منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > منبر الحديث الشريف وعلومه

آخر المشاركات ردود الصعافقة بعضهم على بعض وكشف بعضهم أسرار بعض ليست صحوة ضمير وإنما تنازع لصوص، واختلاف زعامات،... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من بكائيات الصعافقة على ما فعلوه في أنفسهم من اللؤم ونكران الجميل! (محمد خليفة الداودي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من أفرد عاشوراء بالصوم فقط هل يحصل على ثواب تكفير السنة كاملة؟ (الكاتـب : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          والله إني لأتعجب من شدة وقاحة ووضاعة وصفاقة وجه الصعافقة(مثل نزار هاشم وفواز المدخلي وبلال السالمي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الصعفوق فواز المدخلي جاء ليدافع عن نزار هاشم السوداني في بدعته حول اسم الله الشافي فورط نفسه ومن... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات المشبه الأشعري محمد رجب عريان الحسني (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من عجائب زماننا وهو من عجائب الصعافقة وكيف كانوا يعيشون على المكر والخبث (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات وأكاذيب الرويبضة (ذَنَب الكوري هدي) المدعو أبو يحيى مصطفى البيضاوي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          التنبيه على (مكر عابر) لأحد مكرة الصعافقة المغاربة المدعو (فؤاد منجيب) (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من تعالم الصعافقة وابتداعهم أقوالا للتبرير لشيوخ الفتنة عندهم (دفاع هوراز الكردي عن نزار... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-22-2011, 10:56 PM
أبو عبيدة طارق الجزائري أبو عبيدة طارق الجزائري غير متواجد حالياً
طرد لأنه من المتحزبين للحجوري المبتدع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 338
شكراً: 9
تم شكره 13 مرة في 12 مشاركة
افتراضي تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-

تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن
ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-


الحديث الرابع والخمسون
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من تطبب ولم يعلم منه طب ، فهو ضامن . رواه أبو داود والنسائي .
هذا الحديث يدل بلفظه وفحواه على : أنه لا يحل لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يحسنها ، سواء كان طبا أو غيره ، وأن من تجرأ على ذلك ، فهو آثم . وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما ، فهو ضامن له ، وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يحسنها ، فهو مردود على باذله ; لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يحسن ، وهو لا يحسن ، فيدخل في الغش ، و من غشنا فليس منا .
ومثل هذا البناء والنجار والحداد والخراز والنساج ونحوهم ممن نصب نفسه لذلك ، موهما أنه يحسن الصنعة ، وهو كاذب .
ومفهوم الحديث : أن الطبيب الحاذق ونحوه إذا باشر ولم تجن يده ، وترتب على ذلك تلف ، فليس بضامن ؛ لأنه مأذون فيه من المكلف أو وليه . فكل ما ترتب على المأذون فيه ، فهو غير مضمون ، وما ترتب على غير ذلك المأذون فيه ، فإنه مضمون .
ويستدل بهذا على : أن صناعة الطب من العلوم النافعة المطلوبة شرعا وعقلا . . والله أعلم .


الحديث الخامس والخمسون
عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج ، فخلوا سبيله ، فإن الإمام إن يخطئ في العفو ، خير من أن يخطئ في العقوبة . رواه الترمذي مرفوعا وموقوفا .
هذا الحديث : يدل على أن الحدود تدرأ بالشبهات . فإذا اشتبه أمر الإنسان وأشكل علينا حاله ، ووقعت الاحتمالات : هل فعل موجب الحد أم لا ؟ وهل هو عالم أو جاهل ؟ وهل هو متأول معتقد حله أم لا ؟ وهل له عذر عقد أو اعتقاد ؟ . درئت عنه العقوبة ، لأننا لم نتحقق موجبها يقينا .
ولو تردد الأمر بين الأمرين ، فالخطأ في درء العقوبة عن فاعل سببها ، أهون من الخطأ في إيقاع العقوبة على من لم يفعل سببها ، فإن رحمة الله سبقت غضبه ، وشريعته مبنية على اليسر والسهولة .
والأصل في دماء المعصومين وأبدانهم وأموالهم التحريم ، حتى نتحقق ما يبيح لنا شيئا من هذا .
وقد ذكر العلماء على هذا الأصل في أبواب الحدود أمثلة كثيرة ، وأكثرها موافق لهذا الحديث .
ومنها : أمثلة فيها نظر ، فإن الاحتمال الذي يشبه الوهم والخيال ، لا عبرة به . والميزان لفظ هذا الحديث . فإن وجدتم له ، أو فإن كان له مخرج ، فخلوا سبيله .
وفي هذا الحديث : دليل على أصل . وهو : أنه إذا تعارض مفسدتان تحقيقا أو احتمالا ، راعينا المفسدة الكبرى ، فدفعناها تخفيفا للشر . والله أعلم .


الحديث الثالث والستون
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال . رواه البخاري .
الأصل في جميع الأمور العادية الإباحة ، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله ، إما لذاته كالمغصوب ، وما خبث مكسبه في حق الرجال والنساء ، وإما لتخصيص الحل بأحد الصنفين ، كما أباح الشارع لباس الذهب والفضة والحرير للنساء ، وحرمه على الرجال .
وأما تحريم الشارع تشبه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، فهو عام في اللباس ، والكلام ، وجميع الأحوال .
فالأمور ثلاثة أقسام :
قسم مشترك بين الرجال والنساء من أصناف اللباس وغيره ، فهذا جائز للنوعين ؛ لأن الأصل الإباحة ، ولا تشبه فيه .
وقسم مختص بالرجال ، فلا يحل للنساء ، وقسم مختص بالنساء ، فلا يحل للرجال .
ومن الحكمة في النهي عن التشبه : أن الله تعالى جعل للرجال على النساء درجة ، وجعلهم قوامين على النساء ، وميزهم بأمور قدرية ، وأمور شرعية ، فقيام هذا التمييز وثبوت فضيلة الرجال على النساء ، مقصود شرعا وعقلا . فتشبه الرجال بالنساء يهبط بهم عن هذه الدرجة الرفيعة . وتشبه النساء بالرجال يبطل التمييز .
وأيضا ، فتشبه الرجال بالنساء بالكلام واللباس ونحو ذلك : من أسباب التخنث ، وسقوط الأخلاق ، ورغبة المتشبه بالنساء في الاختلاط بهن ، الذي يخشى منه المحذور ، وكذلك بالعكس .
وهذه المعاني الشرعية ، وحفظ مراتب الرجال ومراتب النساء ، وتنزيل كل منهم منزلته التي أنزله الله بها ، مستحسن عقلا ، كما أنه مستحسن شرعا .
وإذا أردت أن تعرف ضرر التشبه التام ، وعدم اعتبار المنازل ، فانظر في هذا العصر إلى الاختلاط الساقط الذي ذهبت معه الغيرة الدينية ، والمروءة الإنسانية ، والأخلاق الحميدة ، وحل محله ضد ذلك من كل خلق رذيل .
ويشبه هذا - أو هو أشد منه - تشبه المسلمين بالكفار في أمورهم المختصة بهم ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال : من تشبه بقوم فهو منهم فإن التشبه الظاهر يدعو إلى التشبه الباطن ، والوسائل والذرائع إلى الشرور قصد الشارع حسمها من كل وجه .

الحديث الخامس والستون
عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب . وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ، وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث بها أحدا ، فإنها لن تضره متفق عليه .
أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : أن الرؤيا الصالحة من الله ، أي : السالمة من تخليط الشيطان وتشويشه ، وذلك لأن الإنسان إذا نام خرجت روحه ، وحصل لها بعض التجرد الذي تتهيأ به لكثير من العلوم والمعارف . وتلطفت مع ما يلهمها الله ، ويلقيه إليها الملك في منامها . فتتنبه وقد تجلت لها أمور كانت قبل ذلك مجهولة ، أو ذكرت أمورا قد غفلت عنها ، أو تنبهت لأحوال ينفعها معرفتها ، أو العمل بها ، أو حذرت مضارا دينية أو دنيوية لم تكن لها على بال ، أو اتعظت ورغبت ورهبت عن أعمال قد تلبست بها ، أو هي بصدد ذلك ، أو تنبهت لبعض الأعيان الجزئية لإدخالها في الأحكام الشرعية .
فكل هذه الأمور علامة على الرؤيا الصالحة ، التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة . وما كان من النبوة فهو لا يكذب .
فانظر إلى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور كم حصل بها من منافع واندفع من مضار .
وكذلك قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا [ الفتح : 27 ] ، كم حصل بها من زيادة إيمان ، وتم بها من كمال إيقان ، وكانت من آيات الله العظيمة .
وانظر إلى رؤيا ملك مصر ، وتأويل يوسف الصديق لها ، وكما تولى التأويل فقد ولاه الله ما احتوت عليه من التدبير ، فحصل بذلك خيرات كثيرة ، ونعم غزيرة ، واندفع بها ضرورات وحاجات ، ورفع الله بها يوسف فوق العباد درجات .
وتأمل رؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - الأذان والإقامة ، وكيف صارت سببا لشرع هذه الشعيرة العظيمة التي هي من أعظم الشعائر الدينية .
ومرائي الأنبياء والأولياء والصالحين - بل وعموم المؤمنين وغيرهم - معروفة مشهورة ، لا يحصى ما اشتملت عليه من المنافع المهمة ، والثمرات الطيبة . وهي من جملة نعم الله على عباده ، ومن بشارات المؤمنين ، وتنبيهات الغافلين ، وتذكيره للمعرضين ، وإقامة الحجة على المعاندين .
وأما الحلم الذي هو أضغاث أحلام ، فإنما هو من تخليط الشيطان على روح الإنسان ، وتشويشه عليها وإفزاعها ، وجلب الأمور التي تكسبها الهم والغم ، أو توجب لها الفرح والمرح والبطر ، أو تزعجها للشر والفساد والحرص الضار .
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أن يأخذ العبد في الأسباب التي تدفع شره ، بأن لا يحدث بها أحدا ، فإن ذلك سبب لبطلانه واضمحلاله ، وأن يتفل عن شماله ثلاث مرات . وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، الذي هو سبب هذا الحلم والدافع له ، وليطمئن قلبه عند ذلك أنه لا يضره ، مصداقا لقول رسوله ، وثقة بنجاح الأسباب الدافعة له .
وأما الرؤيا الصالحة ، فينبغي أن يحمد الله عليها ، ويسأله تحقيقها ، ويحدث بها من يحب ويعلم منه المودة ، ليسر لسروره ، ويدعو له في ذلك . ولا يحدث بها من لا يحب ، لئلا يشوش عليه بتأويل يوافق هواه ، أو يسعى - حسدا منه - في إزالة النعمة عنه .
ولهذا لما رأى يوسف الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ساجدين له ، وحدث بها أباه قال له : يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين
ولهذا كان كتم النعم عن الأعداء - مع الإمكان - أولى ، إلا إذا كان في ذلك مصلحة راجحة .
واعلم أن الرؤيا الصادقة تارة يراها العبد على صورتها الخارجية ، كما في رؤيا الأذان وغيرها ، وتارة يضرب له فيها أمثال محسوسة ، ليعتبر بها الأمور المعقولة ، أو المحسوسة التي تشبهها ، كرؤيا ملك مصر ونحوها ، وهي تختلف باختلاف الرائي والوقت والعادة ، وتنوع الأحوال .


الحديث التاسع والستون
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين . متفق عليه .
هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم : لبيان كمال احتراز المؤمن ويقظته ، وأن المؤمن يمنعه إيمانه من اقتراف السيئات التي تضره مقارفتها ، وأنه متى وقع في شيء منها ، فإنه في الحال يبادر إلى الندم والتوبة والإنابة .
ومن تمام توبته : أن يحذر غاية الحذر من ذلك السبب الذي أوقعه في الذنب ، كحال من أدخل يده في جحر فلدغته حية ، فإنه بعد ذلك لا يكاد يدخل يده في ذلك الجحر ، لما أصابه فيه أول مرة .
وكما أن الإيمان يحمل صاحبه على فعل الطاعات ، ويرغبه فيها ، ويحزنه لفواتها ، فكذلك يزجره عن مقارفة السيئات ، وإن وقعت بادر إلى النزوع عنها ، ولم يعد إلى مثل ما وقع فيه .
وفي هذا الحديث : الحث على الحزم والكيس في جميع الأمور . ومن لوازم ذلك : تعرف الأسباب النافعة ليقوم بها ، والأسباب الضارة ليتجنبها .
ويدل على الحث على تجنب أسباب الريب التي يخشى من مقاربتها الوقوع في الشر . وعلى أن الذرائع معتبرة .وقد حذر الله المؤمنين من العود إلى ما زينه الشيطان من الوقوع في المعاصي ، فقال : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين
ولهذا فإن من ذاق الشر من التائبين تكون كراهته له أعظم ، وتحذيره وحذره عنه أبلغ ؛ لأنه عرف بالتجربة آثاره القبيحة .
وفي الحديث : الأناة من الله ، والعجلة من الشيطان ، ولا حليم إلا ذو عثرة ، ولا حكيم إلا ذو تجربة والله أعلم .









التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبيدة طارق الجزائري ; 12-22-2011 الساعة 11:23 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-23-2011, 01:00 AM
أبو عبيدة طارق الجزائري أبو عبيدة طارق الجزائري غير متواجد حالياً
طرد لأنه من المتحزبين للحجوري المبتدع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 338
شكراً: 9
تم شكره 13 مرة في 12 مشاركة
افتراضي تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن

تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن
ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-


الحديث الخامس والسبعون
عن مصعب بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ؟ ) . رواه البخاري .
فهذا الحديث فيه : أنه لا ينبغي للأقوياء القادرين أن يستهينوا بالضعفاء العاجزين ، لا في أمور الجهاد والنصرة ، ولا في أمور الرزق وعجزهم عن الكسب .
بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قد يحدث النصر على الأعداء وبسط الرزق بأسباب الضعفاء ، بتوجههم ودعائهم ، واستنصارهم واسترزاقهم .
وذلك : أن الأسباب التي تحصل بها المقاصد نوعان .
نوع يشاهد بالحس ، وهو القوة بالشجاعة القولية والفعلية ، وبحصول الغنى والقدرة على الكسب . وهذا النوع هو الذي يغلب على قلوب أكثر الخلق ، ويعلقون به حصول النصر والرزق ، حتى وصلت الحال بكثير من أهل الجاهلية أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر ، ووصلت بغيرهم إلى أن يتضجروا بعوائلهم الذين عدم كسبهم ، وفقدت قوتهم ، وهذا كله قصر نظر ، وضعف إيمان ، وقلة ثقة بوعد الله وكفايته ، ونظر للأمور على غير حقيقتها .
النوع الثاني : أسباب معنوية ، وهي قوة التوكل على الله في حصول المطالب الدينية والدنيوية ، وكمال الثقة به ، وقوة التوجه إليه والطلب منه .
وهذه الأمور تقوي جدا من الضعفاء العاجزين الذين ألجأتهم الضرورة إلى أن يعلموا حق العلم ، أن كفايتهم ورزقهم ونصرهم من عند الله ، وأنهم في غاية العجز . فانكسرت قلوبهم ، وتوجهت إلى الله ، فأنزل لهم من نصره ورزقه - من دفع المكاره ، وجلب المنافع - ما لا يدركه القادرون . ويسر للقادرين بسببهم من الرزق ما لم يكن لهم في حساب ؛ فإن الله جعل لكل أحد رزقا مقدرا .
وقد جعل أرزاق هؤلاء العاجزين على يد القادرين ، وأعان القادرين على ذلك ، وخصوصا من قويت ثقتهم بالله ، واطمأنت نفوسهم لثوابه فإن الله يفتح لهؤلاء من أسباب النصر والرزق ما لم يكن لهم ببال ، ولا دار لهم في خيال .
فكم من إنسان كان رزقه مقترا ، فلما كثرت عائلته والمتعلقون به ، وسع الله له الرزق من جهات وأسباب شرعية قدرية إلهية .
ومن جهة وعد الله الذي لا يخلف : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه
ومن جهة : دعاء الملائكة كل صباح يوم : اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلقا .
ومن جهة أن أرزاق هؤلاء الضعفاء توجهت إلى من قام بهم ، وكانت على يده .
ومن جهة أن يد المعطي هي العليا من جميع الوجوه .
ومن جهة أن المعونة من الله تأتي على قدر المؤنة ، وأن البركة تشارك كل ما كان لوجهه ، ومرادا به ثوابه . ولهذا نقول :
ومن جهة إخلاص العبد لله ، وتقربه إليه بقلبه ولسانه ويده ، كلما أنفق ، توجه إلى الله وتقرب إليه . وما كان له فهو مبارك .
ومن جهة قوة التوكل ، وثقة المنفق ، وطمعه في فضل الله وبره . والطمع والرجاء من أكبر الأسباب لحصول المطلوب .
ومن جهة دعاء المستضعفين المنفق عليهم ، فإنهم يدعون الله - إن قاموا -وقعدوا ، وفي كل أحوالهم - لمن قام بكفايتهم . والدعاء سبب قوي : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
وكل هذا مجرب مشاهد ، فتبا للمحرومين ، وما أجل ربح الموفقين ، والله أعلم .

الحديث السابع والسبعون
عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يتمنين أحدكم الموت لضرر أصابه ، فإن كان لا بد فاعلا ، فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق عليه .
هذا نهي عن تمني الموت للضر الذي ينزل بالعبد ، من مرض أو فقر أو خوف ، أو وقوع في شدة ومهلكة ، أو نحوها من الأشياء ، فإن في تمني الموت لذلك مفاسد .
منها : أنه يؤذن بالتسخط والتضجر من الحالة التي أصيب بها ، وهو مأمور بالصبر والقيام بوظيفته . ومعلوم أن تمني الموت ينافي ذلك .
ومنها : أنه يضعف النفس ، ويحدث الخور والكسل ، ويوقع في اليأس . والمطلوب من العبد مقاومة هذه الأمور ، والسعي في إضعافها وتخفيفها بحسب اقتداره ، وأن يكون معه من قوة القلب وقوة الطمع في زوال ما نزل به . وذلك موجب لأمرين : اللطف الإلهي لمن أتى بالأسباب المأمور بها ، والسعي النافع الذي يوجبه قوة القلب ورجاؤه .
ومنها : أن تمني الموت جهل وحمق ، فإنه لا يدري ما يكون بعد الموت ، فربما كان كالمستجير من الضر إلى ما هو أفظع منه ، من عذاب البرزخ وأهواله .
ومنها : أن الموت يقطع على العبد الأعمال الصالحة التي هو بصدد فعلها والقيام بها ، وبقية عمر المؤمن لا قيمة له ، فكيف يتمنى انقطاع عمل الذرة منه خير من الدنيا وما عليها .
وأخص من هذا العموم : قيامه بالصبر على الضر الذي أصابه ، فإن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب .
ولهذا قال في آخر الحديث : فإن كان لا بد فاعلا فليقل : اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي فيجعل العبد الأمر مفوضا إلى ربه الذي يعلم ما فيه الخير والصلاح له ، الذي يعلم من مصالح عبده ما لا يعلم العبد ، ويريد له من الخير ما لا يريده ، ويلطف به في بلائه كما يلطف به في نعمائه .
والفرق بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم : لا يقل أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، ولكن ليعزم المسألة ; فإن الله لا مكره له ، أن المذكور في الحديث الذي فيه التعليق بعلم الله وإرادته ، هو في الأمور المعينة التي لا يدري العبد من عاقبتها ومصلحتها .
وأما المذكور في الحديث الآخر : فهي الأمور التي يعلم مصلحتها بل ضرورتها وحاجة كل عبد إليها ، وهي مغفرة الله ورحمته ونحوها . فإن العبد يسألها ويطلبها من ربه طلبا جازما ، لا معلق بالمشيئة وغيرها . لأنه مأمور ومحتم عليه السعي فيها ، وفي جميع ما يتوسل به إليها .
وهذا كالفرق بين فعل الواجبات والمستحبات الثابت الأمر بها ; فإن العبد يؤمر بفعلها أمر إيجاب أو استحباب ، وبعض الأمور المعينة التي لا يدري العبد من حقيقتها ومصلحتها ، فإنه يتوقف حتى يتضح له الأمر فيها .
واستثنى كثير من أهل العلم من هذا ، جواز تمني الموت خوفا من الفتنة ، وجعلوا من هذا قول مريم رضي الله عنها : يا ليتني مت قبل هذا كما استثنى بعضهم تمني الموت شوقا إلى الله . وجعلوا منه قول يوسف صلى الله عليه وسلم : أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين
وفي هذا نظر ; فإن يوسف لم يتمن الموت ، وإنما سأل الله الثبات على الإسلام ، حتى يتوفاه مسلما ، كما يسأل العبد ربه حسن الخاتمة . . والله أعلم .


الحديث الحادي والثمانون
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دعوني ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم . متفق عليه .
هذه الأسئلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها : هي التي نهى الله عنها في قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم
وهي الأسئلة عن أشياء من أمور الغيب ، أو من الأمور التي عفا الله عنها ، فلم يحرمها ولم يوجبها ، فيسأل السائل عنها وقت نزول الوحي والتشريع ، فربما وجبت بسبب السؤال ، وربما حرمت كذلك ، فيدخل السائل في قوله صلى الله عليه وسلم : أعظم المسلمين جرما : من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته .
وكذلك ينهى العبد عن سؤال التعنت والأغلوطات ، وينهى أيضا عن أن يسأل عن الأمور الطفيفة غير المهمة ، ويدع السؤال عن الأمور المهمة ، فهذه الأسئلة وما أشبهها هي التي نهى الشارع عنها .
وأما السؤال على وجه الاسترشاد عن المسائل الدينية من أصول وفروع ، عبادات أو معاملات ، فهي مما أمر الله بها ورسوله ، ومما حث عليها ، وهي الوسيلة لتعلم العلوم ، وإدراك الحقائق ، قال تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون
إلى غيرها من الآيات . وقال صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وذلك بسلوك طريق التفقه في الدين دراسة وتعلما وسؤالا ، وقال : ألا سألوا إذ لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال .
وقد أمر الله بالرفق بالسائل ، وإعطائه مطلوبه ، وعدم التضجر منه . وقال في سورة الضحى : وأما السائل فلا تنهر فهذا يشمل السائل عن العلوم النافعة والسائل لما يحتاجه من أمور الدنيا ، من مال وغيره .
ومما يدخل في هذا الحديث : السؤال عن كيفية صفات الباري ، فإن الأمر في الصفات كلها كما قال الإمام مالك لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش ؟ فقال : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة " .
فمن سأل عن كيفية علم الله ، أو كيفية خلقه وتدبيره ، قيل له : فكما أن ذات الله تعالى لا تشبهها الذوات ، فصفاته لا تشبهها الصفات ، فالخلق يعرفون الله ، ويعرفون ما تعرف لهم به من صفاته وأفعاله ، وأما كيفية ذلك ، فلا يعلم تأويله إلا الله .
ثم ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أصلين عظيمين :
أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم : فإذا نهيتكم عنه فاجتنبوه فكل ما نهى عنه النبي من الأقوال والأفعال ، الظاهرة والباطنة ، وجب تركه ، والكف عنه ، امتثالا وطاعة لله ورسوله .
ولم يقل في النهي : " ما استطعتم " لأن النهي طلب كف النفس ، وهو مقدور لكل أحد ، فكل أحد يقدر على ترك جميع ما نهى الله عنه ورسوله ، ولم يضطر العباد إلى شيء من المحرمات المطلقة ، فإن الحلال واسع ، يسع جميع الخلق في عباداتهم ومعاملاتهم ، وجميع تصرفاتهم .
وأما إباحة الميتة والدم ولحم الخنزير للمضطر ، فإنه في هذه الحالة الملجئة إليه قد صار من جنس الحلال ; فإن الضرورات تبيح المحظورات ، فتصيرها الضرورة مباحة ; لأنه تعالى إنما حرم المحرمات حفظا لعباده ، وصيانة لهم عن الشرور والمفاسد ، ومصلحة لهم ، فإذا قاوم ذلك مصلحة أعظم - وهو بقاء النفس - قدمت هذه على تلك رحمة من الله وإحسانا .
وليست الأدوية من هذا الباب ، فإن الدواء لا يدخل في باب الضرورات ، فإن الله تعالى يشفي المبتلى بأسباب متنوعة ، لا تتعين في الدواء . وإن كان الدواء يغلب على الظن الشفاء به ، فإنه لا يحل التداوي بالمحرمات ، كالخمر وألبان الحمر الأهلية ، وأصناف المحرمات ، بخلاف المضطر إلى أكل الميتة ، فإنه يتيقن أنه إذا لم يأكل منها يموت .
الأصل الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وهذا أصل كبير ، دل عليه أيضا قوله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم
فأوامر الشريعة كلها معلقة بقدرة العبد واستطاعته . فإذا لم يقدر على واجب من الواجبات بالكلية ، سقط عنه وجوبه . وإذا قدر على بعضه - وذلك البعض عبادة - وجب ما يقدر عليه منه ، وسقط عنه ما يعجز عنه .
ويدخل في هذا من مسائل الفقه والأحكام ما لا يعد ولا يحصى . فيصلي المريض قائما ، فإن لم يستطع صلى قاعدا ، فإن لم يستطع صلى على جنبه ، فإن لم يستطع الإيماء برأسه ، أومأ بطرفه . ويصوم العبد ما دام قادرا عليه . فإن أعجزه مرض لا يرجى زواله ، أطعم عنه كل يوم مسكينا ، وإن كان مرضا يرجى زواله ، أفطر ، وقضى عدته من أيام أخر .
ومن ذلك من عجز عن سترة الصلاة الواجبة ، أو عن الاستقبال أو توقي النجاسة : سقط عنه ما عجز عنه . وكذلك بقية شروط الصلاة وأركانها ، وشروط الطهارة ، ومن تعذرت عليه الطهارة بالماء للعدم ، أو للضرر في جميع الطهارة ، أو بعضها ، عدل إلى طهارة التيمم .
والمعضوب في الحج ، عليه أن يستنيب من يحج عنه ، إذا كان قادرا على ذلك بماله .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يجب على من قدر عليه باليد ، ثم باللسان ثم بالقلب .
وليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج في ترك العبادات التي يعجزون عنها ، أو تشق عليهم مشقة غير محتملة .
ومن عليه نفقة واجبة ، وعجز عن جميعها ، بدأ بزوجته ، فرقيقه ، فالولد ، فالوالدين ، فالأقرب ثم الأقرب . وكذلك الفطرة .
وهكذا جميع ما أمر به العبد أمر إيجاب أو استحباب ، إذا قدر على بعضه ، وعجز عن باقيه ، وجب عليه ما يقدر عليه ، وسقط عنه ما عجز عنه . وكلها داخلة في هذا الحديث .
ومسائل القرعة لها دخول في هذا الأصل ؛ لأن الأمور إذا اشتبهت : لمن هي ؟ ومن أحق بها ؟ رجعنا إلى المرجحات . فإن تعذر الترجيح من كل وجه ، سقط هذا الواجب للعجز عنه ، وعدل إلى القرعة التي هي غاية ما يمكن . وهي مسائل كثيرة معروفة في كتب الفقه .
والولايات كلها - صغارها وكبارها - تدخل تحت هذا الأصل ، فإن كل ولاية يجب فيها تولية المتصف بالأوصاف التي يحصل بها مقصود الولاية . فإن تعذرت كلها ، وجب فيها تولية الأمثل فالأمثل .
وكما يستدل على هذا الأصل بتلك الآية وذلك الحديث ، فإنه يستدل عليها بالآيات والأحاديث التي نفى الله ورسوله فيها الحرج عن الأمة ، كقوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها وما جعل عليكم في الدين من حرج ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يريد الله أن يخفف عنكم
فالتخفيفات الشرعية في العبادات وغيرها بجميع أنواعها داخلة في هذا الأصل ، مع ما يستدل على هذا بما لله تعالى من الأسماء والصفات المقتضية لذلك ، كالحمد والحكمة ، والرحمة الواسعة ، واللطف والكرم والامتنان . فإن آثار هذه الأسماء الجليلة الجميلة كما هي سابغة وافرة واسعة في المخلوقات والتدبيرات ، فهي كذلك في الشرائع ، بل أعظم لأنها هي الغاية في الخلق . وهي الوسيلة العظمى للسعادة الأبدية .
فالله تعالى خلق المكلفين ليقوموا بعبوديته . وجعل عبوديته والقيام بشرعه طريقا إلى نيل رضاه وكرامته . كما قال تعالى - بعد ما شرع الطهارة بأنواعها - ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون
فظهرت آثار رحمته ونعمته في الشرعيات والمباحات ، كما ظهرت في الموجودات . فله تعالى أتم الحمد وأعلاه ، وأوفر الشكر والثناء وأعلاه ، وغاية الحب والتعظيم ومنتهاه . وبالله التوفيق .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-23-2011, 01:14 AM
أبو عبيدة طارق الجزائري أبو عبيدة طارق الجزائري غير متواجد حالياً
طرد لأنه من المتحزبين للحجوري المبتدع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 338
شكراً: 9
تم شكره 13 مرة في 12 مشاركة
افتراضي تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن

تابع مختارات من كتاب[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]للعلامة عبد الرحمن بن
ناصر السعدي-رحمه الله تعالى-


الحديث التاسع والثمانون
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ، فيقول : اللهم إني أسألك الهدى والتقى ، والعفاف والغنى رواه مسلم .
هذا الدعاء اللهم إني أسألك الهدى والتقى من أجمع الأدعية وأنفعها . وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا ، فإن " الهدى " هو العلم النافع . " والتقى " العمل الصالح ، وترك ما نهى الله ورسوله عنه . وبذلك يصلح الدين ، فإن الدين علوم نافعة ، ومعارف صادقة ، فهي الهدى ، وقيام بطاعة الله ورسوله ، فهو التقى .
و العفاف والغنى يتضمن العفاف عن الخلق ، وعدم تعليق القلب بهم . والغنى بالله وبرزقه ، والقناعة بما فيه ، وحصول ما يطمئن به القلب من الكفاية . وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا ، والراحة القلبية ، وهي الحياة الطيبة .
فمن رزق الهدى والتقى ، والعفاف والغنى ، نال السعادتين ، وحصل له كل مطلوب ، ونجا من كل مرهوب . والله أعلم .


الحديث السابع والتسعون
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمور ، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . رواه الترمذي والشافعي وغيرهما .
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم : أي لا يبقى في القلب غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة ، بل تنفي عنه غله ، وتنقيه منه ، وتخرجه منه ، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل . وكذلك يغل على الغش ، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلال . فهذه الثلاثة تملؤه غلا ودغلا . ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه ، بتجريد الإخلاص والنصح ، ومتابعة السنة . انتهى .
أي فمن أخلص أعماله كلها لله ، ونصح في أموره كلها لعباد الله ، ولزم الجماعة بالائتلاف ، وعدم الاختلاف ، وصار قلبه صافيا نقيا ، صار لله وليا ، ومن كان بخلاف ذلك ، امتلأ قلبه من كل آفة وشر ، والله أعلم .

الحديث الثامن والتسعون
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة . متفق عليه .
هذا الحديث مشتمل على خبر صادق ، وإرشاد نافع .
أما الخبر ، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن النص شامل لأكثر الناس ، وأن الكامل - أو مقارب الكمال - فيهم قليل ، كالإبل المائة ، تستكثرها ، فإذا أردت منها راحلة تصلح للحمل والركوب ، والذهاب والإياب ، لم تكد تجدها ، وهكذا الناس كثير ، فإذا أردت أن تنتخب منهم من يصلح للتعليم أو الفتوى أو الإمامة ، أو الولايات الكبار أو الصغار ، أو الوظائف المهمة ، لم تكد تجد من يقوم بتلك الوظيفة قياما صالحا ، وهذا هو الواقع ، فإن الإنسان ظلوم جهول ، والظلم والجهل سبب للنقائص ، وهي مانعة من الكمال والتكميل .
وأما الإرشاد ، فإن مضمون هذا الخبر إرشاد منه صلى الله عليه وسلم إلى أنه ينبغي لمجموع الأمة أن يسعوا ، ويجتهدوا في تأهيل الرجال الذين يصلحون للقيام بالمهمات ، والأمور الكلية العامة النفع .
وقد أرشد الله إلى هذا المعنى في قوله : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم فأمر بالجهاد ، وأن يقوم به طائفة كافية ، وأن يتصدى للعلم طائفة أخرى ، ليعين هؤلاء هؤلاء ، وهؤلاء هؤلاء ، وأمره تعالى بالولايات والتولية أمر بها ، وبما لا تتم إلا به من الشروط والمكملات .
فالوظائف الدينية والدنيوية ، والأعمال الكلية ، لا بد للناس منها ولا تتم مصلحتهم إلا بها ، وهي لا تتم إلا بأن يتولاها الأكفاء والأمناء ، وذلك يستدعي السعي في تحصيل هذه الأوصاف بحسب الاستطاعة . قال الله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم والله أعلم .


الحديث التاسع والتسعون
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر رواه الترمذي .
وهذا الحديث أيضا يقتضي خبرا وإرشادا .
أما الخبر ، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه في آخر الزمان يقل الخير وأسبابه ، ويكثر الشر وأسبابه ، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بالدين من الناس أقل القليل ، وهذا القليل في حالة شدة ومشقة عظيمة ، كحالة القابض على الجمر ، من قوة المعارضين ، وكثرة الفتن المضلة ، فتن الشبهات والشكوك والإلحاد ، وفتن الشهوات وانصراف الخلق إلى الدنيا وانهماكهم فيها ، ظاهرا وباطنا ، وضعف الإيمان ، وشدة التفرد لقلة المعين والمساعد .
ولكن المتمسك بدينه ، القائم بدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أهل البصيرة واليقين ، وأهل الإيمان المتين ، من أفضل الخلق ، وأرفعهم عند الله درجة ، وأعظمهم عنده قدرا .
وأما الإرشاد ، فإنه إرشاد لأمته ، أن يوطنوا أنفسهم على هذه الحالة ، وأن يعرفوا أنه لا بد منها ، وأن من اقتحم هذه العقبات ، وصبر على دينه وإيمانه - مع هذه المعارضات - فإن له عند الله أعلى الدرجات ، وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه ، فإن المعونة على قدر المؤونة .
وما أشبه زماننا هذا بهذا الوصف الذي ذكره صلى الله عليه وسلم ، فإنه ما بقي من الإسلام إلا اسمه ، ولا من القرآن إلا رسمه ، إيمان ضعيف ، وقلوب متفرقة ، وحكومات متشتتة ، وعداوات وبغضاء باعدت بين المسلمين ، وأعداء ظاهرون وباطنون ، يعملون سرا وعلنا للقضاء على الدين ، وإلحاد وماديات ، جرفت بخبيث تيارها وأمواجها المتلاطمة الشيوخ والشبان ، ودعايات إلى فساد الأخلاق ، والقضاء على بقية الرمق .
ثم إقبال الناس على زخارف الدنيا ، بحيث أصبحت هي مبلغ علمهم ، وأكبر همهم ، ولها يرضون ويغضبون ، ودعاية خبيثة للتزهيد في الآخرة ، والإقبال بالكلية على تعمير الدنيا ، وتدمير الدين واحتقاره والاستهزاء بأهله ، وبكل ما ينسب إليه ، وفخر وفخفخة ، واستكبار بالمدنيات المبنية على الإلحاد التي آثارها وشررها وشرورها قد شاهده العباد .
فمع هذه الشرور المتراكمة ، والأمواج المتلاطمة ، والمزعجات الملمة ، والفتن الحاضرة والمستقبلة المدلهمة - مع هذه الأمور وغيرها - تجد مصداق هذا الحديث .
ولكن مع ذلك ، فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله ، ولا ييأس من روح الله ، ولا يكون نظره مقصورا على الأسباب الظاهرة ، بل يكون متلفتا في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب ، الكريم الوهاب ، ويكون الفرج بين عينيه ، ووعده الذي لا يخلفه ، بأنه سيجعل له بعد عسر يسرا ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات وحلول المفظعات .
فالمؤمن من يقول في هذه الأحوال : " لا حول ولا قوة إلا بالله " و" حسبنا الله ونعم الوكيل . على الله توكلنا . اللهم لك الحمد ، وإليك المشتكى . وأنت المستعان . وبك المستغاث . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ويقوم بما يقدر عليه من الإيمان والنصح والدعوة . ويقنع باليسير ، إذا لم يمكن الكثير . وبزوال بعض الشر وتخفيفه ، إذا تعذر غير ذلك : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومن يتوكل على الله فهو حسبه ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:34 AM.


powered by vbulletin