السلام عليكم و رحمة الله و بركاته -قال الشيخ رحمه الله تعالى ،في شرح رياض الصالحين في باب فضل البكاء من خشية الله تعالى:
ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة المشهور ، وقد سبق أيضاً ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم : ((رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه )) ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ، وأحكامه وآياته ، ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، إما شوقاً إليه ، وإما خوفاً منه ، فهذا من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .
والمراد بالظل هنا :
ظل يخلقه الله عز وجل يوم القيامة يظلل فيه من شاء من عباده ، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا ؛ لأن الله نور السموات والأرض ، ولا يمكن أن يكون الله ظلاً من الشمس ، فتكون الشمس فوقه وهو بينها وبين الخلق ، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار ؛ لأنه لا يمكن أن يكون الله عز وجل تحت شيء من مخلوقاته ، فهو العلي الأعلى ، ثم هو نور السموات والأرض .
قال النبي عليه الصلاة والسلام (( حجابه )) يعني حجاب الله (( النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )) (303) ، يعني لو كشف هذا الحجاب ـ والحجب أيضاً من نور ، لكنها نور دون نور البارئ عز وجل . لو كشف الله هذا النور لأحرقت سبحات وجهه أي بهاؤه وعظمته ونوره ، ما انتهى إليه بصره من خلقه ، وبصره ينتهي إلى كل شيء .
والمعنى لو كشفه لأحرق هذا النور كل شيء ، كيف يكون المراد بالظل ظل الرب عز وجل ؟! لكن كما قلت : بعض الناس أجهل من الحمار ، لا يدري ما يترتب على قوله الذي يقوله في تفسير كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يمكن أن يريد الرسول عليه الصلاة والسلام هذا .
حتى الرواية التي وردت في ظل عرشه فيها نظر ؛ لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم ، السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة ، فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس ؟!
لو صح الحديث لقلنا : ربما يكون طرف العرش مثلاً ، والله عز وجل على كل شيء قدير ، لكن هذه اللفظة في صحتها نظر ، والصواب أنه ظل يخلقه الله عز وجل في ذلك اليوم ؛ إما من الغمام أو من غير ذلك ، الله أعلم ، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده حر الشمس .
وإنما قال : (( يوم لا ظل إلا ظله )) ؛ لأننا في الدنيا نستظل بالبناء الذي نبنيه ، ونستظل بالأشجار التي تغرس ، ونستظل بسفوح الجبال ، وبالجدران ، وبغير ذلك ، نستظل بأشياء نحن نصنعها بأيدينا وبأشياء خلقها الله عز وجل .
لكن في الآخرة ليس هناك ظل ، قال الله تعالى : ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً )[طـه:105]، كل الجبال تنسف مهما عظمت، أكبر الجبال وأعظمها تنسف ؛ تكون رملاً ، هباءً منثوراً ، تطير في الجو ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) [النمل:88] ، تطير في الهواء وإن كنت تظنها جامدة لا تتحرك .
وقد سمعت عن بعض الناس المتأخرين يقول : (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ) يعني في الدنيا ، وأن هذا دليل على أن الأرض تدور ، وعلل ذلك بان يوم القيامة يقين ليس فيه شيء من الحسبان .
وهذا من جهله وعدم معرفته ؛ لأن الله تعالى قال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (ا1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) [الحج: 1 ، 2] ، هذا من يراهم على خلاف الواقع ، فالأمر إذا ذهل الإنسان ولو كان أمامه شيء متيقن ، فإنه تضيع حواسه وإدراكا ته .
المهم أن قوله (( يوم لا ظل إلا ظله )) أي : إلا الظل الذي يخلقه الله عز وجل ، يظل به من شاء من عباده . وهذا هو الشاهد . و هنا المقطع الصوتيhttp://alyamaany.com/fozy/up/download.php?id=650