( 2 )
إذاً الرجل رافضي ، وسيأتي عنصرٌ خاصٌ في بيان رافضية هذا الرجل ، وإثباته من كلامه عليه من الله ، عليه من الله ما يستحق .
أتجه بعد هذا إخواني في ذكر مقدماتٍ .
المقدمة الأولى : منزلة الصحابة وعدالتهم وبدعية القذف فيهم .
قد دل القرآن والسنة وإجماع أهل العلم على عدالة صحابة رســــول الله " صلى الله عليه وسلم " .
يكفي أن الله سبحانه وتعالى قال فيهم : " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا " سورة الفتح ، الآية 18 .
هذا في من ؟ ، في أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وسلم " الذين بايعوه تحت الشجرة ، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي " صلى الله عليه وسلم " قال : " لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة " ، وكان عددهم ما يزيد على أربعمئة وألف ، فأؤلئك كلهم قد رضي الله عنهم ، وأنزل عليهم السكينة ، وهم صحابة رسول الله " صلى الله عليه وسلم "
وقال الله سبحانه وتعالى : " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ " سورة الفتح ، الآية 29 .
هذا في صحابة محمد بن عبدالله " صلى الله عليه وسلم " ، هذا ثناء ممن ؟ من الله عليهم ، فيكفي أن الله سبحانه عدلهم وأثنى عليهم ، ووالله لو لم يكن إلا هذا في صحابة رســـــول الله " صلى الله عليه وسلم " لكفى .
فكيف والسنة بعد ذلك بينت فضلهم ، ورفيع درجتهم كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود وعمران أن النبي " صلى الله عليه وســــلم " قال : " خير الناس قرني " ، وفي رواية " خير أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " .
وقال نبيكم " صلى الله عليه وسلم " كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال " صلى الله عليه وسلم " : " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده ، لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " .
فيا سبحان الله لو أننا أنفقنا مثل جبل أحد الضخم ، الضخم ذهباً ، ثم أنفق الصحابي نصف مد ، فإنه يكون أكثر أجراً منا ، لماذا ؟ لأنهم صحابة رسول الله " صلى الله عليه وسلم " .
وهذا يدل على أمرٍ مهمٍ ، ألا وهو أن التفاضل ليس في الأعمال وإنما بوقع الأعمال على القلوب ، وبصلاح القلوب ، لذا قال التابعي الجليل لم يسبق أبوبكر " رضي الله عنه " الناس بكثير صيام ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه وصدقته الجوارح .
هذا هو أبوبكر " رضي الله عنه وأرضاه " .
إذاً التفاضل يا إخواني هو بما يقع في القلوب ، هو بصلاح القلوب ، هو بحال القلوب ، وقد طهر الله قلوب صحابة رسول الله " صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم " .
ثم قد بين عبدالله بن مسعود ، كما خرج الدارمي بإسناد صحيح قال : إن الله اطلع على قلوب العباد ، فرأى خيرها قلب محمدٍ " صلى الله عليه وسلم " فاصطفاه لرسالته ، ثم اطلع على قلوب العباد فرأى خيرها قلوب صحابة محمدٍ " صلى الله عليه وســــــــلم " فاصطفاهم الله لصحبة محمدٍ " صلى الله عليه وسلم " .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فهذا الأثر يدل على أن الصحابة أفضل هذه الأمة فرداً وجنساً لأن الله اطلع على قلوبهم فرأى قلوبهم خير القلوب بعد قلب نبينا محمد بن عبدالله " صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم " .
لذا أجمع أهل السنة خلافاً لأهل البدعة من الرافضة والشيعة ، أجمع أهل السنة على أن الصحابة عدول ، كما حكى الإجماع الخطيب البغدادي في كتابه " الكفاية " ، وابن الصلاح في " علوم الحديث " ، والنووي في شرحه على مسلم ، وفي كتابه " التقريب " ، والسخاوي في " فتح المغيث " ، والسيوطي في " تدريب الراوي " ، وابن كثير في " مختصر علوم الحديث " ، وتوارد جمعٌ كبيرٌ من أئمة السنة على حكاية الإجماع على عدالة صحابة محمد بن عبدالله " صلى الله عليه وسلم " .
إذاً إخواني دل القرآن ، والسنة الصحيحة ، وأقوال سلف هذه الأمة ، وإجماع أهل العلم على عدالة صحابة محمد " صلى الله عليه وسلم " .
فهل يصح لإحدٍ بعد ذلك أن ينازع في عدالتهم ، وأن ينازع في صدقهم ، وأن ينازع أنهم أفضل خلق الله على الإطلاق ، لأنهم صحابة محمدٍ " صلى الله عليه وسلم " ، لأنهم لقوه مؤمنين به ، فكل من لقي محمدٍ " صلى الله عليه وسلم " مؤمن به فقد فاز بهذه الفضيلة ولو كان قليلاً .
فإن الصحبة كما قال الإمام أحمد ، وعلي بن مديني وغيرهما تثبت ولو قليلاً بأن يلقى النبي " صلى الله عليه وسلم " مؤمناً كما ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة قال : " صلى الله عليه وسلم " : وددت أني لقيت إخواني ، قالوا أو لسنا إخوانك يا رسول الله ، قال : أنتم أصحابي وإخواني أناس يأتون بعدي يؤمنون بي .
فإذاً الجامع بين إخوانه وأصحابه أنهم جميعاً مؤمنون به ، والفرق بينهم أن أصحابه لقوه ، أما إخوانه فإنهم لم يلقوه ، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من إخوانه " صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم " .
فكل من لقي النبي " صلى الله عليه وسلم " مؤمناً فله الفضائل التي تقدمت ، لكن الصحابة متفاوتون في فضيلتهم ، فليسوا على درجةٍ ، فليسوا على درجةٍ واحدة ، فأفضلهم بالإجماع أبوبكر الصديق ثم عمر ثم عثمان " رضي الله عنه وأرضاه " ثم علي .
وقد حصل نزاع فيما يتعلق بتفضيل عثمان على علي ، وأكثر أهل السنة على تفضيل عثمان على علي ، ويكفي في ذلك ما ثبت في البخاري عن ابن عمر " رضي الله عنه " قال : كنا نخير بين أصحاب النبي " صلى الله عليه وسلم " فنقول : أفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ، هذا يقوله ابن عمر وهو يحكيه عن صحابة رسول الله " صلى الله عليه وسلم " .
ومما يدل فضيلة عثمان على علي " رضي الله عنه وأرضاه " أن أكثر الصحابة ، أو أن الصحابة أجمعوا على تقديمه في الخلافة على علي " رضي الله عنه وأرضاه " .
إذاً يا إخواني صحابة رسول الله " صلى الله عليه وسلم " عدول بتعديل الله الخالق لهم ، وبتعديل رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى ، وبما نقله سلف هذه الأمة ، وبما أجمع عليه علماء أهل السنة .
فمن نازع في ذلك بشبهةٍ أو بغير شبهة فليس من أهل السنة ، بل هو من الشيعة والرافضة الضلال وإن سمى نفسه سنياً ، وتحجج بأنه سني ، فإن العبرة كما تقدم هو بواقع الحال ، لا بإحتجاج الرجل وحديثه عن نفسه ، ولا بسابق حاله .
|