منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام

آخر المشاركات ردود الصعافقة بعضهم على بعض وكشف بعضهم أسرار بعض ليست صحوة ضمير وإنما تنازع لصوص، واختلاف زعامات،... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من بكائيات الصعافقة على ما فعلوه في أنفسهم من اللؤم ونكران الجميل! (محمد خليفة الداودي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من أفرد عاشوراء بالصوم فقط هل يحصل على ثواب تكفير السنة كاملة؟ (الكاتـب : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          والله إني لأتعجب من شدة وقاحة ووضاعة وصفاقة وجه الصعافقة(مثل نزار هاشم وفواز المدخلي وبلال السالمي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الصعفوق فواز المدخلي جاء ليدافع عن نزار هاشم السوداني في بدعته حول اسم الله الشافي فورط نفسه ومن... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات المشبه الأشعري محمد رجب عريان الحسني (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من عجائب زماننا وهو من عجائب الصعافقة وكيف كانوا يعيشون على المكر والخبث (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات وأكاذيب الرويبضة (ذَنَب الكوري هدي) المدعو أبو يحيى مصطفى البيضاوي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          التنبيه على (مكر عابر) لأحد مكرة الصعافقة المغاربة المدعو (فؤاد منجيب) (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من تعالم الصعافقة وابتداعهم أقوالا للتبرير لشيوخ الفتنة عندهم (دفاع هوراز الكردي عن نزار... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-14-2011, 03:21 PM
أبو عبيدة طارق الجزائري أبو عبيدة طارق الجزائري غير متواجد حالياً
طرد لأنه من المتحزبين للحجوري المبتدع
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 338
شكراً: 9
تم شكره 13 مرة في 12 مشاركة
افتراضي [ الفرق بين العُقد والمُلح ] للشيخ العلامة صالح آل الشيخ-حفظه الله تعالى-


[ الفرق بين العُقد والمُلح ] للشيخ العلامة صالح آل الشيخ-حفظه الله تعالى-

قال الشيخ صالح-حفظه الله و رعاه و وفقه وسدد خطاه:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أنّ محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأسأل الله جلّ وعلا أنْ يجعلني وإياك ممّن إذا أعطى شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر فإنّ هذه كما قال إمام الدعوة عنوان السعادة، وأسأله جلّ وعلا لي ولك الثبات على الحق والهدى وأنْ لا يزيغ قلوبنا بعد إذْ هدانا وأنْ يلهمنا ويوفقنا إلى الحق ويمنّ علينا باتباعه والالتزام به، وأنْ يوفقنا إلى هَدي محمد صلّى الله عليه وسلّم في جميع الأحوال في حالتي الفقر والغنى وفي حالتي الرضا والغضب، وأسأله سبحانه أنْ يصلنا بحبله وأنْ لا يقطع ذلك بذنوبنا.
ثم إنّ هذه الدروس لأجل عدم حضور من كان العادة يحضر في درس كشف الشبهات، نقدم لهذه الدروس بمقدمة في العلم وطلبه كالعادة، لعلها أنْ تكون نافعةً إنْ شاء الله.
من المعلوم أنّ العلم قسمان كما يقول طائفة من أهل العلم منهم الشاطبي في أول الموافقات:العلم قسمان عُقَدٌ ومُلَح.
والعقد: تعقد القلب مع العلم.
والملح: لابد منها للمسير في طلب العلم.
واستمرار المرء بِعُقَد العلم يعني بقوي العلم وأصوله ومنهجيته دون مُلَحِهِ قد يجعل المرء يكسل أو يمل؛ لأنّ النفس حُمظة تحتاج إلى أنْ تُصقل وتُزال بشيء من الملح، ولهذا روى ابن عبد البر وروى غيره أنّ ابن شهاب الزهري الإمام المعروف كان إذا أعطى الدرس في الحديث وانتهى قال:هاتوا من ملحكم، هاتوا من أشعاركم، هاتوا من أخباركم. فيأخذوا:هذا يقص وهذا يقص ويروي هذا ويروي ذاك، فتأنس النفس بما ذُكر ويكون لها نشاطًا فيما تستقبل.
العلم عُقَدُه هي الأصل هي الغاية ومُلَحُهُ وسيلة لهذه الغاية وسيلة لتقوية الذهن ولتوسيع المعارف؛ فعقد العلم أيضًا قسمان: علوم أصلية وعلوم صناعية.
أما العلوم الأصلية: فهي التفسير والحديث والفقه والتوحيد –العقيدة- ونحو ذلك.
والعلوم الصناعية: هي علوم الآلة، سميت صناعية لأنها كانت اصطلاحية؛ جاءت بعد الأصول مثل مصطلح الحديث وأصول الفقه وأصول التفسير والنحو وعلوم العربية بعامة وأشباه ذلك.
هذه عُقَدُ العلم يعني أنّ هذه العلوم الأصلية والصناعية لابد منها لطالب العلم لاستكمال تفقهه في العلم.
وهناك علوم أُخر يحتاجها لتكميل بناء العلم وهي التي سماها طائفة بملح العلم من مثل قراءة التاريخ والأخبار والأدب والأشعار وتراجم أهل العلم والمناظرات وما أشبه ذلك، فهذه مُلح، الإطلاع عليها مفيد لكن من جهلها فلا يضره الجهل بها في العلم، لهذا تجد من العلماء الكبار من قد لا يعرف بعض التراجم المفصلة أو تواريخ الوفيات لأهل العلم أو نحو ذلك، ولا يَضُرُّه هذا؛ لأن هذا ليس من العلم الأصلي الذي به يكون المرء طالب علم أو عالمًا ولكن هذا من الملح.
الفرق بين العقد والملح :
أنّ العقد لابد لها من رجال يُعَلّمون كيف تُفتح أو كيف تحل هذه العقد؛ لأنها عقدة تحتاج إلى حل، والعقدة مجتمع الشيء لتقويته وتحتاج إلى فكها حتى تعرف مسار الشيء إلى من يساعدك في هذا، والمساعد هم الرجال؛ هم أهل العلم،
وهذا عن طريقين:
الأول: طريق المشافهة يعني الدروس.
الثاني: عن طريق قراءة الكتب، وفتح المغلق منها عن طريق العلماء، ولهذا قال من قال من السلف:كان العلم في صدور الرجال-يعني قبل أنْ يدون الحديث، قبل أن يدون التفسير، قبل أنْ يدون الفقه، كان العلم في صدور الرجال- ثم صار في بطون الكتب، وبقيت مفاتيحه بأيدي الرجال.
العلم انتقل من الصدور إلى الكتب، هذا صحيح ولكن المفاتيح بقيت بأيدي الرجال يعني بأيدي أهل العلم، الكتب قوة قريبة لك تراجع، تفتح، تنظر، تبحث، لكن مفتاح فهم كلام أهل العلم لابد أنْ يكون معك عن طريق أهل العلم؛ لأنّ كلام أهل العلم له اصطلاحه، له أصوله، إلى آخره، فلابدّ من أخذه عن مُعَلّم.
إذا. فصارت العقد هذه أصول العلم التي ذكرنا بنوعيها لابد فيها من مُعلم، وإنْ كان المرء أخذ عن طريق الكتب فلابد أنْ يأخذها عن طريق معلم أو يسأل فيما يُشكل منها، ولكن لابدّ من معلم يفتح لك وتستفيد منه في ذلك، مثل ما ذكرت لك المقولة: كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى بطون الكتب وبقيت مفاتيحه بأيدي الرجال.
أمّا العلوم الأُخر أو المُلح؛ ملح العلم فهذه لا تحتاج فيها إلى عالم، تقرؤها ما شئت؛ لأنها علوم غير مقصودة لذاتها إلاّ فيما إذا كان المرء يريد التخصص، يريد أنْ يكون متخصصا في الأدب، في الشعر، في الأخبار، في التاريخ، فهنا يحتاج إلى أنْ يكون أَخَذَه عن معلم؛ لأنّه يصبح في حقه من العلم المقصود لذاته لا المقصود قصد الوسائل.
تكامل شخصية طالب العلم في العلم لابد أنْ يكون فيها هذا وهذا، ولكن أيهما يغلب الآخر؟
هل يغلب عليه اهتمامه بالمُلح؛ بالتراجم بالأخبار بالقصص بالحكايات، بنتف العلم، بالكتيبات التي تنشر بالفتاوى إلى آخره؟
أم أنّه يهتم بالعُقَد بأصول العلوم بالعلوم الأصلية والعلوم المساعدة (الصناعية)، ويكون ذاك مكملاً؟
يظهر مما ذكرنا أنّ الصواب في هذا أنّ الوسائل هذه -يعني الملح- لابد أنْ تؤخذ بِقَدَرِها؛ تؤخذ بقَدْرِها وبقدَرها الملائم لما يكون معه تنشيط النفس في العلم، فإنْ كان طالب العلم يعيش بالعلم القوي –العقد- بلا ملح نفسه ستضعفُ بعد فترة ولا يستأنس بالعلم؛ لأن المُلح هذه كالملح في الطعام، تجعل المرء يُقبل على الشيء ويزيد منه؛ لأنّ فيه أنسا وفيها ومعها انشراح النفس فيما يقرأ لأنها توافق الرغبة مثل قراءة التواريخ والتراجم والأشعار والأخبار وما شاكل ذلك.
الذي يحصل ونراه في طائفة من الإخوان الشباب أنّهم يُغَلِّبون المُلح على العلم التأصيلي، ولهذا تجد أن بعضهم عنده معلومات واسعة مختلفة لكن ليست مؤصلة، فهذه تكون بسبب غلبة الملح عليه، يعرف تراجم العلماء وأخبارهم وهذا كذا وهذا كذا وحصل منه كذا وفلان وفلان تناظرا وصار بينهما نُفرة، وهذا حكم، في أخبار طويلة وأشعار وقصص وحكايات، لكن أين هو من العلم في نفسه؟ إذا كان قد أصّل نفسه في العلم وصارت هذه مساعدة له فيكون قد سار سيرًا صحيحا، ولكن إذا غلبت عليه الملح وترك العقد ترك الأصول ترك العلم، فهذا يكون مهزولاً ويكون عنده الملح مقصودة لذاتها، هذا خلاف سنة أهل العلم، سنة أهل العلم أنْ يكون هذا القسم تنشيطيا، أن يكون هذا القسم ترويحيا يُنَشِّط المرء بدل أنْ يقضي وقته الذي يرتاح فيه في كيت وكيت، يُقضِّيه مع العلم لكن بشيء تنشط معه النفس وتأنس فيه الروح.
كذلك السعي في أخذ العلم وحفظ المتون والقراءة الجادة بدون مُلح هذه تسبب شيئًا من الهز والاهتزاز في نفسية طالب العلم؛ لأنّه لابد أنْ يكون عنده هذا وهذا، وإذا أخذ نفسه بالقوة دون الملح فإنه يكسل بعد فترة، هذا مجرَّب، وكل طالب للعلم لنفسه مع العلم إقبال وتوسط وإدبار وهذا لابد منه، فإقبالها أنْ يكون نشيطا يجتهد في الحفظ يجتهد في المراجعة يجتهد في البحث بقوة وإقبال ثم يرى من نفسه أنه في فترة أخرى يريد يتنزه، يتنزه بمعنى يخرج يريد أنّه يتصل ما يريد يطلب العلم ما يريد يقرأ إلى آخره، هذا بسبب عدم توازنه في ما سار فيه، والذي ينبغي لمن أراد العلم وأراد طلبه أنْ يكون متوازنا فيه وأنْ يرعى حقوق النفس والنفس لها حقوق، وإنّ لنفسك عليك حقا وإنّ لأهلك عليك حقا وإنّ لربك عليك حقّا فأعطي كلّ ذي حقٍ حقه.
المهم لطالب العلم أنْ لا ينقطع عن العلم ومن أسباب عدم الانقطاع أنْ يكون متوازنا فيما يطلب، يعني يكون عنده عناية بالملح التي تُنشِّط نفسه يأنس بأخبار وحكايات وطُرَف وهذه تطربه وهذه يستغرب منها وهذا موقف وهذه تقوِّيه أيضا في الكلام وفي سعة الإدراك والاطلاع على ما عند الناس وعند أهل العلم.
لذلك مثلا تجد ابن عبد البر مع مصنفاته العظيمة وهو إمام من الأئمة المشهورين مع مصنفاته العظيمة في شروح الحديث كالتمهيد الذي قال فيه لنفسه:

سمير فؤادي مُذ ثلاثين حِجةً*******وصيقل ذهني والمفرِّج عن همي


يقصد التمهيد هو المفرِّج من همه، إذا نظر فيه تفرجت همومه لما يجد فيه من الأنس والانشراح، تجد أنه صنف (التمهيد) وصنف (الاستذكار) وصنف (الكافي) في الفقه المالكي، وصنّف الجامع المعروف، وصنّف من جهة أخرى كتاب (بهجة المجالس) في الأخبار والأشعار... الخ، شبيه (بعيون الأخبار) و(والبيان والتبيين)، و(العقد الفريد) لابن عبد ربه وأشباه هذه الكتب (بهجة المجالس) كتاب يُكمّل هذا، لماذا؟
هل معنى هذا أنّ العالم الكبير يذهب إلى مثل هذا النوع من العلوم لأجل أنّ الوقت عنده لا قيمة له؟
لا، ولكن لأجل توازن نفسه مع العلم ولا يريد أنْ يخرج من العلم إلا إلى العلم، فإما أنْ يخرج منه إلى لهوٍ كما يلهو الناس أو إلى فرجةٍ أو إلى حديثٍ أو إلى ما شاكل ذلك، أو إلى علمٍ فيه أنس نفسه ويحصل معه المقصود ولا يخرج به عن الكتب وعن العلم فتجدُ أنّ طائفة من العلماء اعتنوا بهذا وعندهم عناية بالملح.
فإذن، عقد العلم وأصوله مهمة وهي الأصل وهي التي تقضى معها الأوقات، ولابد لك أيضا من رعاية للملح وحفظ الأخبار والأشعار والأمثال وقصص ذلك وقراءة في شيء من كتب الأدب وقراءة في كتب التأريخ والتراجم إلى آخره، فهذه تقوي منك الملكة في العلم ويكون معك أيضا نشاط في العلم بسبب ما ذكر.
فإذا نخلص من هذا إلى ضرورة التوازن، والتوازن ليس معناه التساوي، لا، يُغَلَّب؛ يعطي كل ذي حقٍّ حقه، فتعطي أصول العلم حقها تعطي وسائل العلم حقها وتعطي الملح أيضا حقها، وهذا أنت تحكم به على نفسك.
إذا طالب العلم يكون له في العلم إقبال وتوسط وإدبار، وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام «إنّ لكل شيء شِرَّة وإنّ لكلّ شرّة فَتْرَة، فمن كانت فَترته إلى سنتي فقد أفلح وأنجح ومن كانت فترته إلى بدعة فقد خاب وخسر»، يعني أنّه ما من شيء إلا له قوة إقبال شرة وقوةً وعنفوان وشدة، وله فترة ضعف بعد ذلك، فمن كان ضعفه بعد ذلك إلى سنة يعني اقتصاد في المرء وسنة ومتابعة فهذا أفلح وأنجح، يعني ما كانت فترة إلى غير الهدى إلى معصية، ومن كانت فترته إلى معصية فهذا خاب وخسر، وهذا يجعل طالب العلم ينتبه لنفسيته لا يخسر نفسه لأجل أنه ما أعطاها حقها، وهذا وجدناه من بعض الإخوان وطلبة العلم فإنّهم طلبوا العلم قليلا ثم بعد ذلك كَسُلوا، السبب عدم التوازن، الرغبة كانت في الأول قوية لكن أتعب نفسه أتعب نفسه بغير توازن وظن أنه يمكن أنْ يأتيه كلّ شيء جملة مع قوة نفسه، لا، النفس تحتاج إلى تدرج، ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ[آل عمران:79]، الرباني: هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره. وهذا يحتاج إلى تدرج حتى المرء مع نفسه يحتاج إلى أنْ لا يأتيها جميعا ففي طلب العلم لا تأتي العلم مع كراهيته أو مع التوسط في قبوله، إذا كان لك إقبال فيه فكما قال الشاعر:
إذا هبَّتْ رياحُك فاغتنمها *******فإنّ لكلّ عاصفة سكونُ
إذا وجدت في نفسك نشاطا في العلم أقبل واحفظ، وأكثر من الاطلاع والبحث ثم إذا خفّت نفسك مع العلم فدعك في أمور لا تخرجك عن العلم ولكن تظل معه.
هذه الجملة أيضا لها تفصيلات من جهة أنواع ما يسلكه المرء من المُلح وما ينبغي وما لا ينبغي وطلب العلم الجاد وأنه هو الأصل وهو الذي ينبغي للمرء أنْ يحمل نفسه عليه وأنْ يَجدَّ فيه وأنْ يتخلص من الشواغل التي تصرفه عنه.


المسألة الثانية في طلب العلم:الإهتمام بالبحث
وطالب العلم من أسباب حبِّه للعلم وإقباله عليه أنْ يكون متلقيا تارة وباحثا تارة أخرى، إذا عاش دائما على التلقي دون أنْ يبحث، دون أنْ يطالع، يفتش، يحرر المسائل، يحقق في حديث، في مسألة فقهية، في تفسير آية، يذهب ينظر الصحيح، إذا لم يكن مدقّقا أو باحثا فإنّ نفسه ربما أسِنَت وربما ضعفت، البحث من أسباب قوة النفس والرغبة في العلم.
ولهذا نقول لابد لكل طالب علم أنْ يكون معه هذا وهذا، يكون معه الإقبال الحفظ وحضور الدروس والمطالعة، ومعه أيضا قسم آخر، البحث، والبحث ليس معناه أنه إذا بحث شيئا نشره، بحث شيئا من العلم يعني لأجل أنْ يطبعه ويظهر اسمه على ديباجة الكتب، ليس هذا المقصود، بحثه ليقوي نفسه وما من أحدٍ من أهل العلم إلاّ وله بحوث في فترة طلب العلم والشباب لابد له فيها نظر.
وقد نبه على هذا النووي رحمه الله في أوائل كتابه (المجموع شرح المهذب)، فإنّ في أوائله جملة جيدة من آداب العلم وحملة العلم وما ينبغي في ذلك.
البحث هذا الذي تكلم عنه ليس معناه تخطئة الناس أو تخطئة أهل العلم؛ لأن الباحث ولو جمع لك كلاما طويلاً من الكتب فإنه يظل باحثا، ونظر العالم المحقق يختلف؛ لأنّ هذا يكون إيراده بحسب ما اطلع، لكن الذي لم يطلع عليه كيف يعرفه، القواعد العامة كيف يعرفها؟ الأصول التي تحكم مثل هذه المسائل؟ فتجد أنّ منهم من يبحث بحوثا وربما بعض تلك البحوث طُبع ولكنه خرج بصورة لا يرضى عنها المحققون من أهل العلم لمَ؟ لأنه اقتصر فيه على الجمع جمع كلام أهل العلم في المسائل، وليس العلم بالنقل فقط، ولكنه نقل واستنباط وفهم وتحليل، فهذا مع هذا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «رب ناقل فقه غير فقيه، ورب ناقل فقه إلى من هو أفقه منه» فالناقل قد يكون غير فقيه أصلا، وقد يكون عنده شيء من الفقه ولكن ثم من هو أفقه منه لا يوافقه على ما فقِهَ من هذا العلم.
فإذا إذا بحثت وصار عندك رغبة في البحث والتحرير وتدقيق المسائل في التفسير أو في التوحيد أو في الحديث أو في الفقه، فلا تظننّ أنّ هذا هو نهاية المطاف، وأنّ ما وصلت إليه في بحثك هو الراجح وهذه هي المشكلة عند كثير من أساتذة الجامعات أنهم إذا حرروا المسألة ببحثهم فيها ظنوا أنّ هذا هو النهاية فرجحوا والراجح في نفس الأمر أو الصحيح عند المحققين من أهل العلم خلافه.
فلهذا تجد أنّ في أقوال بعضهم شيئا من الغرابة، بل تجد في أقوال بعضهم شيئا من الغرابة لخروجهم عن أقوال المحققين من أهل العلم، لأنه بحث والكتب موجود فيها كلّ شيء، لو أردت أنْ تجمع ما شئت من الأقوال في أي قول ذُهب إليه لوجدت أنّ البحث يمكن معه أنْ تجمع ما شئت.
وهناك قصة طريفة وإنْ كانت غريبة لكن تدلك على ما في طيّ هذا الكلام، كان هناك أحد الباحثين في رسالة للدكتوارة وأورد مذهب المعتزلة في مسألة خلق القرآن وسفّهه ونقل نقولا يسيرة في الموضوع، فالمناقش له وكان أشعريا المناقش للرسالة –هذه في الأزهر- قال له: إنك أوردت هذين النقلين أو الثلاثة عن شيخ الإسلام وغيره في ردّ هذا القول لكن ما تقول في حجج القوم هم احتجوا بكذا، وأورد الدليل الأول واحتجوا بكذا وأورد الدليل الثاني، واحتجوا بكذا ثالث رابع خامس عشرة عشرين إلى نحو الثلاثين من الأدلة التي يستدل بها أهل الاعتزال على خلق القرآن. قال: فما ترد عليها؟ الطالب ما عنده ملكة في هذا الأمر فسكت، فكان هناك حضور وأساتذة والطالب طبعا يمثل أنه من أصحاب العقيدة السلفية جاء من هذه البلاد فأحرجَ، قال: رُدَّ على هذا كيف تقول أنّ خلق القرآن قول ضعيف وأنّ هذا قول كذا رُدّ على هذه الأدلة فلما لم يحرِّ جوابا، قال له المناقش: إذن إذا لم تستطع الإجابة عن هذه الإيرادات وهذه الاستدلالات فاسمع جواب أئمة الأشاعرة عليها، فأجابوا عن الأول بكذا -ردٌّ في محله-، والثاني كذا والثالث كذا، إلى آخره.
نعلم أنّ الأشاعرة نفع الله جلّ وعلا بهم في ردّ حجج أهل الاعتزال فكانوا من أعظم الرماح في عنق المعتزلة فنّدوا شبههم وفنّدوا استدلالاتهم واحدة تلو واحدة.
المقصود من هذا أنّ هذا المناقش أورد هذه الأدلة جميعًا، كلها موجودة فأنت ممكن تورد ما شئت من الأقوال موجودة في الكتب، لكن الكلام في فقهها وكيف تصوّب الصواب وترد الخطأ.
فإذا من ليس عنده ملكة قوية في العلم فالبحث عنده لا يؤهله أنْ ينشر بحثه ولا أنْ يجيزه عند نفسه، ولو كان مكث فيه كذا وكذا وجمع من النقول في المسألة إلى آخره؛ لأنّه ثمَّ أشياء تفوته مثل هذا الطالب أورد عليه طيب هذه نقول كثيرة رُدْ عليها، ما استطاع أنْ يرد؛ فهكذا الذي يقرأ في الكتب قد يجد أقوالا هي ضد المذهب الصحيح أو ضد القول الصحيح ما يستطيع أنْ يحللها ولا أن يرد عليها لضعفه.
فإذا البحث وسيلة لتقوية ملكة طالب العلم في العلم، وليس البحث غاية في أنْ ينشر طالب العلم بحثه وأنْ يطبعه للناس وأنْ يُنشر، إلاّ إذا أجازه عدد من أهل العلم ولا غرابة فالإمام مسلم صاحب الصحيح؛ مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري من أنفسهم رحمه الله لما صنّف كتابه الصحيح، عرضه على مشايخ بلده فوافقوه واعترضوا عليه في بعض الأحاديث وما مكّنه العُمُر أنْ يتم كتابه على نحو ما أراد بل وافته المنية كما هو معلوم قبل أنْ يحرر الكتاب كما يريد -هو محرر في نفسه- لكن كما يريد.
ولهذا وقع بالإجازة في مواضع بدون قراءة وهو الكتاب الوحيد من كتب أهل الحديث الذي فيه مواضع لم ينقلها أحد من أهل العلم ألبتة بالسماع عن مصنفه، قِطع رواها الراوي عن مسلم وهو ابن سفيان المعروف رواها بالإجازة قِطع كبيرة منه؛ ثلاث قطع متفرقة إنما رواها بالإجازة بلا سماع ما قرأها على مسلم ولا هو أيضا عرضها عليه وإنما أجازها له لأنه ما اكتمل.
المقصود من هذا أنّ الإمام مسلم عرضه على مشايخ عصره فأقروا له وسلموا، فنشر فلابد من العرض والعرض ليس معناه أنْ تعرض للبركة أو أنْ تعرض لتأخذ القبول، لا، تعرض فإذا قيل لك: لا يصلح، فقل: هذا ما أردتُ. إذا قيل لك: هذا وهذا وهذا غيّره وألغه، فتقول: هذا ما أردتُ. يعني أن تستفيد وهذا الذي ينبغي في مسألة البحوث، لكن الأصل أنّ طالب العلم يبحث لا للنشر يبحث لنفسه.
فنفسية البحث هذه مهمة؛ لأنّها تقوي طالب العلم ولابد أنْ يكون عندك دفتر تحقق فيه مسألة في التفسير، تجمع أقوال المفسرين والصحيح فيها تشوف كلام السلف وما يدور حول ذلك، مسألة فقهية، فتوى، سمعت فتوى غريبة من أهل العلم تريد أنْ تنظر إلى اختلاف أهل العلم فيها، فتبحث في ذلك حتى يستقيم العود في طلب العلم.


المسألة الثالثة والأخيرة نختم بها هذه الكلمات: أن طلب العلم يحتاج إلى نفسية خاصة
أنّ طلب العلم يحتاج إلى نفسية خاصة؛ يعني أنْ يكون طالب العلم دائما يتجدد مع نفسه في حبه للعلم وهذا لا يكون إلاّ بشيء وهو كثرة الاتصال بأهل العلم وسماع كلامهم والحرص على لقائهم وعدم تهجين أقوالهم؛ لأنّ الذي يعترض على أهل العلم يُحرم وهذا كثير وشاهدنا منه أشياء، فطالب العلم ينبغي له لاستكمال جوانب نفسه أنْ يكون كثير الاتصال بأهل العلم؛ لأنّ رؤية طالب العلم ونظره في الأشياء وتحليله للعلوم وتعامله مع العلم وتعامله مع الكتب وتعامله مع أهل العلم وأقوال أهل العلم ويعرضُ عليه مسائل ويسمع أراءه ويرى تصرفاته، هذه تفيد طالب العلم في كثرة إدمانه عليه وإقباله عليه، وفي ملازمة الصلة بأهل العلم.
البعيد عن أهل العلم إذا انقطع، إذا انقطع عن نفسه، لكن الذي له صلة بأهل العلم إذا انقطع سألوا عنه وين راح؟! وش تغير في الأمر؟! ولماذا تركتَ؟! والذي حصل؟ فتكون صلته بهم مدعاة للمواصلة في طلب العلم، لكن لا يكون في اتصاله بهم ينظر نظر المعترض؛ لأنه إذا كان ينظر نظر المعترض معناه أنه لن يستفيد منهم ولن يَقبل، بل لابد أنْ ينظر ويصحب على الاستفادة لا المجادلة وكن حريصًا عن أنْ تسمع في مجالس أهل العلم أكثر بل أكثر وأكثر من أنْ تتكلم، تسمع وتسمع وتُجمّع، تجمع في ذهنك تجمع أخبار وتجمع الفتاوى وتجمع الأراء وتجمع التحليلات والأقوال وما شابه ذلك حتى يكون لك بذلك إنْ شاء الله فرصة لأخذ العلم كما ينبغي.
نكتفي بهذا القدر ونجيب على بعض الأسئلة في هذا.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:19 AM.


powered by vbulletin