تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-
تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-
الحديث الرابع والخمسون عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من تطبب ولم يعلم منه طب ، فهو ضامن . رواه أبو داود والنسائي . هذا الحديث يدل بلفظه وفحواه على : أنه لا يحل لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يحسنها ، سواء كان طبا أو غيره ، وأن من تجرأ على ذلك ، فهو آثم . وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما ، فهو ضامن له ، وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يحسنها ، فهو مردود على باذله ; لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يحسن ، وهو لا يحسن ، فيدخل في الغش ، و من غشنا فليس منا . ومثل هذا البناء والنجار والحداد والخراز والنساج ونحوهم ممن نصب نفسه لذلك ، موهما أنه يحسن الصنعة ، وهو كاذب . ومفهوم الحديث : أن الطبيب الحاذق ونحوه إذا باشر ولم تجن يده ، وترتب على ذلك تلف ، فليس بضامن ؛ لأنه مأذون فيه من المكلف أو وليه . فكل ما ترتب على المأذون فيه ، فهو غير مضمون ، وما ترتب على غير ذلك المأذون فيه ، فإنه مضمون . ويستدل بهذا على : أن صناعة الطب من العلوم النافعة المطلوبة شرعا وعقلا . . والله أعلم .
الحديث الخامس والخمسون عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج ، فخلوا سبيله ، فإن الإمام إن يخطئ في العفو ، خير من أن يخطئ في العقوبة . رواه الترمذي مرفوعا وموقوفا . هذا الحديث : يدل على أن الحدود تدرأ بالشبهات . فإذا اشتبه أمر الإنسان وأشكل علينا حاله ، ووقعت الاحتمالات : هل فعل موجب الحد أم لا ؟ وهل هو عالم أو جاهل ؟ وهل هو متأول معتقد حله أم لا ؟ وهل له عذر عقد أو اعتقاد ؟ . درئت عنه العقوبة ، لأننا لم نتحقق موجبها يقينا . ولو تردد الأمر بين الأمرين ، فالخطأ في درء العقوبة عن فاعل سببها ، أهون من الخطأ في إيقاع العقوبة على من لم يفعل سببها ، فإن رحمة الله سبقت غضبه ، وشريعته مبنية على اليسر والسهولة . والأصل في دماء المعصومين وأبدانهم وأموالهم التحريم ، حتى نتحقق ما يبيح لنا شيئا من هذا . وقد ذكر العلماء على هذا الأصل في أبواب الحدود أمثلة كثيرة ، وأكثرها موافق لهذا الحديث . ومنها : أمثلة فيها نظر ، فإن الاحتمال الذي يشبه الوهم والخيال ، لا عبرة به . والميزان لفظ هذا الحديث . فإن وجدتم له ، أو فإن كان له مخرج ، فخلوا سبيله . وفي هذا الحديث : دليل على أصل . وهو : أنه إذا تعارض مفسدتان تحقيقا أو احتمالا ، راعينا المفسدة الكبرى ، فدفعناها تخفيفا للشر . والله أعلم .
الحديث الثالث والستون عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال . رواه البخاري . الأصل في جميع الأمور العادية الإباحة ، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله ، إما لذاته كالمغصوب ، وما خبث مكسبه في حق الرجال والنساء ، وإما لتخصيص الحل بأحد الصنفين ، كما أباح الشارع لباس الذهب والفضة والحرير للنساء ، وحرمه على الرجال . وأما تحريم الشارع تشبه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، فهو عام في اللباس ، والكلام ، وجميع الأحوال . فالأمور ثلاثة أقسام : قسم مشترك بين الرجال والنساء من أصناف اللباس وغيره ، فهذا جائز للنوعين ؛ لأن الأصل الإباحة ، ولا تشبه فيه . وقسم مختص بالرجال ، فلا يحل للنساء ، وقسم مختص بالنساء ، فلا يحل للرجال . ومن الحكمة في النهي عن التشبه : أن الله تعالى جعل للرجال على النساء درجة ، وجعلهم قوامين على النساء ، وميزهم بأمور قدرية ، وأمور شرعية ، فقيام هذا التمييز وثبوت فضيلة الرجال على النساء ، مقصود شرعا وعقلا . فتشبه الرجال بالنساء يهبط بهم عن هذه الدرجة الرفيعة . وتشبه النساء بالرجال يبطل التمييز . وأيضا ، فتشبه الرجال بالنساء بالكلام واللباس ونحو ذلك : من أسباب التخنث ، وسقوط الأخلاق ، ورغبة المتشبه بالنساء في الاختلاط بهن ، الذي يخشى منه المحذور ، وكذلك بالعكس . وهذه المعاني الشرعية ، وحفظ مراتب الرجال ومراتب النساء ، وتنزيل كل منهم منزلته التي أنزله الله بها ، مستحسن عقلا ، كما أنه مستحسن شرعا . وإذا أردت أن تعرف ضرر التشبه التام ، وعدم اعتبار المنازل ، فانظر في هذا العصر إلى الاختلاط الساقط الذي ذهبت معه الغيرة الدينية ، والمروءة الإنسانية ، والأخلاق الحميدة ، وحل محله ضد ذلك من كل خلق رذيل . ويشبه هذا - أو هو أشد منه - تشبه المسلمين بالكفار في أمورهم المختصة بهم ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال : من تشبه بقوم فهو منهم فإن التشبه الظاهر يدعو إلى التشبه الباطن ، والوسائل والذرائع إلى الشرور قصد الشارع حسمها من كل وجه .
الحديث الخامس والستون عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب . وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ، وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث بها أحدا ، فإنها لن تضره متفق عليه . أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : أن الرؤيا الصالحة من الله ، أي : السالمة من تخليط الشيطان وتشويشه ، وذلك لأن الإنسان إذا نام خرجت روحه ، وحصل لها بعض التجرد الذي تتهيأ به لكثير من العلوم والمعارف . وتلطفت مع ما يلهمها الله ، ويلقيه إليها الملك في منامها . فتتنبه وقد تجلت لها أمور كانت قبل ذلك مجهولة ، أو ذكرت أمورا قد غفلت عنها ، أو تنبهت لأحوال ينفعها معرفتها ، أو العمل بها ، أو حذرت مضارا دينية أو دنيوية لم تكن لها على بال ، أو اتعظت ورغبت ورهبت عن أعمال قد تلبست بها ، أو هي بصدد ذلك ، أو تنبهت لبعض الأعيان الجزئية لإدخالها في الأحكام الشرعية . فكل هذه الأمور علامة على الرؤيا الصالحة ، التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة . وما كان من النبوة فهو لا يكذب . فانظر إلى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور كم حصل بها من منافع واندفع من مضار . وكذلك قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا [ الفتح : 27 ] ، كم حصل بها من زيادة إيمان ، وتم بها من كمال إيقان ، وكانت من آيات الله العظيمة . وانظر إلى رؤيا ملك مصر ، وتأويل يوسف الصديق لها ، وكما تولى التأويل فقد ولاه الله ما احتوت عليه من التدبير ، فحصل بذلك خيرات كثيرة ، ونعم غزيرة ، واندفع بها ضرورات وحاجات ، ورفع الله بها يوسف فوق العباد درجات . وتأمل رؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - الأذان والإقامة ، وكيف صارت سببا لشرع هذه الشعيرة العظيمة التي هي من أعظم الشعائر الدينية . ومرائي الأنبياء والأولياء والصالحين - بل وعموم المؤمنين وغيرهم - معروفة مشهورة ، لا يحصى ما اشتملت عليه من المنافع المهمة ، والثمرات الطيبة . وهي من جملة نعم الله على عباده ، ومن بشارات المؤمنين ، وتنبيهات الغافلين ، وتذكيره للمعرضين ، وإقامة الحجة على المعاندين . وأما الحلم الذي هو أضغاث أحلام ، فإنما هو من تخليط الشيطان على روح الإنسان ، وتشويشه عليها وإفزاعها ، وجلب الأمور التي تكسبها الهم والغم ، أو توجب لها الفرح والمرح والبطر ، أو تزعجها للشر والفساد والحرص الضار . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أن يأخذ العبد في الأسباب التي تدفع شره ، بأن لا يحدث بها أحدا ، فإن ذلك سبب لبطلانه واضمحلاله ، وأن يتفل عن شماله ثلاث مرات . وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، الذي هو سبب هذا الحلم والدافع له ، وليطمئن قلبه عند ذلك أنه لا يضره ، مصداقا لقول رسوله ، وثقة بنجاح الأسباب الدافعة له . وأما الرؤيا الصالحة ، فينبغي أن يحمد الله عليها ، ويسأله تحقيقها ، ويحدث بها من يحب ويعلم منه المودة ، ليسر لسروره ، ويدعو له في ذلك . ولا يحدث بها من لا يحب ، لئلا يشوش عليه بتأويل يوافق هواه ، أو يسعى - حسدا منه - في إزالة النعمة عنه . ولهذا لما رأى يوسف الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ساجدين له ، وحدث بها أباه قال له : يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ولهذا كان كتم النعم عن الأعداء - مع الإمكان - أولى ، إلا إذا كان في ذلك مصلحة راجحة . واعلم أن الرؤيا الصادقة تارة يراها العبد على صورتها الخارجية ، كما في رؤيا الأذان وغيرها ، وتارة يضرب له فيها أمثال محسوسة ، ليعتبر بها الأمور المعقولة ، أو المحسوسة التي تشبهها ، كرؤيا ملك مصر ونحوها ، وهي تختلف باختلاف الرائي والوقت والعادة ، وتنوع الأحوال .
الحديث التاسع والستون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين . متفق عليه . هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم : لبيان كمال احتراز المؤمن ويقظته ، وأن المؤمن يمنعه إيمانه من اقتراف السيئات التي تضره مقارفتها ، وأنه متى وقع في شيء منها ، فإنه في الحال يبادر إلى الندم والتوبة والإنابة . ومن تمام توبته : أن يحذر غاية الحذر من ذلك السبب الذي أوقعه في الذنب ، كحال من أدخل يده في جحر فلدغته حية ، فإنه بعد ذلك لا يكاد يدخل يده في ذلك الجحر ، لما أصابه فيه أول مرة . وكما أن الإيمان يحمل صاحبه على فعل الطاعات ، ويرغبه فيها ، ويحزنه لفواتها ، فكذلك يزجره عن مقارفة السيئات ، وإن وقعت بادر إلى النزوع عنها ، ولم يعد إلى مثل ما وقع فيه . وفي هذا الحديث : الحث على الحزم والكيس في جميع الأمور . ومن لوازم ذلك : تعرف الأسباب النافعة ليقوم بها ، والأسباب الضارة ليتجنبها . ويدل على الحث على تجنب أسباب الريب التي يخشى من مقاربتها الوقوع في الشر . وعلى أن الذرائع معتبرة .وقد حذر الله المؤمنين من العود إلى ما زينه الشيطان من الوقوع في المعاصي ، فقال : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ولهذا فإن من ذاق الشر من التائبين تكون كراهته له أعظم ، وتحذيره وحذره عنه أبلغ ؛ لأنه عرف بالتجربة آثاره القبيحة . وفي الحديث : الأناة من الله ، والعجلة من الشيطان ، ولا حليم إلا ذو عثرة ، ولا حكيم إلا ذو تجربة والله أعلم .
التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبيدة طارق الجزائري ; 12-22-2011 الساعة 11:23 PM