واشتدَّ القتال، وكَثُرَ القيل والقال (3).
وتَمَنَّى ذلك البُخَاريُّ أبو عبد الله، صاحبُ الصحيح، لمَّا اشتدَّ عليه الحال، ولَقِيَ مِنْ مُخَالِفِيهِ الأَهْوالَ (4).
فأما في حال الرفاهية، فقد روى البُخَاريّ ومسلم في «صحيحيهما»، من حديث أنس بن مالك - قال: قال رسول الله -: «لا يتمنى أحدكم الموت لضرّ نزل به، إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً، فلعله يَسْتَعْتِب، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» (5).
والمراد بالضُّرِّ ههنا: ما يخص العبد في بدنه، من مرض، ونحوه، لا في دينه" انتهى.
وأحببت في هذا المقال ذكر بعض الآثار في الفتن التي تبيح تمني الموت.
قال أبو سلمة بن عبد الرحمن الزهري رحمه الله:
عدت أبا هريرة فسندته إلى صدري، ثم قلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: «اللهم لا ترجعها».
ثم قال: «إن استطعت يا أبا سلمة أن تموت فمت»
فقلت: يا أبا هريرة إنا لنحب الحياة.
فقال: "والذي نفس أبي هريرة بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر.
ليأتين أحدكم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه".
رواه ابن سعد في الطبقات، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في المستدرك وغيرهم وسنده صحح.
وثبت عن أبي سلمة من قوله ببعضه.
عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله قال: دخلت على أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو مريض فقال: «إن استطعت أن تموت فمت فوالله ليأتين على الناس زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر». رواه معمر في جامعه، والخطابي في العزلة وغيرهما بسند صحيح.
وهذا المعنى ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه". رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وعن حميد بن هلال، قال: كنا مع عبد الله بن الصامت، في مسجد الجامع فقال: ليتني إذا أتيت أهلي، فأصابوا من عشائهم، وشربوا من شرابهم، أصبحوا موتى.
فقال قائل من القوم: ولم تمنى هذا لأهلك؟ ألست غنيا من المال؟
قال: بلى ولكني أخاف أن يدركني ما قال لي أبو ذر، قال: "يوشك يا ابن أخي إن أخر ذلك، أن يكون الخفيف الحاذ أغبط عندي من أبي العشيرة، كلهم رب البيت.
ويوشك يا ابن أخي، إن أخر أجلك، أن تمر بالجنازة فيهم الرجل وابنيه، ثم يقول: يا ليتني مكانه، ولا يدري في جنة هو أو في النار".
قال: قلت: يا أبا ذر، ما ذا إلا من شيء عظيم طويل يصيب الناس.
قال: أجل يا ابن أخي عظيم، عظيم، عظيم".
رواه المعافى في الزهد، وابن أبي الدنيا في المتمنين، والعيال بسند صحيح.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
كتبه:
أسامة بن عطايا العتيبي
11/ شوال/ 1437 هـ
الهوامش
1- رواه الإمام أحمد في المسند (5/ 243)، والترمذي (3235)، وعبدالله بن الإمام أحمد في السنة (2/ 489)، وابن خزيمة في التوحيد (318)، والطبراني في الدعاء (1418) وغيرهم، وإسناده صحيح، وصححه الترمذي، والبخاري، والألباني. [تحقيق مشكاة المصابيح:748].
2- رواه علي بن حجر في جزء من حديثه (115)، والإمام أحمد في المسند (5/ 437)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (36)، والبغوي في شرح السنة (4066)، وغيرهم، وإسناده حسنٌ. [الصحيحة: 813].
3- فقد كان يقول: «ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة»، ورد عنه من طرق، وهو صحيح عنه -. انظر: مصنف ابن أبي شيبة (7/ 544 - 546)، والسنة لعبدالله بن الإمام أحمد (1294، 1326)، ومستدرك الحاكم (3/ 111)، وغيرها.
4- تاريخ بغداد (2/ 34)، تهذيب الكمال للمزي (34/ 466)، وسير أعلام النبلاء (12/ 466).
5- البخاري (6351)، ومسلم (2680).