منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام

آخر المشاركات التحذير من القارئ عبد الباسط عبد الصمد (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          ملف ديني متنوع للتحميل (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          وفاة الشيخ الجزائري السلفي أزهر سنيقرة (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          شرك الشيعة الروافض في الرخاء والشدة (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          ترامب أرجعهم لتوحيد الله تعالى (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          حقيقة الشيعة وخطرهم على الإسلام والمسلمين (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          استفسار بخصوص أبي ليلى الأثري الذي لازم الشيخ الألباني سنين طويلة ويظهر صوته في تسجيلاته (الكاتـب : أبو عبد الله الأثري - آخر رد : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          الرد على الفارغ المتكبر خليل بن محمد المطيري العربي كفانا الله شره وغباءه (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          تعليق على الوغد المفتري المزكي لرأس فتنة الصعافقة الغوي المُحْدِث عبد الله بن عبدالرحيم البخاري... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من أدلة وحجج ضلال الصعافقة ونشرهم الفتن: ما نشره بعض أفراخ الخوارج في عدن عن مجاهيل فرنساويين... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-13-2010, 06:26 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي السبيل الأمثل في الدعوة إلى الله

السبيل الأمثل في الدعوة إلى الله

--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم


السبيل الأمثل في الدعوة إلى الله لسماحة الشيخ بن باز رحمه الله


رسالتان عن السبيل الأمثل للدعوة لله عز وجل، وعن السبيل الأمثل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . الرسالتان يذكر أصحابهما : أنهم يلاحظون أخطاء كثيرة من المسلمين ويتألمون لما يرون ويتمنون أن لو كان في أيديهم شيء لتغيير المنكر ويرجون التوجيه.


الجواب :

الله عز وجل قد بين طريق الدعوة، وماذا ينبغي للداعي، فقال سبحانه وتعالى : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي[1]، فالداعي إلى الله يجب أن يكون على علم وبصيرة بما يدعو إليه، وفيما ينهى عنه، حتى لا يقول على الله بغير علم، ويجب الإخلاص لله في ذلك، لا إلى مذهب، ولا إلى رأي فلان أو فلان . ولكنه يدعو إلى الله يريد ثوابه ومغفرته، ويريد صلاح الناس، فلا بد أن يكون على إخلاص وعلى علم، وقال عز وجل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[2]، فهذا بيان كيفية الدعوة، وأنها تكون بالحكمة أي بالعلم (قال الله، وقال الرسول) سمي العلم بالحكمة؛ لأنه يردع عن الباطل، ويعين على اتباع الحق . ويكون مع العلم موعظة حسنة، وجدال بالتي هي أحسن، عند الحاجة إلى ذلك؛ لأن بعض الناس قد يكفيه بيان الحق بأدلته، لكونه يطلب الحق فمتى ظهر له قبله، فلا يكون في حاجة إلى الموعظة، وبعض الناس يكون عنده بعض التوقف وبعض الجفاء، فيحتاج إلى الموعظة الحسنة . فالداعي إلى الله يعظ ويذكر بالله متى احتاج إلى ذلك مع الجهال والغافلين، ومع المتساهلين حتى يقتنعوا ويلتزموا بالحق، وقد يكون المدعو عنده بعض الشبهات، فيجادل في ذلك، ويريد كشف الشبهة، فالداعي إلى الله يوضح الحق بأدلته، ويجادله بالتي هي أحسن؛ لإزاحة الشبهة بالأدلة الشرعية، لكن بكلام طيب، وأسلوب حسن، ورفق، لا بعنف وشدة، حتى لا ينفر المدعو من الحق، ويصر على الباطل، قال الله عز وجل: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[3]، وقال الله لما بعث موسى وهارون إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[4]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه)) ويقول صلى الله عليه وسلم : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)).
فالداعي إلى الله عز وجل عليه أن يتحرى الحق، ويرفق بالمدعو، ويجتهد في الإخلاص لله، وعلاج الأمور بالطريقة التي رسمها الله وهي الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وأن يكون في هذا كله على علم وبصيرة حتى يقنع الطالب للحق، وحتى يزيح الشبهة لمن عنده شبهة، وحتى يلين القلوب لمن عنده جفاء وإعراض وقسوة، فإن القلوب تلين بالدعوة إلى الله، والموعظة الحسنة وبيان ما عند الله من الخير لمن قبل الحق، وما عليه من الخطر، إذا رد الدعوة التي جاءت بالحق، إلى غير هذا من وجوه الموعظة .
وأما أصحاب الحسبة وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فعليهم أن يلتزموا بالآداب الشرعية، ويخلصوا لله في عملهم، ويتخلقوا بما يتخلق به الدعاة إلى الله من حيث الرفق وعدم العنف، إلا إذا دعت الحاجة إلى غير ذلك من الظلمة والمكابرين والمعاندين فحينئذ تستعمل معهم القوة الرادعة لقول الله سبحانه : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ[5]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) خرجه مسلم في صحيحه.
أما غيرهم فيعامل في إنكار المنكر والدعوة إلى المعروف بمثل ما يفعل الداعي: ينكر المنكر بالرفق والحكمة، ويقيم الحجة على ذلك حتى يلتزم صاحب المنكر بالحق، وينتهي عما هو عليه من الباطل، وذلك على حسب الاستطاعة، كما قال الله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[6]، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق : ((من رأى منكم منكرا الحديث)).
ومن الآيات الجامعة في ذلك قول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[7]، وقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [8]، وقد توعد الله سبحانه من ترك ذلك، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، حيث قال في كتابه الكريم في سورة المائدة: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[9].
فالأمر عظيم والمسئولية كبيرة، فيجب على أهل الإيمان وأهل القدرة من الولاة والعلماء وغيرهم من أعيان المسلمين الذين عندهم قدرة وعلم أن ينكروا المنكر ويأمروا بالمعروف، وليس هذا لطائفة معينة، وإن كانت الطائفة المعينة عليها واجبها الخاص، والعبء الأكبر، لكن لا يلزم من ذلك سقوطه عن غيرها، بل يجب على غيرها مساعدتها، وأن يكونوا معها في إنكار المنكر، والأمر بالمعروف حتى يكثر الخير ويقل الشر، ولا سيما إذا كانت الطائفة المعينة لم تقم بالمطلوب ولم يحصل بها المقصود، بل الأمر أوسع، والشر أكثر، فإن مساعدتها من القادرين واجبة بكل حال.
أما لو قامت بالمطلوب وحصل بها الكفاية فإنه يسقط بها الوجوب عن غيرها في ذلك المكان المعين أو البلد المعين؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإذا حصل بالمعينين أو المتطوعين المطلوب من إزالة المنكر والأمر بالمعروف صار في حق الباقين سنة، أما المنكر الذي لا يستطيع أن يزيله غيرك لأنك الموجود في القرية أو القبيلة أو الحي وليس فيها من يأمر بالمعروف فإنه يتعين عليك إنكار المنكر والأمر بالمعروف ما دمت أنت الذي علمته، وأنت الذي تستطيع إنكاره، فإنه يلزمك، ومتى وجد معك غيرك صار فرض كفاية، من قام به منكما حصل به المقصود، فإن تركتماه جميعا أثمتما جميعا.
فالحاصل أنه فرض على الجميع فرض كفاية، فمتى قام به من المجتمع أو القبيلة من يحصل به المقصود سقط عن الباقين . وهكذا الدعوة إلى الله متى تركها الجميع أثموا، ومتى قام بها من يكفي دعوة وتوجيها وإنكارا للمنكر صارت في حق الباقين سنة عظيمة؛ لأنه اشتراك في الخير وتعاون على البر والتقوى.
--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة يوسف الآية 108.
[2] سورة النحل الآية 125.
[3] سورة آل عمران الآية 159.
[4] سورة طه الآية 44.
[5] سورة العنكبوت الآية 46.
[6] سورة التغابن الآية 16.
[7] سورة التوبة الآية71.
[8] سورة آل عمران الآية 110.
[9] سورة المائده الآية 78-79.


مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الرابع
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-13-2010, 06:27 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم


التدرج في الدعوة لفضيلة الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله



السؤال: بعض أهل العلم قال : إن من فقه الخلاف أنه إذا نزل المرء على أهل بلد وهو مخالف لمذهبهم في مسألة من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف أن ينزل على رأيهم منعا للتلبيس على العامة، فما مدى صحة هذا القول وجزاكم الله خيرا ؟


الـجــواب:

يرى ابن تيمية رحمه الله أنّ من مصلحة الدعوة أنك تتنازل عن سنة ولا تتشدد فيها حتى تتجاوز مرحلة يمكن أن يقبلوا منك تطبيق هذه السنة - رحمه الله - .
وقد يضرب مثلا لهذا : أن الرسول عليه الصلاة والسلام ترك هدم الكعبة لأجل المصلحة ودرء المفسدة عليه الصلاة والسلام؛ هذا أمر مطلوب ومع ذلك لدفع المفاسد التي تترتب على هدمها وبنائها؛ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام قال لعائشة : ( يا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لها بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا وَزِدْتُ فيها سِتَّةَ أَذْرُعٍ من الْحِجْرِ فإن قُرَيْشًا اقْتَصَـرَتْهَا حَيْثُ بَنَتْ الْكَعْبَةَ ).

ففقه الحديث أننا إذا رأينا عملا من السنن يترتب عليه مفسدة حتى لو كان واجبا؛ كالأمر بالمعروف؛ الأمر بالمعروف واجب وأصل من أصول الإسلام؛ إذا كان نهيك عن هذا المنكر يؤدي إلى مفسدة أعظم فلا يجوز لك أن تنكر لأنه يؤدي إلى مفسدة أعظم .
الشاهد : أن الدعوة تحتاج إلى حكمة وتحتاج إلى علم : ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ولهذا الله سبحانه وتعالى تدرج بالأمة في التشريع؛ ما حرم الخمر إلا في الأخير وتدرج في تحريمه، وما حرم الربا إلا في الأخير، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية : الداعية إلى الله في بلد فاسد لا مانع أن يتدرج؛ يتدرج في الدعوة، لا يأتي بالإسلام كله يصبّه على شعب منحرف .
لا تأتي إلى شعب رافضي، شعب صوفي غال في القبورية، وتطالبهم بالسنن وهم واقعون في الضلالات والشركيات ! ابدأ بالدعوة إلى التوحيد وإقامة الواجبات، وإذا عندهم مخالفات في السنن؛ بعدما تقطع هذه المراحل ادخل في تعليمهم السنن .

.....................

أخرجه مسلم برقم: ( 1333)






المصدر
http://www.rabee.net/show_fatwa.aspx?id=207
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-13-2010, 06:28 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

الاعتدال في الدعوة لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيسرني أن التقي بكم هذا اللقاء في موضوع هام يهم جميع المسلمين ألا وهو الدعوة إلى الله عز وجل.

قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(1)، والاستفهام في الآية بمعنى النفي أي لا أحسن قولاً.

والغرض من الإتيان بالاستفهام في موضع النفي إفادة أمرين:

الأول: انتفاء هذا الشيء.

الثاني: تحدي المخاطب أن يأتي به، فالاستفهام مشرباً معنى التحدي أي إذا كان عندك شيء أحسن من هذا فأت به، ولكننا نقول لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين.

والدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى شريعة الله الموصلة إلى كرامته. ودعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، تدور على ثلاثة أمور:

أولاً: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.

ثانياً: معرفة شريعته الموصلة إلى كرامته.

ثالثاً: معرفة الثواب للطائعين والعقاب للعاصين.

والدعوة إلى الله تعالى أحد أركان الأعمال الصالحة التي لا يتم الربح إلا بها كما قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ . وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

فإن التواصي بالحق يلزم منه الدعوة إلى الحق، والتواصي بالصبر يلزم منه الدعوة إلى الصبر على دين الله – عز وجل – في أصوله وفروعه.

إن الدعوة إلى الله – عز وجل – صارت الآن وما زالت بين طرفين ووسط.

أما الطرفان فجانب الإفراط، بحيث يكون الداعية شديداً في دين الله يريد من عباد الله – عز وجل – أن يطبقوا الدين بحذافيره ولا يتسامح عن شيء الدين يسمح به، بل إنه إذا رأى من الناس تقصيراً حتى في الأمور المستحبة تأثر تأثراً عظيماً وذهب يدعو هؤلاء القوم المقصرين دعاء الغليظ الجافي وكأنهم تركوا شيئاً من الواجبات ومن الأمثلة على ذلك:

* المثال الأول: رجل رأى جماعة من الناس لا يجلسون عند القيام إلى الركعة الثانية أو عند القيام إلى الركعة الرابعة، وهي التي تسمى عند أهل العلم جلسة الاستراحة، هو يرى أنها سنة ومع ذلك إذا رأى من لا يفعلها اشتد عليه وقال لماذا لا تفعلها؟ ويتكلم معه تكلم من يظهر من كلامه أنه يقول بوجوبها، مع أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن هذه الجلسة ليست بواجبة وأن خلاف العلماء فيها دائر بين ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنها مستحبة على الإطلاق.

القول الثاني: ليست مستحبة على الإطلاق.

القول الثالث: أنها مستحبة لمن كان يحتاج إليها حتى لا يشق على نفسه كالكبير والمريض ومن في ركبه وجع وما أشبه ذلك.

فيأتي بعض الناس ويشدد فيها ويجعلها كأنها من الواجبات.

* المثال الثاني: بعض الناس يرى شخصاً إذا قام بعد الركوع ووضع يده اليمنى على اليسرى قال أنت مبتدع لابد أن تسدل يديك فإن وضعتهما على الصدر فإن ذلك من البدع والمنكرات، مع أن المسألة مسألة اجتهادية، وقد يكون الدليل مع من قال: إن اليدين توضعان بعد الركوع على الصدر كما توضعان قبله أيضاً على الصدر؛ لأن هذا هو مقتضى الحديث الذي رواه البخاري عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة".

* المثال الثالث: كذلك بعض الناس ينكر على من يصلي إذا تحرك أدنى حركة وإن كانت هذه الحركة مباحة وقد ورد في السنة ما هو مثلها أو أكثر فتجده ينكر عليه الإنكار العظيم، حتى إنه يجعل هذا الأمر هو محل الانتقاد في هؤلاء القوم مع أنها حركة مباحة جائزة ورد نظيرها أو ما هو أكثر منها في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا تشديد، وكان أبو جحيفة – رضي الله عنه – ذات يوم يصلي وقد أمسك زمام فرسه بيده فتقدمت الفرس فذهب رضي الله عنه، وهو يصلي يسايرها شيئاً فشيئاً حتى انتهى من صلاته فرآه رجل من طراز هذا المتشدد، فجعل يقول انظروا إلى هذا الرجل، انظروا إلى هذا الرجل، انظروا إلى هذا الرجل – وأبو جحيفة صحابي جليل، رضي الله عنه – فلما سلم أبو جحيفة بين لهذا الرجل أن مثل هذا العمل جائز وأنه لو ترك فرسه لذهبت ولم يحصل عليها إلى الليل، فانظر إلى الفقه في الشريعة والتسامح والتيسير فيها.

وهذا النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يصلي بأصحابه وهو يحمل إمامة بنت زينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم – يعني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جد هذه الطفلة – فكان يصلي بالناس يحمل هذه الطفلة إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، صلى الله عليه وسلم، هذا فيه حركة، وفيه ملاطفة للطفلة، وفيه أنه يؤم الناس فقد يلتفت بعضهم لينظر ماذا كان للنبي، صلى الله عليه وسلم، مع هذه الطفلة ومع ذلك فالنبي، صلى الله عليه وسلم، وهو أتقى الناس لله – عز وجل – وأعلمهم بما يتقي كان يفعل ذلك.

* ومثال آخر: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسألوا عن عمله في السر، فأخبروا بذلك فتقالوا عمل النبي، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن النبي، صلى الله عليه وسلم، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ولكن نحن بحاجة إلى عمل أكثر ليغفر الله لنا ذنوبنا، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر. وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام. وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، فبلغ قولهم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: "أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" هذا كله يدل على أنه لا ينبغي لنا بل لا يجوز لنا أن نغلو في دين الله سواء في دعاء غيرنا إلى دين الله، أو في أعمالنا الخاصة بنا، بل نكون وسطاً مستقيماً كما أمرنا الله تعالى بذلك، وكما أمر بذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فالله – عز وجل – يقول: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(2)، والنبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم" وأخذ حصيات وهو في أثناء مسيره من مزدلفة إلى منى أخذ حصيات بكفه وجعل يقول: "يا أيها الناس بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين".

* وضد ذلك: من يتهاون في الدعوة إلى الله – عز وجل – فتجده يرى الفرص مواتية والمقام مناسباً للدعوة إلى الله ولكن يضيع ذلك، تارة يضيعه لأن الشيطان يملي عليه أن هذا ليس وقتاً للدعوة، أو أن هؤلاء المدعوين لن يقبلوا منك، أو ما أشبه ذلك من المثبطات التي يلقيها الشيطان في قلبه فيفوت الفرصة على نفسه.

وبعض الناس إذا رأى مخالفاً له بمعصية بترك أمر أو فعل محظور كرهه واشمأز منه وابعد عنه، وأيس من إصلاحه وهذه مشكلة والله سبحانه وتعالى بين لنا أن نصبر وأن نحتسب قال الله تعالى لنبيه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)(3). فالإنسان يجب عليه أن يصبر ويحتسب ولو رأى على نفسه شيئاً من الغضاضة فليجعل ذلك في ذات الله عز وجل، والنبي، صلى الله عليه وسلم، عندما أدميت إصبعه في الجهاد قال هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت.

وهذا عكس الأول حتى إن هذا ليرى الأمر بعينه ويسمعه بأذنه يجد هذا الأمر المخالف لشريعة الله ولا يدع الناس إلى الاستقامة وعدم معصية الله – عز وجل – ومخالفته، بل إنا نسمع أن بعض الناس يقول:

يجب أن تجعل الأمة الإسلامية التي تنتسب إلى الإسلام وتتجه في صلاتها إلى القبلة يجب أن تكون طائفة واحدة غير متميزة، لا يفرق بين مبتدع وصاحب سنة، وهذا لا شك خطأ وخطل وخطر؛ لأن الحق يجب أن يميز عن الباطل، ويجب أن يميز أصحاب الحق عن أصحاب الباطل حتى يتبين، أما لو اندمج الناس جميعاً وقالوا نعيش كلنا في ظل الإسلام وبعضهم على بدعة قد تخرجه من الإسلام فهذا لا يرضى به أحد ناصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.

ويوجد أناس يستطيعون الدعوة إلى الله لما عندهم، من العلم والبصيرة ويشاهدون الناس يخلون في أشياء ولكن يمنعهم خوف مسبة الناس لهم أو الكلام فيهم أن يقولوا الحق فتجدهم يقصرون ويفرطون في الدعوة إلى الله – عز وجل-. وهؤلاء إذا نظروا إلى القوم الوسط الذين تمسكوا بدين الله على ما هو عليه إذا رأوهم قالوا: إن هؤلاء لضالون، إن هؤلاء لمتعمقون، إن هؤلاء لمتشددون متنطعون، مع أنهم على الحق.

وإذا نظر إليهم المفرطون الغالون قالوا أنتم مقصرون لم تقوموا بالحق ولم تغاروا لله – عز وجل -، ولهذا يجب أن لا نجعل المقياس في الشدة واللين هو ما تمليه علينا أهواؤنا وأذواقنا، بل يجب أن نجعل المقياس هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، وهدي أصحابه، والنبي، صلى الله عليه وسلم، رسم لنا هذا بقوله وبفعله وبحاله، صلى الله عليه وسلم، رسمه لنا رسماً بيناً، فإذا دار الأمر بين أن اشتد أو اتيسر بمعنى أنني كنت في موقف حرج لا أدري الفائدة في الشدة أم الفائدة في التيسير والتسهيل فأيهما أسلك؟ أسلك طريق التيسير لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الدين يسر" ولما بعث معاذاً أو أبا موسى الأشعري إلى اليمن قال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا" ولما مر يهودي بالنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال السام عليكم يا محمد – يريد الموت عليك لأن السام بمعنى الموت – وكان عند النبي، صلى الله عليه وسلم، عائشة رضي الله عنها فقالت "عليك السام واللعنة" فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام، "إن الله رفيق يحب الرفق وإن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف"، فإذا أخذنا بهذا الحديث في الجملة الأخيرة منه: "إن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف" عرفنا أنه إذا دار الأمر بين أن استعمل الشدة أو استعمل السهولة كان الأولى أن استعمل السهولة ثقة بقول الرسول، عليه الصلاة والسلام: "إن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف" ومن أراد أن يفهم هذا الأمر فليجرب، لأنك إذا قابلت المدعو بالشدة إشمأز ونفر وقابلك بشدة مثلها، إن كان عامياً قال عندي علماء أعلم منك، وإن كان طالب علم ذهب يجادلك حتى بالباطل الذي تراه مثل الشمس وهو يراه مثل الشمس ولكنه يأبى إلا أن ينتصر لنفسه، لأنه لم يجد منك رفقاً وليناً، ودعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. والحق لا يخفى إلا على أحد رجلين: إما معرض وإما مستكبر، أما من أقبل على الحق بإذعان وانقياد فإنه بلا شك سيوفق له.

ومن التطرف ما يكون من الآباء والأمهات في زمننا هذا حين صار الشباب – ولله الحمد – من ذكور وإناث عندهم اتجاه إلى العمل بالسنة بقدر المستطاع، صار بعض الآباء والأمهات يضايقون هؤلاء الشباب من بنين وبنات في بيوتهم، وفي أعمالهم حتى إنهم لينهونهم عن المعروف مع أنه لا ضرر على الآباء في فعله ولا ضرر على الأبناء أو البنات في فعل هذا المعروف، كمن يقول لأولاده لا تكثروا النوافل لا تصوموا البيض، أو الاثنين، أو الخميس، أو ما أشبه ذلك، مع أن هذا لا يضر الوالدين شيئاً ولا يحول دون قضاء حوائجهما، وليس بضار على الابن في عقله، أو بدنه، أو في دروسه ولا على البنت كذلك. وأنا أخشى على هؤلاء القوم أن يكون هذا النهي منهم لأولادهم كراهة للحق والشريعة وهذا على خطر، فالذي يكره الحق أو الشريعة ربما يؤدي به ذلك إلى الردة لأن الله تعالى يقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)(4)، ولا تحبط الأعمال إلا بردة عن الإسلام كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(5) هذا مثال من الشدة في أولياء الأمور.

أما بالنسبة للأولاد من بنين أو بنات إذا كانوا متمشين في منهاجهم وسيرهم على شريعة الله فليسوا في شدة.

* وهناك في المقابل من يكون شديداً من الأولاد بنين وبنات عل أهله بحيث لا يتسع صدرهم لما يكونون عليه من الأمور المباحة فتجده يريد من أبيه أو أمه أو إخوته أو أخواته أن يكونوا على المستوى الذي هو عليه من الالتزام بشريعة الله، وهذا غير صحيح، الواجب عليك إذا رأيتهم على منكر أن تنهاهم عن المنكر، أما إذا رأيتهم قد قصروا في أمر يسعهم التقصير فيه كترك بعض المستحبات فإنه لا ينبغي لك أن تشتد معهم، وكذلك في بعض الأمور الخلافية يجب عليك إذا كانوا مستندين إلى رأي أحد من أهل العلم أن لا تضيق بهم ذرعاً وأن لا تشتد عليهم.

فالذي ينبغي للإنسان سواء كان داعية لغيره إلى الله أم متعبداً لله أن يكون بين الغلو والتقصير مستقيماً على دين الله – عز وجل – كما أمر الله – عز وجل – بذلك في قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)(6).

وإقامة الدين الإتيان به مستقيماً على ما شرعه الله – عز وجل -، ولا تتفرقوا فيه نهى عن ذلك سبحانه وتعالى لأن التفرق خطره عظيم على الأمة أفراداً وجماعات.

والتفرق أمر مؤلم ومؤسف لأن الناس إذا تفرقوا كما قال الله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم)(7)، فإذا تفرق الناس وتنازعوا فشلوا وخسروا وذهبت ريحهم ولم يكن لهم وزن وأعداء الإسلام ممن ينتسبون للإسلام ظاهراً، أو ممن هم أعداء للإسلام ظاهراً وباطناً يفرحون بهذا التفرق وهم الذي يشعلون ناره ويلقون العداوة والبغضاء بين هؤلاء الأخوة الدعاة إلى الله – عز وجل – فالواجب أن نقف ضد كيد هؤلاء المعادين لله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولدينه، وأن نكون يداً واحدة، وأن نكون إخوة متآلفين على كتاب الله، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، كما كان سلف الأمة في سيرهم ودعوتهم إلى الله – عز وجل -، ومخالفة هذا الأصل ربما تؤدي إلى انتكاسة عظيمة، والتفرق هو قرة عين شياطين الإنس والجن؛ لأن شياطين الإنس والجن لا يودون من أهل الحق أن يجتمعوا على شيء، بل يريدون أن يتفرقوا لأنهم يعلمون أن التفرق تفتت للقوة التي تحصل بالالتزام بالوحدة والاتجاه إلى الله – عز وجل – ويدل لهذا قوله تعالى:(وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم)(8)، وقوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(9)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)(10)، وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه)(11)، فالله تعالى قد نهانا عن التفرق وبين لنا عواقبه الوخيمة، والواجب علينا أن نكون أمة واحدة، وكلمة واحدة، وإن اختلفت آرائنا في بعض المسائل، أو في بعض الوسائل؛ فالتفرق فساد وشتات للأمر، وموجب للضعف، والصحابة رضوان الله عليهم حصل بينهم الاختلاف لكن لم يحصل منهم التفرق ولا العداوة ولا البغضاء حصل بينهم الاختلاف حتى في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة " . وخرجوا رضوان الله عليهم من المدينة إلى بني قريظة وحان وقت صلاة العصر، فاختلف الصحابة فمنهم من قال: لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غابت الشمس لأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" فنقول سمعنا وأطعنا.

ومنهم من قال إن النبي، عليه الصلاة والسلام، أراد بذلك المبادرة والإسراع إلى الخروج وإذا حان الوقت صلينا الصلاة لوقتها. فبلغ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يعنف أحداً منهم ولم يوبخه على ما فهم، وهم بأنفسهم لم يتفرقوا من أجل اختلف الرأي في فهم حديث الرسول، عليه الصلاة والسلام. وهكذا يجب علينا أن لا نتفرق وأن نكون أمة واحدة. قد يقول قائل: إذا كان المخالف صاحب بدعة فكيف نتعامل معه؟

فأقول: إن البدع تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: بدع مكفرة.

القسم الثاني: بدع دون ذلك.

وفي كلا القسمين الواجب علينا أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام ومعهم البدع المكفرة وما دونها إلى الحق ببيان الحق دون أن نهاجم ما هم عليه إلا بعد أن نعلم منهم الاستكبار عن قبول الحق لأن الله تعالى يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(12)، فندعوا أولاً هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته والحق مقبول لدى ذي كل فطرة سليمة، فإذا وجد منهم العناد والاستكبار فإننا نبين باطلهم على أن بيان باطلهم في غير المجادلة معهم أمر واجب.

أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة؛ فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجرهم، وإذا كانت دون ذلك فإننا ننظر فإن كان في هجرهم مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث" فكل مؤمن وإن كان فاسقاً فإنه يحرم هجره ما لم يكن في الهجر مصلحة فإذا كان في الهجر مصلحة هجرناه؛ لأن الهجر دواء، أما إذا لم يكن فيه مصلحة، أو كان فيه زيادة في المعصية والعتو فإن ما لا مصلحة فيه تركه هو المصلحة.

وحل هذه المشكلة: أعني مشكلة التفرق – أن نسلك ما سلكه الصحابة رضي الله عنهم، وأن نعلم أن هذا الخلاف الصادر عن اجتهاد في مكان يسوغ فيه الاجتهاد لا يؤثر بل إنه في الحقيقة وفاق لنا لأن كل واحد منا أخذ بما رأى بناءً على أنه هو مقتضى الدليل، إذاً فمقتضى الدليل أمامنا جميعاً، وكل منا لم يأخذ برأيه إلا لأنه مقتضى الدليل فالواجب على كل واحد منا أن لا يكون في نفسه على أخيه شيء، بل الواجب أن يحمده على ما ذهب إليه لأن هذه المخالفة مقتضى الدليل عنده.

ولو أننا ألزمنا أحدنا أن يأخذ بقول الآخر لكن إلزامي إياه أن يأخذ بقولي ليس بأولى من إلزامه إياي أن آخذ بقوله، فالواجب أن نجعل هذا الخلاف المبني على اجتهاد أن نجعله وفاقاً حتى تجتمع الكلمة ويحصل الخير.

وإذا حسنت النية سهل العلاج، أما إذا لم تحسن النية وكان كل واحد معجباً برأيه ولا يهمه غيره فإن النجاح سيكون بعيداً.

وقد أوصى الله عباده بالاتفاق فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(13) فإن هذه الآية موعظة للإنسان أي موعظة.

أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين والصلحاء المصلحين إنه جواد كريم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.









--------------------------------------------------------------------------------

(1) سورة فصلت الآية: 33.

(2) سورة الأنعام الآية: 153.

(3) سورة الأحقاف الآية: 35.

(4) سورة محمد، الآية: 9.

(5) سورة البقرة، الآية: 217.

(6) سورة الشورى، الآية: 13.

(7) سورة الأنفال، الآية: 46.

(8) سورة الأنفال، الآية: 46.

(9) سورة آل عمران، الآية: 105.

(10) سورة الأنعام، الآية: 159.

(11) سورة الشورى، الآية: 13.

(12) سورة الأنعام، الآية: 108.

(13) سورة آل عمران، الآيتان: 102 – 103.



المصدر موقع الشيخ رحمه الله
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-13-2010, 06:29 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم


كيفية الدعوة ومجالاتها لفضيلة الشيخ الفوزان حفظه الله

1 - أما كيفية الدعوة فيجب على الداعية إلى الله أن يصلح نفسه أولًا ومحيطه من أهل بيته وأقاربه ثم يتجه إلى دعوة الناس ، قال تعالى عن نبيه شعيب عليه السلام : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وقال تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله في أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق ، وذلك أول نبوته فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ ، ثم أنزل عليه : يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ فنبأه بقوله : [ اقرأ ] وأرسله بقوله : يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين ، ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم من العرب ، ثم أنذر العرب قاطبة ، ثم أنذر العالمين . انتهى .

ومن هنا نعلم أن الدعاة الذين يتجاوزون بلادهم ومن حولهم ، بل يتجاوزون أهل بيوتهم وأقاربهم وهم على الشرك والكفر أو المعاصي ويذهبون في محيط بعيد عنهم أنهم مخالفون لهدي النبوة في الدعوة .

وعلى الداعية أن يبدأ بالأمور المهمة - فيبدأ أولًا بإصلاح العقيدة ؛ لأنها هي الأساس الذي تنبني عليه سائر الأعمال ؛ فالأعمال مهما بلغت إذا لم تكن مبنية على عقيدة صحيحة سليمة من الشرك فإنها لا قيمة لها ولا فائدة منها ، قال تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .

ومن هنا كانت دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو ما تتجه إلى إصلاح العقيدة بالدعوة إلى التوحيد وترك الشرك ، قال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وكل نبي يقول لقومه أول ما يدعوهم : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .

وهكذا كانت دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد لبث ثلاث عشرة سنة في مكة قبل الهجرة يدعوهم إلى التوحيد ، وينهاهم عن الشرك قبل أن يأمرهم بصلاة أو زكاة أو صيام أو حج ، مما يدل على أن منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة منهج واحد ، وهو البداءة بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك ، ثم إلى بقية الأحكام ، وحتى لو كان المجتمع مسلمًا فإنه لا يخلو من وجود أنواع من الشرك في بعض الناس وبعض البلاد بسبب الجهل ، وبسبب انتشار المشعوذين والدجالين الذين يحاولون إفساد عقائد الناس .

وفي مجتمعنا المعاصر - كما تعلمون - الكثير والكثير من أنواع الشرك الأكبر المتمثل في عبادة الأضرحة في كثير من البلاد الإسلامية ، ولم يتجه إلى إنكاره إلا قليل من الدعاة على كثرتهم وهذا خلل عظيم في منهج الدعوة .

ثم على الدعاة كذلك أن يهتموا بإنكار البدع المحدثة في العبادات وبتعليم الناس السنن الصحيحة ؛ لأن البدع من أعظم ما يفسد الدين بعد الشرك ، فالمبتدع يشرع في الدين ما لم يأذن به الله . والبدع كلها مرفوضة مردودة على أصحابها مهما أتعبوا أنفسهم وأنفقوا أموالهم ، وضيعوا أوقاتهم في إقامتها ، قال صلى الله عليه وسلم : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ، وقال : وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، فعلى الدعاة أن يهتموا بدعوة الناس إلى إحياء السنن وترك البدع وإماتتها ، فهذا من أعظم مجالات الدعوة .

ثم بعد ذلك يتجه الدعاة إلى الدعوة إلى أداء الفرائض وترك المعاصي والمحرمات وتصحيح المعاملات ؛ لأن المعاصي سبب لهلاك العباد والبلاد ، قال تعالى : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ووجود الدعاة والمصلحين أمان من العذاب والهلاك ، قال تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ . وعدم وجود الدعاة والمصلحين سبب الهلاك .

وعلى الدعاة أن يراعوا أحوال المدعوين ، فالجاهل له معاملة في الدعوة والعالم له معاملة والمعاند له معاملة ، فيعاملوا كلا بما يليق به ، قال تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وذلك أن المدعو له حالات يعامل في كل حال بما يناسبها :

الحالة الأولى : أن يكون جاهلًا بالحق ولو بين له لأخذ به ، فهذا يدعى بالحكمة واللين واللطف والرأفة .

الحالة الثانية : من إذا بين له الحق لم يسرع لقبوله والعمل به ، بل يكون عنده كسل وفتور فهذا يحتاج مع البيان إلى موعظة ؛ بأن يخوف ويبين له ثواب المطيعين وعقاب العاصين .

الحالة الثالثة : من إذا بين له الحق لم يقبله وحاول رده بالشبهات ، فهذا يجادل بالتي هي أحسن لكشف شبهاته وبيان خطئه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الناس ثلاثة أقسام : إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة . وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به فهذا يوعظ حتى يعمل . وإما ألا يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن ؛ لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب ، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل . انتهى .

وقال الإمام ابن القيم في جعل الله مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق ، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة ، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة ، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب ، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن . انتهى . وهذا لأن الداعية كالطبيب يراعي حال المريض في علاجه له .

2 - وأما مجالات الدعوة فهي كثيرة يجب أن تستغل كلها وتشغل بالدعوة إلى الله ، منها :

1 - مجال التعليم سواء كان على نظام الحلق في المساجد أو على نظام الفصول الدراسية ، فالمدرس يجب أن يكون داعية إلى الله بالقول والعمل والقدوة الحسنة ، ولا يقتصر عمله على إلقاء درسه فقط ، فإن الطالب يتأثر بمدرسه ويقبل منه ، ويقتدي به أكثر من غيره ، فليستغل المدرسون هذا الانقياد من طلابهم ، فيقودونهم إلى الخير ، ويذودون بهم عن الشر .

2 - إمامة المسجد وخطبة الجمعة ، وهما مجال واسع ومتكرر يوميًّا وأسبوعيًّا يستطيع من خلاله الإمام والخطيب أن يوجه وينبه ، وأن يدعو إلى الله على بصيرة ، وكان غالب تعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم توجه إلى الناس بعد الصلوات ، وفي خطب الجمعة ، فلو استغل هذا المجال استغلالًا حسنًا لأثمر خيرًا ؛ لأن الناس يجتمعون في بيت من بيوت الله بقلوب مؤمنة متطلعة إلى التوجيه والتعليم . ومن هنا يجب أن يكون الإمام والخطيب على مستوى طيب من العلم والرغبة في الدعوة والتوجيه لينفع الله به ، فيجب أن يختار للإمامة من هو على هذا المستوى .

موسم الحج ، هذا الموسم العظيم الذي يجتمع فيه المسلمون من جميع أقطار الأرض في مكان واحد مما يوفر على الدعاة كثيرًا من عناء السفر إلى مشارق الأرض ومغاربها ، ويتيح لهم الفرصة أن يلتقوا بأكبر عدد ممكن من المدعوين ، ولا شك أن الحجاج يتقبلون التوجيه أكثر من غيرهم ؛ لأنهم جاءوا بقلوب مؤمنة متطلعة إلى الخير والتوجيه الحسن . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى الحجاج في منازلهم فيعرض دعوته عليهم ، وكان يلقي خطبه في عرفات وأيام التشريق .

في الدوائر الحكومية والأعمال الوظيفية ، فيجب على رئيس الدائرة والمصلحة الحكومية أن يسهم في الدعوة في محيط منسوبيه بأن يوجه من يحتاج منهم إلى توجيه في دينه ، ويتفقدهم عند حضور الصلاة ويناقش من يتخلف منهم . فليس هو مسئولًا عنهم في الأعمال الوظيفية فقط ، بل هو مسئول عنهم من الناحية الدينية في الدرجة الأولى ، قال صلى الله عليه وسلم : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وكذلك الموظف مع زملائه ومع رئيسه يجب عليه أن يقوم بالمناصحة والدعوة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم .

وهكذا المؤمن في كل مجال يدعو إلى الله كلما سنحت فرصة وحصلت مناسبة .

في أمكنة التجمعات العامة ، فيجب على الداعية أن يغشى التجمعات العامة في المساجد والمدارس ومدرجات الجامعات والنوادي ، وتجمعات الأسواق فيقوم بالدعوة إلى الله من خلال هذه التجمعات العامة .

من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة ، فيجب على الداعية أن يسهم في البرامج الدينية في الإذاعة ، ويكتب في الصحف والمجلات العلمية الهادفة ؛ لأن هذه الوسائل تغزوكل مكان ، وتدخل كل بيت وتصاحب المسافر والسائر في الطريق ، فيجب أن تحمل الدعوة إلى الله والتوجيه الصالح ، وإذا تركت استغلها أهل الشر فأصبحت معاول تدمير وفتنة .

يجب على أفراد البعثات الدراسية والدبلوماسية في الخارج أن يمثلوا الإسلام في الدول الخارجية تمثيلًا صحيحًا في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم ، وأن يكونوا دعاة صادقين لدينهم وأمتهم حتى يعرف من يسمعهم ويراهم رسالة الإسلام على الوجه الصحيح ، فإن الناس ينظرون إليهم ويعتبرون ما يصدر عنهم هو التطبيق العملي للإسلام .

تجب مناصحة ولاة الأمور بما فيه الخير لهم ولرعيتهم ، وبما يعينهم على القيام بمهامهم ، قال صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة . ثلاث مرات . قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم

وفي الختام أسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ، وينصر أولياءه ويخذل أعداءه ويهدي ضال المسلمين ، والحمد لله رب العالمين .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وآله وصحبه .



المصدر موقع الشيخ حفظه الله
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-13-2010, 06:31 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

شرف الدعوة ومكانتها لفضيلة الشيخ زيد المدخلي حفظه الله

الحمد لله حق حمده، وأشكره سبحانه على سوابغ نعمه وجزيل فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل وقوله الحق: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25].
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من دعا إلى الله وعمل صالِحًا وقال إنني من المسلمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد أقيم احتفال بتأريخ 6/11/1415هـ في مدينة جازان بِمناسبة زيارة الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي -وزير الشئون الإسلامية في المملكة العربية السعودية سابقًا- حضره العلماء والدعاة، والأدباء والعقلاء، وجمع غفير من طلبة العلم، وكان لي شرف المشاركة بكلمة تحت عنوان: "فقه الدعوة إلى الله ونعوت الداعية" وهذا نصها:
أيها الإخوة الدعاة إلى الله وجميع الحضور: أحياكم الله جميعًا حياة الإيْمان والإحسان؛ حياة طيبة مباركة، وأسعدكم الله دائمًا بأوقات ملؤها خير الدنيا وسعادة البرزخ والآخرة.
إنه لا ريب أن كلكم على علم -والحمد لله- أن الدعوة إلى الله بِمعناها الصحيح، ومفهومها الحق، فرض كفاية من فرائض ديننا السمح العظيم، وواجب كفائي شرعي من واجباته؛ إذ من أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الجهاد بِما تحمل كلمة "الجهاد" من معنى، وجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة لتقوم الأمة عبر تأريخ الزمان والمكان بأداء هذه الفريضة مثنى وفرادى؛ كما أمر الله وشرع رسوله -عليه الصلاة والسلام- طاعة لله  وإحياءً لهدي رسول الله s، ونصحًا للأمة وبراءة للذمة، وإقامة للحجة بإيضاح المحجة.

شرف الدعوة ومكانتها:
ألا وإنه ليكفي في الدلالة على شرف الدعوة ومكانتها، وشرف الدعاة إلى الله وفضلهم؛ أن أئمة الدعوة إلى الله والدعاة هم الرسل الكرام والأنبياء العظام، والعلماء الربانيون الصالحون من الأنام، ومن أراد مني برهانًا على ما ذكرت، ودليلاً قاطعًا على ما دونت، فليقرأ كتاب ربه  متمهلاً متدبرًا كما كان السلف يقرءونه، وليقرأ الكثير والكثير من صحيح سنة نبيه محمد s متفهمًا ومعظمًا لها ومقدرًا.
ثُمَّ ليقرأ سيرته الطاهرة وأسلوب دعوته النيرة، وجهاده العظيم طيلة حياته المباركة، وحياة خلفائه الراشدين المهديين، ومن تبعهم بإحسان وتأسى بِهم من الدعاة الصادقين والعلماء المخلصين، الذين ملأ حب الدعوة قلوبَهم، وأنار ضياؤها عقولهم، وانشرحت بِها صدورهم، واطمأنت بِها نفوسهم، وتفاعلت معها جوارحهم، فما أعظم أجرهم، وأوفى في الآخرة جزاءهم، وما أحسن أثرهم على الناس، وما أسوأ ظنون الجاهلين بِهم، وأقبح آثارهم عليهم.
أيها الإخوة في الله والمحبون فيه: إن جلكم ليعلم أنه لا غنى لأمة من أمم الأرض، ولا لمجتمع من مجتمعاتِها، ولا لفرد من أفرادها عن الدعوة إلى الله؛ إذ هي متعة الأرواح، وغذاء العقول والقلوب، وقوة الأبدان، وهي السبيل الأقوم، والمنهج الأسلم والأحكم، والدعاة إلى الله هم الأدلاء على ذلكم السبيل القويم، والمنهج الحق المستقيم، إمامهم من أوحي إليه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: من الآية153]. فهنيئًا للدعاة إلى الله وعده الكريم، وثناءه العظيم حيث قال : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].
أيها الإخوة الكرام: إنه إذا كان لأرباب الحرف والصناعات وسائل يستخدمونَها فِي إتقان حرفهم وصناعاتِهم وجودتِها كي تكون مرغوبة ومقبولة لدى جماهير الناس ليحصلوا من وراء ذلك على مال وفير، فما أولى الدعاة إلى الله باتخاذ خير الوسائل الشرعية، وسلوك الطرق المرضية الَّتِي تكون بِها دعوتُهم ناجحة ومثمرة في كل وقت وحين، ولا أعلم طريقًا دعويًّا رحيمًا بالأمة إلا طريقًا واحدًا هو الطريق الأقوم، والمنهج الأسلم، الذي سلكه رسولنا الكريم -عليه من ربه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- مدة حياته الرسالية، ولما انتقل إلى الرفيق الأعلى نَهج نَهجه ودعا بدعوته خلفاؤه الراشدون المهديون، ومعهم إخوانُهم الصحابة الكرام من المهاجرين وأنصار الحق والإسلام، الذين نقلوا لنا علوم الدين كما تلقوها عن أشرف الأنبياء وسيد المرسلين وما بدلوا تبديلاً.
معشر الدعاة إلى الله: وإذ كان الأمر كما أسلفت؛ فلتعلموا أن عناصر وركائز نجاح الدعوة إلى الله كثيرة، ورغم كثرتِها فقد جمعتها ثلاث آيات محكمات وحديثان صحيحان.
أما الآية الأولى فهي قول الله : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: من الآية125].
فإن المتأمل في مجمل هذه الآية يدرك أن المدعوين من البشر على طبقات مختلفة، وأحوال متباينة، فمن كان منهم من أهل المعرفة بالحق والعمل به ولكن تصيبه غفلة، أو يمسه طائف من الشيطان -كما هو حال كثير من المسلمين- فإنه يدعى بالحكمة التي هي العلم بالحق من كتاب الله -عز شأنه- وصحيح سنة رسول الله s.
فكم فيهما من التوجيه السليم، والإرشاد المستقيم إلى فعل الخير وفضله وحسن عاقبته.
وكم فيهما من التنبيه من الغفلة والشر، وما فيهما من سوء العاقبة وشؤم المنقلب.

ومن كان منهم ذو معرفة بالحق بيد أنه لا يعمل به أو يعمل ببعضه ويترك البعض فهذا يدعى ويوعظ بالموعظة الحسنة، وذلك بتوضيح الحق وترغيبه في العمل به وترهيبه من الإعراض عنه، وذلك بالنصوص الشرعية البينة الواضحة حتى لا تبقى أمامه شبهة تتخطف قلبه، وتلوث عقله، وتصده عن سواء السبيل، وما ذلك إلا لأن الإنسان ضعيف، والنفوس لها أهواء وشياطين تدعوها إلى مخالفة الحق أحيانًا ولو كانت تدريه وتؤمن به.
ومنهم من يعرض عليه الحق حتى يعرفه فيظل يسبح في جحده ومعارضته وكثرة جدله وذلك لما ألَمَّ به من قساوة قلب، وتبلد حس، وكبر صريح عن قبول الحق؛ فهذا يجادل بالتي هي أحسن كي يقبل الحق فيلين القلب، وتذهب المخالفة منه ولو أغضبته المجادلة الصادرة من الداعية إلى الله فلا حرج على الداعية إلى الله في ذلك، لأنه ينشد صلاحه وفلاحه واستقامته؛ فإن تحقق مراده بأسلوب اللطف واللين والمجادلة بالتي هي أحسن فذلك هو المطلب الأسنى، والغاية المنشودة، وإن لجَّ في عتوه ونفوره، واستمر في إعراضه واستكباره، فإنه سفيه ظالم يستحق الزجر والتوبيخ، واستعمال القول البليغ، والأخذ على يديه بالعقوبات الشرعية التي توقفه على الحق، ويلزم بواسطتها بالعمل به ممن يحق منه ذلك ويملكه شرعًا وعقلاً.
أما الآية الثانية: فهي قول الحق -تبارك وتعالى-: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].
فإن في هذه الآية بيانًا واضحًا، وإعلانًا صارخًا، مفادهما أن صاحب الدعوة إلى الله لابد أن يكون على بصيرة أي: على علم شرعي وبينة واضحة نيرة، قدوته في ذلك الرسول الكريم المخاطب بِهذه الآية الفذة العظيمة، وأمته تبع له في الحكم إلى يوم الدين، وبالدرجة الأولى صفوة أمته وهم أولو العلم والبصائر الذين هم لأهل الأرض في الدلالة على الهدى المقصود، والخير الوفير المنشود، كنجوم السماء في هداية المسافر منهم والمقيم، فهنيئًا لهم هذا الشرف العظيم، والفضل العميم، حيث صاروا مشاركين في دعوتِهم إلى الله جميع الأنبياء والمرسلين، وأولياء الله الصالحين، وجنده الغالبين، وحزبه المفلحين، وإذ كان الأمر كما ترى فإن الجاهل لا يصلح أن يكون داعية إلى الله؛ لأنه ليس من أهل البصيرة التي هي زاد الداعي إلى الله وسلاحه في ميدان الدعوة الفسيح، ولربما دعا الجاهل إلى ضلالة وهو لا يدري فيضل الناس بغير علم فيهلك ويهلك، واللبيب يكتفي بالإشارة من صريح العبارة.
وأما الآية الثالثة: هي قول الله -تعالى ذكره-: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت الآية: 33].
ففيها ثناء عظيم، وإشادة كريمة بكل من دعا إلى الله من أهل الإسلام والإيمان والإحسان، يرجو رحمة الله ويخشى عقوبته، ولَم يخالف قولهُ عملَه ولا سره علانيتَه، ورحم الله الحسن البصري لَمَّا تلا هذه الآية قال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالِحًا في إجابته وقال إنني من المسلمين هذا خليفة الله"( ).
قلت: يالله كم للدعوة إلى الله من شرف عظيم ينبغي أن يسير في طريقه السائرون، ويتنافس في حيازته المتنافسون، وكم لأهلها عند الله من مقام رفيع يجب أن يتفيأ ظلاله المؤمنون، وبالأخص العلماء المؤهلون بفقه الدعوة من مصدره الأصيل، كتاب الله الجليل، وصحيح سنة الرسول المصطفى الخليل، فهنيئًا لأصحاب الدعوة إلى الله حب الله لهم، وولايته واصطفاءه واجتباءه، وما ذلك إلا لأنَّهم أجابوا الله في دعوته، ودعو الناس إلى ما أجابوا الله فيه من دعوته ليكونوا مثلهم، فأرضوا بذلك ربَّهم، وتأسوا بنبيهم s في دعوة الخلق إلى رحاب الحق، فأحرزوا الأجر الوفير، وكسبوا رضا الله العلي القدير:
فرحمة الله تغشاهم جهـابذة وجنة الخلد مأوى كـل محتسب
وأما الحديثان فالأول منهما: ما جاء في الصحيحين من حديث الصديقة بنت الصديق -رضي الله عنهما- أنَّها سألت رسول الله s قائلة: ((هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟. فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فنادانِي. فقال: إن الله  قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بِما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ ثُمَّ قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله s: أرجو أن يخرج الله من أصلابِهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا))( ).
أيها القراء الكرام: لقد اشتمل هذا الحديث المتفق على صحته على جملة وفيرة من مسائل فقه الدعوة إلى الله من أشهرها:
1- أن النَّبِي s الذي بعثه الله رحمة للعالمين، ما كان يحرص على قتل المدعوين، وإن أعرضوا عن دعوته الكريمة، وملته القويمة، بل كان يحرص على استجابتهم لدعوة الحق، ويبذل ما في وسعه لإقناعهم قبل أن يجرد سيفًا من غمده في وجوههم مهما لحقه من أذى، وأصابه من هم وغم؛ إذ لو كان حريصًا على استئصالهم واجتثاثهم من فوق الأرض ومن دنيا العمل لقال لملك الجبال: اطبق عليهم الأخشبين لتقر بذلك العين، وتطهر الأرض من رجسهم، ولكنه قال: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابِهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)) رغم استمرارهم في غيهم، وتربصهم به ريب المنون.
الله أكبر إنَّها الحكمة والرحمة في حدود الشرع الشريف، والتجرد من حظوظ النفس التي قد تلتمس من خلال الدعوة إلى الله، ويأبى الله إلا أن تكون خالصة له كي يتحقق قوله الحق: أَدْعُو إِلَى اللَّه.
2- ومنها: أن الله مع رسله وأنبيائه وأتباعهم أجمعين، وبالأخص منهم أصحاب الدعوة إلى الله على علم وصبر وحلم ورفق، ينشدون من وراء ذلك كله رضا الله  وصلاح الأمم ومجتمعاتِها ليتحولوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن حزب الشيطان إلى حزب الرحمن.
3- ومنها: أن الطيش والمغامرة والعشوائية في ميدان الدعوة إلى الله أمور ليست رشيدة، وتصرفات غير سليمة؛ بل إنَّها تفسد الأمور، وتدمر المعمور، وكم لها من عواقب وخيمة، ونتائج سقيمة، تتنافى مع الآثار الحسنة التي تثمرها الدعوة النبوية المستقيمة، وحقًّا إن العاقل اللبيب ومحب الحق الحبيب لتكفيه الإشارة عن صريح العبارة.
4- ومنها: مشروعية الدعوة الفردية مصحوبة بالقصد السليم، والأسلوب الحكيم، والإيضاح الجلي الفهيم، ومقترنة بالدليل؛ إذ بذلك يعالج مريض الشبهة والشهوة -والعافية بيد الله- ولعل ذلك المدعو يصبح داعية فيهدي الله به من شاء من خلقه وما ذلك على الله بعزيز.
5- ومنها: أن الاستمرار في عمل الدعوة إلى الله بدون يأس ولا ملل وحسن الظن بالله خلقان عظيمان من أخلاق الداعية، وأسوته في ذلك نبيه محمد s أول من دعا إلى الله وعمل صالِحًا وكان أول المسلمين.
وأما الحديث الثاني: فهو ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن معاذًا  قال: ((بعثنِي رسول الله s قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))( ).
وقد اشتمل هذا الحديث على كثير من مسائل فقه الدعوة إلى الله، أذكر منها ما يلي:
1- مشروعية بعث الدعاة إلى الله من قبل الوالي المسلم إلى أقطار الأرض لينشروا دين الله في عباد الله على الوجه الصحيح، وللدولة السعودية -وفقها الله- نصيب وافر في هذا العمل ممثلة في وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وفي دار الإفتاء، وفي جامعات العلوم الشرعية؛ بل وفي جهات أخرى يعلمها اللبيب المنصف، وإن جحدها المبطل المسرف.
2- وأنه لا يبعث للقيام بنشر دعوة الإسلام إلا العلماء الربانيون الذين يحسنون تبليغ دعوة الإسلام؛ بحيث يبدءون فِي دعوتِهم للخلق بالأهم فالمهم على سبيل التدرج مع المدعوين، والمرحلية الدقيقة في ميدان الدعوة الفسيح.
3- وأن الجاهل لا يجوز له أن يجوب الأقطار لقصد تبليغ دعوة الإسلام؛ بل يجب أن يطلب العلم الشرعي على ذويه أولاً حَتَّى يحرز منه ما يجعله أهلاً لدعوة الخلق إلى رحاب الحق، ملزمًا نفسه بوصية الله ووصية رسول الله s للدعاة إلى الله.
أيها الإخوة في الله: مِمَّا تَمَّ تدوينه وعرضه آنفًا، يعلم أن أهم عناصر نجاح الدعوة إلى الله ما يلي:
أولاً، وثانيًا: الصواب والإخلاص في عمل الدعوة إلى الله؛ إذ هما شرطان أساسيان في قبول كل عمل يتقرب به العامل إلى الله ومن جملة ذلك دعوة الخلق إلى المسارعة إلى أسباب المغفرة كي ينجو من عذاب الله ويسعدوا برحمته ونيل رضاه، فما أعظمه من شرف عظيم، وخير عميم، وثواب جسيم، لمن أخلص لله في كل ما يأتي ويذر، ويأمر وينهى وهو من عباد الله الناصحين، والدعاة المخلصين، السائرين على منهج الأسلاف الصالحين، رحمنا الله وإياهم أجمعين.
ثالثًا: أن يكون الداعية إلى الله ذا علم شرعي أصيل، ومنهج سلفي جليل، وله فهم جيد، وحكمة شرعية، وسياسة دعوية، يعالج بِها أمراض المدعوين، بحيث يقول في كل مكان وزمان ما ينفع ويفيد، ويخاطب كل قوم بما يلين القلوب ويصلح النفوس حتى تقول هل من مزيد.
رابعًا: الاهتمام بنشر الكتب الدينية السلفية، وفي مقدمتها كتب التوحيد الخالص، وكتب عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، ككتب علماء الحديث والأئمة الأربعة، وإخوانُهم من الفقهاء النبلاء الذين أخذوا فقه دينهم عن علماء السلف الأوائل ولَم يبدلوا تبديلاً، وككتب شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية، وكتب شيخ الإسلام الثاني ابن قيم الجوزية، وكتب شيخ الإسلام الثالث محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله جميعًا-.
وهكذا كتب كل من تتلمذ على هؤلاء الأئمة المجددين لما اندرس من معالم الإسلام في عصورهم المتعددة، أو تتلمذ على مؤلفاتِهم بحق صريح وفهم صحيح إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله من مستقبل الزمان الذي لا يحيط به إلا الله الكريم الرحمن.
بالإضافة إلى نشر الجيد السليم من كتب التفسير، وكتب السيرة النبوية الشريفة، وكتب الأحكام المنيفة، وقديْمًا قيل عن الكتاب: "إنه الداعية المتجول" ولا ننسى العناية بالأشرطة التي تُملأ بطيب من القول الذي يوضح الحق ويهدي السبيل.
خامسًا: بعث الدعاة من العلماء الربانيين السائرين على منهج السلف في الالتزام بصحيح الاعتقاد، ومنهج الدعوة التوقيفي غاية ووسيلة، وولاء وبراء، إلى الآفاق القريبة والبعيدة، إذ بواسطتهم يفقه الناس دينهم عقيدة وعبادة وخلقًا وأدبًا وسلوكًا، ولأن تبليغ العلم ونشره أحد الجهادين، بل إن منفعة تعليم العلم ونشره، قد تكون أنفع من جهاد الكافرين، رغم عظم ثواب الجهاد في سبيل الله.
سادسًا: القدوة الحسنة في الداعي إلى الله؛ بحيث يكون متفاعلاً مع ما يدعو إليه، فإذا أمر الناس بخير يكون أول المؤمنين به والفاعلين له، وإذا نَهاهم عن شر يكون أول المبغضين لـه والتاركين، أسوته في ذلك الرسل الكرام، والأنبياء الفضلاء العظام، وكل داعية إلى الله صادق صابر مخلص من الأنام.
وليس معنى ذلك أن الداعية إلى الله يجب عليه أن يفعل كل ما أمر الناس به ودعاهم إليه، فقد يكون بعض ذلك غير داخل في وسعه فيكفيه فيه حسن النية، وصدق الأمنية، كما أنه لا يشترط في حقه أن يكون بريئًا من التقصير في فعل مأمور، أو من الوقوع في فعل محظور، كلا، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
غير أنه يجب عليهم أن يكونوا مستمرين في بذل الجهود في إصلاح أنفسهم، وإصلاح غيرهم ليرضوا ربَّهم، ويحيوا سنة نبيهم s، وليحققوا أداء الأمانة الَّتِي كلفوا بأدائها في محكم القرآن وصحيح سنة من أنزل عليه الفرقان، وأذن له في الإيضاح له والبيان؛ وليظفروا بتبوء منازل الجنان الَّتِي قال فيها الكريم الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] إلى آخر سورة الرحمن، وكم لَهَا من نظائر فِي محكم القرآن، ولكي ينجو من دركات النيران الَّتِي قال فِي وصفها وبيان حال أهلها الملك الديان: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ  فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها الْمُجْرِمُونَ  يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:41-44]. كم لها من أشباه ونظائر فِي كتابنا الفرقان، الذي أنزله الله رحمة لعالم الإنس والجان.
سابعًا: الصبر الجميل الذي يعتبر في مفهوم الشرع الشريف أعظم زاد للدعاة إلى الله وهم سائرون في طريق أدائها؛ إذ إن طريقها طويل المدى، والسير فيه صعب وشاق غالبًا لوجود عقبات حسية ومعنوية تعترض سبيل الدعاة إلى الله، فلا يقدرون على تجاوزها والتغلب عليها، إلا إذا اعتصموا بفضيلة الصبر استجابة لنداء الله العزيز الرحيم: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]. وجعلوا نصب أعينهم وصية الحق  لخير الخلق s: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف: من الآية35].
حقًّا أيها الداعية الكريم: ما أعظم شأن الصبر، وما أجمل ثمراته، إذ هو أجمل صفة من صفات الكمال حيث تنال بفضل الله ثُمَّ به المطالب العالية، وتحل المشكلات المستعصية، وتحقق الأمور الصالحة النافعة، والمقاصد الحسنة الزاكية: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ [النحل: من الآية127].
نعم اصبر وخالط الناس وكن حبيبًّا مُحبًّا لصالحيهم، وطبيبًا ماهرًا لمرضاهم فإن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم( )، وأبشر بالأجر الوفير، والخير الكثير، من الله اللطيف الخبير، القائل: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: من الآية10].
وقد أحسن القائل:
فيا أيها الداعي إذا كنت صادقًا
وخذ أسوة من رسل ربك خيرهم
تصبَّر فما للصابرين سوى الربح
محمدًا الداعي إلى العفو والصفح

ثامنًا: الإكثار من الاستشهاد بالقرآن الكريم لاسيما بقصصه وأمثاله، ووعده ووعيده، وعرض آيات أحكامه، وكذا الإلمام بضرب الأمثال التي استعملها النَّبِي s في خطبه ووصاياه، كما تحسن العناية بذكر مناقب الأئمة الأعلام، والدعاة المجاهدين لإعلاء كلمة الإسلام، لتقوى عزائم السامعين، ويترسموا خطاهم، ويأخذوا القدوة الصالحة من جهادهم، ليشاركوهم في دار الجزاء على العمل في أنسهم ومقيلهم.
تاسعًا: مواكبة الأحداث، وأعنِي بِها محاولة المعرفة لأحوال الناس، وما يحتاجون إليه من أبواب العلم، وما يفتقرون إليه من الإرشاد والتوجيه كي يضع الداعية الدواء محل الداء؛ فيبرأ بإذن الله مريض الشهوات والشبهات، ويحل محلها الإيمان فينمو في القلوب ويثبت فيها ثبوت الجبال الراسيات، أو قل: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ  تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم: من الآية24، 25]. فإن لَم يبرأ بغلبة الشقوة عليه قامت عليه الحجة بشرع رب الأرض والسموات، الذي حمله وبلغه الرسل وأتباعهم براءة للذمة ونصحًا للمكلفين من المخلوقات.
عاشرًا: التدرج والمرحلية في تفقيه الخلق وتعليمهم؛ بحيث يعلم الداعية إلى الله الناس -من عرف منهم ومن لَم يعرف- أصول دينهم قبل فروعه، وفرائضه وواجباته قبل سننه وفضائله، وذلك كالبدء بتصحيح الاعتقاد، ثُمَّ سائر بقية أركان الإسلام والإيمان والإحسان، ومعها أبواب الحلال والحرام، وهكذا الحث على السنن والفضائل، والتحذير من الوقوع في الفواحش والكبائر والصغائر والرذائل، كما فعل الرسل والأنبياء مع أممهم بدءًا وختامًا، وتوصية وتزكية وإعلامًا.
وقصارى القول: فإن الداعية إلى الله يعتبر طبيبًا متخصصًا في علاج ثلاثة أمراض معنوية مشهورة وخطيرة:
أولها: مرض الجهل الذي حذَّر الله منه خاتم رسله محمدًا s وأمته تبع له في ذلك، حيث قال : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام: من الآية35]. وذمَّ الله أهله، وضرب لهم أخطر المثل في عدد من الآيات المحكمات، منها قوله تعالى: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء:72]. وقوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ [الرعد:19].
ففي هاتين الآيتين بيان واضح أن الجهل مرض خطير، وسبب في شقاء أهله في الدنيا والآخرة، ولقد جاء فِي الأثر: "اغد عالِمًا، أو متعلمًا، أو مستمعًّا، أو مُحبًّا، ولا تكن الخامس فتهلك"( ). فقد دل على أن النفرة من العلم وعدم محبة أهله، واختيار الجهل عليه، هلاك أيُّما هلاك.
وطبيب هذا المرض: هو الداعية إلى الله الذي فضله الله بِميراث الرسل والأنبياء، ألا وهو العلم النافع الذي يثمر العمل الصالح.
وثانيها: مرض الشبهة.
وثالثها: مرض الشهوة.
فالأول: يعالج بالتعليم والبيان حتى يحل اليقين محل الشكوك والشبه.
والثاني: يعالج بالصبر الشرعي؛ إذ الصبر هو الدافع للشهوات والإرادات الفاسدة.
وطبيب هذين المرضين أيضًا: هو الداعية إلى الله على بصيرة، وهذا الطبيب الذي أعطاه الله الحكمة في علاج ما سبق تدوينه من أنواع الأمراض، هو أيضًا في نفس الوقت فارس مقدام في ميدان الجهاد بِما تحمل كلمة الجهاد من معنى، فهو يجاهد خمسة أصناف من الأعداء هم:
• النفس الأمارة بالسوء.
• الشيطان عدو الإنسان.
• المنافقون.
• الكفار الصرحاء.
• الظالمون من أهل البدع والكبائر.
وتراه قد أعد لكل صنف عدته بحسب ما أتاه الله من حجة علمية، وحكمة دعوية، موزونة بميزان الدعوة النبوية، ومقيدة بقيود صحيحة شرعية، وضوابط مستقاة من القواعد الفقهية.
الحادي عشر: حسن العرض وجمال الأسلوب، لما لهما من الأثر الطيب على نفوس المدعوين، والدور العظيم في فتح قلوب من أراد الله بِهم خيرًا، وشرح صدورهم لقبول كلمة الحق، والاعتصام بِها، والثبات عليها، فتصبح النفوس مطمئنة، والصدور منشرحة لما يدعون إليه من تحقيق الغاية العظمى الَّتِي لها خلقوا، ومن أجلها أنزلت الكتب، وأرسل الرسل، وفي سبيلها جاهدوا مخلصين لربِّهم، ناصحين لأممهم، هم وأتباعهم الذين استجابوا لدعوتِهم، وآمنوا برسالاتِهم.
تلك الغاية: هي إخلاص العبادة لله وحده، وتحكيم شرعه الكريم في عباده وجميع أرضه.
واسمع دليلين لحسن العرض وجمال الأسلوب: قال : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ  وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:53-55].
يالله ما أحسنه من عرض!! وما أسماه من أسلوب!! لقد دعا عباده الذين أسرفوا على أنفسهم بكثرة المعاصي ليطرقوا بابه تائبين مستغفرين ومنيبين ومستسلمين، ووعدهم مغفرة ذنوبِهم، وستر عيوبِهم، وحذرهم من القنوط من رحمته؛ لأنه هو الغفور الرحيم، وأرشدهم  إلى اتباع الوحي الْمُنْزل ماداموا فِي حياة العمل من قبل أن يبغتهم الأجل وهم غافلون، ويحل بِهم العذاب فلا ينصرون، فما أحرى الدعاة إلى الله بالاستفادة من هذا الأسلوب القرآني العظيم في دعوتِهم للخلق إلى رحاب الحق، جامعين لهم بين ذكر نصوص الوعد والوعيد، فلا يقنطونَهم من رحمة الله مهما كانت الذنوب جسامًا كبارًا، ولا يُؤَمِّنُونَهم من عقاب الله مهما أكثروا من الطاعات سرًّا وجهارًا.
واسمع للدليل الثاني من السنة: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة : ((أن فتى شابًّا أتى النَّبِي s فقال يا رسول الله ائذن لي في الزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه. فقال: ادْنُهْ. فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أَتُحِبُّهُ لأُمِِّك؟. قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لأُِمَّهَاتِهِمْ. قال: أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟. قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ. قال: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟. قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لأخَوَاتِهِمْ. قال: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟. قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قال: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟. قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ. قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ)) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء -أي: من الزنا-( ).
فانظر أيها الداعية الكريم، إلى هذا الأسلوب الرحيم، الذي استعمله رسولنا s الذي وصفه ربه بقوله الحق: ِبالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: من الآية128]. وخذ منه القدوة الحسنة الَّتِي بِها يتحقق صلاح البشر في أخراهم ودنياهم، وامض على بركة الله سويًّا على صراط مستقيم.
الثاني عشر: التلطف في التعليم والمجادلة والمناقشة في حدود الشرع؛ إذ إن ذلك طريق الرسل والأنبياء فِي دعوتِهم، وهم أسوتنا الحسنة، وقدوتنا الرشيدة في كل ما نأتي ونذر من أمر ديننا عمومًا، وشأن دعوتنا إلى الله خصوصًا، وبقدر ما يقرأ الداعية آيات القصص التي ذكر الله فيها الحوار الذي جرى بين الرسل والأنبياء وأممهم يتبين لـه أهمية هذا النعت "التلطف...." وحاجته إلى التخلق به: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه [الأنعام: من الآية90].
الثالث عشر: السير الحقيقي على منهج السلف الصالح -رحمهم الله- فِي فهم نصوص الكتاب والسنة في جميع أبواب العلم والعمل عمومًا، وفي باب منهج الدعوة إلى الله وباب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب الولاء والبراء خصوصًا، وهذا أمر في غاية الأهمية للداعية؛ إذ بالسير عليه تتحقق مصالح عظام، وتندفع أسواء خطيرة ومفاسد جسام، ورحم الله القائل:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر فِي اتباع من خلف
الرابع عشر: الاعتراف بالفضل لأهله، وتوفير التوقير والاحترام لهم، والقيام بحقوق الآخرين على اختلاف طبقاتِهم تأليفًا للقلوب، وطريقًا لقول الموعظة، وسماع النصيحة، ومحبة الناصحين.
الخامس عشر: أن يكون الداعية إلى الله ذا خلق حسن، وكرم حسي ومعنوي؛ فإن ذلك من أسباب الإقبال على الداعية، والأخذ عنه، والاستفادة منه، فقد جبلت النفوس على محبة من أحسن إليها كما قال القائل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهمُ فطالَمَا استعبد الإنسان إحسانُ
هذه قطوف جليلة، تتعلق بركائز الدعوة ونعوت الداعية.
لا أقول: إنني استقصيت بحثها، ووفيت حقها، ولكنها تنبيهات سريعة بتلك الركائز والنعوت، فيها لفت انتباه وتذكير لنفسي ولإخواني الدعاة إلى الله الذين ينشدون رضا الله وجنته، وصلاح مجتمعات الأمة على اختلاف طبقاتِهم واتجاهاتِهم.
أيها الضيوف الأعزاء والإخوة الكرام: إننا من هاهنا، ومن كل مكان؛ لنحمد الله  على كل نعمة أنعم بِها علينا في هذه البلاد، والتي في مقدمتها نعمة فهم عقيدة التوحيد والتفاعل معها، ونعمة وحدة الكلمة على الحق والاعتصام بحبل الله حكومة وشعبًا على نَهج الطائفة المنصورة التي سئل عنها رسول الله s فقال: ((هي الجماعة))( ) غير مدعين الكمال ولكن كما قال المعصوم s: ((سددوا وقاربوا وأبشروا))( ).
ومن شذ عن منهج الجماعة إلى مناهج أخرى -قد بينتها في غير هذا الموضع- فقد ظلم نفسه، كما نحمده سبحانه على نعمة الأمن والرخاء والتمكين في الأرض بإمامة شرعية، وأئمة هدى، أهل تعاون وتلاحم مع هذه الإمامة في المملكة العربية السعودية من يوم أن توحدت بكلمة التوحيد الخالص ووحدة الكلمة على الحق ونصرته، ومحاربة الباطل في شتى صوره، وإلى يومنا هذا، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وولي عهده الأمين وجميع إخوانِهما وأعوانِهما على الحق المبين، حفظ الله الجميع بحفظه وزادهم من إحسانه وبره، وجزاهم على ما قدموا ويقدمون من خير للإسلام والمسلمين خير الجزاء، إنه سميع مجيب.
وختامًا: فهذه مشاركة مني متواضعة في هذا الاحتفال البهيج الذي ضم كثيرًا من العلماء والدعاة والأدباء، وشارك فيه معالي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي بكلمة ضافية كافية في موضوعها ركَّز فيها على سبعة محاور في ذلك اللقاء، وها أنا أكتب ما سمعته منه:
المحور الأول: ركَّز فيه على الحث على المشاركة في عمل الدعوة إلى الله احتسابًا لوجه الله، وفي محيط منهج السلف الصالح -رحمهم الله- وفي حدود اللوائح التنظيمية، والضوابط الشرعية هكذا قال تلك الليلة.
المحور الثاني: ركَّز فيه على وجوب الاجتماع على كلمة الحق، ونبذ الفرقة، مبينًا أن الاجتماع على الحق هو مراد الله الشرعي من المكلفين من خلقه، وهو طريق أهل السنة والجماعة، وأن الفرقة والخلاف سيما أهل الأهواء والبدع.
المحور الثالث: ركَّز فيه على وجوب السمع والطاعة لله ولرسوله مطلقًا ولولي أمر المسلمين في المعروف باطنًا وظاهرًا، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة السائرين على منهاج السلف.
المحور الرابع: ركَّز فيه على بيان شروط الإمامة الشرعية للأمة، وأنَّها مطبقة في بلادنا، ومنطبقة على ولاة أمرنا، مدللاً على ذلك من النقل والعقل، ومنهج سلف هذه الأمة.
المحور الخامس: ركَّز فيه على بطلان تعدد الجماعات في بلدنا، وأنه أمر منكر، ينكره أولو الأحلام والنهى، ولا مسوغ له من نقل أو عقل؛ بل نحن جماعة واحدة؛ يجب أن نحذو حذو الطائفة الناجية المنصورة التي قال النَّبِي s فِي حقيقتها: ((هي الجماعة))( ).
المحور السادس: ركَّز فيه على بذل الجهد في التوسع في تحصيل العلم الشرعي من مصادره الأصيلة، حتى يكون طالب العلم مؤهلاً للدعوة إلى الله؛ إذ الجاهل لا يصلح أن يكون داعية إلى الله، ولا آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وقديْمًا قيل "فاقد الشيء لا يعطيه".
المحور السابع: ركَّز فيه على الإشادة بجهود الدولة وما تبذله في خدمة الإسلام والمسلمين في داخل البلاد وخارجها، سواء كان ذلك في مجال شئون المساجد والدعوة والإرشاد، أو في قطاع التعليم بكافة مراحله.
هذا ما سمعته من الوزير في ذلك الحفل والله المسئول أن يهدينا وإياه وجميع المسلمين للاعتصام بالمنهج الحق القويم.
ومسك الختام: نسأل الله  أن يكون لهذه الزيارة التي أتت في وقتها المناسب أطيب الأثر؛ فيما يتعلق بشئون الدعوة إلى الله، وأن يجعل لها خير أثر على كل ما يتعلق ببيوت الله الكريمة الطاهرة الَّتِي: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ  رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36، 37]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


المصدر
موقع الدعوة السلفية بصامطة
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 09-13-2010, 06:32 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم


التوحيد أولا

يا دعـاة الإسلام
للعلامة
محمد ناصر الدين الألباني



بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .

من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران : 102) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء : 1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (الأحزاب : 70-71) .

وبعد : فهذه رسالة عظيمة النفع والفائدة للعامة والخاصة ؛ يُجيب فيها عالم من علماء هذا العصر وهو فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى ونفع به ، يجيب فيها على سؤال يدور على ألسنة الغيورين على هذا الدين الذي يحملونه في قلوبهم ويشغلون فكرهم به ليلًا ونهارًا ومجمل السؤال هو :

ما هو السبيل إلى النهوض بالمسلمين وما هو الطريق الذي يتخذونه حتى يمكن الله لهم ويضعهم في المكان اللائق بهم بين الأمم ؟


فأجاب العلامة الألباني -نفع الله به - على هذا السؤال إجابة مفصلة واضحة . ولما لهذه الإجابة من حاجة ، رأينا نشرها . فأسأل الله تعالى أن ينفع بها وأن يهدي المسلمين إلى ما يحب ويرضى ؛ إنه جواد كريم .

سؤال

فضيلة الشيخ لا شك أنكم تعلمون بأن واقع الأمة الديني واقع مرير من حيث الجهل بالعقيدة ، ومسائل الاعتقاد ، ومن حيث الافتراق في المناهج وإهمال نشر الدعوة الإسلامية في أكثر بقاع الأرض طبقًا للعقيدة الأولى والمنهج الأول الذي صلحت به الأمة ، وهذا الواقع الأليم لا شك بأنه قد ولد غيرة عند المخلصين ورغبة في تغييره وإصلاح الخلل ، إلا أنهم اختلفوا في طريقتهم في إصلاح هذا الواقع ؛ لاختلاف مشاربهم العقدية والمنهجية - كما تعلم ذلك فضيلتكم - من خلال تعدد الحركات والجماعات الإسلامية الحزبية والتي ادعت إصلاح الأمة الإسلامية عشرات السنين ، ومع ذلك لم يكتب لها النجاح والفلاح ، بل تسببت تلك الحركات للأمة في إحداث الفتن ونزول النكبات والمصائب العظيمة ، بسبب مناهجها وعقائدها المخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به ؛ مما ترك الأثر الكبير في الحيرة عند المسلمين - وخصوصًا الشباب منهم - في كيفية معالجة هذا الواقع ، وقد يشعر الداعية المسلم المتمسك بمنهاج النبوة المتبع لسبيل المؤمنين ، المتمثل في فهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان من علماء الإسلام ؛ قد يشعر بأنه حمل أمانة عظيمة تجاه هذا الواقع وإصلاحه أو المشاركة في علاجه .


**
فما هي نصيحتكم لأتباع تلك الحركات أو الجماعات ؟


**
وما هي الطرق النافعة الناجعة في معالجة هذا الواقع ؟


**
وكيف تبرأ ذمة المسلم عند الله عز وجل يوم القيامة ؟


الجواب

يجب العناية والاهتمام بالتوحيد أولا كما هو منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام
:
بالإضافة لما ورد في السؤال - السابق ذكره آنفًا - من سوء واقع المسلمين ، نقول : إن هذا الواقع الأليم ليس شرًّا مما كان عليه واقع العرب في الجاهلية حينما بعث إليهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لوجود الرسالة بيننا ، وكمالها ، ووجود الطائفة الظاهرة على الحق ، والتي تهدي به ، وتدعو الناس للإسلام الصحيح : عقيدة ، وعبادة ، وسلوكًا ، ومنهجًا ، ولا شك بأن واقع أولئك العرب في عصر الجاهلية مماثل لما عليه كثير من طوائف المسلمين اليوم ! .

بناء على ذلك نقول : العلاج هو ذاك العلاج ، والدواء هو ذاك الدواء ، فبمثل ما عالج النبي صلى الله عليه وسلم تلك الجاهلية الأولى ، فعلى الدعاة الإسلاميين اليوم - جميعهم - أن يعالجوا سوء الفهم لمعنى " لا إله إلا الله " ، ويعالجوا واقعهم الأليم بذاك العلاج والدواء نفسه . ومعنى هذا واضح جدًّا ؛ إذا تدبرنا قول الله عز وجل لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب : 21) .

فرسولنا صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة في معالجة مشاكل المسلمين في عالمنا المعاصر وفي كل وقت وحين ، ويقتضي ذلك منا أن نبدأ بما بدأ به نبينا صلى الله عليه وسلم وهو إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين أولا ، ومن عبادتهم ثانيًا ، ومن سلوكهم ثالثًا . ولست أعني من هذا الترتيب فصل الأمر الأول بدءًا بالأهم ثم المهم ، ثم ما دونه ! وإنما أريد أن يهتم بذلك المسلمون اهتماما شديدًا كبيرًا ، وأعني بالمسلمين بطبيعة الأمر الدعاة ، ولعل الأصح أن نقول : العلماء منهم ؛ لأن الدعاة اليوم - مع الأسف الشديد - يدخل فيهم كل مسلم ولو كان على فقر مدقع من العلم ، فصاروا يعدون أنفسهم دعاة إلى الإسلام ، وإذا تذكرنا تلك القاعدة المعروفة - لا أقول : عند العلماء فقط بل عند العقلاء جميعًا - تلك القاعدة التي تقول : "فاقد الشيء لا يعطيه " فإننا نعلم اليوم بأن هناك طائفة كبيرة جدًّا يعدون بالملايين من المسلمين تنصرف الأنظار إليهم حين يطلق لفظة : الدعاة . وأعني بهم : جماعة الدعوة ، أو : جماعة التبليغ " ومع ذلك فأكثرهم كما قال الله عز وجل : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (الأعراف : من الآية 187) .

ومعلوم من طريقة دعوتهم أنهم قد أعرضوا بالكلية عن الاهتمام بالأصل الأول - أو بالأمر الأهم - من الأمور التي ذكرت آنفًا ، وأعني : العقيدة والعبادة والسلوك ، وأعرضوا عن الإصلاح الذي بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم بل بدأ به كل الأنبياء ، وقد بيَّنه الله تعالى بقوله : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (النحل : من الآية 36) . فهم لا يعنون بهذا الأصل الأصيل والركن الأول من أركان الإسلام - كما هو معلوم لدى المسلمين جميعًا - هذا الأصل الذي قام يدعو إليه أول رسول من الرسل الكرام ؛ ألا وهو نوح صلى الله عليه وسلم قرابة ألف سنة ، والجميع يعلم أن الشرائع السابقة لم يكن فيها من التفصيل لأحكام العبادات والمعاملات ما هو معروف في ديننا هذا ؛ لأنه الدين الخاتم للشرائع والأديان ، ومع ذلك فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يصرف وقته وجل اهتمامه للدعوة إلى التوحيد ، ومع ذلك أعرض قومه عن دعوته كما بيَّن الله - عز وجل - ذلك في محكم التنزيل وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (نوح : 23) .

فهذا يدل دلالة قاطعة على أن أهم شيء ينبغي على الدعاة إلى " الإسلام الحق" الاهتمام به دائمًا هو الدعوة إلى التوحيد وهو معنى قوله - تبارك وتعالى- : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (محمد : من الآية 19) .

هكذا كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم عملا وتعليمًا .

أما فعله : فلا يحتاج إلى بحث ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي إنما كان فعله ودعوته محصورة في الغالب في دعوة قومه إلى عبادة الله لا شريك له .

أما تعليمًا : ففي حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - الوارد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له : " ليكن أول ما تدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن هم أطاعوك لذلك . . . . . " إلخ الحديث . وهو معلوم ومشهور إن شاء الله تعالى .

إذًا ، قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يبدؤوا بما بدأ به وهو الدعوة إلى التوحيد ، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا جدًّا بين أولئك العرب المشركين - من حيث إنهم كانوا يفهمون ما يقال لهم بلغتهم - ، وبين أغلب العرب المسلمين اليوم الذين ليسوا بحاجة أن يدعوا إلى أن يقولوا : لا إله إلا الله ؛ لأنهم قائلون بها على اختلاف مذاهبهم وطرائقهم وعقائدهم ، فكلهم يقولون : لا إله إلا الله ، لكنهم في الواقع بحاجة أن يفهموا - أكثر - معنى هذه الكلمة الطيبة ، وهذا الفرق فرق جوهري - جدًّا - بين العرب الأولين الذين كانوا إذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : لا إله إلا الله يستكبرون ، كما هو مبين في صريح القرآن العظيم لماذا يستكبرون ؟ ؛ لأنهم يفهمون أن معنى هذه الكلمة أن لا يتخذوا مع الله أندادًا وألا يعبدوا إلا الله ، وهم كانوا يعبدون غيره ، فهم ينادون غير الله ويستغيثون بغير الله ؛ فضلا عن النذر لغير الله ، والتوسل بغير الله ، والذبح لغيره والتحاكم لسواه . . . . إلخ .

هذه الوسائل الشركية الوثنية المعروفة التي كانوا يفعلونها ، ومع ذلك كانوا يعلمون أن من لوازم هذه الكلمة الطيبة - لا إله إلا الله - من حيث اللغة العربية أن يتبرؤوا من كل هذه الأمور ؛ لمنافاتها لمعنى " لا إله إلا الله " .
غالب المسلمين اليوم لا يفقهون معنى لا إله إلا الله فهمًا جيدًا :
أما غالب المسلمين اليوم الذين يشهدون بأن " لا إله إلا الله " فهم لا يفقهون معناها جيدًا ، بل لعلهم يفهمون معناها فهمًا معكوسًا ومقلوبًا تمامًا ؛ أضرب لذلك مثلا : بعضهم أَلَّفَ رسالة في معنى " لا إله إلا الله " ففسرها : " لا رب إلا الله!! " وهذا المعنى هو الذي كان المشركون يؤمنون به وكانوا عليه ، ومع ذلك لم ينفعهم إيمانهم هذا ، قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (لقمان : من الآية 25) .

فالمشركون كانوا يؤمنون بأن لهذا الكون خالقًا لا شريك له ، ولكنهم كانوا يجعلون مع الله أندادًا وشركاء في عبادته ، فهم يؤمنون بأن الرب واحد ولكن يعتقدون بأن المعبودات كثيرة ، ولذلك ردّ الله تعالى - هذا الاعتقاد - الذي سماه عبادة لغيره من دونه بقوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر : من الآية 3) .

لقد كان المشركون يعلمون أن قول : " لا إله إلا الله " يلزم له التبرؤ من عبادة ما دون الله عز وجل ، أما غالب المسلمين اليوم ؛ فقد فسروا هذه الكلمة الطيبة " لا إله إلا الله " بـ : " لا رب إلا الله !! " فإذا قال المسلم : لا إله إلا الله " ، وعبد مع الله غيره ؛ فهو والمشركون سواء ، عقيدة ، وإن كان ظاهره الإسلام ؛ لأنه يقول لفظة : " لا إله إلا الله" فهو بهذه العبارة مسلم لفظيًّا ظاهرًا ، وهذا مما يوجب علينا جميعًا - بصفتنا دعاة إلى الإسلام- الدعوة إلى التوحيد وإقامة الحجة على من جهل معنى" لا إله إلا الله " وهو واقع في خلافها ؛ بخلاف المشرك ؛ لأنه يأبى أن يقول : " لا إله إلا الله " فهو ليس مسلمًا لا ظاهرًا ولا باطنًا فأما جماهير المسلمين اليوم هم مسلمون ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى .

لذلك ، فإني أقول كلمة - وهي نادرة الصدور مني - ، وهي : إن واقع كثير من المسلمين اليوم شر مما كان عليه عامة العرب في الجاهلية الأولى من حيث سوء الفهم لمعنى هذه الكلمة الطيبة ؛ لأن المشركين العرب كانوا يفهمون ، ولكنهم لا يؤمنون ، أما غالب المسلمين اليوم ، فإنهم يقولون ما لا يعتقدون ، يقولون : لا إله إلا الله ، ولا يؤمنون -حقًّا - بمعناها لذلك فأنا أعتقد أن أول واجب على الدعاة المسلمين - حقًّا - هو أن يدندنوا حول هذه الكلمة وحول بيان معناها بتلخيص ، ثم بتفصيل لوازم هذه الكلمة الطيبة بالإخلاص لله عز وجل في العبادات بكل أنواعها ؛ لأن الله عز وجل لما حكى عن المشركين قوله : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر : من الآية 3) ، جعل كل عبادة توجه لغير الله كفرًا بالكلمة الطيبة : لا إله إلا الله ؛ لهذا ؛ أنا أقول اليوم : لا فائدة مطلقًا من تكتيل المسلمين ومن تجميعهم ، ثم تركهم في ضلالهم دون فهم هذه الكلمة الطيبة ، وهذا لا يفيدهم في الدنيا قبل الآخرة ! نحن نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم : من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه حرم الله بدنه على النار وفي رواية أخرى : دخل الجنة . فيمكن ضمان دخول الجنة لمن قالها مخلصًا حتى لو كان بعد لأي وعذاب يمس القائل ، والمعتقد الاعتقاد الصحيح لهذه الكلمة ، فإنه قد يعذب بناءً على ما ارتكب واجترح من المعاصي والآثام ، ولكن سيكون مصيره في النهاية دخول الجنة ، وعلى العكس من ذلك ؛ من قال هذه الكلمة الطيبة بلسانه ، ولما يدخل الإيمان إلى قلبه ؛ فذلك لا يفيده شيئًا في الآخرة ، قد يفيده في الدنيا النجاة من القتال ومن القتل إذا كان للمسلمين قوة وسلطان ، وأما في الآخرة فلا يفيد شيئًا إلا إذا كان قائلا لها وهو فاهم معناها أولا ، ومعتقدًا لهذا المعنى ثانيًا ؛ لأن الفهم وحده لا يكفي إلا إذا اقترن مع الفهم الإيمان بهذا المفهوم ، وهذه النقطة ؛ أظن أن أكثر الناس عنها غافلون ! وهي : لا يلزم من الفهم الإيمان بل لا بد أن يقترن كل من الأمرين مع الآخر حتى يكون مؤمنًا ؛ ذلك لأن كثيرًا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يعرفون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول صادق فيما يدعيه من الرسالة والنبوة ، ولكن مع هذه المعرفة التي شهد لهم بها ربنا عز وجل حين قال : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (البقرة : من الآية 146) . ومع ذلك هذه المعرفة ما أغنت عنهم من الله شيئًا لماذا ؟ لأنهم لم يصدقوه فيما يدعيه من النبوة والرسالة ، ولذلك فإن الإيمان تسبقه المعرفة ولا تكفي وحدها ، بل لا بد أن يقترن مع المعرفة الإيمان والإذعان ، لأن المولى عز وجل يقول في محكم التنزيل : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (محمد : من الآية 19) .

وعلى هذا ، فإذا قال المسلم : لا إله إلا الله بلسانه ؛ فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة هذه الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل ، فإذا عرف وصدق وآمن ؛ فهو الذي يصدق عليه تلك الأحاديث التي ذكرت بعضها آنفًا ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم مشيرًا إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته آنفًا : من قال : لا إله إلا الله ، نفعته يومًا من دهره .

أي كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها منجية له من الخلود في النار - وهذا كرره لكي يرسخ في الأذهان - وقد لا يكون قد قام بمقتضاها من كمال العمل الصالح والانتهاء عن المعاصي ولكنه سلم من الشرك الأكبر وقام بما يقتضيه ويستلزمه شروط الإيمان من الأعمال القلبية - والظاهرية حسب اجتهاد بعض أهل العلم وفيه تفصيل ليس هذا محل بسطه - ؛ وهو تحت المشيئة ، وقد يدخل النار جزاء ما ارتكب أو فعَل من المعاصي أو أخلَّ ببعض الواجبات ، ثم تنجيه هذه الكلمة الطيبة أو يعفو الله عنه بفضل منه وكرمه ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم المتقدم ذكره : من قال : لا إله إلا الله ، نفعته يومًا من دهره ، أما من قالها بلسانه ولم يفقه معناها ، أو فقه معناها ولكنه لم يؤمن بهذا المعنى ؛ فهذا لا ينفعه قوله : لا إله إلا الله ، إلا في العاجلة إذا كان يعيش في ظل الحكم الإسلامي وليس في الآجلة .

لذلك لا بد من التركيز على الدعوة إلى التوحيد في كل مجتمع أو تكتل إسلامي يسعى- حقيقة وحثيثًا - إلى ما تدندن به كل الجماعات الإسلامية أو جُلها ، وهو تحقيق المجتمع الإسلامي وإقامة الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله على أيّ أرض لا تحكم بما أنزل الله ، هذه الجماعات أو هذه الطوائف لا يمكنها أن تحقق هذه الغاية - التي أجمعوا على تحقيقها وعلى السعي- حثيثًا إلى جعلها حقيقة واقعية - إلا بالبدء بما بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم . 50
وجوب الاهتمام بالعقيدة لا يعني إهمال باقي الشرع من عبادات وسلوك ومعاملات وأخلاق :
وأعيد التنبيه بأنني لا أعني الكلام في بيان الأهم فالمهم وما دونه على أن يقتصر الدعاة فقط على الدعوة إلى هذه الكلمة الطيبة وفهم معناها ، بعد أن أتم الله عز وجل علينا النعمة بإكماله لدينه ! بل لا بد لهؤلاء الدعاة أن يحملوا الإسلام كُلًّا لا يتجزأ ، وأنا حين أقول هذا- بعد ذلك البيان الذي خلاصته : أن يهتم الدعاة الإسلاميون حقًّا بأهم ما جاء به الإسلام ، وهو تفهيم المسلمين العقيدة الصحيحة النابعة من الكلمة الطيبة "لا إله إلا الله " ، أريد أن أسترعي النظر إلى هذا البيان لا يعني أن يفهم المسلم فقط أن معنى : " لا إله إلا الله " ، هو لا معبود بحق في الوجود إلا الله فقط ! بل هذه يستلزم أيضًا أن يفهم العبادات التي ينبغي أن يعبد ربنا- عز وجل - بها ، ولا يوجه شيئًا منها لعبد من عباد الله تبارك وتعالى ، فهذا التفصيل لا بد أن يقترن بيانه أيضًا بذلك المعنى الموجز للكلمة الطيبة ، ويحسن أن أضرب مثلا - أو أكثر من مثل ، حسبما يبدو لي - لأن البيان الإجمالي لا يكفي .

أقول : إن كثيرًا من المسلمين الموحدين حقًّا والذين لا يوجهون عبادة من العبادات إلى غير الله عز وجل ، ذهنهم خالٍ من كثير من الأفكار والعقائد الصحيحة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة ، فكثير من هؤلاء الموحدين يمرون على كثير من الآيات وبعض الأحاديث التي تتضمن عقيدة وهم غير منتبهين إلى ما تضمنته ، مع أنها من تمام الإيمان بالله عز وجل ، خذوا مثلا عقيدة الإيمان بعلو الله عز وجل ، على ما خلقه ، أنا أعرف بالتجربة أن كثيرًا من إخواننا الموحدين السلفيين يعتقدون معنا بأن الله عز وجل على العرش استوى دون تأويل ، ودون تكييف ، ولكنهم حين يأتيهم معتزليون عصريون ، أو جهميون عصريون ، أو ماتريدي أو أشعري ويلقي إليه شبهة قائمة على ظاهر آية لا يفهم معناها المُوسوِس ولا المُوسوَس إليه ، فيحار في عقيدته ، ويضل عنها بعيدًا ، لماذا؟ لأنه لم يتلق العقيدة الصحيحة من كل الجوانب التي تعرض لبيانها كتاب ربنا -عز وجل - وحديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فحينما يقول المعتزلي المعاصر : الله - عز وجل - يقول : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ (الملك : الآيتان 16-17) . وأنتم تقولون : إن الله في السماء ، وهذا معناه أنكم جعلتم معبودكم في ظرف هو السماء المخلوقة!! فإنه يلقي شبهة على من أمامه .

بيان عدم وضوح العقيدة الصحيحة ولوازمها في أذهان الكثيرين :
أريد من هذا المثال أن أبين أن عقيدة التوحيد بكل لوازمها ومتطلباتها ليست واضحة - للأسف في أذهان كثير ممن آمنوا بالعقيدة السلفية نفسها ، فضلا عن الآخرين الذين اتبعوا العقائد الأشعرية أو الماتريدية أو الجهمية في مثل هذه المسألة ، فأنا أرمي بهذا المثال إلى أن المسألة ليست بهذا اليسر الذي يصوره اليوم بعض الدعاة الذين يلتقون معنا في الدعوة إلى الكتاب والسنة ؛ إن الأمر ليس بالسهولة التي يدعيها بعضهم ، والسبب ما سبق بيانه من الفرق بين جاهلية المشركين الأولين حينما كانوا يُدعون ليقولوا : لا إله إلا الله فيأبَون ؛ لأنهم يفهمون معنى هذه الكلمة الطيبة ، وبين أكثر المسلمين المعاصرين اليوم حينما يقولون هذه الكلمة ؛ ولكنهم لا يفهمون معناها الصحيح ، هذا الفرق الجوهري هو الآن متحقق في مثل هذه العقيدة ، وأعني بها علو الله عز وجل على مخلوقاته كلها ، فهذا يحتاج إلى بيان ، ولا يكفي أن يعتقد المسلم الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طـه : 5) . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء دون أن يعرف أن كلمة "في " التي وردت في هذا الحديث ليست ظرفية ، وهي مثل "في " التي وردت في قوله تعالى : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ (الملك : الآيتان 15-16) . ؛ لأن " في " هنا بمعنى " على " والدليل على ذلك كثير وكثير جدًّا ؛ فمن ذلك : الحديث السابق المتدَاول بين ألسنة الناس ، وهو بمجموع طرقه -والحمد لله - صحيح ، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ارحموا من في الأرض لا يعني الحشرات والديدان التي هي في داخل الأرض ! وإنما من على الأرض ؛ من إنسان وحيوان ، وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم : " . . . يرحمكم من في السماء ، أي : على السماء ، فمثل هذا التفصيل لا بد للمستجيبين لدعوة الحق أن يكونوا على بينة منه ، ويُقَرِّب هذا : حديثُ الجارية وهي راعية غنم ، وهو مشهور معروف ، وإنما أذكر الشاهد منه ؛ حينما سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين الله ؟" قالت له : في السماء" لو سألت اليوم كبار شيوخ الأزهر - مثلا - أين الله ؟ لقالوا لك : في كل مكان ! بينما الجارية أجابت بأنه في السماء ، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم ، لماذا ؟ لأنها أجابت على الفطرة ، وكانت تعيش بما يمكن أن نسميه بتعبيرنا العصري ( بيئة سلفية) لم تتلوث بأي بيئة سيئة - بالتعبير العام - ؛ لأنها تخرجت كما يقولون اليوم - من مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم - هذه المدرسة لم تكن خاصة ببعض الرجال ولا ببعض النساء ، وإنما كانت مشاعة بين الناس وتضم الرجال والنساء وتعم المجتمع بأكمله ، ولذلك عرفت راعية الغنم العقيدة ؛ لأنها لم تتلوث بأي بيئة سيئة ؛ عرفت العقيدة الصحيحة التي جاءت في الكتاب والسنة وهو ما لم يعرفه كثير ممن يدعي العلم بالكتاب والسنة ، فلا يعرف أين ربه! مع أنه مذكور في الكتاب والسنة ، واليوم أقول : لا يوجد شيء من هذا البيان وهذا الوضوح بين المسلمين بحيث لو سألت -لا أقول : راعية غنم - بل راعي أمة أو جماعة ؛ فإنه قد يحار في الجواب كما يحار الكثيرون اليوم إلا من رحم الله ، وقليل ما هم !!!

الدعوة إلى العقيدة الصحيحة تحتاج إلى بذل جهد عظيم ومستمر :
فإذًا ، فالدعوة إلى التوحيد وتثبيتها في قلوب الناس تقتضي منا ألا نمر بالآيات دون تفصيل كما في العهد الأول ؛ لأنهم - أولا - كانوا يفهمون العبارات العربية بيسر ، وثانيًا لأنه لم يكن هناك انحراف وزيغ في العقيدة نبع من الفلسفة وعلم الكلام ، فقام ما يعارض العقيدة السليمة ، فأوضاعنا اليوم تختلف تمامًا عما كان عليه المسلمون الأوائل ، فلا يجوز أن نتوهم بأن الدعوة إلى العقيدة الصحيحة هي اليوم من اليسر كما كان الحال في العهد الأول ، وأُقَرِّب هذا في مَثَل لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان - إن شاء الله تعالى- :

من اليسر المعروف حينئذ أن الصحابي يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ثم التابعي يسمع الحديث من الصحابي مباشرة . . . وهكذا نقف عند القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية ، ونسأل : هل كان هناك شيء اسمه علم الحديث ؟ الجواب : لا ، وهل كان هناك شيء اسمه علم الجرح والتعديل ؟ الجواب : لا ، أما الآن فهذان العلمان لا بد منهما لطالب العلم ، وهما من فروض الكفاية ؛ وذلك لكي يتمكن العالم اليوم من معرفة الحديث إن كان صحيحًا أو ضعيفًا ، فالأمر لم يعد مُيسرًا سهلا كما كان ذلك ميسرًا للصحابي ؛ لأن الصحابي كان يتلقى الحديث من الصحابة الذين زكوا بشهادة الله - عز وجل - لهم . . . . إلخ . فما كان يومئذ ميسورًا ليس ميسورًا اليوم من حيث صفاء العلم وثقة مصادر التلقي ، لهذا لا بد من ملاحظة هذا الأمر والاهتمام به كما ينبغي مما يتناسب مع المشاكل المحيطة بنا اليوم بصفتنا مسلمين ، والتي لم تحط بالمسلمين الأولين من حيث التلوث العقدي الذي سبب إشكالات وأوجد شبهات من أهل البدع المنحرفين عن العقيدة الصحيحة منهج الحق تحت مسميات كثيرة ، ومنها الدعوة إلى الكتاب والسنة فقط ! كما يزعم ذلك ويدعيه المنتسبون إلى علم الكلام .

ويحسن بنا هنا أن نذكر بعض ما جاء في الأحاديث الصحيحة في ذلك ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الغرباء في بعض تلك الأحاديث ، قال : للواحد منهم خمسون من الأجر " ، قالوا : منا يا رسول الله أو منهم ؟ قال : " منكم .

وهذا من نتائج الغربة الشديدة للإسلام اليوم التي لم تكن في الزمن الأول ، ولا شك أن غربة الزمن الأول كانت بين شرك صريح وتوحيد خال من كل شائبة ، بين كفر بواح وإيمان صادق ، أما الآن فالمشكلة بين المسلمين أنفسهم فأكثرهم توحيده مليء بالشوائب ، ويوجه العبادات إلى غير الله ويدعي الإيمان ؛ هذه القضية ينبغي الانتباه لها أولا ، وثانيًا : لا ينبغي أن يقول بعض الناس : إننا لا بد لنا من الانتقال إلى مرحلة أخرى غير مرحلة التوحيد وهي العمل السياسي !! لأن الإسلام دعوته دعوة حق أولا ، فلا ينبغي أن نقول : نحن عرب والقرآن نزل بلغتنا ، مع تذكيرنا أن العرب اليوم عكس الأعاجم الذين استعربوا ، بسبب بُعدهم عن لغتهم ، +وهذا+ ما أبعدهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ، فهب أننا - نحن العرب - قد فهمنا الإسلام فهمًا صحيحًا ، فليس من الواجب علينا أن نعمل عملا سياسيًّا ، ونحرك الناس تحريكًا سياسيًّا ، ونشغلهم بالسياسة عما يجب عليهم الاشتغال به ، في فهم الإسلام : في العقيدة ، والعبادة ، والمعاملة والسلوك !! فأنا لا أعتقد أن هناك شعبًا يعد بالملايين قد فهم الإسلام فهمًا صحيحًا -أعني : العقيدة ، والعبادة ، والسلوك - ورُبي عليها .

أساس التغيير هو منهج التصفية والتربية :
ولذلك نحن ندندن أبدًا ونركز دائمًا حول النقطتين الأساسيتين اللتين هما قاعدة التغيير الحق ، وهما : التصفية والتربية ، فلا بد من الأمرين معًا ؛ التصفية والتربية ، فإن كان هناك نوع من التصفية في بلد فهو في العقيدة ، وهذا - بحد ذاته - يعتبر عملا كبيرًا وعظيمًا أن يحدث في جزء من المجتمع الإسلامي الكبير- أعني : شعبًا من الشعوب - ، أما العبادة فتحتاج إلى أن تتخلص من المذهبية الضيقة ، والعمل على الرجوع إلى السنة الصحيحة ، فقد يكون هناك علماء أجلاء فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا من كل الجوانب ، لكني لا أعتقد أن فردًا أو اثنين ، أو ثلاثة ، أو عشرة ، أو عشرين يمكنهم أن يقوموا بواجب التصفية ، تصفية الإسلام من كل ما دخل فيه ؛ سواء في العقيدة ، أو العبادة ، أو السلوك ، إنه لا يستطيع أن ينهض بهذا الواجب أفراد قليلون يقومون بتصفية ما علق به من كل دخيل ويربوا من حولهم تربية صحيحة سليمة ، فالتصفية والتربية الآن مفقودتان .

ولذلك سيكون للتحرك السياسي في أي مجتمع إسلامي لا يحكم بالشرع آثار سيئة قبل تحقيق هاتين القضيتين الهامتين ، أما النصيحة فهي تحل محل التحرك السياسي في أي بلد يحكم بالشرع من خلال المشورة أو من خلال إبدائها بالتي هي أحسن بالضوابط الشرعية بعيدًا عن لغة الإلزام أو التشهير ، فالبلاغ يقيم الحجة ويبرئ الذمة .

ومن النصح أيضًا ، أن نشغل الناس فيما ينفعهم ؛ بتصحيح العقيدة ، والعبادة ، والسلوك ، والمعاملات .

وقد يظن بعضهم أننا نريد تحقيق التربية والتصفية في المجتمع الإسلامي ! كل هذا ما لا نفكر فيه ولا نحلم به في المنام ؛ لأن هذا تحقيقه مستحيل ؛ ولأن الله عز وجل يقول في القرآن الكريم وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (هود : 118) . وهؤلاء لا يتحقق فيهم قول ربنا تعالى هذا إلا إذا فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا وربوا أنفسهم وأهليهم ومن كان حولهم على هذا الإسلام الصحيح .

من يشتغل بالعمل السياسي ؟ ومتى ؟

فالاشتغال الآن بالعمل السياسي مشغلة ! مع أننا لا ننكره ، إلا أننا نؤمن بالتسلسل الشرعي المنطقي في آن واحد ، نبدأ بالعقيدة ، ونثني بالعبادة ثم بالسلوك ؛ تصحيحًا وتربية ثم لا بد أن يأتي يوم ندخل فيه في مرحلة السياسة بمفهومها الشرعي ؛ لأن السياسة معناه : إدارة شؤون الأمة ، من الذي يدير شؤون الأمة ؟ ليس زيدًا ، وبكرًا ، وعمرًا ؛ ممن يؤسس حزبًا أو يترأس حركة ، أو يوجه جماعة !! هذا الأمر خاص بولي الأمر ؛ الذي يُبَايَع من قِبَل المسلمين ، هذا هو الذي يجب عليه معرفة سياسة الواقع وإدارته ، فإذا كان المسلمون غير متحدين - كحالنا اليوم - فيتولى ذلك كل ولي أمر حسب حدود سلطاته ، أما أن نشغل أنفسنا في أمور لو افترضنا أننا عرفناها حق المعرفة فلا تنفعنا معرفتنا هذه ؛ لأننا لا نتمكن من إدارتها ؛ ولأننا لا نملك القرار لإدارة الأمة ، وهذا وحده عبث لا طائل تحته ، ولنضرب مثلا الحروب القائمة ضد المسلمين في كثير من بلاد الإسلام هل يفيد أن نشعل حماسة المسلمين تجاهها ونحن لا نملك الجهاد الواجب إدارته من إمام مسؤول عُقدت له البيعة ؟! لا فائدة من هذا العمل ، ولا نقول : إنه ليس بواجب ! ولكننا نقول : إنه أمر سابق لأوانه ، ولذلك فعلينا أن نشغل أنفسنا وأن نشغل غيرنا ممن ندعوهم إلى دعوتنا ؛ بتفهيمهم الإسلام الصحيح ، وتربيتهم تربية صحيحة ، أما أن نشغلهم بأمور حماسية وعاطفية ، فذلك مما سيصرفهم عن التمكن في فهم الدعوة التي يجب أن يقوم بها كل مكلف من المسلمين ؛ كتصحيح العقيدة ، وتصحيح العبادة ، وتصحيح السلوك ، وهي من الفروض العينية التي لا يُعذر المقصر فيها ، وأما الأمور الأخرى فبعضها يكون من الأمور الكفائية ، كمثل ما يسمى اليوم بـ (فقه الواقع) والاشتغال بالعمل السياسي الذي هو من مسئولية من لهم الحل والعقد ، الذين بإمكانهم أن يستفيدوا من ذلك عمليًّا ، أما أن يعرفه بعض الأفراد الذين ليس بأيديهم حل ولا عقد ويشغلوا جمهور الناس بالمهم عن الأهم ، فذلك مما صرفهم عن المعرفة الصحيحة ! وهذا مما نلمسه لمس اليد في كثير من مناهج الأحزاب والجماعات الإسلامية اليوم ، حيث نعرف أن بعضهم انصرف عن تعليم الشباب المسلم المتكتل والملتف حول هؤلاء الدعاة من أجل أن يتعلم ويفهم العقيدة الصحيحة ، والعبادة الصحيحة ، والسلوك الصحيح ، وإذا ببعض هؤلاء الدعاة ينشغلون بالعمل السياسي ومحاولة الدخول في البرلمانات التي تحكم بغير ما أنزل الله ! فصرفهم هذا عن الأهم واشتغلوا بما ليس مُهمًا في هذه الظروف القائمة الآن .

أما ما جاء في السؤال عن كيفية براءة ذمة المسلم أو مساهمته في تغيير هذا الواقع الأليم ؛ فنقول : كل من المسلمين بحسبه ، العالم منهم يجب عليه ما لا يجب على غير العالم ، وكما أذكر في مثل هذه المناسبة : أن الله عز وجل قد أكمل النعمة بكتابه ، وجعله دستورًا للمؤمنين به ، من ذلك أن الله تعالى قال : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (الأنبياء : من الآية 7) فالله سبحانه وتعالى قد جعل المجتمع الإسلامي قسمين : عالمًا ، وغير عالم ، وأوجب على كل منهما ما لم يوجبه على الآخر ، فعلى الذين ليسوا بعلماء أن يسألوا أهل العلم ، وعلى العلماء أن يجيبوهم عما سئلوا عنه ، فالواجبات - من هذا المنطلق - تختلف باختلاف الأشخاص ، فالعالم اليوم عليه أن يدعوا إلى دعوة الحق في حدود الاستطاعة ، وغير العالم عليه أن يسأل عما يهمه بحق نفسه أو من كان راعيًا ؛ كزوجة أو ولد أو نحوه ، فإذا قام المسلم -من كلا الفريقين - بما يستطيع ؛ فقد نجا ؛ لأن الله عز وجل يقول : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (البقرة : من الآية 286) .

نحن - مع الأسف نعيش في مأساة ألمت بالمسلمين ، لا يعرف التاريخ لها مثيلًا ، وهو تداعي الكفار على المسلمين ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في مثل حديثه المعروف والصحيح : تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" ، قالوا : أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : "لا ، أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم لكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن" ، قالوا : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : "حب الدنيا وكراهية الموت . .

فواجب العلماء إذًا أن يجاهدوا في التصفية والتربية ، وذلك بتعليم المسلمين التوحيد الصحيح وتصحيح العقائد والعبادات ، والسلوك ، كل حسب طاقته وفي البلاد التي يعيش فيها ؛ لأنهم لا يستطيعون القيام بجهاد اليهود في صف واحد ما داموا كحالنا اليوم ، متفرقين ، لا يجمعهم بلد واحد ولا صف واحد ، فإنهم لا يستطيعون القيام بمثل هذا الجهاد لصد الأعداء الذين تداعوا عليهم ، ولكن عليهم أن يتخذوا كل وسيلة شرعية بإمكانهم أن يتخذوها ؛ لأننا لا نملك القدرة المادية ، ولو استطعنا ، فإننا لا نستطيع أن نتحرك فعلا ؛ لأن هناك حكومات وقيادات وحكامًا في كثير من بلاد المسلمين يتبنون سياسات لا تتفق مع السياسة الشرعية - مع الأسف الشديد - لكننا نستطيع أن نحقق - بإذن الله تعالى - هذين الأمرين العظيمين اللذين ذكرتهما آنفًا وهما التصفية والتربية ، وحينما يقوم الدعاة المسلمون بهذا الواجب المهم جدًّا في بلد لا يتبنى سياسة لا تتفق مع السياسة الشرعية ، ويجتمعون على هذا الأساس ، فأنا أعتقد - يومئذ- أنه سيصدق عليهم قول الله عز وجل : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ (الروم : من الآية 4-5) .

الواجب على كل مسلم أن يطبق حكم الله في شئون حياته كلها فيما يستطيعه :
إذًا ، واجب كل مسلم أن يعمل ما باستطاعته ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وليس هناك تلازم بين إقامة التوحيد الصحيح والعبادة الصحيحة ، وبين إقامة الدولة الإسلامية في البلاد التي لا تحكم بما أنزل الله ؛ لأن أول ما يحكم بما أنزل الله -فيه- هو إقامة التوحيد ، وهناك - بلا شك - أمور خاصة وقعت في بعض العصور وهي أن تكون العزلة خيرًا من المخالطة ، فيعتزل المسلم في شعب من الشعاب ويعبد ربه ، ويكف من شر الناس إليه ، وشره إليهم ، هذا الأمر قد جاءت فيه أحاديث كثيرة جدًّا وإن كان الأصل كما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - : "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم " . فالدولة المسلمة - بلا شك - وسيلة لإقامة حكم الله في الأرض ، وليست غاية بحد ذاتها .

ومن عجائب بعض الدعاة أنهم يهتمون بما لا يستطيعون القيام به من الأمور ، ويدعون ما هو واجب عليهم وميسور ! وذلك بمجاهدة أنفسهم كما قال ذلك الداعية المسلم ؛ الذي أوصى أتباعه بقوله : " أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقم لكم في أرضكم"

ومع ذلك فنحن نجد كثيرًا من أتباعه يخالفون ذلك ، جاعلين جُل دعوتهم إلى إفراد الله عز وجل بالحكم ، ويعبرون عن ذلك بالعبارة المعروفة : " الحاكمية لله " . ولا شك بأن الحكم لله وحده ولا شريك له في ذلك ولا في غيره ، ولكنهم ؛ منهم من يقلد مذهبًا من المذاهب الأربعة ، ثم يقول - عندما تأتيه السنة الصريحة الصحيحة - : هذا خلاف مذهبي ! فأين الحكم بما أنزل الله في اتباع السنة؟! .

ومنهم من تجده يعبد الله على الطرق الصوفية ! فأين الحكم بما أنزل الله بالتوحيد ؟! فهم يطالبون غيرهم بما لا يطالبون به أنفسهم ، إن من السهل جدًّا أن تطبق الحكم بما أنزل الله في عقيدتك ، في عبادتك ، في سلوكك ، في دارك ، في تربية أبنائك ، في بيعك ، في شرائك ، بينما من الصعب جدًّا أن تجبر أو تزيل ذلك الحاكم الذي يحكم في كثير من أحكامه بغير ما أنزل الله ، فلماذا تترك الميسر إلى المعسر؟! .

هذا يدل على أحد شيئين : إما أن يكون هناك سوء تربية ، وسوء توجيه . وإما أن يكون هناك سوء عقيدة تدفعهم وتصرفهم إلى الاهتمام بما لا يستطيعون تحقيقه عن الاهتمام بما هو داخل في استطاعتهم ، فأما اليوم فلا أرى إلا الاشتغال كل الاشتغال بالتصفية والتربية ودعوة الناس إلى صحيح العقيدة والعبادة ، كل في حدود استطاعته ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، والحمد لله رب العالمين .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد عليه وآله وسلم .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 09-13-2010, 06:33 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

مشاكل الدعوة والدعاة في العصر الحديث

تأليف:

الشيخ محمد أمان بن علي الجامي رحمه الله

الناشر:

الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة

الطبعة الرابعة

ص -5- الحمد الله المنعم المتفضل تفضل علينا بنعمة الإسلام والدعوة إليه وصلاة الله وسلامه وبركاته على رسوله المصطفى والنبي المرتضى نبينا محمد وآله وصحبه أئمة الهدى ودعاة الحق والتابعين لهم على منهاجهم في الدعوة إلى الله تعالى. وبعد.
إن معرفة الدعاة، سنة الله مع دعاة الحق قديما وحديثا وكيف امتحن الله الرسل وأتباعهم أن هذه المعرفة لما يخفف على الدعاة وطأة المشاكل والمحن إذا ما أوذوا في سبيل دعوتهم ولا بد أن يؤذوا.
ومما قاله ورقة بن نوفل لرسول الله عليه الصلاة والسلام عندما زاره في صحبة خديجة أم المؤمنين ليخبره ما جرى له في جبل حراء مع جبريل مما قاله ورقة: "ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي"1.
تلك هي سنة الله مع دعاة الحق. ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولن تجد لسنة الله تحويلا. لو ذهبنا لنرى كيف عاش أول رسالة إلى أهل الأرض وهي رسالة نوح عليه السلام رأينا الرسول نوحا يقاسي من قومه صنوفا من المشاكل من سخرية السفهاء وعناد المعاندين. وعلى الرغم من ذلك نراه يجابه الجاهلية ويصدع بالحق {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}2 وثارت الجاهلية وعاندت وكابرت وأخيرا أخذ نوح يجأر إلى الله ويدعو عليهم الدعاء الأخير

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه خ بدء الوحي وغيره من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها حديث رقم 3 وأطراف هذا الحديث في ستة مواضع في الجامع الصحيح.
2 سورة نوح الآية 3.



ص -6- : {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً}1 ولو تركنا نوحا وتمرد الجاهلية ودعاء نوح بالهلاك لترى تلك المحنة التي عاشها خليل الرحمن إبراهيم إذ جاء إبراهيم قومه بأسلوب لا يتوقعونه إذ قام من توه بأسلوب يهدم الجاهلية ليبني على أنقاضها الإسلام, الإسلام الذي لا يقبل الله سواه { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}2 .
صاح فيهم صيحة الحق قائلا: { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}3 .
فهاجت الجاهلية وجن جنونها وقررت أخيرا التخلص من الرسول ورسالته وأصدرت قراراها القائل {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}4 بيد أنه صدر من السماء قرار {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ}5 فأبطل هذا القرار مفعول قرار الجاهلية ولله الحمد والمنة، هكذا امتحن الرسولان الكريمان ولكن العاقبة للمتقين.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة نوح الآية 27
2 سورة آل عمران الآية 85.
3 سورة الأنبياء الآية 67.
4 سورة الأنبياء الآية 68.
5 سورة الأنبياء الآية 70.



ص -7- موسى عليه السلام
أما موسى عليه السلام فقد تنوعت المشاكل معه ورافقته المحن والمخاوف وهو رضيع ثم شبت معه حيث أخذ يحاول الطاغية فرعون التخلص منه وهو رضيع ثم بدأ يؤذيه سفهاء قومه من جهة فتجلد حتى بلغ رسالة ربه في وسط تلك الأمواج المتلاطمة من المحن المتنوعة. فيخبر القرآن آخر قصة موسى مع فرعون فيقول: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ}1

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة القمر الآيتان 41-42

عيسى عليه السلام
إذا كان موسى عليه السلام قد رافقته المحن كما قلنا منذ أن كان في المهد صبيا بأن عيسى عليه السلام قد واجهته ألوان من الشكوك موجهة إليه وإلى والدته فور أن وجد في هذه الدنيا فقاسى ضروبا من العنت إذا اختلف فيه القوم بين قائل هو ابن الله أو الله نفسه وبين قائل هو ولد بغي فجعل عيسى عليه السلام يعرف القوم نفسه وحقيقته فيما تخبرنا به سورة مريم: { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَالسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}1 وعلى الرغم من هذه الحقيقة التي شرحها القرآن لم يزل القوم يتمردون عليه ويؤذونه.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة مريم الآيتان 30-34



ص -8- ولكنه كان يقابل ذلك بالصبر الجميل والتحمل وكان محاطا بعناية الله تعالى وقد تآمروا على قتله وصلبه ولكن الله جعل فداءه ذلك الرجل الذي كان دليلا لهم يدلهم على مخبئه فقتلوه ثم صلبوه جزاء وفاقا. فأشاعوا بأنهم قتلوا عيسى وصلبوه فيوضح القرآن هذه الحقيقة ويخبر أن تلك الإشاعة عنه ليس لها أصل من الصحة فيقول الله تعالى: { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}1.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء الآيتان 157، 158.

محمد رسول الله والذين آمنوا به واتبعوه
مضت الأيام تلو الأيام والشهور تلو الشهور والدهور تلو الدهور ليحين وقت بزوغ فجر الإسلام من جديد من واد غير ذي زرع من عند بيت الله المحرم بمكة فولد محمد عليه الصلاة والسلام بمكة وترعرع فيها فعرف عند قومه منذ صغره بالصدق والأمانة، فكانت له شخصية وكسب شعبية بأخلاقه الكريمة {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}1, فلما كلفه ربه بتبليغ رسالته وأن يصدع بالحق {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}2 فدعاهم إلى الإسلام واستنكر القوم هذه الدعوة واستغربوا هذا الأسلوب الجديد الذي لابد لهم به والرسول ينادى فيهم: "قولوا لا إله إلا إله تفلحو"4, فأدرك القوم معنى هذه.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة ن الآية 4
2 سورة الحجر الآية 94.
3 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/492 من حديث ربيعة بن عباد الدبلي وكان جاهليا واسلم 4/341 بإسناد صحيح وقد أخرجه أيضا 4/63 وذلك من حديث شيخ من بني مالك رضي الله تعالى عنه.



ص -9- الكلمة وأنها تعنى القضاء على آلهتهم وبالقضاء عليها يقضي على نفوذهم الواسع وسلطانه الجاهلي.
فلما كان لصاحب الدعوة من المكانة في أنفسهم سابقا لم يتجرؤوا في أول الأمر على قتله وقتل دعوته في مهدها. بل اتبعوا أساليب شتى قبل قرار القتل الذي سوف نتحدث عنه إن شاء الله فعرضوا عليه المال أو الجاه والرياسة ولم ينجح العرض إذ رأوا أنه ليس لديه أدنى ميل إلى هذه الأمور التي يرونها عظيمة فعمدوا إلى أسلوب خسيس يريدون به تدمير أعصاب الرسول لو استطاعوا والقضاء على الروح المعنوية العالية فأخذوا يقترحون اقتراحات ساخرة. يحدثنا القران عن شيء من ذلك فيقول:
{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ}1 ولما لم ينجح هذا النوع من الأسلوب أيضا أخذوا يفترون على من سموه من قبل أنه الصادق الأمين2 ويلقبونه بألقاب مفتريات ويشيعون ضد الدعوة إشاعات هم يعلمون عدم صحتها قبل غبرهم ولم يتركوا بابا من المكر والمكيدة إلا طرقوه وها هو القرآن يحدثنا عن مكرهم:
{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}3


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الإسراء الآية 93
2 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/425 وذلك من حديث السائب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح.
3 سورة إبراهيم الآية 46



ص -10- ولما لم تنجح جميع الوسائل التي أشرنا إليها من عرض المال والرياسة والسخرية والشائعات والافتراءات. وهي ما يسمونه بالحرب النفسية لجأ القوم إلى الحرب الحسية ينالون بها من صاحب الرسالة وأصحابه حيث تفجرت أحقادهم. فعقدت جلسة خاصة ومهمة لسادات قريش في الحجر واسترضوا الموقف ودرسوه وعددوا ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام وما قال في حقهم وفى حق آلهتهم قالوا: "ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط: سفه أحلامنا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا وشتم آباءنا وعاب ديننا"1 إلى آخر ما عددوه ومن باب الموافقة أن يمر بهم النبي عليه الصلاة والسلام وهم يتحدثون في أمره. فوثبوا عليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به من كل جانب وصاحوا به قائلين: "أما الذي تقول كذا وكذا؟ فيجيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام. بكل ثقة وثبات. نعم أنا أقول كذا وكذا وأرادوا قتله فأدركهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فانبرى للدفاع عنه فأخذ يدفع هذا ويجأ هذا في بطنه وهو يقول: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّه}2
ولما أعجزتهم جميع الحيل عقدوا مؤتمرا خطيرا في زعمهم في الأيام التي أخذ المسلمون يهاجرون فيها إلى المدينة وظنوا أن الفرصة سانحة فلا تفوت، ومن الاقتراحات المهمة التي طرحت على بساط البحث والمناقشة للتخلص من النبي ودعوته هي الآتية:


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه أحمد في مسنده 2/218 بسياق طويل عن طريق ابن إسحاق وهو يصرح بالسماع عن شيخه بن عروة وإسناده حسن.
2 سورة غافر الآية 28



ص -11- ا- أن يسجن سجنا مؤبدا ولا يفك.
2- أن يقتل على أيدي عدد من شباب قريش ينتخبون من عدة قبائل ليتفرق دمه بين القبائل.
3- أن ينفى من البلد.
ولما وضعوا خطتهم وحزبوا أمرهم كشف الله السميع القريب أسرار مؤتمرهم {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}1 هذا وكانت المحنة على ضراوتها وقسوتها لا تزيد محمدا عليه الصلاة والسلام وصحبه إلا صلابة وتصميما. تصميما في المضي مهما كانت التضحيات.
وفى الوقت الذي كانوا يؤذونه عليه الصلاة والسلام هذا الإيذاء كانوا يؤذون المؤمنين به ويعذبونهم بألوان العذاب. وقد سجل التاريخ ما فعل أمية بن خلف ببلال الحبشي في بطحاء مكة ليكفر بمحمد ويعبد اللات والعزى ولا يزيد بلال على قوله أحد أحد2 وهو تحت تلك الصخرة ولكن إيمانه كان أعظم وأثبت وكانت هذه الكلمة من بلال تعنى الهتاف بلا إله إلا الله. وقل هو الله أحد وفى مكان آخر من مكة أيضا نرى آل ياسر يعذبون ويفتنون ليكفروا بالإسلام ويعبدوا اللات والعزى ويموت الأب وهو شيخ كبير تحت التعذيب من توه كما تقول بعض روايات السيرة.
أما الأم الشجاعة فقد أغلظت القول على أبى جهل فطعنها لشدة جهله برمحه فقتلها فهي أول شهيدة في الإسلام. وكان النبي


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الأنفال الآية 30
2 أخرجه ابن إسحاق في السيرة 1/317-318 بإسناد حسن إذ قالك حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما ثم ذكر بعض الشيء ثم ذكر قصة بلال رضي الله عنه ونقل عنه الحافظ في الإصابة ص 1/165





ص -12- عليه الصلاة والسلام يمر بآل ياسر وهم يعذبون فيقول لهم: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"1
وقد شهدت أيام النبوة أبطالا خلد التاريخ بطولته وشجاعتهم وثباتهم على عقيدتهم مهما كلفهم ذلك من الثمن. ولو كان الثمن إزهاق أرواحهم الطاهرة فلنتخذ منهم خبيب بن عدي كمثال فقط لندرك أثر العقيدة في نفوسهم.
يقول علماء السيرة أن خبيبا أحد الذين بعثهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى بعض القبائل التي تسكن بين مكة والمدينة وهي قبيلة عضل وما جاورها من القبائل فبينما هو في طريقه اعتقل ثم حمل إلى مكة وباعه المجرمون لبني الحارث بن عامر بين نوفل ليقتلوه بحارث بن عامر الذي قتله خبيب يوم بدر وفي اليوم المحدد لقتله خرجوا به من الحرم إلى التنعيم ليقتلوه في الحل بعد أن يصلبوه فاستأذن منهم ليصلي ركعتين2 يناجي فيهما ربه وهو ساجد فأذنوا له فصلى ركعتين حسنتين فلما فرغ فأقبل عليهم فقال: "أما والله لولا أن تظنوا إنني جزع من الموت لاستكثرت أو لأطلت فرفع خبيب على الخشبة فقيل ارجع عن الإسلام نخلى سبيلك. فقال: لا والله ما أحب أن أرجع عن الإسلام وأن لي ما في الدنيا جميعا". وله دعوة مستجابة على الكفار في هذه المناسبة مسجلة في كتب السير وكتب الحديث ولا نطيل بذكرها.


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 63/ 1 بإسناد صحيح وذلك من حديث سالم بن أبي الجعد وأورده النووي في تهذبب الأسماء للنووي رقم الترجمة 30 ص 37 الجزء الثاني من القسم الأول.
2 أخرجه خ الجهاد "170" المغازي "10" "28" وذلك من حدبت أبي هريرة رضي الله تعالى عنه انظر الفتح 308- 309/ 7 حديث رقم 3989.



ص -13- ومما قاله خبيب وهو معلق مصلوب: "اللهم إني لا أرى إلا وجه العدو اللهم إنه ليس ها هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام فبلغه عني أنت" فبلغ جبريل سلامه إلى النبي فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه".
فأخذوا يمزقون جلده أشلاء برماحهم وهو يترنم بأبياته المشهورة التي منها:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

إلى الله أشكوا غربتي بعد كربتي وما أرسل الأحزاب عند مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع

ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي

وفي وسط هذه المحن والمشاكل المحزنة أظهر الله دينه وقويت شوكته وأعز الله أتباعه حتى قامت له دولة في طيبة فطابت لأتباعه وطاب مقامهم بها فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام يستقبل الوفود تلو الوفود وهم يدخلون في الإسلام ويسألون عن تعاليمه وفي الوقت نفسه يرسل جيشه إلى الأطراف ليدعوا إلى الله بالتي هي أحسن أولا وللمعاند السيد هكذا أظهر الله الإسلام وأعز أهله ولو كره الكافرون.
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}1 {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}2.


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة المنافقون الآية 8
2 سورة الصف الآية 9



ص -14- ثم سلم الرسول الزمام لرجال أمناء تسلموا الدعوة وساروا بها سيرتها الأولى لم يغيروا ولم يبدلوا فأخذوا يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا البلاد فأقبل الناس على الإسلام محبة وتقديرا لحملته لما رأوا فيهم الرحمة والإنصاف والعدل وعدم التناقض وهي الصفات التي جعلت الناس يدخلون في دين الله أفواجا.
هكذا مثل الإسلام أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وأتباعهم وحببته إلى الناس ثم انتهت تلك القرون التي هي بحق خير هذه الأمة "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"1. ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الدعوة وشوهوا الإسلام وأدخلوا فيه ما لشى منه فاشتدت غربة الدين من جديد فوقع الدعاة في مشاكل ومحن غير متوقعة إذ واجهت الدعوة صنوفا من الضغط والاضطهاد من أولئك الذين يتظاهرون بالإسلام بل في زعمهم أنهم أتباع صاحب الرسالة والمحبين له.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من واقع الحسام المهند


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 صحيح مضى تخريجه ص 25 وقد أخرجه خ و م وغيرهما وذلك من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

مشاكل الدعوة بين الماضي والحاضر
وقد استعرضنا عرضا سريعا مشاكل الدعوة عبر التاريخ الطويل للدعوة اعتبارا من عهد نوح عليه السلام إلى العصر الحديث محاولين الربط بين ماضي الدعوة وحاضرها لنقارن بين المشاكل والمحن المحدقة بالدعوة والدعاة فيهما وتبين لنا من هذا العرض أن المشاكل التي واجهتها الدعوة في الماضي البعيد والقريب كان مصدرها.



ص -15- أعداء الدعوة المكشوفة عداوته الذين يعادونها علنا مما جعل الدعاة يحذرونهم ويحتاطون لمكائدهم ولا يفاجئون بها إذا نهرت بل يقابلونها بكل ثقة وثبات دون اضطراب أو قلق.
أما في العصر الحديث فتواجه الدعوة الإسلامية ودعاتها مشاكل ومحنا لا قبل لهم بها من المنتسبين إلى الإسلام بل من المنتسبين إلى الدعوة نفسها أحيانا كما سيأتي بيان ذلك.

نوعية المشاكل في الماضي
أما نوعية المشاكل والمحن في الماضي قريبا كان أو بعيدا تنجلي فيما يلي:
ا- إيذاء الدعاة في أنفسهم وأتباعه وتعذيبهم لمحاولة إيقاف الدعوة.
2- وربما قدّموا لهم بعض المغريات كالأموال والمناصب والرياسة ولكن دون جدوى.
3- محاولة القضاء على الدعوة في مهدها بقتل صاحب الدعوة أو حبسه أو نفيه وإخراجه من أرضه وإبعاده في الآفاق كما مر بنا تفصيل ذلك.
هكذا كانت نوعية المشاكل في العصور الغابرة وكلها باءت بالفشل كما رأينا إذ جعل الله العاقبة للرسل وأتباعهم ونصرهم على أعدائهم {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}1.
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}2


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الأنفال الآية 10
2 سورة الصافات الآيات 171و172,173.



ص -16- نوعية المشاكل في العصر الحديث
تعيش الدعوة الإسلامية في العصر الحديث حياة لا تعرف لها مثلا في العصور الغابرة وقد تنوعت المشاكل وتعددت، مما جعل دعاة الحق يحتارون في أمر الدعوة ومشاكلها المتنوعة وكيفية التغلب عليها حتى صار هذا التفكير شغلهم الشاغل. وفى الإمكان أن نوجز أهم تلك المشاكل فيما يلي:
"أ" الجهل أي عدم تصور الإسلام تصورا صحيحا.
"ب" التناقض الذي يصيب بعض الدعاة أحيانا.
"ج" النفرة وعدم الانسجام بين المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية.
"د" وجود بعض الطوائف الضالة التي تعمل في بعض البلاد باسم الإسلام "كالقاديانية".
"هـ" المناهج العقيمة المقررة في كثير من جامعاتنا.
"و" آثار الاستعمار الباقية في كثير من البلدان الإسلامية.
تفصيل الكلام على المشاكل الست:
الجهل: حقا إن الجهل داء فعلى الداعية أن يبدأ بتكوين نفسه وعلاج دائه قبل أن ينزل الميدان للدعوة وذلك بالفهم الصحيح. بأن يوجه اهتمامه إلى أخذ العلم من مصدره الأصيل الكتاب والسنة على أنهما هما المصدران للشريعة أصولها وفروعها وبدراستهما يحصل العلم النافع والهدى والسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة. {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}1 ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام:


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الإسراء الآية 9



ص -17- "أوتيت القران ومثله معه"1 كما ينبغي له أن يدرس السيرة العطرة ولا بأس أن يطلع على ما تزخر به المكتبة الإسلامية الحديثة من كتب قيمة تستند إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة في بحوثها ومعالجتها للحوادث العلمية.
وبذلك يتكون لدى الدارس تصور صحيح لهذا الدين في أحكامه وتشريعاته وعقيدته وعبادته وأخلاقه.
وبذلك يحصل له الفقه في الدين. وهو التصور الصحيح للإسلام- كما قلنا- يتصور ويفهم فهما دقيقا معنى الألوهية ومعنى العبادة ومعنى الجاهلية، وما أصدق كلام عمر بن الخطاب إذ يقول: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية"2 هو الفقه الذي يريده النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"3.
وعدم هذا الفقه هو الذي جعل أهل الكلام يسمون فلسفتهم توحيدا وتعطيلهم تنزيها وإثبات غيرهم تشبيها وألفوا في ذلك مؤلفات تدرس اليوم في كثير من معاهدنا وجامعاتنا باسم التوحيد وليس فيها طعم التوحيد ولا روحه، بل قد أبعدوا النجعة فهم كما قال القائل:

نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبطحاء أبعد منزل

وهؤلاء في واد والتوحيد والعقيدة في واد


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 130- 131/ 4 من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح وأخرجه الآجري في الشريعة من هذا الوجه وأورده السيوطي في مفتاح الجنة.
2 مضى بيانه
3 مضى تخريجه أخرجه خ العلم (10) الخمس (7). م الإمارة (175) وأحمد في مسنده 1/306 1 من حديث ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم.



ص -18- فكم حالت تلك المؤلفات بين شبابنا وبين فهم العقيدة الإسلامية التي نطق بها الكتاب والسنة كنتيجة للتصور الخاطيء للإسلام وعقيدته ولقد أحسن من قال:

العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه

ولا جحد الصفات ونفيها حذرا من التمثيل والتشبيه

هذا وإن عدم الفقه الدقيق هو الذي حمل العبّاد أو المنتسبين إلى التنسك والتعبّد على ابتداع طقوس بعيدة عن روح الإسلام وأطلقوا عليها أسماء من عند أنفسهم على حساب الإسلام وفرقوا بها جماعة المسلمين ووزعوهم على تلك البدع وأعلنوا عن أنفسهم أنهم أهل الله وأحباؤه, ولهم صلاحية ليست للأنبياء والرسل. إذ في إمكانهم أن يأخذوا الدين وشرائعه عن الله مباشرة بغير واسطة جبريل ودون الحاجة إلى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
هكذا تدعو جهلة الصوفية إلى الردة من حيث لا تشعر أو من حيث تشعر بالنسبة لأقطابهم. ومن تلكم الطرق المبتدعة الطرق الآتية أسماؤهم:
ا- الطريقة التيجانية.
2- الطريقة القادرية.
3 الطريقة السنوسية.
4- الطريقة المرغنية.
إلى آخر تلكم الأسماء التي وزعت المسلمين طرائق قددا وسماها أولئك الذين لا فقه لهم في الدين أنها من طوائف المسلمين بل زعم

ص -19- بعض هؤلاء أن أصحاب هذه الطرق من دعاة الإسلام وأنا هم الذين انتشر الإسلام بدعوتهم في العالم، يا لها من فرية ما أفظعها ويا لها من جهل ما أقبحه.
إن هي إلا بدع سميت بغير أسمائها لو كانوا يفقهون.
ولا يستكثر على مشايخ الصوفية أن يأتوا كل بدعة وأن يقولوا كل قول بعيد عن الصواب لأنهم أوعية جهل لو صح هذا التعبير ولعلي لا أثقل عليكم لو نقلت لكم بيتا صوفيا يشتمل على الوعظ والإرشاد في دين الصوفية وهذا نصه:

فأكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على الكريم

"تيسير العزيز الحميد ص 67" وأتركه هكذا دون تعليق لتأخذوا حريتكم في التعليق: وجهلهم مركب وهو من أقبح نوعا الجهل كما لا يخفى ولكن الذي يخجل ويحمل المرء على الاستغراب أن يتبنى الدعوة إلى هذه الطرق المبتدعة ويعد أصحابها من دعاة المسلمين علماء أجلاء ولو في نظر العامة ودكاترة محترمون، كيف جهلوا بأن هذه الطرق عقبة من العقبات التي يشكو منها دعاة الحق في كل مكان وليس بينها وبين الإسلام صلة قرابة إذ تتنافى تعاليم الإسلام في أصوله وفروعه، ودعوى أنها من البدع الحسنة دعوى عارية عن الدليل ولا يوجد في الإسلام ما يسمى بالبدعة الحسنة. ورحم الله الإمام مالكا إمام دار الهجرة إذ يقول: "من ابتدع في الإسلام بدعة فرآها حسنة فقد اتهم محمدا بالخيانة وعدم التبليغ" أو كما قال الإمام رحمه الله.
حقا إنه لا يكون ديننا اليوم ما لم يكن ديننا أمس في عهد النبوة. ولعمري لقد عظمت المصيبة على الأمة الإسلامية في العصر الحديث بهاتين البدعتين بدعة الكلام وبدعة الطرف الصوفية.



ص -20- أما بدعة الكلام فقد صرفت شباب الجامعات وكثيرا من طلاب العلم في المساجد في كثير من البلدان الإسلامية عن دراسة العقيدة الإسلامية التي كان عليها سلف هذه الأمة والتي نطق بها الكتاب وشرحتها السنة فقد جهلها كثير، من شبابنا المخدوعين بذلك الكلام المذموم الذي ذمه أئمة المسلمين وحذروا منه
ومن المغالطات الغريبة أن يطلق على عقيدة طائفة من أهل الكلام أنها عقيدة أهل السنة والجماعة وهي بعيدة عن السنة وعما كانت عليه الجماعة بعدهم عنها. وهم يدخلون في عموم قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ}1
وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}2
وقد شغلت تلكم المغالطة وزخرف القول فراغ قلوبهم واستولت على عقولهم ولم يبق مكان لقبول الحق إلا من رحم ربك وأدركه بلطفه.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه:3 : "قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده. هكذا كما أنه في الأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات. فإذا كان ا القلب ممتلأ بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع"


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة الحج الآية 8.
2 سورة الحج الآيتان 3و4.
3الفوائد.



ص -21- فلنسمع ما قاله بعض أئمة الهدى في ذم الكلام وأهله:
أ- قال الإمام أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة وصاحبه: "من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس. ومن طلب غريب الحديث كذب"1
" قال الإمام الشافعي: "حكمي في أهل الكلام: أن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويضربوا بالجريد والنعال ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام وقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ماظننت مسلما يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل مانهى عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام"2.
وما أروع ما قال الإمام مالك رحمه الله. "أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام لجدل هؤلاء"
فكم كان غريبا ومثيرا أن ينتسب هؤلاء الكلاميون إلى الأئمة المذكورين في الفروع الفقهية ثم يخالفونهم في أصول الدين فيما يعتقدون نحو ربهم.
فهل يعتقد هؤلاء البلداء أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة السلف كانوا على ضلال في عقيدتهم وأصول دينهم بينما هم على حق في الفروع.
هذا ما يستنتج من موقفهم رضوا أم أبوا إنها قضية ولا أبا حسن لها كما يقولون. وأما بدعة طرق الصوفية فهي الأخرى قد حجبت كثيرا من المخدوعين لها عن فهم حقيقة العبادة في الإسلام


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 شرح الطحاوية ص 229.
2 المصدر السابق.



ص -22- حتى ظن جمهور المخدوعين أن التبتل أو التنسك معناه التصوف وبالتالي غيرت الصوفية لديهم مفهوم الذكر فقد ظن أكثرهم أن ذكر الله عبارة عن اجتماع لفيف من الناس في مكان ما وفى الغالب يكون عند ضريح من أضرحة المشايخ والسادة ويعقدوا حلقات يطلق عليها ظلما وعدوانا حلقات الذكر ثم يأخذون في التمايل يمينا ويسارا وهم يقولون: الله الله وأخيرا هو هو وإذا حمى الوطيس فلا تسمع إلا حوه حوه أوح ح. وقد يطفأ السراج إن أقيمت الحضرة ليلا ليأخذ الذاكرون حريتهم وليصل الذكر إلى حد الكمال ويصل الواصلون ياللإسلام ما أعظم مصيبة أتباعه.
وأما العبادة عند المتصوفة فهي عبارة عن إقامة الحفلات الموسمية كالاحتفال باسم المولد النبوي والاحتفال باسم الإسراء والمعراج وعيد أول السنة الهجرية وعيد النصف من شعبان وصورت الصوفية لجمهور المخدوعين أن هذه الاحتفالات والأعياد هي الإسلام بل هي من أعظم ما يتقرب به المسلمون إلى الله فطالما يحافظون عليها فهم بخير والحمد لله شرقوا أو غربوا أو ألحدوا أو وحدوا والعبارت المخدرة لا تفارق ألسنتهم "أمة محمد بخير".
ولا شك أن الباحث الفهيم المهتم بشئون الدعوة الإسلامية يرى أن أفظع فتنة فتنت بها هذه الأمة في العصر الحديث فتنة علم الكلام وفتنة التصوف وجميع المشاكل التي سوف نتحدث عنها إن شاء الله تتفرع معظمها عن هاتين البدعتين والله المستعان.
التناقض:
إذا تحدثنا عن حاجة الدعاة إلى التصور الصحيح للإسلام وأن عدم تصورهم للمفهوم الصحيح للإسلام هو عقبة من العقبات في سبيل الدعوة إذا أثبتنا حاجتهم تلك، فهم إلى التطبيق العملي والتفاعل مع



ص -23- الإسلام أحوج. بحيث تكون حياتهم ترجمة واضحة لمنطوق الإسلام وصورة كريمة تمثل الإسلام وتحببه إلى الناس فالأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى دعاة يتوسمون خطى الدعوة في أقوالهم وأفعالهم. في حياتهم الخاصة في أنفسهم وفي بيوتهم وفي حياتهم العامة ليصبحوا بذلك قدوة للمجتمع الذي يعيشون فيه، والداعية الناجح هو الذي يهذب الناس بسيرته قبل أن يهذبهم بلسانه ويدعوهم إلى الله بخلقه وحسن سلوكه قبل أن يقول شيئا بلسانه.
فكم تشكو الدعوة الإسلامية في العصر الحديث من تناقض الدعاة تشكو من دعاة يعظون ولا يتعظون، يقولون ما لا يفعلون يأمرون ولا يأتمرون، ينهون ولا ينتهون، دعاة تكذب أفعالهم أقوالهم في الغالب، نسمع خطبا منبرية قوية. وتحمسات وانفعالات، وثرثرة ولا شيء غير ذلك "نسمع جعجعة لا نرى طحنا".
وقد بلغ الأمر والحال ببعض من ينتسب إلى الدعوة والإصلاح أنه قد يترك الصلاة أو صلاة الجمعة وإذا سئل عن ذلك يكون الجواب أنه في أجازة.
ويعد هذا صنف من الدعاة إلى الإسلام فما رأي المستمع الكريم؟!!
النفرة وعدم الانسجام:
توجد في العصر الحديث جماعات تدعو إلى الله ولكنها في الغالب تتخبط على غير بصيرة فالواجب على دعاة الحق أن يكونوا على بصيرة فاهمين ما يدعون إليه ومتصورين له ومؤمنين به.
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}1


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 سورة يوسف الآية 108.



ص -24- هاتان صفتان لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام.
ا- القيام بواجب الدعوة.
2- أن يكسبوا البصيرة قبل أن يشرعوا في الدعوة.
البصيرة هي العلم الذي مصدره الوحي والفقه الدقيق الذي يستفيد منه الداعية الحكمة وحسن الأسلوب وكسب القلوب والتحبب إلى الناس دون تملق ولا نفاق. والتحابب بين المسلمين عامة وبين الدعاة خاصة أمر ضروري لحياة الدعوة بل سبب لرضى الرب تعالى ودخول دار الكرامة "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم"1
ومما تشكوه الدعوة الإسلامية هذا اليوم النفرة وعدم الانسجام وقلة التعاون بين الجماعات التي تتصدى كل واحدة منها للدعوة إلى الله. وفي الواقع أن أكثر تلكم الجماعات بحاجة ماسة إلى من يدعوهم إلى الله ويبصرهم في دينه حتى يكونوا مؤهلين أولا في أنفسهم للدعوة بالقضاء على التنافر فيما بينهم وتنافر مناهجهم وبرامجهم في العمل.
وهذه الجماعات أشبهها بالأحزاب السياسية المتنافسة لمصالحها الشخصية وأغراضها الذاتية وهي ذاتها محنة من المحن ومشكلة من المشاكل للدعوة والدعاة معا إذا هي بقيت على وضعها ولم تعد النظر في سلوكها ومنهج عملها وبرامجها وأساليب دعوتها وسياستها فخطرها على الدعوة يفوق كل خطر يهدد الدعوة من خارجها. فعلى هذه الجماعات أن تدرس تاريخ الدعاة الأولين من الصحابة والتا بعين الذين


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه م الإيمان (93) ت الأطعمة (5)، القيامة (56) جه المقدمة (90) وأحمد في مسنده 391/ 2 وذلك من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.



ص -25- نطق بهم القرآن وبه نطقوا والذين انتشر الإسلام بدعوتهم بل عليهم أن يفهموا الدين كما فهم أولئك السادة ويسيروا سيرتهم وينسجوا على منوالهم مع ملاحظة الأساليب المناسبة في العصر الحديث والملابسات والظروف وأحوال الناس.
وإن لم يسلكوا هذا المسلك فسوف لا يكتب لدعوة أي نجاح أو أي تقدم لأنه عمل لم يستوف الشروط وهو عمل غير صالح وسوف يجدي ما أوتي أصحابها من الدهاء وسحر البيان والجدل والاستغفال.
أجل قد ينطلي هذا الأسلوب على بعض الناس فترة من الزمن ويحسبه صادقين في دعوتهم لكثرة لمعان الأسلوب ولكنه لا ينطلي على الله الذي بيده النجاح والتوفيق فعلية أن يراقبوا الله وحده لأنه هو الذي له الأمر كله وبيده الخير كله لا إله إلا هو ولا رب سواه، وهو المستعان.
المناهج التعليمية:
مما منيت به الدعوة الإسلامية في هذا العصر أن كثيرا ممن يتصدون للدعوة إلى الإسلام أولئك الذين يتخرجون في الجامعات التي تدرس تلكم المناهج العقيمة البالية التي لا تنتج إلا الجهل بحقيقة الإسلام والجمود الفكري وبرودة الهمة.
فيتخرج الطالب فليس أمامه أي هدف إلا البحث عن وسيلة العيش فقط فيأخذ يطرق جميع الأبواب التي تؤمن له العيش فإذا لم يجد سبيلا إلى ما يريد أن يوظف كداعية أخذ شهادته المزركشة في طولها وعرضها على الجهة المسئولة عن الدعوة رسميا فوظف تحت عنوان.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 09-13-2010, 06:35 AM
كمال زيادي كمال زيادي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: الجمهورية السلفية الجزائرية
المشاركات: 516
شكراً: 4
تم شكره 20 مرة في 20 مشاركة
افتراضي

الضوابط الشرعية في الدعوة إلى الله
للشيخ
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
-حفظه الله تعالى-[شريط مفرّغ]


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بعث محمدا للهدى ودين الحق، ...من النار، ومنّ عليهم باتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأوردهم حوضه المورود الذي لا يرد عليه إلا من تابعه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه يرد على المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحوض أقوام قال «حتى إذا عرفتم اختلجوا دوني» يعني دفعوا بشدة «فأقول أمتي أمتي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك» قال العلماء: إن من أحد المحدثات في الدين ورغب عن سنة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه من المتوعدين بأن لا يردوا الحوض على المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه لا يرِدُه إلا أهل الاتباع أما أهل المحدثات فقد قال للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» قالوا فدل هذا على أن أهل المحدثات لا يريدون الحوض على المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أنهم من أمته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
وأسأله جل وعلا لي ولكم الفقه في الدين والبصيرة فيه والسمع سمع القلب والاستجابة بالقول واللسان والجوارح.
إن موضوع هذه المحاضرة عن الدعوة إلى الله جل جلاله، والدعوة إلى الله هي المنزلة التي شرّف الله جل وعلا بها الأنبياء والمرسلين، فإن الأنبياء والمرسلين دعاة إلى الله جل وعلا ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ?[الحج:52] قال العلماء: فالإرسال يكون واقعا على النبي وعلى الرسول، فالكل مبلغ عن الله جل وعلا ما أمر بتبليغه إما إلى قوم موافقين وإما إلى قوم مخالفين.
ولهذا أعلى الله جل وعلا منزلة من دعا إليه، فقال سبحانه ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ?[فصلت:33]، ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ? يعني لا أحد أحسن قولا من هذا الذي عدا إلى الله وعمل صالحا في نفسه وشهد الشهادة للناس بأنه من المسلمين، قال الحسن البصري رحمه الله فيما روي عنه في تفسير هذه الآية قال: هذا حبيب الله، هذا خليل الله، هذا صفوة الله من خلقه، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله في دعوته، هذا ولي الله، هذا حبيب الله.
وهذه مرتبة لا ينالها إلا أهل العلم؛ لأن أهل العلم هم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما فمن أخذه أخذ بحض وافر، فالدعوة هي ميراث النبوة؛ لأن الدعوة هي العلم لأن الدعوة هي العلم إذ لا يُتصور أن ثم دعوة هي العلم إذ لا يتصور أن ثمة دعوة بلا علم يعني لا يتصور شرعا أن ثمة دعوة يحكم عليها بالصواب والصحة إلا إذا كانت بعلم، ولهذا قال الله جل وعلا لنبيه ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ?[يوسف:108] في هذه الآية دليل على أنّ الدعوة أُمر بها نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأُمر بها أتباعه وأنها هي السبيل التي عليها المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تبعه ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ? والبصيرة للقلب كالبصر للعين، فإن العين إذا لم تبصر الأشياء لم تكن ذا بصر كانت عمياء، فكذلك القلب إذا لم يكن ذا بصيرة يعني في الدين فهو أعمى، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأظل سبيلا؛ يعني من كان في هذه الدنيا أعمى القلب فهو في الآخرة أعمى عن السبيل وأضل سبيلا.
لهذا لما كانت الدعوة بهذه المنزلة العظيمة وأنها دعوة الأنبياء والمرسلين وأنها دعوة الخلاصة من عباد الله المتقين المؤمنين، وكان شرف الدّاعي متصلا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان لزاما كل من همه أمر الدعوة أن يحرص تمام الحرص على اتباع النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في أمر دعوته؛ لأن الله جل جلاله قال لنبيه ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي? فمن اتبعه فهو يدعو إلى الله على بصيرة كما دعا إليها نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لهذا كان من اللوازم أن يكون هناك في قلب الداعي ومن المستحضرات عنده دائما أن يكون عنده الضوابط التي يرعاها والآداب وما تجب رعايته وما يجب عليه أن يعتني به في دعوته؛ لأن الدعوة كما سمعتم تعلّق بها كثيرون بين مجتهد مخطئ ومجتهد مصيب، وبين ضال لم يدرك السبيل وسار على وفق رأيه وهواه.
وهذا أمر لاشك مهم لأن كل مسلم يرغب أن يكون متبصرا في الدعوة وأن لا يسير فيها إلا وفق السنة؛ لأن الغاية هي الرغبة في الأجر والثواب، وأن يكون المرء له فضل الداعين إلى الله جل جلاله.
لهذا كان لزاما عليك أن تتطلب هذا الأمر، وهذا الذي تتطلبه وتحرص عليه هو ما الضوابط والأصول التي ينبغي للداعي إلى الله جل وعلا أن يحرص عليها، وأن يكون دائما على ذكر منها غير مفرّط في شيء من ذلك:
أول تلك الأمور وهو أمر وإن كُرّر كثيرا؛ لكنه أصل الأصول، ذلكم هو أن الدعوة لابد فيها من الإخلاص لأن الدعوة عبادة إذ أمر بها شرعا؛ فهي عبادة من العبادات، والعبادة لا تصح إلا بشرطين:
* بأن يكون العبد فيها مخلصا لله.
* وأن يكون فيها متاعا نبينا محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
?لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً?(1) وحسن العمل بأن يكون خالص صوابا.
وهذا ظاهر في ميدان الدعوة في قصة يوسف عليه السلام، فإنك إذا تأملات قصة يوسف عليه السلام في تك السورة العظيمة، وجدتَ أن موضوع الصورة الذي تدور عليه هو حال يوسف عليه السلام في رسالته وفي دعوته وطريقة مخاطبته للناس؛ للمخالفين المشركين الوضعاء كصاحبي السجن والرفعاء كالملك ومن كان معه، لقرابته لإخوانه لأصحابه لمن ظلمه، ولمن نصح له، فهي في سيبل الداعية في أهل العلم لهذا الموضوع الذي اشتملت عليه السورة، وأنها من بدايتها إلى آخرها أنها في هذا الموضع الرئيس؛ إذ غالب سور القرآن لها موضوع واحد يدور عليه موضوعات تلك السورة.
موضوع سورة يوسف الدعوة إلى الله جل وعلا، وهذا الموضوع كان متفرقا فيها مع اختلاف الأحوال ليوسف عليه السلام، في آخر السورة تلك قال الله جل وعلا ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ?[يوسف:108]، وقال جل وعلا في آخر السورة ?وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ?[يوسف:103].
وفي الآية الأولى التنبيه على أن الداعية إلى الله جل وعلا سبيله الذي يَقْفُ فيه سبيل الأنبياء إنما هو الإخلاص، فيوسف عليه السلاح كان مخلصا لله جل وعلا في دعوته؛ دعا إلى الله وتحمّل ما تحمّل في الله جل وعلا لم ينتصر لنفسه في كل ما حصل له، وإنما كان همه بداية الخلق إلى الله جل جلاله، ولهذا جاء شرط الإخلاص في تلك السورة لينبه أنّ الداعية لابد له من أن يكون مخلصا لله في الدعوة، لهذا قال إمام هذه الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في بعض مسائل كتاب التوحيد في قوله جل وعلا ?أَدْعُو إِلَى اللّهِ? تنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرين -معنى كلامه- وإن دعوا إلى الله فإنما يدعون إلى أنفسهم أو إلى طريقتهم أو إلى شيخهم. يعني بما كان شائعا في ذلك الزمان، وهذا شيء يغلب على النفس ويحتاج المرء في تحقيق التجرد فيه إلى التجرد والمحاسبة؛ لأن من الناس من يهدي الخلق ويريد بهدايته أن يكون معه وإذا كان كذلك فهذا فاته بقدره، والإخلاص أن تدعو الخلق لا إلى نفسك أو إلى طريقتك، وإنما تدعو الخلق إلى الله جل جلاله وتجعل في قلوبهم تعظيم المولى تبارك وتعالى.
وهذه هي حقيقة الإخلاص، سواء كان معك أو مع غيرك، سواء كان مقدرا لك أو غير مقدر، إنما الأجر على الله جل وعلا، ?وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ?[هود:88].
فإذن هذا الأمر مهم جدا في الدعوة وهو أن يتنبّه المرء إلى هذه القصة قصة سورة يوسف، ومعنى أن الله جل وعلا جعل في آخرها قوله العظيم ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي?[يوسف:108]، هذه السورة فيها العلم فإن يوسف عليه السلام علمه الله جل وعلا علما، وعلمه جل وعلا حكمة ودعا إلى الله جل وعلا بعد العلم، ولهذا أيضا جاء في آخر السورة التنبيه على ذلك بقوله ?أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ? والبصيرة هي العلم وأيضا تجد في هذه السورة التي ذكر الله جل وعلا فيها قصة أحد المرسلين ودعوته وتنوع خطابه للناس ذكر في آخرها آية عظيمة بل ذكر آيتين قال الله جل وعلا ?وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ?[يوسف:103]، وهذا له مناسبة، ما مناسبة مجيء هذه الآية وهي قوله ?وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ? في هذه السورة آخر سورة يوسف، قال أيضا المستنبطون: إن الداعية قد يلتفت إلى الكثرة، وإذا التفت إلى الكثرة فإنه خالف أصل الدعوة؛ لأن الدعوة إلى الله إن استجاب واحد أو مائة أو ألف أو أقل أو أكثر المقصود أن تكون الدعوة على بصيرة وعلم وعلى وفق طريقة الأنبياء والمرسلين، أما كثرة المستجيب فإنها تغشى قلب الداعية يريد أن يكثر المستجيبون له؛ لكن هذا ليس هو الأمر المهم، إنما المهم أن يكون في دعوته موافقا للصواب على السنة، قبل الناس أم لم يقبلوا؟ ولهذا الأنبياء والمرسلون كان المستجيبون لهم قليلا، قال جل وعلا ?وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ?[الأنعام:116]، وقال جل وعلا في نوح ?وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ?[هود:40] إلى آخر الآيات في ذم الكثرة ومدح القلة التي اتبعت الحق عن علم وبصيرة.
وهذه لاشك مسألة مهمة من قواعد الدعوة وهي أن الداعية يهتم بقول الحق وببيانه وإن كان المستجيب لذلك قليلا، قد يكون القول باطلا ويكون المستجيب للباطل قليلا، ليست العبرة بالقلة؛ ولكن العبرة بقول الحق وإن كان الموافق له قليلا، بعض الناس يمدح نفسه بالقلة، ويأتي بالآيات التي فيها امتداح القلة ولو كان على باطل وهذا ليس بمراد؛ بل المراد أن يكون على حق على علم على بصيرة ولو كان قليلا أتباعه أو كان قليلا أصحابه فإن القلة ليست مطعنا في الحق؛ ولكن يعرف الناس بالحق ولا يعرف الحق بالناس.
هذا الأصل عظيم جدا وهو أن العبرة في صواب الدعوة، العبرة في كون الدعوة حقا، العبرة في كون الدعوة على علم وبصيرة؛ لأنها هي التي تمكث، ?فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ?[الرعد:17]، والله جل وعلا قص لنا أن نوحا عليه السلام ?فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ?[العنكبوت:14] إلى آخر الآيات في ذلك، ولكن هذه القصة في قصة نوح تعلم أن بعد هذه المدة الطويلة أنه لم يستجب لنوح إلا العدد القليل ?وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ?.
إذن الكثرة لا تنظر إليها وإنما أنظر إلى التأسيس إلى إصلاح القلوب إلى جعل القلوب معبدة إلى ربها جل وعلا، فإن هذا أساس مهم من أساسيات الدعوة إلى الله جل جلاله، وهذا إذا صلح؛ إذا صلح تأسيس القلوب وتأسيس القاعدة للدعوة التي تبين للناس الحق وقد اقتنعت عن بصيرة وعلم، فإنها تنشر ذلك في الناس ويكون له أثره في الناس أنظر إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم كيف كانوا مع النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في مكة قليلا قليلا، ثم في المدينة كثروا، ثم بعده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان أولئك هم الذين هدوا الناس في شرق الأرض وفي غربها، فدخل الناس في دين الله أفواجا أكثر من عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ؛ وذلك لأنهم حملوا الدعوة على بصيرة وعلم، كانوا هم المتبعين للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
فإذن هذه المسألة مهمة في أن لا يغتر الداعي بكثرة المستجيب أو بقلته، وإنما يكون اهتمامه بصلاح دعوته وبكونها على بصيرة وهدى، لكونها على طريقة محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
من الضوابط المهمة في الدعوة إلى الله جل جلاله أن يعتني الداعية بالبداءة بالأهم فالمهم، الأمور لها درجات، فهناك أمور مهمة وهناك أمور أهم منها، هناك مسائل شرعية مهمة؛ ولكن ثم مسائل شرعية أهم منها فمن فقه الداعية إلى الله جل وعلا ومما يجعله يسير على السنة في الدعوة، أن يكون عنده فقه للأولوات في الدعوة للأهم فالمهم، وهذا ذكره إمام هذه الدعوة في مسائل كتاب التوحيد على حديث معاذ المعروف قال رحمه الله: فيه -يعني في حديث معاذ- البداءة بالأهم فالمهم. وهذا ظاهر من حديث معاذ فإن معاذا لما بعثه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن قال له «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله» كما هي رواية البخاري في كتاب التوحيد أو «إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك أو فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم الليلة فإن هم أطاعوك في ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» الحديث فهذا في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أرسل معاذا إلى اليمن بيّن له أنه سيأتي قوما أهل كتاب فكيف يدعو أولئك؟ جعل الدعوة معهم درجات فأولا الدعوة إلى التوحيد فإن أجابوا إلى الصلوات، فإن أجابوا إلى الزكاة، وهكذا وهذا فيه تأصيل مهم في أن الداعية لا بد له أن يرعى البداءة بالأهم فالمهم، الأمور متنوعة في مخاطبة الناس، في الذنوب التي يقع فيها الناس، في الفرائض التي تخلفوا عنها، في مراحل الدعوة فيما يتبعون فيما يتركون، وهذا كله إذا ترك في البداءة في الأهم والمهم فإنه الدعوة تكون غير ناجحة أو غير فقيهة فيما يجب عليها.
لهذا إذا نظر الداعية إلى الله جل وعلا في أحوال الناس فإنه يرعى أن ينقلهم إلى أحب ما يكون إلى الله جل وعلا، فإذا استجابوا لذلك يأتي إلى مرحلة ثانية فينقلهم إلى ما بعد ذلك إلى ما يصلحهم.
مثلا يأتي إلى من لا يصلي في المسجد أصلا، مثلا من المسلمين من لا يصلي في المسجد أصلا، يصلي في بيته فتجد أنه يشتد عليه في أمور من اللّمم مثلا، ويكون بينه وبينه شحناء وربما بغضاء في بعض الأمور التي هي من الصغائر، وهذا الأمر الذي هو من الفرائض الكبار أداء الصلاة محافظا عليها في المساجد مع جماعة المسلمين وأداء الصلاة في أوقاتها ونحو ذلك، تجد أنه لا يبحث عن السبيل إلى قناعة الناس به، نعم ذلك محرم وصغيرة من الصغائر يجب النهي عنه، وهذا فريضة من الفرائض يجب الأمر به، لكن كي السبيل إلى الدخول إلى قلب ذا الذي تخلف، وهذا الذي عصى لابد أن تنظر إلى حاله فتبدأ معه بالأهم وترجئ المهم وكل أمور الشرع مهم لكن المسائل درجات والطاعات درجات، ولهذا لابد رعاية مرات ذلك.
إذا نظرت مثلا في الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من المهم أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر؛ لكن أهم من الأمر والنهي عن المنكر أن يكون الأمر والنهي على ما توجبه الشريعة؛ يعني أن يكون متفقها بالأمر والنهي؛ لأنه قد يأمر وينهى على غير علم أو على غير معرفة بما توجه الشريعة، سواء في ذلك الأمر للأشخاص أم للجماعات أم للدول أم للأحوال أم للعلماء أم للصغار، إذا لم يعلم ما توجبه الشريعة في ذلك فإنه يفسد ولا يصلح، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: من رأى منكرا فأراد النهي عنه، ولم يعلم أنه بالنهي عنه تكون المصلحة راجحة فإنه يأثم إذا نهى؛ يعني إذا نظر إلى أمر فوجد ثَم مصلحة في الإنكار وثَم مفسدة من الإنكار وتساوت عنده، يقول شيخ الإسلام يأثم إذا أنكر؛ لأن الأصل أن تدرأ المفاسد ولا تحصّل المصالح مع بقاء المفاسد إذا استوتا، كما هي القواعد المعروفة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وضابط هذه القاعدة إذا استوت هذه بهذه.
فهذا الأمر مهم فإن من الناس من يأمر وينهى ويدعو إلى الله جل وعلا ويجعل الدعوة هي همّه وهي حركته ونشاطه وجُزي خيرا؛ ولكن أهم من النشاط في الدعوة أن يكون النشاط في الدعوة على وفق الصواب، أن يكون النشاط في الأمر والنهي على ما توجبه الشريعة، ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية أن أهل السنة والجماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ليس بالإطلاق؛ ولكن قال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة؛ لأن من الناس من يأمر بما يمليه عقله ينهى بما يمليه رأيه ولا يتابع الشرع الأهم فالمهم والشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميها وبدرء المفاسد وتقليلها.
وهذا أصل مهم في أن الدعوة لابد أن يرعى فيها الأهم فالمهم، في أحالك في تنقلاتك، في تربيتك لنفسك، في نظرك في أهل بيتك، لابد أن تسعى في الأهم فالمهم، بعض الناس يقنع ممن حوله من أهل بيته في الاستجابة له في بعض الأمور؛ لكنه لا يكون على معرفة بما هو الأولى من ذلك، فتجد أنهم يحصّلون شيئا من الطاعات ولكنهم يفرقون في أشياء أعظم أو يرتكبون مما هو أعظم منها أو يرتكبون مما هو أعظم، وهذا من الغفلة عن هذا الأصل المهم في الدعوة ألا وهو أن يبدأ في الدعوة بالأهم فالمهم، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلم، إن أجابوك فأعلمهم.
هذا فيه ترتيب بين ودعوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتدرج في إخبار الناس بالأوامر والنواهي أصل في هذا واضح كما قرره العلماء.
من الأمور المهمة في الدعوة ومن الضوابط الشرعية التي يجب أن تُرعى أن الدعوة حقيقتها الإخبار عن الله جل وعلا فيما يحب وما يسخط؛ لأنك تدعو الناس إلى ما يحب الله أو تحذر الناس مما يسخط الله، فحقيقتها أن تخبر عن الله جل وعلا، ولهذا كان لزاما في الدعوة من العلم.
فمن شروط الدعوة أن يكون الداعية عالما؛ عالما بما يدعو إليه، العلم أقسام منه علم تام ومنه علم ناقص، ومنه علم بمسألة، فالداعية يدعو إلى الله جل وعلا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لكن بشرط أن يكون فيما دعا وفيما أمر وفيما أمر وفيما نهى؛ يعني في عين المسألة التي تكلم فيها أن يكون عالما بحكم الله جل وعلا فيها، أما إذا كانت المسألة لا يعلم حكمها أو لا يعلم تفصيلات الكلام فيها؛ فإنه لا يخوض فيها، وإنما ينصح الناس نصيحة بأن يرجعوا في ذلك لأهل العلم.
ولهذا نقول إن الدعوة في حركة الداعي وحده أو في الدعوة التي يكون فيها تعاون على البر والتقوى، لابد أن يكون أصلها الأصيل العلم، وإذا فقدت العلم فإنها على غير السبيل وعلى غير الجادة، جاءت دعوات، وظهرت دعوات، وبادت دعوات، وإنما بقي من الدعوات مباركا نفع وأثنى الناس عليه وآتى ثماره كدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لَمّا كانت دعوة قائمة على العلم، فإذا كانت الدعوة قائمة على العلماء على أهل العلم فإنها منضبطة لأنهم يسيرون على السنة وعلى وفق ما جاء به الأدلة.
فإذن من مهمات الدعوة أن تكون قائمة على العلم الشرعي، في أصحابها، في أفرادها، في مجموعتها أن يكون العلم به التحرك، وأن يكون العلم به تحليل المواقف، وأن يكون العلم به الرؤية إلى الأشياء، أما إذا دخل الرأي، ودخل اعتبار المصالح بدون النظر إلى الأمر الشرعي؛ فإن هذا يكون سيئة من سيئات أولئك الذين دعوا؛ لأن الدعوة ليست بالآراء، وإنما هي بالعلم قال الله قال رسوله؛ فإن هذا هو العلم، والجهل به لاشك أنه داء قاتل، كيف إذا كان في أمر مصلحته أو مفسدته تعود إلى الجميع، ورحم الله ابن القيم إذ يقول في نونيته:
والجهلُ داء قاتلٌ وشفــاؤه أمران في التركيب متفقـانِ
نص من القرآن أو من سنـة وطبيب ذاك العالم الرباني
والعلم أقسام ثلاث ما لـها من رابع والحق ذو تبيـانِ
علم بأوصاف الإلـه وفعلـه وكذلك الأسماء للديـانِ
والأمر والنهي الذي هو دينـه وجزاؤه يوم المعاد الثانـي
والكلُّ في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث بالفرقان
والله ما قال امرِئ متحذلـق بسواهما إلا من الهذيــان
وهذا من الحق الذي هدى الله جل وعلا ابن القيم إليه.
وهكذا تكون الدعوة ناجحة إذا كانت على علم، أما إذا كانت بآراء بمصالح بأهواء ولم تكن عن علم ودليل فإنها تضر ولو بعد حين، ولو كثر أتباعها فإنها تضر لأنها ليست على سبيل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
من ضوابط الدعوة المهمة أنه تقوم الدعوة على التعاون على البر والتقوى، قال جل وعلا ?وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ?[المائدة:2]، فحقيقة المجتمعين على الدعوة أن يتعاونوا على البر والتقوى؛ يعني يعين بعضهم بعضا على تحصيل البر والتقوى، ويعين غيرهم فينمن يهدون إلى الحق يعينونهم على البر والتقوى، وهذا التعاون الرابطة التي تربط أصحابه الذين يتعاونون هي التطاوع، وهذا أصل جاء في القرآن وفي السنة، فالقرآن جاء في التعاون على البر والتقوى، وفي السنة لما بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلين من أصحابه إلى اليمن قال لهما «تطاوعا ولا تختلفا وبشرا ولا تنفرا» تطاوعا؛ لأنه بعثهما دعاة، فدل على أن الدعوة يحتاج أصحابها إلى تطاوع بعضهم يطيع بعضا يطيع بعضا في أي شيء؟ فيما دل عليه الدليل من الحق، فيما كان أقرب إلى مراد الشارع إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
فإذن من الضوابط المهمة في المسير في الدعوة إلى الله أن يكون ثَم بين الداعين إلى الله تعاون وتطاوع.
وإذا تقرر هذا فمعناه أن يُنفى أن يكون ثم بينهم طاعة؛ لأن الطاعة في الشرع إنما جاءت للإمام إمام المسلمين بالسمع والطاعة، وللعالم في أمر الدين تسمع له وتطيع، وللوالد للوالدين طاعة، ولأمير السفر طاعة، وليس ثم في الشرع نوع رابع من أنواع الطاعات.
فإذن من سلك في سبيله في الدعوة إلى أن ثم مطاعا يطاع ويصدر عن أمره طاعة شرعية لا يعصى في هذا الأمر ولا ينظر في كلامه هل وافق الشرع أم خالفه فهو على غير السبيل؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوضح لنا ذلك بهديٍ هدى به اثنين من أصحابه حيث قال لهما (تطاوعا) مع أنهما في سفر ومع أن أحدهما أمير على الآخر فقال لهما (تطاوعا ولا تختلفا وبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا) يعني في الدعوة لا تنفرا في الدعوة يسرا في الدعوة لا تعسرا، وفي الدعوة تطاوعا ولا تختلفا؛ يعني ينفي أن يكون ثم طاعة يصدر الناس عن قول هذا يصدر الدعاة عن قول هذا لا يعصون له أمرا.
لاشك أن هذا من المصايب التي دخت على المسلمين في آراء واجتهادات باطلة لا يوافق عليها أصحابها؛ بل الدعوة تحتاج إلى تعاون، إلى تطاوع؛ ولكن ليس ثم طاعة يلزم فيها المرء بفعل شيء ما، والتطاوع مبني على الدليل، مبني على العلم، ليس مبني على المراتب.
من الضوابط المهمة أيضا في الدعوة إلى الله جل جلاله أن يرعى في الدعوة أن ثمة اجتهادات، ومعلوم أنّ الاجتهاد يعذر فيه الناس، إذا اجتهد مجتهد في مسألة وآخر في مسألة، فكانت المسألة اجتهاد فإنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذه المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل، وهو أنّ من المسائل ما لا يكون فيها دليل واضح في الشرع، فتكون مسألة اجتهاد، فإذا كان مسألة اجتهاد، فإن الواجب فيها أن يُرجع إلى أهل العلم للحكم فيها، ونعني بأهل العلم الراسخين فيه، الذين ثبتت قدمهم فيه، وشهد لهم بالعلم والعمل، فإنهم هم الذين يجتهدون في المسائل الواقعة في الدعوة، ما الذي يصلح الدعوة؟ هل هذا الفعل أصلح أو ذاك الفعل أصلح؟ فإنه إذا حصل ذلك فإن بعض المهتمين بالدعوة يعذر الآخر لحصول ذلك الاجتهاد من أهل العلم وليس من الجهلة أو من أنصاف المتعلمين؛ بل من الراسخين في العلم، وهذا يختلف عن مسائل الاختلاف، فإن مسائل الخلاف يكون فيها إنكار، أما مسائل الاجتهاد فلا إنكار فيها، ومسائل الخلاف التي اختلف فيها الناس مع جود دليل، مع وجود حجة؛ لأحد القولين، فهذا من خالف الحجة، من خالف الدليل، من خالف السنة فإنه ينكر عليه، وهذا غير مسائل الاجتهاد مسائل الاجتهاد مسألة واقعة نازلة اجتهد الناس فيها في حكم أو تصرف فيها اجتهاد ليس فيها نص لا من الكتاب ولا من السنة ولا من كلام أهل السنة والجماعة.
أما مسائل الخلاف فيأتي تأتي المسألة ويكون فيها نص من القرآن أو في السنة أو في تأصيل أهل السنة والجماعة في عقائدهم ومنهجهم، فهنا من خالف طريقة أهل السنة والجماعة، من خالف طريقة أهل العلم بما استدلوا عليه من الكتاب والسنة فإنه ينكر عليه.
فثمة فرق مهم بين قاعدتين من قواعد أهل العلم:
الأولى يقولون لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذا صحيح بالتوضيح الذي أوضحت.
والثانية ينكر في مسائل الخلاف، وهذا صحيح.
بعض الناس يجعل القاعدة لا إنكار في مسائل الخلاف وهذا غلط ومسائل الخلاف كثيرة والمسائل المجمع عليها قليلة، فما ثَم مسألة إلا والخلاف قائم فيها إلا ما أُجمع عليه وهو قليل بالنسبة إلى كثرة المسائل المختلف فيها.
فلو قيل لا إنكار في كل مسألة اُختلف فيها، صار المجال واسعا ولا ينكر إلا ما خولف فيه الإجماع، وهذا باطل؛ بل ينكر على من خالف الكتاب والسنة؛ لأن من ذهب إلى قول من الأقوال، قد يكون فاتته السنة، قد يكون ما فقه الدليل، قد يكون له عذر؛ ولكن إذا اتضحت السنة وجب اتباعها ولم يُعذر أحد بمخالفتها، وإذا خالفها فإنه ينكر عليه ويبين لأنه حماية دين الله أعز من احترام الناس أو احترام الشخصيات.
هذه مسألة مهمة وقاعدة ضرورية في رعايتها، وكثير ما حصل الخلط بين هاتين القاعدتين، ولم يُعرف الفرق:
بين المسائل الاجتهادية التي يقال هذه فيها اجتهاد لا إنكار فيها، اجتهد هؤلاء، وهؤلاء اجتهدوا فلا إنكار في مسائل الاجتهاد، هذا صحيح.
وبين المسائل التي يكون الخلاف فيها قائما خلاف للسنة، خلاف لقول أئمة أهل السنة خلاف لكلام أهل العلم الراسخين فيه، وهذا ينكر على المخالف فيه، وليست المسألة مما لا إنكار فيها؛ بل يجب أن ينكر على المخالف على الأدلة، وخالف كلام أهل السنة وخالف كلام الراسخين في العلم المتحققين فيه، بخلاف مسائل الاجتهاد.
وهذا ضابط مهم أن يفرق بين المسائل الاجتهادية ومسائل الخلاف، وكثير من صغار طلبة العلم أو من المهتمّين بالدعوة يسمع هذه الكلمة، مسألة اجتهادية، هؤلاء اجتهدوا، وهؤلاء اجتهدوا، فيظن أنها على حقيقتها مسألة اجتهادية، وفي الواقع تكون ليست مسألة اجتهادية وغير صحيح أنها من مسائل الاجتهاد؛ بل تكون من مسائل الخلاف؛ لأن المخالف فيها صادم نصا صادم نصوصا صادم قول أهل السنة في مسائل كثيرة.
وهذا يظهر في الدعوات في الداخل وفي الخارج في الذين يخالفون السنة، ويأخذون ببعض الآراء، أو يسهلون السبيل للمخالفين للسنة في البدع والاحتفالات إلى آخره، ظنا منهم -في بعض صور ذلك- ظنا منهم أن ذلك: فيه مصلحة وأن هذه مسائل اجتهادية وفلان داعية وحبب البدع لكن يعذر، لأن هذه مسائل اجتهادية، لا بأس أن يدعو إلى الاحتفالات، يخطئ في مسائل التوحيد لا نكر عليه.
ومن العجب العجيب أن من الناس من قال إنه حتى مسائل التوحيد اختلف فيها الناس، فلا ينبغي أن نفرق بينهم، وننكر فيها على الكبار؛ لأن ذلك يفرق الصف، وحصل من ذلك حادثة أخبرني بها بعض الأقارب وكان يدرس في أمريكا قال أتانا داعية من السودان وكان له شأن عظيم وعملت له دعايات وإخبار واجتمع الناس فأول ما جلس على الكرسي ابتدأ الكلام بدعوات شركية -والعياذ بالله من كل ذلك القول ومما قرب إليه ومن صاحبه- قال: مدد يا سيدي مرغني مدد يا فلان. ثم استأنف الكلام، فقام واحد أمم من الناس قام واحد فقط وأنكر عليه الشرك العلني وقال: إذا كانت الدعوة تبتدئ بالشرك فأي خير في هذه الدعوة، المقصود ليس هذا ليس هذا بغريب لم يتمكن التوحيد والسنة من قلبه؛ لكن الغريب أن هذا المنكِر من هذه البلاد، لما انتهت وقام وترك، لما انتهت المحاضرة وحضرت الجموع وسمعت عوتب وقيل له كيف تنكر هذا وفرقت وهذا جاء يدعو ويبين للناس ونحن كذا وكذا، إلى آخره، فلم الإنكار في هذه المسألة؟ وقيل له إن الإنكار في مثل هذه المسائل يختلف فيها الدعاة، تختلف فيها الجماعات، فلا داعي تنكر وتفرق إلى آخره.
فأي خير يبقى؟ وأي اجتماع يبقى؟ إذا كان أصل الأصول وهو التوحيد وأصل الأصول وهي السنة واتباع السلف الصالح واتباع دعوة التوحيد إذا كانت فيها أيضا خلاف، فلا بقاء إذن لاجتماع البتّة.
فهذه مسألة مهمة راجت وربما لم يفطن كثيرون لحقيقتها، ولابد أن تدرسها وتراجع كلام أهل العلم فيها، وهي الفرق بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف.
ما هي مسائل الاجتهاد؟ وهل صحيح أن ما تسمع أن هذه المسألة اجتهاد، قال: فلان كذا، وقال: أولئك كذا اجتهد هؤلاء واجتهد هؤلاء هل صحيح أنها مسألة اجتهاد أم هي مسألة خلاف يجب فيها الإنكار؟ هذه من مسائل الدعوة المهمة ومن الضوابط التي ينبغي مراعاتها.
من الضوابط أيضا المهمة في الدعوة إلى الله جل وعلا أن يكون الداعية مصلحا لنفسه قبل أن يصلح الآخرين، فإنه هو المطالَب بأن يستقيم ثم من تاب معه ?فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ?[هود:112]، فتستقيم أولا، وبعد ذلك ترجو أن يقبل الناس منك، وإذا كان الداعية هو صاحب الخلل وهو الضعيف في موعظة نفسه وهو الضعيف بين يدي وهو الضعيف في شهواته، وهو قليل البكاء بين يدي الله جل وعلا، وهو قليل التضرع لله، وهو قليل المعرفة وتعظيم ذنبه، فكيف يرجى أن ينقل الدعوة الإصلاح إلى الناس؟ لاشك أن المرء إذا كان أعظم تأثيرا على نفسه تأثر الناس منه، وإذا كان أضعف كان الناس في التأثر به أضعف في قبول ما يقول، ولا شك أن القلب يغرف ما فيه اللسان، وإذا كان ما في القلب مشوشا، فإن اللسان يغرف شيئا مشوشا ولا يؤثر بذلك على الخلق.
ولا عجب أن بين ابن مسعود حال المطيع والعاصي حال المستقيم والفاجر في كلمات له منها قوله: إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل العظيم يخشى أن يقع عليه، وإن الكافر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفيه فقال به هكذا.
وهذا واقع لعدد من الدعاة، ولا يحس بما يلحق الدعوة من خلل وهو لا يقيم نفسه على الحق والهدى، يستسهل بالذنوب ويستسهل ويستسهل ولا يحس أن أثر الذنوب يظهر في استجابة الناس له، والقلوب أوعية، والله جل وعلا بيده قلوب الخلق، هو الذي يكرم هذا بأن يستجاب له ويخذل ذاك بأن لا يستجاب له، ولا شك أن قبول الناس للحق من إكرام الله جل وعلا.
ومن فضله فمن المهمات في الدعوة أن يرعى المرء نفسه وأن لا يخلي نفسه من كثير محاسبة وأن يكون كثير العبادة كثير الصلاة له نصيب من الليل، يُعرف بتلاوة القرآن، يجتهد في أن يكون حافظا للقرآن أن يكون تاليا له، وأن تكون حجته دائما من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن كلام أهل العلم وما يقرب إلى الله جل وعلا، فإن هذا فيه الخير والصلاح.
هذه كلمات وثَم كثير من الأمور التي يجب في الدعوة أن تراعى لكن لعل في الإجابة على الأسئلة ما يفصح عن ما راب منها.
وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والسداد والهدى والرشاد، وأن يجعل ما استمعتم في موازينكم، وأن يجعلنا وإياكم من المخلصين له المتبعين لنبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، وأن لا يكلنا لأنفسنا طرفة عين لا حول لنا ولا قوة إلا باللهـ استغفر الله وأتوب إليه من جميع الذنوب والخطايا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[الأسئلة]
س1/ فضيلة الشيخ ورحمة الله وبركاته هل الدعوة توقيفية أم اجتهادية أرجو التفصيل في ذلك؟
س/ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، هذا السؤال كثير ما يرد، وله منشأ، ومنشؤه أنّ من الدعاة من جعل في دعوته أشياء من رأيه واجتهاده واتبعوه عليها أناس، فأثيرت هذه المسألة هل الدعوة -يعني في وسائلها- توقيفية أم اجتهادية؟ وفي قول الله جل وعلا ?قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي?[يوسف:108] فيها اشتراط البصيرة بعد شرط الإخلاص، وأن من اتبعه على هذه البصيرة.
وإذا كان كذلك ففي أصل الدعوة لابد أن يكون على ما دعا إليه الدعاة ومن المصلحون من أهل السنة والجماعة من أئمتنا، هذا في التأصيل العام.
من حيث الوسائل، وسائل الدعوة تنقسم إلى:
وسائل ظهرت حرمتها وبان بالدليل أنها لا تجوز.
وإلى وسائل ظهر أنها جائزة ومباحة، مثل هذه الأجهزة المختلفة، تأليف الكتب والتسجيل إلى آخره.
والقسم الثالث وهي مشكل وهي وسائل يختلف فيها الناظر، فينظر بعضهم إلى أنها تورث خيرا، وينظر آخر إلى أنها لا تورث خيرا، فهذه الوسائل المختلف فيها يرجع فيها أهل العلم، وإذا اختلف أهل العلم في وسيلة من هذه الوسائل، أعني بأهل العلم الراسخين فإنها تكون المسألة اجتهادية، وإذا كانت كذلك فإنه لا يلام من أخذ بأحد القولين في الاجتهاد؛ لكن الذي يختار أن يترك المختلف فيه، يترك هذا الذي قال فيه بعض أهل العلم إنه لا يجوز احتياطا؛ لأن الدعوة إنما يبارك فيها إذا كانت على الاتباع.
وإذا كانت مسألة ثم من أهل العلم من يقول لا تجوز من وسائل الدعوة، فإن تركها أقرب إلى الصواب؛ لأن تركها يمحّض الدعوة للاتباع.
من الوسائل المحرمة التي ذكرت لكم في أوله، من أمثلتها ما شاع في هذا العصر مما يسمى الأناشيد الإسلامية؛ لأن هذه الأناشيد حقيقتها أنها تدعو إلى الإقبال على الآخرة وإلى الزهد بالدنيا وإلى القوة وإلى الجهاد ونحو ذلك.
فهي إذن تحبب في أمر شرعي، وهذا ظهر في عهد الأئمة الشافعي وأحمد؛ أظهره بعض الصوفية وهو ما يسمى التغبير: ينشدون فيه القصائد ويضربون على جلود قديمة، ويحببون الخير إلى الناس عن طريق تلك القصائد.
فسماه العلماء التغبير، وسئلوا عنه فقالوا محدث محدث وقال بعضهم بدعة، وقال بعضهم لا يجوز هذا ظاهر [...]، ومما يدل على هذا أنه إنما جاء من البلاد التي تكثر فيها الطرق الصوفية الذين يغشون مثل هذا السماع، ويعرفون السماع الصوفي، فظهر له تحسين حتى صار يسمى الأناشيد الإسلامية ونحو ذلك.
إذن فخلاصة الجواب أن وسائل الدعوة:
منها ما هو محرّم لظهور حرمته وأنه محدث ولا يجوز بالدليل أو بكلام أهل العلم المتقدمين.
ومنها ما هو جائز مباح.
ومنه ما هو محل اجتهاد، وهذا الذي هو محل اجتهاد الأرجح والأحوط اجتنابه، اجتناب تلك الوسيلة حتى تكون الدعوة خالصة في الاتباع والله أعلم.
س2/ هل تعدّ إقامة الحفلات من الدعوة، وهل تكون عبادة من حيث أنها دعوة، أرجو التوضيح في ذلك؟
ج/ الحفلات لا أدري ما هذه الحفلات التي يريد، أي الحفلات هذه، ما فهمت المقصود منها، لعله يقصد حفلات المدارس التي تقام فيها أنشطة المدراس، النشاط المدرسي نعم، النشاط المدرسي منقسم فيما يشتمل عليه إلى ما يجوز وإلى ما لا يجوز منه أشياء طيبة جيدة، ومنه أشياء تمارس ليست بجيدة.
فمن حيث هو نشاط هذا أمر طيب ومحمود لأنه من الدعوة إلى الله جل وعلا، وهذه الحفلات إذا كان فيها تدريب على الخطابةـ وعظ الناس أو التذكير بأصول إلقاء كلمات محاورات علمية، إفادة الناس بفوائد يجهلونها، ترسيخ معاني التوحيد والسنة والعلم النافع والصلاح والإقبال على الآخرة في أنفس الشباب، فهذا أمر محمود.
أما إذا كان عن طريق تمثيليات مثلا أو عن طريق معسكرات أو عن طريق أشياء نحو هذه لم تألفها هذه البلاد وإنما جاءت عن طرق لها أصولها في غير هذه البلاد، فهذا ينبغي تركه؛ بل يجب تركه لأن هذه البلاد متميزة، متميزة في عقيدتها ومتميزة في سلوكها، ومتميزة في دعوتها ولن أصلح أهل هذه البلاد أن تنقلهم إلى شيء مستجلب من خارجها؛ بل دعوتها فيها يحملها أهلها بين صدورهم، دعوة قامت وأسست هذا البنيان العظيم الذي ترونه، والذي هو أقرب ما على الأرض إلى الإسلام الصحيح فيما نعلم.
والحمد لله على توفيقه على ذلك، فالمحافظة عليه بأن لا نرضى بإدخال شيء غريب عليه، إذ المحافظة على رأس المال واجب، ورأس مالنا هم هؤلاء الشباب وما في قلوبهم من الفطرة الصحيحة وحب الدين والتوحيد، فلا ندخل عليهم أشياء تعكّر عليهم هذا التأصيل الذي قام في نفوسهم.
س3/ ما الأحسن: أن يدعو المسلم إلى بنفسه مباشرة؟ أم يتعلم الدعوة ممن سبقه ويفيد من تجاره في هذا المجال؟
ج/ الدعوة إلى الله جل وعلا مشترط فيها العلم كما أسلفت، وإذا كان كذلك فإذا علم مسألة يدعو إليها، فإذا علم حكم الصلاة جماعة في المسجد دعا إلى ذلك، إذا علم حكما دعا إليه، إذا علم معنى التوحيد إذا علم معنى السنة دعا إلى ذلك، كل ذلك بحسب العلم، والتجارب التي يستفيدها مما سبق إنما في طريقة مخاطبة الناس وما هو الأولى وما هو الأصلح ونحو ذلك، وإذا كان ثم من أهل العلم من يفيده بالأصلح فيما يجهله فإنّ عليه أن يستشير أهل العلم ممن سبقه في الدعوة إلى الله جل وعلا، ويسير على وفق ما قال؛ لأنها تجارب ومعها علم، هناك تجارب ليس معها العلم وهذه لا ترعى، وإنما التجارب التي معها العلم هي التي ترعى لأنها هي النافعة.
فإذن رجع السؤال إلى أنه فيما يدعو إليه إذا جهل الأسلوب فكيف يفعل؟ يسأل من جرب قبله إذا كان من الموثوقين بعلمهم وأمانتهم ودينهم.
س4/ فضيلة الشيخ بعض الشباب المتحمس للدعوة يشتم بعض طلبة العلم إذا كان عليه أخطاء، ولا يقبل منه أي حق، وإذا قيل له لا تغتابه قال أبين الحق للناس؟ وأيضا ترى كأنه يعلم ما يقصد الشيخ، ويفسر مقاصد الشيخ حسب رأيه، فهل هذا صحيح؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.
ج/ أولا ثم حق للمؤمنين بعضهم على بعض فالله جل وعلا وصف المؤمنين بقوله ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ?[التوبة:71]، ?بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ? يعني بعضهم ينصر بعضا ويحب بعضا، إذْ الولاية معناها المحبة والمودة والنصرة، فبين كل مؤمن ومؤمن ولاية يجب عليه أن يستحضرها وهي أن يحبها في الله وأن يواده في الله، أن ينصره في الله جل وعلا، ولاشك أن المؤمنين من حيث التزامهم بالدين والشرع والحق تختلف مراتبهم، فكلما كانت مرتبة هذا أقرب إلى الحق كلما كان حقه أعظم، فحق أهل العلم أعظم المؤمنين؛ لأنهم لهم الحق الذي جعله الله جل وعلا لهم في آيات كثيرة، وإذا كان لهم الحق فإن لهم حق الولاية في محبتهم ومودتهم ونصرتهم.
وأهل العلم واجب احترامهم وواجب محبتهم كما أسلفت؛ لأن ذلك من الحقوق الواجبة.
وهناك طلبة للعلم، وهناك دعاة، وهناك معلمون، وهناك خطباء وهناك أساتذة، فهؤلاء أيضا لهم حق ومن حقهم أن تحبهم وتودّهم وأن توادهم وأن تنصرهم في الحق الذي أصابوا فيه بما صوبهم فيه أهل العلم الراسخون؛ لأن طلبة العلم والخطباء والمعلمين ونحو ذلك قد يكون عندهم خطأ؛ لأن العلم عزيز وهو حاكم لا محكوم، فإذا خالف من البشر من الناس يعني من أهل الإيمان خالف ما يقتضيه الحق والعلم والدليل إما بقول أو تصرف أو رأي تبناه أو نحو ذلك، فإنه يجب أن يوادّ فيما أصاب فيه، وأن يخطا فيما أخطأ فيه.
وهذه التلازمية هذه قاعدة عند أهل السنة والجماعة، والرد على من أخطأ ليس تبرءا من حقه؛ بل هو عين حقه، ولهذا قيل للإمام أحمد ولغيره: إنكم تردّون على هؤلاء؛ يعني الذين أحدثوا بعض المقالات البدعية، قال رحمه الله: اذهب عني أو إليك عني نحن لهم أنصح من آبائهم وأمهاتهم، ألا تجد نُصحي له كيف أبيّن خطأه حتى لا يتبعه الناس في ذلك فتعظم أوزاره.
وهذه مسألة قل من يفقهها؛ لأن النفس قد تعلق بمعظم قد تتعلق بكبير، فيكون الرد عليه فيما أخطأ فيه محزنا للنفس وحرجا، وهذا في الحقيقة من ردّ عليه وبين ما أخطأ فيه أنصح له ممن تابعه في الخطأ؛ لأن هذا حجز الناس عن أن يتبعوه، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فالناس صار عندهم شيء من عدم التصور للواجب الشرعي، فالواجب الشرعي في هذه المسائل أنه إذا أحطا مخطئ فإن تبيين خطئه لا يعني سلخه من القلب؛ لا يعني أن لا يحب أن لا يود أن لا ينصر؛ بل يكون المرء في محبة له بما معه من الإيمان والصواب والإخلاص الذي ظهر منه، ويكون فيما أخطأ فيه يبين ما عليه.
وأنّ ما ذكر من مسألة أن من بين الخطأ قيل له هذه الغيبة الجواب أن لا تكون في بيان الواجب إذا كان ثم بيان واجب فلا غيبة الغيبة تكون بذكرك أخاك لما يكره.
وما ذكره في آخر السؤال هذا داء صحيح أنه فشا في ضعاف العلم وهو أنهم يفسرون كلام الناس بما يُدّعى فيه أنه مقاصد لهم، وهناك عند الأصوليين تأصيل في فهم العبارات، فهناك دلالة للكلام وضعية، وهناك دلالة للكلام حملية؛ يعني تستدل من الكلام على معناه بمجمله، ولا تأخذ كل لفظة وتحلّلها؛ لأن الكلام المجمل نقصد بالمجمل الجمل المتتابعة توضح القصد الخاص، توضح القصد للمتكلم وأما إذا أتى للحمل النفسي؛ يعني يتصور هذا الكلام على نحو ما ويأتي يحلله على وفق شهوة هذا الذي حلل كلام الناس، هذا يوقعه في باطل وهو أن يحكم على الناس بما لم يدلّ عليه صريح كلامهم والناس إنما يحكم عليهم خاصة أهل العلم وخاصة طلبة العلم ونحو ذلك بما دل عليه الصريح، لا بما دل عليه ما يظن أنه مقصد له.
والله جل وعلا أمرنا باجتناب كثير من الظن، فالأصل أن يحمل طلبة العلم على القصد الحق، فإذا كانت كلمة تحتمل معنيين، فتحمل على المعنى الخير، وإذا ظهر الخطأ منه فإنه ليس ثم معصوم في الأمة بعد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا بالإجماع وإذا كان كذلك ليس ثم معصوم، فقد يكون ثم مخطئ في مسألة في قول في رأي في قول إلى آخره، فيجاب عنه.
والفرق بين طريقة أهل العلم وطريقة من ليس من أهل العلم أن أهل العلم يبينون الحق فيما أخطأ فيه المؤمن الذي له ولاية يعني محبة وله نصرة يبينون ذلك بدليله وبوضوحه ولا يوجبون قطيعة ولا يوجبون براءة لأنهم يحذرون من أن يتبع المخطئ في خطئه، وأما من جهل فإنه يوجب أن يكون المرء إما أن يصيب تماما وإما أن لا يفعل شيئا، ولا شك أن هذا ليس بصحيح وهدي علمائنا كما علمتم أنهم يفعلون أو يتبعون طريقة آهل السنة الذين ذكرت تأصيلهم في هذه المسائل في الموالاة والمعاداة عند المؤمنين وحقيقة الرد وكيف يكون التلازم بين [...] المحبة.
هذا كله إذا كان المردود عليه من أهل السنة والجماعة أما إذا كان من أهل البدع إذا كان من المخالفين للسنة المحببين للبدع والشركيات ومخالفة طريقة السلف الصالح، وهذا لاشك أن الحديث في شأنه ليس داخلا في السؤال، وإنما عنى السائل بعض ما جرى في الواقع .... الغصب والرضا في كلمة الحق في كل حال والله المستعان.
س/ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج أحيانا إلى القوة في الأمر والنهي مما يكون وازعا للعصاة لترك منكرهم، والدعوة قد تقتضي اللين وطول النفس، فإذا عرض لشخص من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر شيئا من ذلك، فهل يقدم ما لديهم من قدرة على تغيير المنكر من سلطته، أم يدعو إلى تعالى على طول نفس حتى يقلع العاصي عن منكره باقتناع من نفسه؛ لأن كثير من أهل الخير يعاتبون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إذا قبضوا على بعض المجرمين في بعض القضايا بأنهم لا يعطونهم الفرصة وقد لا يوجهون لهم النصيحة.
فما توجيه فضيلتكم بارك الله فيكم؟
ج/ مسألة النصيحة والدعوة غير مسألة الإنكار، قال الله جل وعلا ?وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ?[آل عمران:104] فهناك نصيحة وهناك دعوة وهناك إنكار، فإذا خلط بين هذه الثلاثة تداخلت المسائل في الواقع.
أما من جهة الإنكار فضابطه قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقله وذلك أضعف الإيمان» وأهل الحسبة أو الرجل في بيته أم من له ولاية على من تحت يده هو من أهل اليد، أهل الحسبة أعطاهم السلطان أعطاهم ولي الأمر في ذلك أن يكونوا من أهل اليد، فمقامهم مقام إنكار إذا ظهر لهم منكر فإنهم ينكرونه على قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) ورأى هنا يعني رأى بعينيه، قال العلماء أما عن سمع أنه فُعِل فإنه ليس الباب إنكار، (من رأى منكم منكرا) يعني يعيينه، ألحقوا به السماع المحقق؛ يعني سمع مثلا من بيت معازف محققة، ألحقوه بالرؤية لأنها في مقام الرؤية من جهة اليقين.
أما سمع أنه حصل في المكان كذا وكذا، فلا يكون الباب باب إنكار.
المقصود أنه إذا صارت المسألة مسألة إنكار برؤية المنكر صار الواجب فيها الإنكار.
باب النصيحة أن تسمع بوقوع هذا الشيء في دار فلان أو أن يكون جار مع جاره يراه يتخلف عن الصلوات مثلا، أو يرى في بيته ما لا ينبغي أو يراه متخلفا عن صلة الرحم، أو نحو ذلك في مثل هذه المسائل، فهذه يكون الباب فيها باب نصيحة؛ لأنه في المنكر لابد أن يراه يعينه، فإذا رآه أنكره، وهو يسوغ له الإنكار في هذه الحالة، وباب النصيحة فيما سُمع أنه فعل انتشر أن فلانا فعل كذا، أو عُرف أنه الواقع في المكان الفلاني كذا فيكون الباب باب نصيحة سواء على الأمير أو على المأمور أو على العامة أو على الخاصة.
وباب النصيحة الأصل فيه أن يكون سرا؛ بل هو يكون بالسر، ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى من نصحني سرا فقد نصحني، ومن نصحني علنا فقد فضحني، قال العلماء: يشترط في النصيحة أن تكون سرا. كما ذكر ذلك ابن رجب في شرحه للأربعين قال: يشترط أن تكون سرا لأنها أبلغ.
الإنكار نعم يكون ظاهرا، وأما النصيحة فيما أسلفت بعض صوره هذا يكون سرا.
الدعوة إلى الله جل وعلا هذه عامة تخالط الناس بعامة تجتمع عند أناس تحدثهم بأشياء عامة وهذا يكون من باب الدعوة إلى الله جل وعلا.
عمل الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا راجع إلى أنه آمر ناهي عنده سلطة، إذا أتته بعض القضايا وكان منكرا ظاهرا فإن عليه أن يوقع العقوبة الشرعية لمن أظهر المنكر في بلاد المسلمين، ونصيحته لها باب إذا لم تكمل الشرائط في حقه التي تجعله فعله منكرا أو سُمع ها البيت يغشاه كذا، فيريد أن يحجز بينهم وبين هذا الفعل فيتصل بهم أو يكتب لهم رسالة أو يحذرهم، هذا باب نصيحة، أما إذا ظهر المنكر ووصل إلى رجال الحسبة، فهذا يكون منكرا يجب إنكاره.
هل رجال الحسبة يعني هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل يعدون سلطانا، فإذا بلغت الحدود السلطان فلا يشفع؟ فلعن الله الشافع والمشفِّع، هل يعدون كذلك أم يعد ذلك الإمارة أو القاضي؟ الظاهر دخول الجميع -في فتوى أهل العلم- دخول جميع أنهم من السلطان أنهم نواب عنه.
وقال بعض أهل العلم السلطان القاضي أو الإمارة، أما الهيئات فهم شهود على القضايا وشهود عدول، فإنهم يدخلون في أنهم ليسوا بسلطان وإن كانوا نوابا في ذلك؛ يعني في إقامة الأمر والنهي، وهذه مسألة اجتهادية.
المقصود أن يجتهد أهل الهيئات ويأمروا وينهوا وأن لا يتساهلوا أن المنكر إذا تسوهل به فإنه يفشو، والخشية أن تنقلب هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مراكز للدعوة ومراكز للنصيحة فقط دون إنكار، فتذهب حقيقتها التي أَناطها العلماء بها أول ما أنشئت هذه الهيئات من عقود من الزمن مضت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
س/ ذكرتم بارك الله فيكم أن إنكار المنكر يشترط له رؤية المنكر، فمثلا يحصل مسائل يأتي إمام المسجد ويتصل يبلغ الهيئة أن فلانا من الناس يتخلف عن الصلاة فعلى حسب ما ذكرتم أنه لا يجوز أن ينكَر عليه فإنما يدخل في النصيحة، فلا يجوز مثلا أن يسعى لفرع أمره إلى ولي الأمر أو للمحكمة أو لغير ذلك لأن الهيئة أو رئيس الهيئة أو عضو الهيئة لم ير بعينه منكر التخلف عن الصلاة فأرجو التوضيح؟
ج/ هذا رجع إلى مسألة الشهادة؛ يعني من جهة إمام المسجد الذي رأى توجه عليه الإنكار، إمام المسجد الذي رأى هذا المتخلف يتخلف هنا هو وجب عليه الإنكار، (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) فالواجب على إمام المسجد أن ينكر هو، إذا أراد أن يوصلها إلى الهيئات فوظيفته هو شاهد عدل فيما شهد به؛ يعني شهد بأن فلانا يتخلف عن الجماعة، فالهيئة ما توقع به عقوبة حتى تكمل الشهادة الشرعية في إقراره مثلا، أو بشهود يعني بشاهدين أو نحو ذلك.
فإذن يفرق في المسألة بين توجه إنكار على من تخلف في الصلاة فيمن رآه، ووظيفة الهيئة أنهم يشهد عندهم أن هذا يتخلف.
فهنا يسأل هل أنت تخلفت أم لا؟ فإن أقر على نفسه صار عليه التعزير يعني رفع وعزر، وإن لم يقر على نفسه احتيجت المسألة إلى شاهدين؛ لأن إمام المسجد قد يكون متغرضا لهذا المتخلف فالمسألة راجعة إلى الشرع إمام المسجد يجب عليه أن ينكر إذا رأى ذلك الرجل يتخلف عن الصلاة وهذا من مسؤولياته ومن واجباته.
أما الهيئة تأخذ كلام هذا الإمام ككلام شاهد ومبلغ عدل في هذه المسألة ثم تتحرك.
س/ قلتم حفظكم الله أنه لا طاعة إلا للأمير والعالم والوالي وليس ثم شيء رابع فما رأي فضيلتكم في طاعة الزوجة لزوجها والعبد لسيده؟
ج/ هناك طاعات أخر هذه الطاعات مقيدة، الطاعات العامة التي تكون في البلد هي ثلاثة، وفي الحضر واحدة طاعة الإمام، طاعة الوالد طاعة العالم، هذه لها فضيلتها الخاصة ولها الأمر الخاص بها أما طاعة المرأة لزوجها، فنعم أمرت المرأة بأن تطيع زوجها وطاعتها له فيما يتصل بالمنزل فيما يتصل بحقوقه هو، أما طاعة الوالد فليست متصلة بحقه هو طاعة مطلقة في غير معصية الله، وطاعة الإمام طاعة مطلقة في غير معصية الله، وطاعة العالم هي طاعة مطلقة في غير معصية الله؛ يعني فيما بلغه عن الدين.
فإذن طاعة العبد لسيده وطاعة المرأة لزوجها هذه طاعة مقيّدة فيما لها عليه من الحقوق، فافترقت المسألة، نحن ذكرنا أربع صور وقلنا ليس خامس يعني أمير السفر الوالد العالم الأمير، الأمير والعالم يشتركان أنهما من أولي الأمر والوالد له حق خاص بحيث إنه لو رغب في ولده أن يتخلف عن فرض من الفرائض فإنه يطيعه في التخلف عن واجب من الواجبات، ليس دائما؛ ولكن لعارض عرض، وإذا أمره أن يترك نفلا وجب عليه أن يطيعه، وإذا أمره أن يفعل مكروها وجب عليه أن يطيعه، فطاعته أخص، طاعته ملحقة بطاعة العالم وكذلك أمير السفر.
وأما الزوجة فإن طاعتها لزوجها مقيدة لاشك بقيود معروفة في كتب أهل العلم.
وإذا أراد السائل أن يجعل المسألة أوسع ويدخل طاعة المرأة وطاعة السيد في ذلك بحسب يعني بتوسيع معنى الطاعة، فهذا لا بأس به لكن الحصيلة أنه ليس ثم طاعة لأمير دعوة أو لقائد جماعة طاعة مطلقة، مثل طاعة من أطلقت طاعتهم في النصوص في غير معصية الله جل وعلا.
س/ هناك من يستعمل بعض الأمور في الدعوة ويكون عليها بعض الأشياء من الملاحظات يحتج قائلا الغاية تبرر الوسيلة، فنرجو منكم بيان ذلك بيانا شافيا؟
ج/ الغاية تبرر الوسيلة ليست قاعدة شرعية، الغاية تبرر الوسيلة ليست قاعدة شرعية، وإنما القاعدة الشرعية الأمور بمقاصدها، وقاعدة أخرى الوسائل لها أحكام المقاصد، لها أحكام الغايات، فليست الغاية مبرّرة للوسيلة، فإذا كانت الغاية محمودة لا تبرر كل وسيلة؛ بل لابد أن تكون الوسيلة إلى المحمود محمودة، فيشترط في كون الوسيلة مأذونا بها أن تكون مباحة، فتأخذ الوسيلة حينئذ حكم الغاية، حكم المقصد.
فمثلا المشي من البيت إلى المسجد، حضور الصلاة في المسجد واجب، المشي هو وسلة الوصول، ما حكم هذا المشي؟ نقول الوسيلة لها حكم الغاية، فيكون المشي حكمه الوجوب، ما معنى كونه واجبا؟ يعني أنه يثاب عليه ثواب الواجبات، فأحيانا تكون الوسيلة مباحة؛ لكن لكونها توصل إلى واجب صارت واجبة، والله جل وعلا جعل الوسيلة إلى الجهاد يؤجر عليها العبد، فقال سبحانه ?وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ?[التوبة:121] هم ذاهبون إلى الجهاد، فكيف يكون قطع الوادي فيه أجر ويكتب له قال العلماء: لأن الوسيلة لها حكم الغاية.
فإذن ما ذكر الوسيلة تبرر الغاية هذا باطل وليس في الشرع، وإنما في الشرع أن الوسائل لها أحكام المقاصد بشرط الوسيلة مباحة، أما إذا كانت الوسيلة محرمة كمن يشرب الخمر للتداوي، فإنه ولو كان فيه الشفاء فإنه يحرم، فليست كل وسيلة توصل إلى المقصود لها حكم المقصود؛ بل بشرط أن تكون الوسيلة مباحة.
إذا تقرر هذا، فمسألة الوسائل في الدعوة ليست على الإطلاق؛ بل لابد أن تكون الوسيلة مباحة، ليست كل وسيلة يظنها العبد ناجحة أو تكون ناجحة بالفعل يجوز فعلها.
مثال ذلك المظاهرات مثلا إذا أتى طائفة كبيرة وقالوا: إذا عملنا مظاهرة فإن هذا يسبب الضغط على الوالي وبالتالي يصلح وإصلاحه مطلوب، والوسيلة تبرر الغاية.
نقول هذا باطل لأن الوسيلة في أصلها محرمة، فهذه الوسيلة وإن أوصلت إلى المصلحة؛ لكنها في أصلها محرم كالتداوي بالمحرم ليوصل إلى الشفاء.
فثم وسائل كثيرة يمكن أن تخترعها العقول لا حصر لها وتُجعل الوسائل مبررة للغايات، وهذا ليس بجيد بل هذا باطل بل يشترط أن تكون الوسيلة مأذونا بها أصلا ثم يحكم عليها بالحكم على الغاية إن كانت الغاية مستحبة صارت الوسيلة مستحبة وإن كانت الغاية واجبة صارت الوسيلة واجبة، وهكذا.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:07 PM.


powered by vbulletin