قال الشيخ العباد – حفظه الله -: ( وإلزام من يلقاه بأن يكون له موقف ممن لا يؤيده ، فإن لم يفعل بدعه تبعاً لتبديع الطرف الآخر ، وأتبع ذلك بهجره ، ... ) ص 46.
وقال أيضا في ص 52: ( لا يجوز أن يمتحن أي طالب علم غيره بأن يكون له موقف من فلان المردود عليه أو الراد ، فإن وافق سلم ، وإن لم يوافق بدع وهجر ، ... قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/413-414) : في كلام له عن يزيد بن معاوية : " والصواب هو ما عليه الأئمة ، من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن ، ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً فالله يغفر للفاسق والظالم ، ولا سيما إذا أتى بحسنات عظيمة ، وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له "، وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية ، وكان معه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ...فالواجب الاقتصاد في ذلك ، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين به ؛ فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة ". )
ــــــــــــــــــــــ
الـتـعـلـيق
لعل كلام الشيخ عبد المحسن العباد - حفظه الله - في ذم امتحان الناس بالأشخاص يحمل على من امتحن الناس برجل تكلم بعض علماء أهل السنة في عدالته بمعنى أنهم اختلفوا فيه جرحا وتعديلا ، وليس المراد به ذم ممتحن الناس بحب عالم سني سلفي أثري اشتهر بالرد على أهل البدع والأهواء ، هذا من باب إحسان الظن بالشيخ – حفظه الله – وحملا لكلامه على أحسن محامله .
قال ابن القيم – رحمه الله – في معرض رده على شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري : ( شيخ الإسلام حبيب إلينا . والحق أحب إلينا منه . وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك . ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله . ثم نبين ما فيه .)(1).
وسبب حملي لكلام الشيخ العباد - حفظه الله - على ما تقدم ما يلي :
1- أنه من المستبعد أن يخفى على الشيخ العباد - يحفظه الله - ما تواتر عن السلف في امتحان الناس بمحبة بعض أئمة السنة كالإمام أحمد بن محمد بن حنبل - رحمه الله - وغيره ، وأنهم جعلوه من شعار أهل الحديث ومن العلامات الواضحة للسني ، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مفصلا – إن شاء الله - .
2- عنوان الكتاب وتخصيصه لأهل السنة بذلك ، ويؤيد ذلك الفتوى المفسرة لمقصوده في الكتاب حيث صرح فيها بأنه يريد أهل السنة السلفيين .
3- أن هذا من حسن الظن بالشيخ العباد - حفظه الله - ووجد من كلامه في الكتاب ما يسوغ حسن الظن به في هذه المسألة .
4- أن الشيخ العباد - حفظه الله - نقل كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فيه عدم امتحان الناس بمحبة يزيد أو لعنه وأن ذلك بدعة وهو كلام صحيح لا غبار عليه ؛ وذلك لأن علماء أهل السنة اختلفوا في حكم لعن يزيد اختلافا أدى إلى نفرة وتهاجر فيما بينهم فقد ذكر ابن رجب - رحمه الله - في ترجمة عبد المغيث بن زهير الحربي - رحمه الله - أن ابن القطيعي قال : ( كان أحد المحدثين [ يعني عبد المغيث ] مع صلابته في الدين ، واشتهاره بالسنة وقراءة القرآن . وجرت بينه وبين صاحب المنتظم - يعني : أبا الفرج بن الجوزي - نفرةكان سببها الطعن على يزيد بن معاوية . وكان عبد المغيث يمنع من سبه .
وصنف في ذلك كتابا ، وأسمعه . وصنف الآخر كتابا سماه " الرد على المتعصب العنيد ، المانع من ذم يزيد "... ومات عبد المغيث وهما متهاجران .
قلت ( ابن رجب ) : هذه المسألة وقع بين عبد المغيث وابن الجوزي بسببها فتنة ، ويقال : أن عبد المغيث تتبع أبا الحسن بن البنا ، فقيل : أنه صنف في منع ذم يزيد ولعنه ، وابن الجوزي صنف في جواز ذلك . وحكي فيه : أن القاضي أبا الحسن صنف كتابا فيمن يستحق اللعن ، وذكر منهم يزيد )(2).
وقال الحافظ عبد الغني - رحمه الله -: ( وسئل عن يزيد بن معاوية ؟
فأجاب : خلافته صحيحة قال : وقال بعض العلماء : بايعه ستون من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، منهم ابن عمر .
وأما محبته : فمن أحبه فلا ينكر عليه ، ومن لم يحبه فلا يلزمه ذلك … وإنما يمنع من التعرض للوقوع فيه ؛ خوفا من التسلق إلى أبيه ، وسدا لباب الفتنة . )(2).
ويقاس على كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - الكلام في العلماء الذين وقع لهم أخطاء في العقائد كالبيهقي والنووي وابن حجر - رحمهم الله - إذ لم نعلم بقيام الحجة عليهم بل ووجدنا علماء السلف المتأخرين عنهم يثنون عليهم ويستفيدون من مؤلفاتهم مع التنبيه على الأخطاء التي وقعوا فيها .
وقد نبتت نابتة شر وفتنة على المسلمين فخالفت سبيل المؤمنين ( وهم
الحدادية ) فامتحنوا الناس بتبديع البيهقي والنووي وابن حجر - رحمهم الله - ومنعوا الترحم عليهم .
فقيض الله لكشف ضلالهم وبيان زيغهم حامل لواء الجرح والتعديل العلامة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله وبارك في عمره ووقته - وغيره من مشايخ الدعوة السلفية فانقشعت فتنتهم وأدبر زمنهم وكانت العاقبة لأهل السنة بفضل الله ومنته .
ولعل بعد هذا يتبين لكل ذي عينين أن أولى ما يحمل عليه كلام الشيخ العباد - حفظه الله - على طائفتين :
1- على من امتحن الناس بمحبة أبي الحسن المأربي فإن لم يقر بمحبته فهو حدادي .
2- على من امتحن الناس بتبديع أبي الحسن المأربي فإن لم يبدعه فهو مأربي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) مدارج السالكين ( 2/ 38)
2) ذيل طبقات الحنابلة ( 3/356).
3) ذيل طبقات الحنابلة ( 4/34).
نقلا عن كتاب " تأملات في كتاب رفقا أهل السنة بأهل السنة "
للشيخ مليحان بن مرهج الفايد العوني