حكم أخذ المُضَحى عنهم من أولاد ونساء من أشعارهم وأظفارهم وجلودهم
الحمد لله رب كل شيء ومليكه، والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله إلى خلقه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
أما بعد، أيها الإخوة الفضلاء ـ سدد الله أفعالكم وكثر أجوركم ـ:
فهذا جزء عن أخذ المُضَحى عنهم من أولاد ونساء من شعورهم وأظفارهم، وما للعلماء فيه من كلام، قصدت به مذاكرة إخواني طلاب العلم، وتنشيط نفوسنا على المدارسة، فأسأل الله النفع به للجميع، إنه سميع مجيب.
ثم أقول مستعيناً بالله تعالى:
وجدت لأهل العلم في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أن حكمهم كحكم المضحي عنهم فيمسكون عن الأخذ كما يمسك.
ونقل عن ابن سيرين من التابعين، وهو قول المالكية والحنابلة، ونسب إلى الشافعية.
وقوي هذا القول بأمرين:
الأول: أن هذا الإمساك مُفتى به في عهد السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ.
حيث قال الإمام مسدد ـ رحمه الله ـ في "مسنده"( كما في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية رقم:2287) وابن حزم في "المحلى"(7/369رقم:976):
حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يقول: (( كان ابن سيرين يكره إذا دخل العشر أن يأخذ الرجل من شعره، حتى يكره أن يحلق الصبيان في العشر )).
وإسناده صحيح.
الثاني: أن الشرع قد جعل لهم نوع مشاركة في الأضحية مع المضحي، وهي المشاركة في الأجر والثواب، فيشتركون معه في حكم ترك الأخذ، لأن الجميع يعتبر مضحياً في الشرع.
ودونكم ما وقفت عليه من كلام المذاهب المعروفة في تأييد هذا القول:
أولاً: كلام المالكية.
جاء في "حاشية الخرشي على مختصر خليل"(3/397):
ويدخل فيه المُدْخَلُ في الضحية حيث يندب له ما يندب لمالكها.اهـ
وجاء في كتاب "منح الجليل شرح مختصر خليل"(5/209):
( و ) ندب ( ترك حلق ) لشعر من جميع البدن وقصه أو إزالته بنورة كذلك ( و ) ترك ( قَلْمٍ ) لظفر ( لمضح ) أي: مريد تضحية حيث يثاب عليها حقيقة أو حكماً فيشمل المُدْخَلَ في الضحية بالشروط، فيندب له ما يندب لمالكها من تركهما.اهـ
وجاء في كتاب "الشرح الكبير"(2/121) للدرديري:
( و ) ندب ( ترك حلق ) لشعر من سائر بدنه ( و ) ترك ( قلم لمضح ) أي لمريدها ولو حكماً بأن كان مُشْرَكًا بالفتح.اهـ
ثانياً: كلام الشافعية.
جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية"(5/95):
وقال المالكية والشافعية: يسن لمن يريد التضحية ولمن يعلم أن غيره يضحي عنه ألا يزيل شيئاً من أظفاره بتقليم أو غيره، ولا شيئاً من بشرته.اهـ
ثالثاً: كلام الحنابلة.
جاء في كتاب "الفروع"(3/555)لأبي عبد الله بن مفلح: ويحرم على من يُضَحِّي أو يُضَحَى عنه في ظاهر كلام الأثرم وغيره أخذ شيء من شعره وظفره وبشرته في العشر، وقال القاضي وغيره: يكره، وأطلق أحمد النهي.اهـ
وجاء في كتاب "الروض المربع شرح زاد المستنقع في اختصار المقنع"(ص235) لمنصور البهوتي:
( ويحرم على من يُضَحِي ) أو يُضَحَى عنه ( أن يأخذ في العشر ) الأول من ذي الحجة ( من شعره ) أو ظفره ( أو بشرته شيئاً ).اهـ
وجاء في كتاب"المبدع في شرح المقنع"(3/299) لأبي إسحاق بن مفلح:
ومن أراد أن يضحي أو يضحى عنه ودخل العشر فلا يأخذ من شعره وبشرته وظفره شيئاً.اهـ
وجاء في كتاب "دليل الطالب لنيل المآرب"(ص99) لمرعي بن يوسف الكرمي:
إذا دخل العشر حرم على من يضحي أو يضحى عنه أخذ شيء من شعره أو ظفره إلى الذبح.اهـ
وبنحوه في "الإقناع"(1/408) للحجاوي و"منار السبيل"(1/263) لابن ضويان.
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير حين سئل:
"إذا كان والدي يضحي عنا هل فقط هو يمسك عن أظفاره وشعره أم أنه يجب على الجميع من يضحى عنه أن يمسك كذلك؟":
المسألة خلافية عند أهل العلم، والأحوط الإمساك، لأن من ضُحي عنه فقد ضَحى.اهـ
القول الثاني: أنه لا يكره لهم الأخذ.
وهو قول الشافعية.
حيث جاء في "حاشية الجمل على المنهج"(10/384):
قوله: "وكره لمريدها" إلخ: قضيته أن من لم يردها لا يكره له إزالة ذلك، وإن كان من أهل بيت يضحي أحدهم عن البقية، وهو كذلك كما اقتضاه كلامهم، واعتمده الإسنوي، وكذا الأذرعي حيث قال: وغير المضحي من العيال لا أحسب أحداً يكره له إزالة ذلك لأنه ليس بمضح حقيقة، وإن أشركه المضحي في الثواب، وله تردد في صبي ضحى عنه وليه من مال نفسه وفي أجنبي أذن لغيره أن يضحي عنه، والأوجه أنه لا يكره للأول لعدم إرادته، بخلاف الثاني فإن المضحي وكيله، كذا في "الإيعاب" أقول: لا بعد في الكراهة في الأول، لأن إرادة وليه كإرادته، ونظراً للمعنى.اهـ شوبري. انتهى.
قلت:
وقد جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية"(5/95):
وقال المالكية والشافعية: يسن لمن يريد التضحية ولمن يعلم أن غيره يضحي عنه ألا يزيل شيئاً من أظفاره بتقليم أو غيره، ولا شيئاً من بشرته.اهـ
تنبيه:
لم أجد التصريح بالسنية هكذا عن الشافعية فيما وقفت عليه من كتبهم ، ولا فيما أحالوا عليه من المراجع، فالله أعلم.
واختار هؤلاء الأئمة: ابن باز والألباني والعثيمين ـ رحمهم الله وأعلى درجاتهم ـ:
أن الأخذ خاص بمالك الأضحية وحده.
وقوي هذا القول:
بظاهر حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ عند مسلم (1977) حيث جاء فيه:
(( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً )).
ووجه الاستدلال منه:
أن النهي عن المس وجه إلى مريد الأضحية وحده.
وكتبه: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.