فتح الباري شرح صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - السفر بالمصاحف إلى أرض العدو
- ص 155 - قوله : ( باب كراهية السفر بالمصاحف
إلى أرض العدو ) سقط لفظ " كراهية " إلا للمستملي فأثبتها ، وبثبوتها يندفع الإشكال الآتي . </SPAN>
قوله : ( وكذلك يروى عن
محمد بن بشر عن
عبيد الله ) هو
ابن عمر ( عن
نافع عن
ابن عمر ) وتابعه
ابن إسحاق عن
نافع . أما رواية
محمد بن بشر فوصلها
إسحاق بن راهويه في مسنده عنه ولفظه
" كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو 
، وقال
الدارقطني .
والبرقاني : لم يروه بلفظ الكراهة إلا
محمد بن بشر . وأما متابعة
ابن إسحاق فهي بالمعنى لأن
أحمد أخرجه من طريقه بلفظ
نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو " 
والنهي يقتضي الكراهة لأنه لا ينفك عن كراهة التنزيه أو التحريم .
قوله : ( وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في
أرض العدو وهم يعلمون القرآن ) أشار
البخاري بذلك
إلى أن المراد بالنهي عن السفر
بالقرآن السفر بالمصحف خشية
أن يناله العدو لا السفر
بالقرآن نفسه ، وقد تعقبه
الإسماعيلي بأنه لم يقل أحد إن من يحسن القرآن لا يغزو العدو في دارهم ، وهو اعتراض من لم يفهم مراد
البخاري . وادعى
المهلب أن مراد
البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة ، فيجوز في تلك دون هذه ، والله أعلم .
ثم ذكر المصنف حديث
مالك في ذلك وهو بلفظ :
نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، وأورده
ابن ماجه من طريق
عبد الرحمن بن مهدي عن
مالك وزاد " مخافة
أن يناله العدو " رواه
ابن وهب عن
مالك فقال : خشية
أن يناله العدو وأخرجه
أبو داود عن
القعنبي عن
مالك فقال قال
مالك أراه " مخافة " فذكره ، قال
أبو عمر : كذا قال
يحيى بن يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير ، وأكثر الرواة عن
مالك جعلوا التعليل من كلامه ولم يرفعوه ; وأشار
إلى أن
ابن وهب تفرد برفعها ، وليس كذلك لما قدمته من رواية
ابن ماجه ، وهذه الزيادة رفعها
ابن إسحاق أيضا كما تقدم ، وكذلك أخرجها
مسلم والنسائي وابن ماجه من طريق
الليث عن
نافع ،
ومسلم من طريق
أيوب بلفظ " فإني لا آمن
أن يناله العدو "
- ص 156 - فصح أنه مرفوع وليس بمدرج ، ولعل
مالكا كان يجزم به ، ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه . قال
ابن عبد البر : أجمع الفقهاء
أن لا
يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه ، واختلفوا في الكبير المأمون عليه : فمنع
مالك أيضا مطلقا ، وفصل
أبو حنيفة ، وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودا وعدما . وقال بعضهم كالمالكية ، واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى المذكور فيه وهو التمكن من الاستهانة به ، ولا خلاف في تحريم ذلك وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا ؟ واستدل به على منع تعلم الكافر القرآن : فمنع
مالك مطلقا ، وأجاز الحنفية مطلقا ، وعن
الشافعي قولان ، وفصل بعض المالكية بين القليل لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم فأجازه ، وبين الكثير فمنعه . ويؤيده قصة
هرقل حيث كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعض الآيات ، وقد سبق في " باب هل يرشد " بشيء من هذا . وقد نقل
النووي الاتفاق على جواز الكتابة إليهم بمثل ذلك .
( تنبيه ) :
ادعى
ابن بطال أن ترتيب هذا الباب وقع فيه غلط من الناسخ ، وأن الصواب
أن يقدم حديث
مالك قبل قوله : وكذلك يروى عن
محمد بن بشر إلخ ، قال : وإنما احتاج
إلى المتابعة لأن بعض الناس زاد في الحديث : مخافة
أن يناله العدو ، ولم تصح هذه الزيادة عند
مالك ولا عند
البخاري انتهى . وما ادعاه من الغلط مردود ، فإنه استند
إلى أنه لم يتقدم شيء يشار إليه بقوله كذلك ، وليس كما قال لأنه أشار بقوله " كذلك "
إلى لفظ الترجمة كما بينه من رواية
المستملي ، وأما ما ادعاه من سبب المتابعة فليس كما قال ، فإن لفظ الكراهية تفرد به
محمد بن بشر ، ومتابعة
ابن إسحاق له إنما هي في أصل الحديث لكنه أفاد أن المراد
بالقرآن المصحف لا حامل القرآن .