عُدْوَانٌ على عُلَمَاءِ الإِسْلاَمِ يَجِبُ أَن يَكُونَ لَهُ حَدٌّ يَقِفُ عِنْدَهُ للعلاّمة محبّ الدِّين الخطيب
نقله : الشَّيخ سمير سمراد - حفظه الله
هذا مقالٌ نادِرٌ، نُشِر في مجلّة «الزّهراء» لمُنشِئِها: العلاَّمة مُحبّ الدّين الخطيب (رحمه الله وجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين)[المجلّد الخامس، الجزء الثّاني والثّالث، جمادى الأُولى 1347هـ، (ص439- 443)]، وهو واحدٌ مِن الكتابات الّتي كَشَفَت سُوءَ انحِرَافِ الكوثريِّ عن السَّلَف وطعنه في أئمّة الإسلامِ مِن الأوَّلين والآخِرِين، وها هُوَ بِنَصِّهِ:
«كتب إليّ مفخرةُ الحجاز ووَجِيهُها السّيِّد محمّد نصيف يُعاتبني على الكلمة الّتي كتبتُها في جزء «الزّهراء» الأخير تَقريظًا لـ«ذُيول تذكرة الحفّاظ»، ويَلفت نظري إلى ما في تعليقات الكوثريّ عليها وعلى غيرها مِن سلاطة وطول لسان على علماء الحديث وأعلام الأمّة وأئمّة السّلف. وضرب لي مثلاً بما كتبه (في ص 261) عن الحافظ الشّرايحي الّذي فاته في صغره أن يكون قارئًا كاتبًا فلم يكن ذلك حائلاً بينه وبين أن يكون كما قال عنه الحافظ تقيّ الدّين بن فهد «حافظًا لا يُدَانى في معرفة الأجزاء والعوالي، وآية في حفظ الرّواة المتأخّرين يُذاكر فيهم مُذاكرة دالّة على حافظة باهرة مع حظٍّ مِن معرفة الرّجال المتقدّمين وغريب الحديث، وكان اعتماده في ذلك على حفظه، وكان يستعين بمن يَقرأ له، وهو بهذه المثابة أُعجوبة زمانه في المحاضرة اللّطيفة والنّوادر الطّريفة.. وكان تغمّده الله برحمته فقيهًا فرضيًّا أوحد الحفّاظ المفيدين».
هذا بعض ما قاله الحافظ ابن فهد في «ذيل طبقات الحفّاظ» محاولاً تعريف ابن الشّرايحي(748 - 820) الّذي كان أُعجوبة زمانه بما وهبه الله مِن علمٍ في سنّة الرّسول (صلّى الله عليهِ وسلّم)، وفي فقه الإمام محمد بن إدريس الشّافعي، وفي الفرائض والمواريث مع أنّه كان أميًّا.
والأُمّيّة كما يعلم القارئ غيرُ العامّيّة، فقد يكون الرّجل أُمّيًّا ويكون مع ذلك مِن كبار أهل الاخصاء في علم أو أكثر، كالإمام الكبير أبي عيسى التّرمذيّ صاحب كتاب «السّنن» - وهو أحد الكتب السّتّة الّتي أخذ منها المسلمون دينهم بعد كتاب الله - وكالعلاّمة العظيم ابن سِيده صاحب «المحكَم» و«المخصِّص»، ومنزلتهما في اللّغة لا تقلّ عن منزلة «سُنن التّرمذي» في الحديث.
فهؤلاء وأمثالهم كانوا أُمّيِّين، ويَسبُّ نفسه قبل أن يسبَّهم مَن يفسّر أمّيّتهم بالعامّيّة، كما فعل الكوثريّ في تعليقه على قول ابن فهد في الشّرايحي(ص 261).
وظنّ الكوثريّ أنّ المجال اتّسع أمامه للطّعن بأئمّة الحديث، فانتهز هذه الفرصة وقال في تعليقاته: «ولأمثالهم (كثرة) بين الرّواة على اختلاف القرون، بل (غالبهم) بمجرّد تعلّمهم حروف التّهجّي في الكتاتيب ينصرفون إلى الرّواية وإلى مجالس السّماع مِن صغرهم قبل تحصيل مبادئ العلوم الضّروريّة، فيبقون مِن أبعد خلق الله عن النّظر والتّبصر.. وإن كان بين هؤلاء مَن شُهر بالرّواية لكن لم يزالوا على عامّيّتهم لبعدهم عن أهل العلم، وعدم ممارستهم النّظر، وتعوّدهم أن يعيشوا أمّة وحدهم مغترّين بكثرة الملازمين لهم لتحمّل ما عندهم مِن الرّوايات».
وبعد أن أرسل الكوثريّ هذه الشّتائم إلى (الكثرة) من علماء الحديث، بل (غالبهم) غير متقيّد بأهل قرن مِن القرون؛ خَطَرَ على باله حينئذ خاطرٌ خبيث وهو أن يرمي ثمرتين بحجر واحد.
فيردّ على الأستاذ الإمام كلمةً له مشهورة في كتاب «الإسلام والنّصرانيّة» وأن ينتقم لمن ذمّهم الشّيخ محمّد عبده ممّن كان يجلّهم - رحمه الله - ويحترم مقامهم.
رأى الكوثريّ أنّ الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده يقول في غلمان التّرك الّذين استعجم الإسلام على أيديهم زمن الدّولة العبّاسيّة : «جاءوا إلى الإسلام بخشونة الجهل يحملون ألوية الظلم ، لبسوا الإسلام على أبدانهم ولم ينفذ منه شيء إلى وجدانهم، وكثير منهم كان يحمل إلهه معه يعبده في خلوته، ويصلّي مع الجماعات لتمكين سلطته، ثمّ عدا على الإسلام آخرون كالتّتار وغيرهم ومنهم من تولّى أمره. أيّ عدو لهؤلاء أشدّ من العلم الّذي يعرّف الناس منزلتهم، ويكشف لهم قبح سيرهم».
رأى الكوثريّ أنّ الأستاذ الإمام يقول ذلك في أجناد التّرك ومماليكهم زمن المعتصِم ومن بعده، فأراد أن ينتقم لهم مِن المحدّثين في الأقطار العربيّة فقال في هذه التّعليقات الخبيثة ذاكرًا (الكثرة) مِن أهل الحديث بل (غالبهم): «ولم يستأصل الإسلام من عقولهم بعدُ شَأْفَةَ نِحَلهم الّتي كانوا عليها قبل الإسلام[1] مِن يهوديّة بفلسطين[2]، ونصرانيّة بالشّام، ووثنيّة بالبادية، وصابئية بحرّان وواسط عبَدة الأَجْرَام العلوية وغيرها مِن قدماء المشبّهة، ظانِّين ما هم عليه هو الاعتقاد الصّحيح!!».
هذا بعض ما يقوله الكوثريّ في (غالب) علماء الحديث، وقد وقف حياته على البحث عمّا يقوله الخصوم في خصومهم ليُذيعه في هذه التّعليقات فيهدم حرمة الأئمّة مِن قلوب الأمّة.
وقد بلغ به الأمر أَن أقنع صديقنا الفاضل ناشرَ تعليقاته بأنّ في دار الكتب الظّاهريّة كتابًا بخـطّ شيخ الإسلام ابن تيميّة قال فيه بالتّجسيم.
ودار الكتب الظّاهريّة كان أبي (رحمه الله) أَمِينها، ونشأتُ منذ طفولتي بين جدرانها، وكان اثنان في دمشق يقرآن خطَّ شيخ الإسلام ابن تيميّة أحدهما كاتبُ هذه السّطور، والّذي طبع مِن كتبه نقلاً عن خطّه كان منقولاً، وأنا مِن أعرف النّاس بكتب ابن تيميّة المكتوبة بخطّه فقلت لصديقي: إن كان هذا موجودًا بخطّ ابن تيميّة فأنا مستعدٌّ لأعلن على رؤوس الأشهاد انضمامي إلى رأي الكوثريّ في هذه المسألة.
وأمّا إن عجزتم عن إظهار ذلك بخطّ شيخ الإسلام فيكفي أن تعلم أيّها الصّديق أنّك قد خُدعت، وأنّ هذه الفِرية فِرية شعوبيّ عدوّ لسلفنا معتدٍ على علمائنا يقول بقاعدة «الغاية تبرّر الواسطة».
ومِن أمثلة بغضه للسّلف أنّه لما أراد أن يكتب ترجمة الإمام ابن قتيبة في ثلاثة سطور لم يجد ما يقوله فيه غير هذه الكلمات: «هو صاحب التّصانيف أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أحد أئمّة الأدب، إخباريّ قليل الرّواية، قد يعتمد على التّشبيه على ما يرويه مِن كتب أهل الكتاب[3] ، يتّهم بالنّصب، كذّبه الحاكم ووثّقه غيره، مات عام ستّ وسبعين ومائتين».
فانظر إلى هذه الصّورة الكاذبة الّتي يصوّر الكوثريّ بها إمامًا عظيمًا كان خادمًا للقرآن مدافعًا عن سنّة أبي القاسم ﷺ، وسيلقى الله عزّ وجلّ وفي يده كتابٌ مِن تصنيفه في الرّدّ على المشبّهة يكذّب به هؤلاء المستجِيزين سبّه والافتراء عليه.
وحَسْبُ ابن قتيبة قول الخطيب البغداديّ فيه: «كان ثقة دينًا فاضلاً» وثناء العلماء عليه مِن أيّامه إلى عهد الحافظ الذّهبيّ القائل «ما علمتُ أحدًا اتّهمه في نقله»، ثمّ إلى زمان الجلال السّيوطيّ الّذي كان ممّن أحسن الثّناء عليه، بل حسْبُه أنّ أهل المغرب كانوا يقولون: «من استجاز الوقيعة في ابن قتيبة يُتّهم بالزندقة» ويقولون: «كلّ بيت ليس فيه شيءٌ مِن تصنيفه لا خير فيه».
إنّ ما يقوله الكوثريّ في علمائنا لو قال أقلّ منه طه حسين وسلامة موسى لأَقَمْنا القيامة عليهما، والمهمّة الّتي انتدب لها الكماليّون لا حاجة بها إلى من يكمّلها في بلاد لا تزال تعرف للسّلف أقدارهم وفضلهم».
الحواشي :
[1] (الشَّيخ سمير سمراد): - الكوثريّ يتكلّم عن علماء الحديث على اختلاف القرون، فلا ندري مَن هم المعنيّون بقوله: إنّ الإسلام لم يستأصل مِن عقولهم بَعْدُ شَأْفَة نِحَلهم الّتي كانوا عليها قبل الإسلام، فإن كان يعني من كان منهم قريب عهد بصدر الإسلام فهؤلاء هم التّابعون وتلك مصيبة، وإن كان يعني أهل القرن السّابع والثّامن المعاصرين للحافظ الشّرايحي؛ فكيف لم تكفِ السّبعة القرون والثّمانية القرون لتطهير الأوطان الإسلاميّة مِن شَأْفَة النِّحَل الّتي كانت فيها قبل الإسلام؟ أهذا هو البصر الّذي يفتخر به الكوثريّ على أئمّة الحديث.
[2] (الشَّيخ سمير سمراد): - وهذه جهالةٌ أخرى ففلسطين لمّا جاء الإسلام لم تكن ديارًا يهوديّة، بل لم يكن الرّومانيّون يجيزون لليهود يومئذٍ التّوطّن في فلسطين.
[3] (الشَّيخ سمير سمراد): - والعجب مِن الكوثريّ أنّه وضع علماء الحديث المنسوبين إلى العراق في صفّ الصّابئة وعبدة الأَجْرَام العلويّة، وابن قتيبة كان عراقيًّا، فما باله جعله تلميذ أهل الكتاب في التّشبيه، وهو لم يكن شاميًّا ولا فلسطينيًّا!
المصدر : موقع مصابيح العلم تحت إشراف : الشَّيخ سمير سمراد - حفظه الله