الفصل الثالث
ذكر ضلالات وشبه أهل الأهواء حول السنة قديماً ودحضها
لأهل الأهواء من المتكلمين وغيرهم شبه أثاروها ضدّ سنّة رسول الله ، وتهماً وجهوها ضد أصحاب رسول الله وضد أئمة الحديث، فتصدى لأباطيلهم وشبهاتهم وطعونهم عددٌ من أئمة الإسلام: كالإمام الشافعي، والإمام أحمد، وابن قتيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم.
ولقد رأيت الإمام ابن قتيبة أطال النفس في تصديه لهم، ونصّ على عدد من رؤوس أهل الضلال، وفنّد مطاعنهم؛ فآثرت أن أقدم للقراء بعض جهاده –رحمه الله- في كتابه "تأويل مختلف الحديث"
قال(1 ) – رحمه الله - "بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: أسعدك الله تعالى بطاعته، وحاطك بكلاءته، ووفقك للحق برحمته، وجعلك من أهله، فإنك كتبت إلىّ تعلمني ما وقفت عليه من ثلب أهل الكلام أهل الحديث وامتهانهم وإسهابهم في الكتب بذمهم ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض حتى وقع الاختلاف وكثرت النحل وتقطعت العصم وتعادى المسلمون وأكفر بعضهم بعضاً وتعلق كل فريق منهم لمذهبه بجنس من الحديث، فالخوارج تحتج بروايتهم " ضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم"( 2).
و" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم".
و "من قتل دون ماله فهو شهيد".
والقاعد يحتج بروايتهم" عليكم بالجماعة فإن يد الله عزّ وجل عليها".
و"من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".
و"اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدّع الأطراف"(3 )."
ثم ساق عدداً من الروايات الباطلة والروايات الصحيحة التي يرون أنها متناقضة، ويطعنون بالجميع في أصحاب رسول الله e وفي أهل الحديث، وفي هذا دلالة على ضلالهم وجهلهم، فالصحيح من الروايات غير متناقض، والباطل منها إنما هو من افتراءات أهل الأهواء، وقد بيّن ذلك أهل الحديث فلا وجه للطعن عليهم ".
ثم قال مبيناً حال أهل الكلام:
"( باب ذكر أصحاب الكلام وأصحاب الرأي).
1- قال أبو محمد: "وقد تدبرت -رحمك الله- مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون على الله ما لا يعلمون، ويفتنون الناس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس، وعيونهم تطرف على الأجذاع، ويتهمون غيرهم في النقل، ولا يتهمون آراءهم في التأويل.
ومعاني الكتاب والحديث، وما أودعاه من لطائف الحكمة وغرائب اللغـة، لا يدرك بالطفـرة والتولد والعرض والجوهر والكيفية والكمية والأينية( 4).
ولو ردوا المشكل منهما إلى أهل العلم بهما؛ وضح لهم المنهج، واتسع لهم المخرج.
ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة، وحب الأتباع، واعتقاد الإخوان بالمقالات والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضاً.
ولو ظهر لهم من يدعي النبوة -مع معرفتهم بأن رسول الله خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية- لوجد على ذلك أتباعاً وأشياعاً.
وقد كان يجب -مع ما يدعـونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر- أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون؛ لأن آلتهم لا تدل إلا على عدد واحد، وإلا على شكل واحد، وكما لا يختلف حذاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق.
لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد فما بالهم أكثر الناس اختلافاً، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين.
فـ"أبو الهذيل العلاف" يخالف "النظَّام" و"النجار" يخالفهما و"هشام بن الحكم" يخالفهم، وكذلك "ثمامة"، و"مويس"، و"هاشم الأوقص"، و"عبيدالله ابن الحسن"، و"بكر العمى"، و"حفص"، و"قبّة"، وفلان وفلان.
ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يدان برأيه، وله عليه تبع"( 5) .
2- قال أبو محمد: "لو كان اختلافهم في الفروع والسنن، لاتسع لهم العذر عندنا، وإن كان لا عذر لهم، مع ما يدعونه لأنفسهم كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة بهم.
ولكن اختلافهم، في التوحيد، وفي صفات الله تعالى، وفي قدرته، وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبيّ إلا بوحي من الله تعالى.
ولن يعدم هذا من رد مثل هذه الأصول إلى استحسانه ونظره وما أوجبه القياس عنده، لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم.
فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين، حتى يكون كل واحد منهما، يختار ما يختاره الآخر، ويرذل ما يرذله الآخر، إلا من جهة التقليد"( 6).
3- "ولو أردنا – رحمك الله – أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام، ونرغب فيهم، لخرجنا من اجتماع إلى تشتت، وعن نظام إلى تفرق، وعن أُنس إلى وحشة، وعن اتفاق إلى اختلاف، لأن أصحاب الحديث كلهم مجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون.
وعلى أنه خالق الخير والشر، وعلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وعلى أن الله تعالى يرى يوم القيامة، وعلى تقديم الشيخين، وعلى الإيمان بعذاب القبر، لا يختلفون في هذه الأصول، ومن فارقهم في شيء منها، نابذوه وباغضوه وبدعوه وهجروه.
وإنما اختلفوا في اللفظ بالقرآن، لغموض وقع في ذلك وكلهم مجمعون على أن القرآن بكل حال -مقروءاً ومكتوباً، ومسموعاً، ومحفوظاً- غيرُ مخلوق فهذا الإجماع"( 7).
4- "فإذا نحن أتينا أصحاب الكلام، لما يزعمون أنهم عليه من معرفة القياس، وحسن النظر، وكمال الإرادة، وأردنا أن نتعلق بشيء من مذاهبهم، ونعتقد شيئاً من نحلهم، وجدنا النظام شاطراً من الشطار، يغدو على سكر، ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش، والشائنات وهو القائل.
ما زلتُ آخذُ رُوح الزِق في لُطُف .... وأستبيحُ دماً من غير مجرُوحِ
حتى انثنيتُ وليِ روحان فيِ جسدي .... والزقُ مُطرحُ جسم بلا روحِ"(8 )
ثم ذكر من ضلالاته قوله: يجوز أن يجمع المسلمون جميعاً على الخطأ، وأنه طعن في حديث:" بعثت إلى الناس كافة"، وادعى أن كل نبي كذلك.
وحكى عنه أقوالاً باطلة في الطلاق والظهار والوضوء والطعن في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت بالتناقض في أقوال افتراها عليهم، والطعن في عبدالله بن مسعود -- وتكذيبه في حديث انشقاق القمر وحديث خلق الجنين في بطن أمه..." (9 )، وفيه: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها".
كما طعن في حذيفة --، وأبي هريرة --، وأن عمر وعثمان وعلياً وعائشة قد كذبوه.
وقد تابعه في الطعن في أبي هريرة أحمد أمين وأبو رية كافأهما الله بما يستحقان، وقد رد ابن قتيبة هذه الطعون( 10).
ثم ذكر بكراً صاحب الطائفة البكرية، وذكر من أقواله: أن من سرق حبة خردل ثم مات غير تائب فهو في النار مخلـد فيها أبداً مع اليهـود والنصارى، وذكر بعض ضلالاته ثم ناقشه فيها ( 11)، وذكر هشام بن الحكم وأنه كان رافضياً غالياً وأنه غال في الجبر. وذكر له شناعات أخرى (12 ).
ثم قال: " ثم نصير إلى ثمامة فنجده من رقة الدين وتنقص الإسلام والاستهزاء به وإرساله لسانه على ما لا يكون على مثله رجل يعرف الله تعالى ويؤمن به.
ومن المحفوظ عنه المشهور أنه رأى قوماً يتعادون يوم الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت الصلاة، فقال: انظروا إلى البقر انظروا إلى الحمير، ثم قال لرجل من إخوانه: ما صنع هذا العربي بالناس" (13 )، يعني: رسول الله فالرجل شعوبي حاقد على الإسلام ونبي الإسلام.
ثم ذكر محمد بن الجهم البرمكي، وذكر اشتغاله بكتب أرسطاطاليس في الكون والفساد والكيان وحدود المنطق بها يقطع دهره في ذلك. ويعارض رسول الله في عدد من الأحاديث فيقول بخلافها عمداً وعناداً ( 14).
ثم ذكر الجاحظ وتلاعبه إلى أن يعمل الشيء ونقيضه، ويحتج لفضل السودان علي البيضان.
وتجده مرة يحتج للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة، ومرة يفضل علياً –- ومرة يؤخره. ويعمل كتاباً يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز في الحجة كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون وتشكيك الضعفة من المسلمين.
وتجده يقصد في كتبه للمضاحيك والعبث، يريد بذلك استمالة الأحداث، وشراب النبيذ، ويستهزئ من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم، كذكره كبد الحوت، وقرن الشيطان، وذكر الحجر الأسود، وأنه كان أبيض فسوده المشركون، وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا، وذكر له مساوئ أخرى.
ثم قال: "وهو مع هذا من أكذب الأمة، وأوضعهم لحديث، وأنصرهم لباطل( 15)".
ثم قال: "وبلغني أن من أصحاب الكلام من يرى الخمر غير محرمة، وأن الله تعالى إنما نهى عنها على جهة التأديب كما قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ( الإسراء: 29 ).
ومنهم من يرى نكاح تسع، ومنهم من يرى شحم الخنـزير وجلده حلالاً ومنهم من يقول: إن الله لا يعلم شيئاً حتى يكون، ولا يخلق شيئاً حتى يتحرى، وذكر لهم آراء فاسدة، منها: اختلافهم في ثبوت الخبر إلى أقوال، منها أنه يثبت بعشرين رجلاً، ومنها أنه يثبت بسبعين بناء على استدلالات عجيبة ثم رد عليهم رداً علمياً جيداً.
وذكر لهم تفاسير للقرآن عجيبة يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم.
وذكر أنه أعجب من تفسيرهم تفسير الرافضة وما يدعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من الجفر، وفسّر الجفر بأنه جلد جفر ادّعوا أنه كتب لهم فيه الإمام كل ما يحتاجون إلى علمه وكل ما يكون إلى يوم القيامة.
وقولهم في قول الله عز وجل: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ( النمل: 16 ). إنّه الإمام ورث علم النبي ، وقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ( البقرة: 67 )، إنّها عائشة، وقوله: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ( البقرة: 73)، إنّه طلحة والزبير.
وقولهم في الخمر والميسر: إنهما أبو بكر وعمر.
والجبت والطاغوت: إنهما معاوية وعمرو"، ثم قال: "مع عجائب أرغب عن ذكرها".
ثم ذكر بعض فرقهم، ثم قال: "ولا نعلم في أهل البدع والأهواء أحد ادّعى الربوبية لبشر غيرهم وذكر أن ابن سبأ فعل ذلك" ( 16).
ذكر هذه الفرق ورؤسها ليبين ضلالهم ومنها طعنهم في سنة رسول الله وأصحابه وقد ناقش ضلالاتهم خلال هذه الصفحات وفيما بقي من كتابه رحمه الله ، وقد ورثهم أقوام في هذه الضلالات سيأتي ذكر بعضهم ومناقشتهم إن شاء الله.
ثمّ ذكر أهل الحديث وفضائلهم فقال: "فأما أصحاب الحديث، فإنهم التمسوا الحق من جهته وتتبعوه من مظانّه، وتقربوا من الله باتباعهم سنن رسول الله وطلبهم لآثاره وأخباره براً وبحراً وشرقاً وغرباً يرحل الواحد منهم راجلاً مقوياً( ) في طلب الخبر الواحد أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة، ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي"( 17).
ثم ضرب عدداً من الأمثلة لأحاديث موضوعة كيف ردوها ونصوا على واضعيها، وذكر أحاديث صحيحة كشف وجوه إشكالها وبين مخارجها على طريق أهل العلم الراسخين.
ثم واصل بحثه في رد الأباطيل وبيان مخارج الأحاديث وصحة معانيها ورداً لمطاعن الزنادقة والمنحرفين عن النهج القويم، ومنها أحاديث باطلة تعلق بها أبو رية وأمثاله للطعن في السنة، ومنها أحاديث صحيحة هوش عليها النظام وأمثاله.
وقد تصدى للرد على هؤلاء المرجفين على سنة رسول الله الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة" تحت عنوان "الحجة في تثبيت خبر الواحد" ذكر فيه حججاً كثيرة توجب قبول خبر الواحد العدل، ثم قال -رحمه الله تعالى-:"وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها، ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل، وكذلك حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان وذكر أهل المدينة، ومنهم: سعيد بن المسيب وعروة والقاسم بن محمد وعدد آخرين منهم.
وذكر من أهل مكة: عطاء، وطاووساً، ومجاهداً، وابن أبي مليكة، وعكرمة ابن خالد.
ومن أهل اليمن: وهب بن منبه، ومكحولاً، وعبد الرحمن بن غنم بالشام، والحسن، وابن سيرين بالبصرة.
وعلقمة والأسود والشعبي بالكوفة، ومحدثي الناس وأعلامهم بالأمصار كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله والانتهاء إليه والإفتاء به، ويقبله كل واحد منهم عمن فوقه ويقبله عنه من تحته.
ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي.
ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد"( 18).
وفي كتاب "جُـمّاع العلم"(19 ) حيث ناظر رؤوس منكري السنة بحضور عدد من هذه الفئة الضالّة التي ترد الأخبار كلّها فدحض أباطيلهم وشبهاتهم بردود قوية وحجج دامغة تبين منـزلة الرسول الكريم ومنـزلة سنته وتدحض أباطيل هؤلاء المرجفين المعارضين وتثبت حجية السنة النبوية.
كما ناقش في كتابه "جُمّاع العلم"(20 ) -أيضاً- فئة أخرى ترد أخبار الآحاد بحجج بيّنة واضحة قويّة.
كما تصدى لهم الإمام عثمان بن سعيد الدارمي -رحمه الله- في كتابه "الرد على بشر المريسي"( 21)، فقد ضمَّن هذا الكتاب الردّ على تحريفهم وتعطيلهم لصفات الله كاستواء الله على عرشه وتأويل الوجه واليدين والسمع والبصر وإنكار رؤية الله في الآخرة.
ثم دلف إلى الحثّ على طلب الحديث، والرد على من زعم أنه لم يكتب على عهد النبي وأصحابه، والذب عن الصحابة وأصحاب الحديث وأهل السنة وفضّلهم على غيرهم، والذب عن أبي هريرة ، والذب عن معاوية وعبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهم-.
والذابون عن السنة والصحابة وأهل الحديث لا يحصون في قديم الزمان وحديثه وإنما نذكر في هذا البحث من ذلك ما يتيسر لنا ذكره.
كما نذكر من خصوم السنة وأهلها ما يتيسر لنا ذكره مع دحض أباطيلهم وجهالاتهم.
www.al-sunan.org/vb/showthread.php?t=281